كم كان الظلام دامسا في هذه الأيام التي مرت على البلاد، كانت السماء عابسة وشمسها حزينة رغم شروقها، والنهار أصبح يضفي ظلاً مظلما بدلاً من ضوءه المشرق، يعيبون علينا وصف الأجواء حينها على أنها جامدة لا مشاعر فيها، وأننا سمحنا للبرودة أن تتخللها، أؤكد لكم أنكم مخطئين، لأنني في الحقيقة لا أصف أجوائنا كشعب ثائر، بل أصف تفكير الشعوب والطامعين فينا في ذلك الحين.
في واحدة من هذه الليالي المظلمة، وأمطار شتاء عام ألفان وإحدى عشر تعانق زجاج نوافذ قلعة بران المظلمة، والتي رغم وجودها فوق أعلى قمة بوادي أرجيز برومانيا، إلا أن أجوائها المخيفة تضفي على جمال بنائها وروعة موقعها، لتظن أن ظلال الأشجار العالية التي تحيطها تتحول ليلاً لأشباح تفترس روحك دون رحمة قبل أن تقضي على جسدك، والبحر الشاسع الذي تطل عليه ما هو إلا مصيدة هدفها إحتجازك حتى إذا مانجحت في الهروب من أشباح القلعة، لذا فالجميع وإن تظاهروا بالع** يخشى وجوده بقلعة بران أو قلعة.....دراكولا.
في هذه الليلة.. ليلة الحادي والثلاثين من يناير، دخل دراكولا بعد أن إنتهى من وجبته الطازجة وإمتص دماء فتاة نضرة للمرة الثالثة على التوالي، حولها تماماً إلى مصاصة دماء، ولم يتبقى منها سوى كوب دماء دافئة أبقاها معه ليتناولها بغرفته الواسعة، والتي تتسم بالفخامة بكل مافيها، جدران سوداء عالية وسقف أ**د مرتفع تتخلله زخارف باللون الذهبي، ستائر ذات لون أحمر مخملي يع** لون الحوائط التي تضيئها شموع شمعدانات مصنوعة من الذهب الخالص، موضوعة بأركانها أو معلقة على جدرانها، تضفي جو من الدفىء الزائف، وبالمنتصف يوجد ذاك التابوت المخصص للكونت الذي طالما اشتهر به سيد مصاص الدماء، ذاك التابوت الأنيق المصنوع من خشب الأبنوس الأ**د اللامع والمبطن بأفخر وأجود أنواع الحرير بالعالم .
هناك استلقى دراكيولا بتابوته بهدوء يتناول كأسه المملوء بالدماء الدافئة ونظره مركز أمامه، وهو يتابع بإهتمام أحداث الثورة المصرية عبر شاشته الذكية "الـ LED الـ60 بوصة".....
في البداية لم يُصدِّق دراكيولا ما يراه بل لم يعره أي إهتمام، فطوال عمره الذي تجاوز الخمسمائة عام، رأى وعاصر ثورات وحروب مختلفة متنوعة بكل بلدان العالم، حتى أصبح الأمر عادياً ولا يثير إهتمامه إلى أن رأى مايحدث عبر شاشته.
كان الإهتمام واضحاً على وجه فلاد تيبس (دراكيولا) ورويداً رويداً علت الإبتسامة وجهه، بل وإزدادت أكثر كلما تابع بعيون متسعة، مايحدث من أحداث متلاحقة فمنذ يوم 25 يناير والتزايد سريع ومستمر لمناظر العنف والدماء التي تسيل في كل لحظة خاصة بعد يوم 28 يناير. وعلى الرغم من أنها بدأت كثورة سلمية لكن مع إزدياد الغضب أكثر وأكثر وأعداد القتلى والضحايا أكثر جعل الأمر يبدو أنه لن يهدأ أبداً وأن الدماء ستكون بوفرة...
-"سيدي دراكيولا هل تسمح لي؟"،
سأل داكو صديق دراكيولا المقرب بل ويعتبر ذراعه اليمنى على باب الغرفة يستأذن سيده للدخول، فرد دراكيولا في هدوء وبصوت ماكر يملأه الشر وعيناه على التلفاز وإبتسامته لاتزال تملأ وجهه:
-"إدخل ياداكو"،
فدخل داكو إليه بخطوات قلقة لكن ثابتة، كان داكو شاب طويل وسيم أشقر الشعر وأزرق العيون وجهه دائري ولا تبدو عليه معالم مصاص الدماء.
