الفصل الثالث

1612 Words
الفصل الثالث. "وتسألني الغرام!" استيقظت بعد الساعة الواحدة ظهرًا بتكاسل، كأن جفنيها يقبع ثقل عليهما، بد الدوار يعصف برأسها عندما اعتدلت عن الفراش، ذكريات الأمس عادت إليها تباعًا.. كل ما حدث وما عايشته من ألم، خوف.. مقت لأمين وجاد والحفل ولنفسها والعالم، أصبحت عدوانية تكره الجميع وأولهم نفسها السلبية المتخاذلة. _ كأن مصائب الحياة لم تجد صديقًا غيري! نظرت بجوارها وقد تذكرت أنها تركته واقفًا بالحجرة وغطت بنومها، وجدت الفراش مشعثًا، أي أنه نام بجانبها، ولم تحس به. نهضت عن الفراش وما كادت أن تخطي باب الغرفة حتى سمعت أزيز هاتفها، فكانت "رؤى" ابتسمت وقد ردت الحياة إليها في هذه اللحظة، ردت بلهفة وشوق: _ رؤى، اشتقت لكِ، جدًا.. كيف حالك يا فتاة؟ _ مهلك ميسون، أنا أيضًا اشتاق لكِ، أنا بخير، أخبريني أنتِ كيف تعيشين بدوني بذلك الصرح الكبير؟ ألا تضعين به؟ ضحكت ميسون ولأول مرة بعد زواجها المزعوم وقالت: _ صدقيني عزيزتي، لا أعرف إلا مكان غرفتي. ربما سبتها رؤى الآن؟ فعلت.. رؤى حلوة الروح، خفيفة الظل، لا تأبه لشيء أبدًا، إلا.. إلاه. _ أراكِ تأخذين راحتك بعد زواجي، فلا أحد يشارككِ بأيمن. ضحكت رؤى بخجل، فميسون على معرفة بإعجاب رؤى بأيمن، وقد عرفت بذلك مؤخرًا. زمت رؤى شفتيها وقالت بحنق، ودت لو اقتلعت عنق أيمن: _ ميسون لا تجعلينني أجن باللّٰه عليكِ، هو ثقيل، لا نفع به، كباص خرب، لا يأخذ باله مني مطلقًا، لو كنت ذبابة لكان اهتم يا فتاة. حالتها ميؤس منها، صديقتها جنت بالحب، وقد كفرت هي بكل هذه المشاعر، لا حب بهذا العالم الموحش، العالم مليء بالوحوش تنهش بلا رحمة. ارتعدت عندما وصلها صوت جاد الجهوري وهو يقول: _ أصباح هذا أم مساء؟ تدرك سخريته من نومها الكثير، ولكنها بدلًا من الإجابة هتفت بنزق، خوف من تكرار ليلة أمس: _ لا حفلات اليوم فضلًا، فأنا مللت. _ وأنا أيضًا مللت، اليوم راحة لي. هتفت سريعًا وهو تعود بأدراجها للفراش، وبهروب من العالم أجمع قالت: _ إذًا سأنام. قوس شفتيه باستياء وتحرك لمكتبه بالقصر، ينجز بعض الأعمال. مساء أرسل إليها الخادمة تدعوها للعشاء ولكنها رفضت، ولم يهتم هو بذلك.. ولم يهتم برفضها؟ تفعل ما يحلو لها. وكذلك مرت عدة أيام تسجن نفسها بغرفتها، فهذا أفيد لها. ___________________________________ التف ذراعيه حول جسدها يقربها من أحضانه، فابتسمت له وهي تسند رأسها لص*ره، وقالت بهدوء: _ يزيد، أريد شراء طقم من الألماس أعجبني، قد رأيته في مجلة. لثم جبهتها بحنان وهتف وهو يشدها له أكثر في شوق جائع وقال بترحيب، فهو لا يرفض لها طلبًا: _ كما تأمرين سهر، غدًا بإذن اللّٰه نذهب ونبتاعه. تغضن وجهها بضيق والتفتت له، تواجهه بضيقها: _ ولم غدًا؟ اليوم وحالًا. _ بل اليوم لدي اجتماع بالشركة، مهمًا جدًا. وبنبرة مغرية وهمس ملتاع شبت على أطراف أصابعها وقربت من عنقه: _ وهل الاجتماع أهم مني حبيبي؟ ازدرد ريقه وابعد كفيها عنه حتى لا يضعف، فالعمل مهمًا حقًا، ولكنها تتدلل عليه: _ لا شيء أهم منكِ، ولكن الاجتماع مع رجال أعمال ولابد منه. زمت شفتيها بضيق وابتعدت عنه بغضب تكور قبضتيها الصغيرة حتى لا تنفعل وتحطم كل ما تطاله يداها. كاد محايلتها وارضائها لولا رنين هاتفه وكان من رجل أعمال هام، فتراجع وخرج من الغرفة بل المنزل بأكمله حتى يلحق موعده، أما هي فبقت على غضبها حتى عاد وحاول استرضاءها وشرح رفضه لأمرها اليوم. ___________________________________ استقبلها بحفاوة وجلس بها يتحدثان سويًا، رغم شخصيته الهادئة، سكونه وقلة حديثها، معها هي يتحدث بإستفاضة، لم تكن ثرثرة، وبنسبة لأي شخص آخر حديثه قليل. _ ماذا حصل بالحفل السابق؟ أخبروني بأنه كان صاعقة، حدث ها؟ ضحك بخفة وفرد ص*ره وهو يقول بفخر وكبر: _ حدث ما توقعته تمامًا، أخبرتك بأنها لعبة شطرنج، وأحركها كيفما أشاء. تعجبت من ثقته، كلما تضع منتهى لثقته وعنجهيته يفوقها بجدارة. _ أراك متسلطًا يابن العم. اومأ بمكر وهو يتناول كوب قهوته ليرتشف منه بتلذذ، كل ما يفعله، يفعله بتلذذ ومراقبة للنتائج التي حتمًا ترضيه. بفضول اقتربت منه بوجهها وألحت بالقول رغم ادراكها الكامل بأنه لن يرضي فضولها، فهو مغرور غامض كما تنعته: _ ما هي خطتك القادمة؟ أخبرتها الخادمة ضرورة نزولها، فجيانا بالأسفل تنتظرها مع جاد، بتكاسل نهضت عن فراشها، حتى إنها لم تكلف نفسها عناء النظر للمرآة للتأكد من هيئتها. سمعت حديثهما وهي تهبط للأسفل لهما. _ لم تنزل ميسون بعد، أردت الحديث معها والتسامر. هتفت بها جيانا بإحباط فرد عليها جاد بلا مبالاة، ولكنه ع** اهتمامًا خاصًا: _ اتركيها فتاة كئيبة.. أشفق على زوجها السابق، فهي لا فائدة منها، فقط كتلة بكاء ونكد. تشدق بها في سخرية فوقفت هي على إثر جملته. لم نحرت قلبها وأردته قتيلًا؟ جملته موجعة، مخيفة، ع**ت نقصًا بها، تخفيه حتى عن نفسها، وهو كشفها لشخصها. لم يرحمها ل**نه وهو ينسل لحمها. ركضت لغرفتها قبل أن يحسا بوجودها، وارتمت على فراشها، تبكي وتنتحب وقد عاد الذكرى المضنية تقرع عقلها. لم تكن يومًا كئيبة، كانت فتاة مزهرة، تشع حيوية وعطرًا ينبض بالفرحة، البسمة كأنها منحوتة على وجهها، ولكن أين هي الآن؟ اشتاقت لتلك الفتاة السابقة. لا، لم تشتاق له، أبدًا، فقط اشتاقت لتلك التي كانت معه، نسختها القديمة قبل أن تدرك كذبته وخداعه، نعيمه المزيف. الآن تلعنه، ليتها لم تلتق به، أو ما حدث كل هذا. ___________________________________ حاولت رؤى التقرب من أيمن، فهي أحبته، منذ أول يوم لها بالعمل، رغم أنه لا يتعامل معها اطلاقًا، فقط يلقي السلام وهذا لا يحدث إلا إذا كانت ميسون معها. ستحاول ولن تخسر شيئًا. قد تخسر قلبها جراء لعبة الحب! _ أستاذ أيمن.. من فضلك أريد مساعدتك في هذا الملف، فهو مليء بالأخطاء، وأنا أرهقت حقًا.. تحججت وذهبت له، تدعو أن لا يحرجها، وقد كان فارتسمت بسمة بسيطة على شفتيه وسمح لها بالجلوس أمامه في غرفة مكتبه. أوضح لها بعض النقاط، وشرح ما تعذر عليها صوغه. تمتن لهذه اللحظات النادرة، ولكنه الآن انتهت حجتها، وتريد المكوث معه أكثر، فاخترعت أي حديث بلا تفكير: _ حادثت ميسون منذ يومين، واوصتني بإيصالك سلامها ولكل من بالشركة. حمقاء.. تدري هذا. تريد فتح حديث معه فتذكره بحبيبته! أي عقل تمتلك؟ لابد أنها تمتلك حذاء بدلًا منه. بنبرة عادية، لا تبرز شغفًا أو شوقًا قال: _ سلمها اللّٰه، كيف حالها؟ ردت بحماس لفتوره تجاه ذكرتها، وكادت لو تقفز بساحة الشركة. _ بأحسن حال، فهي متزوجة بجاد المشرقي، أي لا رجل مثله ويضاهيه. غ*ية، كم مرة تسب نفسها على حماقتها؟ لا تملك حق التفكير فيما يقذف به ل**نها. حاولت التشويش على ما قالته، خاصة مع نظرته المشدوهة وتحرجها، فهتفت: _ ما رأيك لو تناولنا الغذاء معًا اليوم؟ منذ أن رحلت ميسون لا اهنئ بطعام قط. وافقها الفكرة، فقط ارضاءً لمحاولاتها والتي تبدو فاشلة بجدارة. بعد الدوام وتناول الطعام معًا أوصلها لبيتها، كانت بينهما بعض الأحاديث اللطيفة، ثرثرت عن نفسها الكثير وهو تقبل حديثها برحابة قلب، تبدو لطيفة، تلقائية مرحة، من يراها يشعر تجاهها بالاحتواء، فهي تبدو طفلة تتطلب الدلال والحنان. دخلت منزلها تدندن باندماج، تتمايل في سعادة، حتى التقت بسامر ابن عمتها يجلس مع أمها بصالون منزلهم. _ ماذا تفعل هنا سامر؟ استدار لها باسمًا، ابتسامة ما قبل الحرب الموقن، كأنه يغيظها. _ أنا بخير والحمد للّٰه.. أولًا، اطمئني عن حالي، ابتسمي بوجههي، وليس بماذا تفعل هنا سامر؟ حاول تقليد صوتها في آخر كلماته، فخرجت ق**حة، ساخرة، فتذمرت وصاحت به في عصبية: _ أنا اتحدث هكذا؟ أم هذا صوتك الطبيعي؟ ارادت اغاظته فسبقها هو وقال لزوجة خاله: _ أليس هذا صوتها عمتي؟ يأست أمها من مناقرتهما التي لا تنتهي، ظنت عندما يكبرا يكفا عن الشجار، ولكنه تفاقم. نهضت قائلة بضيق: _ اقتلا بعضكما، لا تدخلوني بالأمر. ها هي انسحبت أمها للمطبخ، فحانت بنظرها لباب الشرفة المفتوح فعادت له بنظراتها الضيقة رافعة حاجبيها متشدقة: _ يبدو أن ابن العمة اشتاق لحبيبه، فأتى. اومأ وهو يقول فاردًا كفه على وجهه: _ حمقاء.. أتدرين أنك أكبر حمقاء هنا رؤى؟ جلست بجانبه وركنت خدها لكفها ووافقته ما قال: _ أعلم، حمقاء كبيرة جدًا، كالفيل أعتقد. لم يضحك على دعابتها ولا هي، بقيا صامتين لبرهة، وقطعت هي ال**ت عندما قفزت فارجفته: _ ندى خرجت الشرفة، تعال معي، اصطنع أنا الأحاديث وتهنأ أنت بمرأها. جرته خلفها ولكنها توقفت عند باب الشرفة والتفتت برأسها له هاتفة: _ لا تنس أن تكون لي ممتنًا ها؟ أخفى ضحكته على عفويتها، وبراءة قلبها التي تشبه الأطفال. صرف هذا عن فكره وخرج للشرفة، حتى ينال شرف رؤية حبيبته عن قرب، التي طالما يشتاق لها وينازعه قلبه لأجلها، فلا يجد نفسه إلا وقدمه تسوقه لهنا. ___________________________________ لازالت تحتجز غرفتها، لا تخرج منها إلا لتناول الطعام فقط وتعود سريعًا كأنها تركض من شبح يطاردها. أمسكت هاتفها بملل، لا يجدي نفعًا الهاتف، تنتقل بين التطبيقات عبثًا، فتحت حسابها على الفيس بوك، عملته بعد ما حدث لها، كبداية جديدة ولم تفتحه. وجدت إحدى الصديقات لها على البرنامج، لا تعرفها شخصيًا، ادخلتها في محادثة جماعية للنساء. وجدتهن يتحدثن بود، كل من بها مشكلة تعرضها ويقترحن الحلول، عرفتهن باسمها، وجارتهن في بعض الأحاديث، اعجبها الأمر. أناس لا تعرفهم، تتحدث معهم بكل صراحة، بلا خوف، يقترحون الحلول، يساعدون بلا مقابل، بل يهونون المصائب، يبدو الأمر مريحًا. كل يوم تدخل لهذه المحادثة، مستمعة، تجاري الحديث، وتقترح معهن الحلول، أحبوها وأحبتهن. نفسها ذاتها المواقع، كانت نكبتها واليوم مساعدتها. _ أشعر بالملل، أكاد أن أصيب بالاكتئاب. كتبتها وما هي لحظات حتى ردت عليها واحدة تسألها في إيجاد حل لمشكلتها، كأنها مشكلتها هي: _ وأين زوجك؟ لم تخبرهن بزوجها، أو مكانتها، فضلت عدم البوح بالكثير. _ دائمًا في عمله، لا يعود إلا ساعات قليلة وهذا إن عاد بالأساس. حزن لأجلها، فتوالت الاقتراحات والأسئلة، وكيفية إعادة زوجها لها وجعله لا يرى سواها ويرمي عمله خلف ظهره. سخرت من هذه الاقتراحات، فهي حقًا لا تريده، بل أنها ملت تلك الفتاة الكئيبة التي تلبستها. _ العمل.. العمل هو الحل. جاءت بهذا الاقتراح إحداهن لتوافقها أخرى وهو تقول: _ اقتراح جيد، فالعمل سينسيكِ الملل والاكتئاب، وخاصة عندما تعودين مساء لا ترين إلا السرير للنوم. اقتراحها جيد، بل جدًا، هو الحل الأمثل. كانت تنسى العالم برمته أثناء عملها، وستعود. عليها فقط أن تخبر جاد، رغم تأكدها من رفضه. ولم سيرفض؟ لا يهتم بأي شيء يخصها، فتظنه لن يهتم إن عملت أم تفحمت بالجحيم. بعد غياب أسبوعين تقريبًا، عادت تطل عليه بوجهها، كاد أن ينسى بأنه متزوجًا بالأساس. _ مرحبًا بك سيدة ميسون، كدنا ننسى أنك تعيشين معنا. وقفت أمام كرسيه بوجوم، تردد بداخلها ما تقوله، عليها أن تهدأ وتتحدث بلباقة.. ولكنها عندما نطقت تبخر الهدوء وكل ما تدربت عليه: _ أريد أن أعمل.. #مُنى_عيد_محمد. #وتسألني_الغرام! يتبع..
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD