[وجهة نظر: هيلينا أثيريوس]
في قلب الجناح الغربي للقمة المركزية، كانت قاعة "العين المفتوحة" تنبض بحياة اصطناعية باردة. لم تكن القاعة مضاءة بالنار أو الكهرباء، بل بشبكة معقدة من الخيوط السحرية البنفسجية التي تتدلى من السقف المقبب، مرتبطة بكرة بلورية ضخمة في المنتصف تُظهر خريطة حية للبرج اللانهائي.
وقفت الليدي هيلينا أثيريوس تراقب النبضات الحرارية الحمراء التي بدأت تتصاعد من الطبقة الوسطى، طبقة "الغبار". إلى جانبها، كان اللورد كاسيوس ميريديان يقف ويداه معقودتان خلف ظهره، يراقب الخريطة بعينين لا ترمشان.
"لوسيندا ترفع حرارة الأفران إلى الحد الأقصى لغلي الشلال الذهبي،" قالت هيلينا، وصوتها يتردد ببرود في القاعة الفارغة. "درجات الحرارة في مصانع طبقة الغبار تجاوزت الحد المسموح. العمال هناك يتساقطون كذباب يختنق بالدخان. إذا واصلنا هذا الاستنزاف، قد نخسر القوة العاملة بأكملها."
لم يحول كاسيوس نظره عن البلورة. "القوة العاملة قابلة للتعويض يا هيلينا. هؤلاء ليسوا بشراً، إنهم أدوات. تروس لحمية في آلة البرج."
مشت هيلينا ببطء حول البلورة، ومررت أصابعها الطويلة ذات الأظافر المطلية بالأ**د على سطحها البارد. "الأدوات قد ت**ر يد صانعها إذا ضُغطت بشدة، كاسيوس. نحن نلعب بالنار. أنت تعرف جيداً من يعيش في تلك المصانع والأقبية. نحن لم نبدهم في ليلة الغدر، بل استعبدناهم. 'فين**' يعملون في الأفران التي تأكل جلودهم، و'أراغون' تحولوا إلى دواب بشرية يحملون دعامات البرج حتى انحنت ظهورهم وتش*هت عظامهم. لقد سلبنا 'كاسبيان' كتبهم وجعلناهم متسولين في الرديم، وفقأنا أعين 'زينيث' وتركناهم في أنابيب التهوية كالعميان، وتركنا 'ثالوس' يزرعون الرماد الميت حتى جنوا."
التفت كاسيوس نحوها أخيراً، وكانت ملامحه خالية من أي شفقة. "نحن فعلنا ذلك بوعي كامل يا هيلينا. نحن لم نقتلهم لأننا نحتاج لدمائهم وجهدهم لإبقاء هذا البرج واقفاً، لكننا **رنا أرواحهم. 'فين**' لن يشتعلوا من جديد لأننا سلبناهم الأمل، و'أراغون' لن يرفعوا مطرقة ضدنا لأن ظهورهم م**ورة."
"هذا ما قاله أجدادنا عن 'فالور' قبل القرن الرابع،" ردت هيلينا بحدة، وعيناها تلمعان تحت ضوء السحر البنفسجي. "ظنوا أنهم مجرد ممزقين جياع. حتى خرج جيش 'الصقر الأ**د' من الرمال الميتة وكاد يقتلع عروش السادة الدائمين. الحذر ليس جبناً يا كاسيوس؛ إنه ما يبقينا ملوكاً مطلقين. إذا رأى عمال فين** وأراغون سفينة تخترق الشلال الذهبي وتتحدى الفانغارد، قد يتذكرون أن لديهم أنياباً."
ابتسم كاسيوس ابتسامة صغيرة ومرعبة. "لن يروها. سفن الفانغارد ستسحقهم في قلب الشلال قبل أن يصلوا إلى طبقة الغبار. أريني إياهم يا هيلينا. أريد أن أرى ابني يحترق."
أومأت هيلينا، ورفعت يديها. التفت الخيوط البنفسجية حول مع**يها، وغاصت طرقت أصابعها في سطح الكرة البلورية. انقشع ضباب الخريطة، وظهرت صورة مش*هة تتراقص وسط أمواج من الرمال الذهبية المضيئة التي تتدفق صعوداً بجنون.