ما أن رأى داكو وجه دراكيولا حتى إقترب منه وهو ينظر له بدهشة حين رأى هذه الإبتسامة على وجهه فسأله بحذر:
- "يبدو أن هناك مايسعد سيدي".
فرفع دراكيولا حاجبه وهو يبتسم إبتسامة خبيثة بزواية فمه وألقى نظرة عليه ثم عاد ونظر للتلفاز وقال بنفس الصوت الماكر الذي يشبه فحيح الثعبان وخبث الثعلب وهو يشير لما يشاهده:
- "بالطبع يا داكو ...أنظر إلى مايحدث هنا".
فنظر داكو إلى ما يشاهده دراكيولا ثم قال:
- "آه، أحداث الثورة في مصر الأخبار تملأ الدنيا ولكن هذا ليس جديد فثورات الربيع العربي قد إنتشرت أخبارها منذ فترة بتونس أولاً والآن مصر ولاحقاً بالأردن وليبيا ويبدو أنها ستبدأ في سوريا أيضاً".
فهز دراكيولا رأسه وتن*د ثم أجاب بصوت هادىء ولاتزال عيونه معلقة بشاشة التلفاز
-"نعم أعلم هذا"،
ثم نهض من تابوته وإتجه نحوها ولايزال كأسه بيده ثم أشار إليها وقال وهو ينظر للمشاهد أمامه بإعجاب:
- "ولكن ليس بين هذه الشعوب من يشبه هذا الشعب، أترى كثرتهم أترى كم يبلغ عددهم ، قد سمعت أنهم يفوقون التسعين مليون!، أتتخيل!"،
ثم أكمل وهو يضحك ولا تزال ملامح إعجابه بما يرى تأسره ونظرة شهوة المتباري للحصول على كأسه تملأ عيونه:
- "وفوق هذا أعداد القتلى والضحايا يتزايد والمتهم الوحيد هو شرطتهم"
**ت داكو لدقيقة وقد ضاقت عيونه وهو يحاول أن يفهم مايرمي إليه سيده وبالفعل فهم أن هناك فكرة تدور برأس صديقه فنظر له قليلاً ثم قال:
- "فلاد أرى أنك تفكر في شىء؟"،
فإلتفت له فلاد وهو يبتسم ونظر له، ثم علت ضحكته قليلاً وأجاب بمكر وقد عاد لينظر إلى الأحداث عبر الشاشة، ويفرك بيده ذقنه المدبب وكأنه يخطط لشيء
- "بالطبع هناك فكرة ياداكو" ثم لمعت عيونه وهو يبتسم بخبث وأكمل "بالطبع وفكرة عظيمة"......
إبتلع داكو ريقه بقلق وخوف، فهو يعلم أفكار سيده المجنونة، وبالرغم من أنه دائماً ماكان يحقق مايريده منها، لكن دائماً كان هناك صوت خافت يحذره من أنها ذات يوم ستكون سبب نهايته، لكنه بالنهاية سأله:
-"ألن تخبرني؟".
فضحك دراكيولا ضحكة عالية، ثم نظر له وأجاب وكأنه على يقين من علم صديقه بأفكاره:
- "وهل لم تعرفها بعد ياصديقي! أنت أكثر شخص يفهمني هنا".
نظر له داكو بقلق وتن*د ثم إقترب منه وسأله:
- "في ماذا تفكر يافلاد؟ أرجوك أخبرني أني على خطأ".
فنظر له دراكيولا لدقيقة وهو يفرك ذقنه بيده ويستعد لتخييب ظن داكو فيه ثم قال:
- "ماذا تظن ياداكو؟!"
ثم أشار إلى التلفاز بيده الممسكة بالكأس وقال وهو يحاول تبرير فكرته وتأكيد نجاحها:
- "أنظر إليهم...أنظر كم هم مرتبكين ويتخبطون هنا وهناك...أنظر كم الغضب الذي يملأهم والحماسة التي تدفعهم، كل هذا دون رقيب أو أحد يشاهد وماهم فيه يعمي أعينهم عن كل شىء، وأي شىء يحدث سينسبونه لشرطتهم ورئيسهم السابق" . ثم نظر لداكو وإقترب منه أكثر وقال بمكر وبإبتسامته الخبيثة وكأنه يشرح بيده ويفتح مسرحا من الخيال أمام داكو:
- "وتخيل بعدها مايمكننا فعله إن كنا وسطهم؟! كم سيكون الأمر غاية في السهولة؟ وكأن وليمة قد أعدت لأجلنا".
