[وجهة نظر: فيرونيكا لومينا]
كانت رائحة الحبر القديم والورق الرقي تملأ "قاعة الحقيقة" في الجناح الشرقي للقمة. هنا، لم تكن الحروب تُخاض بالسيوف، بل بجرات الريشة.
جلست الليدي فيرونيكا لومينا خلف مكتبها المنحوت من خشب الأبنوس، تمسح قطرة من الحبر القرمزي سقطت بالخطأ على المخطوطة التي كانت تعيد كتابتها. كانت ترتدي فستاناً أبيض ناصعاً، يع** شعار سلالتها: المرآة التي تع** ما يريده السادة الدائمون فقط. فيرونيكا لم تكن مجرد نبيلة؛ كانت مهندسة الذاكرة. وظيفتها هي التأكد من أن سكان البرج ينسون ما يجب نسيانه، ويتذكرون فقط ما يضمن بقاء الملوك المطلقين على عروشهم.
لكن الاهتزازات المستمرة التي كانت تسري في أرضية القاعة هذا المساء، جعلت يدها ترتجف.
انفتح الباب الثقيل ببطء، ودخل اللورد مورتيس من سلالة "أوسيريس". كان رجلاً نحيلاً، شاحباً كالجثث التي يحرسها في غرف الخلود السفلية، وتفوح من عباءته الرمادية رائحة المواد الكيميائية الحافظة.
"كاسيوس ميريديان فقد عقله،" قال مورتيس بصوته الأجش، وهو يقترب من مكتب فيرونيكا. "لقد أمر لوسيندا وهيلينا بغلي شلالات الرمال لقتل ابنه. إنهم يستنزفون طاقة العمال في الطبقة الوسطى بمعدل مرعب. إذا مات العمال، من سيغذي أنابيب الخلود الخاصة بنا؟"
لم ترفع فيرونيكا عينيها عن الورق. "كاسيوس لا يخشى خسارة العمال يا مورتيس. ولا يخشى ابنه سايروس أو تلك المهندسة الصغيرة ليرا. هو يخشى الفتى الذي معهم."
عقد مورتيس حاجبيه. "النساج؟ مجرد جرذ جائع من الرديم. كورفوس سيقطعه إلى أجزاء."
وضعت فيرونيكا ريشتها ببطء، ونظرت إلى مورتيس بعينين باردتين، يختلج في أعماقهما وميض من رعب مدفون. "أنت تتعامل مع الجثث الباردة يا مورتيس، فظننت أن التاريخ جثة أيضاً لا تتحرك."
وقفت فيرونيكا، ومشت نحو خزانة حديدية مغلقة بأقفال معقدة لا يملك مفاتيحها سواها. "الرديم ليس مجرد مكب نفايات... إنه قفص. وهل نسيت من **ر هذا القفص في القرن الرابع؟"
فتحت الخزانة ببطء، وسحبت لفافة جلدية سوداء، لم تُعرض في أي مكتبة عامة في البرج، وألقتها بقوة على مكتبها الأبنوسي.
"لقد أقنعنا الرعاع أن سلالة 'فالور' أُبيدت بالكامل، وأن من بقي منهم مجرد حثالة 'ممزقين' في الرديم،" قالت فيرونيكا، ونبرتها تكتسب حدة خطيرة. "اقرأ هذا. هذا ما أخفيناه لثلاثمائة عام لننام بهدوء. في ليلة الغدر، فالور انقسموا إلى شطرين. قسم سقط في الرديم... وقسم هرب خارج البرج."
ابتلع مورتيس ريقه بصعوبة، ونظر إلى اللفافة كأنها أفعى سامة. "الخارج ميت. الرمال السوداء تقتل كل شيء."
"هذا ما أكتبه أنا في كتب التاريخ للمغفلين!" رفعت فيرونيكا صوتها، وض*بت اللفافة بإصبعها. "لكن الحقيقة أنهم نجوا. ساروا لعشرة أيام كاملة في جحيم الرمال الميتة، وبنوا معقلاً في الأراضي القاحلة. وهناك، في الظلام، استغرقوا ثلاثة قرون كاملة يبنون قوتهم بعيداً عن أعيننا، يغضبون، ويتكاثرون، ويخططون لشيء واحد فقط: تمزيق عروش القمة. ثم عادوا... بقيادة القاهر."
أغمض مورتيس عينيه، وتقلصت ملامحه الشاحبة، وكأن الكلمة أعادت له ألماً قديماً لم تمحه قرون الخلود. "القاهر..." همس بالاسم كأنه لعنة.
"نعم، فالور القاهر،" استأنفت فيرونيكا، ونبرتها ترتجف رغم محاولتها التماسك. "رجل وسيم كشياطين الحكايات، ب*عر أ**د فاحم ينسدل كليل بلا نجوم. لم يكن نساجاً يائساً، كان أمير حرب. لقد تخلوا عن شعارهم الأبيض السخيف 'إبرة تخيط قلباً'. القاهر صبغ دروع جيشه باللون الأ**د البركاني، ورفع راية جديدة أرعبت أجدادنا: صقر أ**د ضخم يقبض على قلب ينزف بمخالبه."
استندت فيرونيكا على المكتب، واقتربت من مورتيس حتى لامست أنفاسها وجهه الشاحب. "لقد زحفوا من العدم. دروع سوداء كوابيس الرمال. كادوا أن يخترقوا أبواب البرج ويقطعوا رؤوسنا جميعاً لولا أن الفانغارد ضحوا بنصف جيشهم لسحقهم. كلفنا الأمر أنهاراً من الدماء لندفعهم إلى الظلام ونمسح ذكرى 'الصقر الأ**د' من عقول الشعب."
"لقد ماتوا يا فيرونيكا،" قال مورتيس بصوت خشن، يحاول طمأنة نفسه، وهو يتراجع خطوة للوراء. "مرت سبعة قرون على تلك الحرب. جيش القاهر أصبح عظاماً تحت الرمال السوداء."
"هل أنت متأكد؟" التمعت عينا فيرونيكا بخوف حقيقي. "إذا كان هذا الفتى، آرين، يمتلك الإبرة الفضية... فماذا لو لم يكن مجرد صدفة؟ ماذا لو كان الصقر الأ**د لا يزال حياً في الظلام الخارجي، ينتظر إشارة من الداخل؟ إذا صعد هذا النساج إلى القمة، وإذا رآه سكان الرديم يقف ضدنا... فسيتمردون. وإذا تمردوا، فإن دروع فالور السوداء قد تخرج من الرمال الميتة مرة أخرى لإنهاء ما بدأه القاهر."
نظرت فيرونيكا إلى الشرفة الزجاجية، حيث كانت السماء الصناعية للقمة تومض ببرق اصطناعي.
"كاسيوس محق في استنزاف العمال يا مورتيس،" همست ببرود قاتل. "ليحترق الرديم، ولتغلي الشلالات. يجب أن يموت هذا النساج قبل أن يتذكر العالم كيف يبدو شكل الصقر الأسود."