كانت الهاوية المعكوسة.
اتسعت عينا هيلينا وهي تنظر إلى المشهد المستحيل. في قلب الشلال الذهبي، حيث الجاذبية ممزقة والزمن يتدفق كتيار نهر هائج، كانت سفينة خردة ب*عة تشق طريقها للأعلى. لم تكن سفينة عسكرية، بل كانت غلاية نفايات ضخمة عُدلت لتصبح مدرعة. من مداخنها، كان ينبعث لهب برتقالي نقي، طاقة استنزفتها الأميرة ليرا من دماء سلالتها لتشغيل المحرك.
رأت هيلينا الأمير سايروس يقف في مؤخرة السفينة، ممسكاً بعجلة قيادة صُعنت من تروس ملحومة، يوجه السفينة بصعوبة بالغة عبر الدوامات الزمنية التي تقرأها عيناه من خرائط ميريديان المسروقة. كانت ملابسه الحريرية ممزقة، لكنه كان يقف بثبات طاغية.
لكن ما حبس أنفاس هيلينا لم يكن سايروس ولا ليرا التي كانت تنزف من أنفها وهي تضخ طاقتها في الآلات. بل كان الشاب الذي يقف في مقدمة السفينة المفتوحة، يتحدى الرياح الذهبية التي تمزق اللحم.
كان آرين فالور يقف هناك، يده اليمنى ممدودة للأمام، وتقبض على "الإبرة الفضية".
كان الشلال يغلي حقاً كما أمرت لوسيندا. فقاعات زمنية ضخمة كانت تنفجر أمام السفينة، قادرة على تحويل الحديد إلى صدأ في ثانية واحدة. لكن كلما اقتربت فقاعة مميتة، كان آرين يطعن الهواء بإبرته، ويسحب خيطاً غير مرئي، فيرتق التمزق الزمني قبل أن يبتلع السفينة. كان ينسج طريقاً آمناً وسط الجحيم.
"مستحيل..." همست هيلينا، وشعرت بقطرة عرق باردة تنزلق على رقبتها. "نساج غير مدرب... لا يمكنه التحكم بالوقت بهذا النقاء..."
"انظري خلفهم،" قال كاسيوس بصوت أجش، وقد فقدت ابتسامته بريقها.
في قاع المشهد، ظهرت ثلاث سفن اعتراضية تابعة للفانغارد، سوداء وحادة كحراب منطلقة، يقودها الجنرال كورفوس شخصياً. كانت سفن الفانغارد أسرع، م**مة لاختراق العواصف، وبدأت تقترب من سفينة الخردة. أُطلقت حربة كهرومغناطيسية من سفينة كورفوس، وانغرزت بعنف في الهيكل المعدني لسفينة ليرا، مما جعل السفينة ترتجف بشدة وتفقد سرعتها.
رأت هيلينا عبر البلورة كيف استدار آرين. لم يلتفت ليقطع الحبل المعدني للحربة، بل نظر مباشرة نحو سفينة الفانغارد المتقدمة. رفع إبرته الفضية، وبحركة مليئة بحقد قرون من العذاب في الرديم، غرس الإبرة في تيار الرمال الذهبية المتدفق حول الحبل الكهرومغناطيسي، ومزق خيطاً زمنياً بالعرض.
في اللحظة التالية، ارتطمت سفينة الفانغارد المتقدمة بـ "فراغ زمني". انسلخ الطلاء الأ**د عنها في لمح البصر، وتحول الفولاذ الصلب إلى صدأ برتقالي هش، وانهارت السفينة بأكملها وكأن مائة عام مرت عليها في ثانية واحدة، متحولة إلى غبار معدني ابتلعه الشلال الذهبي المتدفق للأعلى.
تراجعت هيلينا خطوة للوراء، وانقطع الاتصال السحري، لتعود البلورة إلى خريطة صامتة. نظرت إلى كاسيوس، الذي كان وجهه شاحباً كالموت.
لم يكن الخطر يكمن في عودة "الصقر الأ**د" المنسي في الخارج. الخطر كان يرتفع إليهم الآن، يحمل إبرة فضية، ويشق طريقه نحو القمة.