نظر إليه داكو لبرهة ثم أخذ نفسا عميقا وزفره وقال:
- "ولكن ياسيدي هذا حال كافة البلاد التي تقوم فيها الثورات".
فهز دراكيولا رأسه بالنفي وقد قطب جبينه وصاح:
- "لا هذا مختلف ياداكو وسترى أني على حق...".
ثم سار مبتعداً عنه وأكمل وهو ينظر نحو شاشة التلفاز وظهره لداكو وكأنه يتحدث عن خبرة ومعرفة كبيرة بتاريخ الشعوب:
- "هذا الشعب ثورته لأجل الطعام والعيش وليست لأجل الفساد أو الإصلاحات سياسية، هذه الثورة تجد الضعيف فيها بل والمريض الذي بالكاد يقف على قدميه يصيح ويدافع وكأن القوة قد دبت فيه....حقاً شعب غريب يتحمل الكثير ولفترة طويلة لكن ما إن يثور حتى يطيح بأعتى القوى" ثم أشار للتلفاز وصاح:
- "أنظر إلى حماسهم وحاول أن تتخيل طعم دمائهم".
ثم إلتفت له وقال وهو يضحك وقد مد ذراعيه أمامه وهو يقول ويشير لهم -"تخيلي فقط لطعم دمائهم وإحساسي بها يشعرني بالدفء والحماس بل والحياة تجري في عروقي"، وضحك ضحكة عالية ثم هدأ قليلاً وعاد وقال وهو ينظر للتلفاز وقد إقترب أكثر منه :
-"هذه الدماء الحارة ستكون لي ولكم معي ياداكو...هذه وليمة ثمينة لشعب عرفه التاريخ بأنه شعب عريق الحضارة شديد الجلد، عنيد وقوي، تحمل الكثير لكنه لم يلين أبداً ولم يحني رأسه أمام أحد، ومهما كانت قوة من يعاديه كان بالنهاية هو الغالب....فدعنا نتذوق دماءه ونرى كيف سنكون بعدها...." .
-"يبدو أنك قد إتخذت قرارك؟"،
قال داكو وقد أيقن أن دراكيولا قد عقد العزم على تحقيق خطته ولا سبيل ليثنيه عنها فأجابه:
- "بالطبع" ف*نهد داكو وهز كتفيه بإستسلام ثم سأله
- "ومتى ستغادر؟"، فرد فلاد وهو يتابع الأخبار على التلفاز بإهتمام والجدية بادية عليه
- "سأرى موعد أقرب طائرة متوفرة للسفر إلى مصر". ثم رفع كأسه وشرب ماتبقى منه كله مرة واحدة، فقطب داكو جبينه وهو يهز رأسه يمين ويسار وافكار قلقه تجتاح رأسه لكن إجابة دراكيولا أدهشته وجعلته يسأله بتعجب:
- "ولماذا ستحتاج للطائرة؟!" فنظر له دراكيولا وقال
- "ولماذا أطير هذه المسافة؟"، ثم وقف وإلتفت له وقال:
- "أنا أريد الدخول إلى مصر بشكل رسمي بصفتي الكونت فلاد تيبس سليل الأسرة المالكة برومانيا، وفي ظل مايحدث لن يدقق المسؤلين كثيراً، بل على الع** السياحة في مصر الآن تكاد تكون قد إنتهت، ومجىء ضيف مثلي سيكون محل ترحيب بالتأكيد، بل وسيوفرون لي كافة سبل الراحة، وبهذه الطريقة سيسهل الأمر كثيراً في الحصول على فرائسي دون أدنى شك فيا". ثم إبتسم بسعادة وقال وهو يربت على كتف داكو برفق ويحاول أن يطمئن قلبه القلق:
-"سيكون الأمر رائعاً ياصديقي، لاتخشى شىء...إنتظر فقط حتى أصل إلى هناك وفي أيام سأحول الكثير منهم ثم أرسل إليك بل إلى الجميع لأحكم قبضتي على البلاد وهنا....." ثم كشر عن أنيابه وجلجلت ضحكته الشريرة بأرجاء المكان ...
************
(على المسافرين على الطائرة رقم 65758 المتجهة إلى مطار القاهرة الدولي بمصر التوجه إلى البوابة رقم 5) نادت المضيفة بمطار هنري كواندا الدولي في بوخارست برومانيا معلنة عن الرحلة....
-"سيدي دراكيولا"، قال داكو بقلق وهو ينادي دراكيولا بصوت منخفض ليلفت إنتباهه وينظر له فأجابه وقد اتسعت عيونه بغضب لكن بهمس:
- "نعم داكو إنتبه أين تناديني" ، فقال داكو وقد نفذ صبره :
-"عفواً فلاد لكن هناك أمر كنت متردداً في أن أذكرك به، لكن أظن أنه عليّ ذلك".
فعقد دراكيولا حاجباه وقد أثار كلام داكوغضبه أكثر لكن فضوله وقلقه جعله يسأله:
-"ماذا ياداكو؟ ماذا الآن؟".
فنظر له داكو قليلاً بقلق و**ت، فصاح به دراكيولا غاضباً وقد بدأ صبره ينفذ خاصة عندما سمعوا التنبيه الثاني عن الرحلة:
- "داكو، هيا الطائرة، لا يوجد لدي وقت"، فإنتبه داكو وأجاب بسرعة وقد لملم شتات نفسه واستجمع شجاعته وقال:
- "حسناً ،لاتنسى سيدي أنك لازلت إنسان"، قطب دراكيولا جبينه وقال بضيق وتعجب: "إنسان؟! ماذا تقصد؟"، فأجاب داكو بكلمات متتابعة وكأنها رصاص من رشاش آلي:
- "أقصد أنه لايزال لد*ك روح بشرية، وأن ما أنت عليه كان نتيجة المرض الذي أصابك على أثر عضة هذا الفأر اللعين، وأنك الوحيد بين جميع مصاصي الدماء الذي يملك واحدة لأنك الأول"، فضحك دراكيولا ضحكة تهكمية وقال بدهشة وهو ينظر لصديقه:
"روح بشرية؟!"
ثم أكمل بنفس الدهشة وهو لا يصدق سماع هذه الكلمات من صديقه
"داكو، هل أنت واع ومدرك لما تقوله" ، فرد داكو بإصرار وحزم:
- "نعم سيدي وهذا ما مكنك من التصدي لهذا الداء لأكثر من قرنين، ولولا إحتياجي للقوة وإضطرارك لأن تعطيني بعض من قوتك عن طريق مص بعض من دمائي حينها، لظللت تواجه الأمر" فنظر له دراكيولا قليلاً بجدية وبدأت الدموع تتسلل إلى عينيه وقد تحولت تعابير وجهه إلى الضيق، ثم أخذ نفسا عميقا وقال بحزم:
"المهم أن الأمر لم يفلح".
ثم تلاشت دموعه وعلت وجهه ضحكته الشريرة وهو يقول بفخر "ومنذ أن تذوقت دمائك وأصبحت ما أنا عليه، وحش لا يقهر فلا تقلق نفسك بالأمر" وأكمل بتحد "هذه الروح ماتت بداخلي منذ أكثر من قرنين".
ثم ضحك أكثر ومد يده وأمسك بمعطفه ووضعه على ذراعه وأمسك بالعربة التي تحمل حقيبته ثم توجه نحو الطائرة و داكو يسير بجواره وما أن وصلوا بالقرب من البوابة حتى إلتفت ليصافح داكو وسأله "ولكن يا داكو أخبرني ما الذي ذكرك بأمر روحي؟!" ف*نهد داكو بقلق و**ت لبرهة وهو يزم على شفتيه حتى لا ينطق بكلمة أخرى فلا حاجة لحديث بلا طائل، لكنه بالنهاية قال وبإندفاع:
- "حسناً سيدي....لا أعرف لماذا لكن....لكن لا أشعر بالإطمئنان من هذه السفرة، ولا لهذا الشعب، وكما قلت قبلاً شعب عنيد لا يلين ولديه حضارة عظيمة، لا أعلم لكن الأمر حقاً يقلقني بشدة هذه المرة"، فإرتسمت إبتسامة واسعة على وجه دراكيولا وقال "هذا مايقلقك؟!" ثم أكمل بعد أن تلاشت إبتسامته وينظر له بإصرار: -"أنا أيضاً عنيد ولا ألين ولدي تاريخ عظيم". ثم ضحك ضحكته الشريرة وض*ب على كتف داكو يمازحه ثم قال:
- "إنتبه لنفسك أنت حتى أتصل بك وأطلب إنضمامك إلي قريباً" ثم اقترب منه وهمس بأذنه: "ولا تنس أنك تملك روحاً أيضاً وأنه لم يتم تحولك بشكل كامل حتى الآن وأنه إذا ما عرفت البقية بالأمر...." ثم أشار بأصبعه نحوه على هيئة مسدس يطلق رصاص "بوو" ثم نفخ في سبابته وكأنها فوهة مسدس وإلتفت وتركه متجهاً نحو بوابة الدخول....
صعد دراكيولا إلى الطائرة بخفة ورشاقة والسعادة تملأ قلبه قبل عينيه، وتلك الإبتسامة الخبيثة على وجهه، ثم إتجه نحو كابينة الركاب السياحية وليست الخاصة برجال الأعمال حيث تعمد الحجز بها ليبدأ الإختلاط بالمصريين بأقرب فرصة .
كان دراكيولا أو فلاد تيبس قد تحول إلى مصاص دماء على إثر عضة من فأر لعين مصاب بمرض مصاص الدماء، عندما كان يجلس بجوار قبر حبيبته التي فرق أهلهما بينه وبينها، فقامت بقتل نفسها وراح هو يبكيها هناك، ومن حينها أصبح لونه شاحب لكن امتلك قدرات خارقة للطبيعة كالتحول إلى خفاش كبير له القدرة على الطيران وازدادت قوة حواسه (الشم واللمس والسمع والنظر) بصورة مذهلة .....
قد كان شابا وسيما، طويل القامة، بهي الطلعة رغم شحوب وجهه ، عينان عسليتان واسعة، وشعره أ**د حالك وكأنه بالثلاثين رغم تجاوزه الخمسمائة عام، حقاً يجذب إنتباه أي فتاة بل وإنتباه الجميع، لذا كان إختياره الظهور على أنه الكونت فلاد تيبس خير غطاء له، مادام في كل الأحوال سيلفت الإنتباه فمن الأفضل أن يستغل الأمر لصالحه هو.
وقف دراكيولا في البداية بهيئته البشرية على بوابة الكبينة، يتأمل من فيها ويستنشق رائحة وجبته اللذيذة، وقلبه يكاد يخرج من ص*ره لشدة الفرح فأخذ نفسا عميقا وزفره، ثم ألقى نظرة يبحث عن مكان مقعده وتوجه إليه.
***************
"هند" علت الإبتسامة وجه هالة وهي تنادي صديقتها العزيزة وإبنة خالتها هند مضيفة الطيران، وما أن صعدت على متن الطائرة وراحت حتى راحت تبحث عنها، لتشكرها على قضاء أجازة رائعة برومانيا، حيث ساعدتها في عمل خ** على أسعار تذاكر الطيران، إلتفتت إليها هند ثم إستأذنت زميلتها التي كانت تتحدث معها وأسرعت نحو هالة....
-"هالة حمداً لله على سلامتك صغيرتي، أتمنى أن تكوني قد إستمتعتِ برحلتك". قالت هند لهالة وهي تتبادل القبلات معها على وجنتيهما فردت هالة بسعادة:
-"إستمتعت فقط، أتمزحين!، قد كانت كالحلم ياهند" ثم أكملت "رومانيا جميلة للغاية، وحقاً طبيعتها ساحرة، وماكنت قد تمكنت من المجىء لولا مساعدتك" وأكملت بإبتسامة واسعة وهي تشد على يد هند وتكاد تقفز من الفرحة "شكراً لك شكراً جزيلاً".
فأجابت هند وهي تضحك:
- "ماذا تقولين أنا لم أفعل شىء أنا فقط أعطيتك الخ** على تذاكر الطائرة أما الرحلة فهي من مجهودك أيتها المرشدة السياحية" فإبتسمت هالة وقالت وكأنها بحلم:
- "لولا مساعدتك وتشجيعك على أخذ الأجازة، ماكنت جئت من الأساس ولا حظيت بهذه الفرصة لرؤية تلك المدينة الرائعة بكل معنى الكلمة " ، فنظرت لها هند وهي تبتسم ثم قالت لها بدهشة:
- "إلى هذه الدرجة أعجبتك؟ هل زرت جميع الأماكن السياحية بها" فأجابت هالة بسرعة:
-"نعم بالطبع...أو على الأقل معظمها فقد زرت قصر البرلمان الروماني ، قصر بيليش ، قلعة هونيدوارا، والكنيسة السوداء، قلعة موغوشيا، قلعة سي أي سي"،
وهنا قطبت هند جبينها وسألت بدهشة:
"ماذا ألم تزوري قلعة بران؟!"
فأجابت هالة "قلعة بران؟!"، أتقصدين قلعة دراكيولا " ثم وضعت يدها على قلبها وأكملت وكأنها تتحدث عن منزل للرعب "آه ياهند لاتذكريني، بالطبع زرتها هذه القلعة كاد قلبي يتوقف هناك"،
عقدت هند حاجبيها وقالت بدهشة:
"ماذا؟! لماذا" ثم أكملت وهي تبتسم وتغمز لها "هل شعرت بالخوف منها؟! لم أكن أعلم أن لك قلبا ضعيفا هكذا" فردت هالة بغيظ:
"بالطبع لا لم أشعر بالخوف، بل قد ذهبت خصيصاً لرومانيا لأزورها" ثم أكملت بعد أن تبدلت تعابير وجهها إلى القلق: "لكني شعرت بشىء غريب هناك، شعرت بإنقباض بقلبي وكأن هناك عالم أخر معنا أو أن هناك من يراقبنا أتفهمين قصدي" ،
فنظرت لها هند قليلاً وهي تقطب جبينها بذهول ولا تصدق ماتسمعه ثم قالت وهي تضحك: "أفهم أنك كنت مرتعبة ياهالة" وعلا صوت ضحكتها، فنظرت لها هالة بغيظ ثم ض*بتها ض*بة خفيفة على يدها تمازحها، لكن هند إستمرت في الضحك ثم قالت لها "المهم الذي يراك الآن لا يرى حالتك قبل السفر"،
**تت هالة وتبدلت تعابيرها وجهها إلى الحزن، وكأنها تذكرت مأساة حتى دمعت عيونها قليلاً، فأدركت هند أنها أخطأت بقولها هذا وقالت بسرعة "هالة أعتذر أنا" فأوقفتها هالة وقالت "لا عليك...لكن صدقيني لن ينسيني أحد عماد ولا ماحدث أبداً" فقالت هند وهي تحاول أن تخفف عن صديقتها "هالة أنا؟؟..." ثم تن*دت وقالت "هو بمكان أفضل" فأومأت هند برأسها بالإيجاب وأجابت وقد رسمت إبتسامة على وجهها
"بالطبع من المؤكد"
وهنا إبتسمت هند رداً عليها ثم أمسكت بيد هالة وقالت لها
"المهم تعالي معي سأريكِ مقعدك" لكن ما أن ساروا بضع خطوات حتى نادى الطيار المساعد هند
"هند من فضلك"
إلتفتت له هند وأومأت برأسهالإيجاب وقالت "حسناً" ثم نظرت لهالة وقالت لها وهي تشير لمقعدها من بعيد
"هالة هاهو مقعدك هل تستطيعين الوصول إليه فعليّ أن..." فقاطعتها هالة وهي تهز رأسها بالموافقة وتربت على يد هند
" أستطيع لا تقلقي إذهبي أنتِ" فإبتسمت لها هند وتركتها وذهبت...
وقفت هالة قليلاً تبحث عن مقعدها ثم توجهت نحوه ، كان المقعد بالصف الثالث بجوار النافذة وبالمقعد المجاور كان شاب يجلس هناك يسند ظهره على ظهر مقعده، في البداية رفعت حقيبة ليست بصغيرة كانت بيدها بمكانها المخصص أعلى الطائرة، ومع أنها لم تكن خفيفة، لم يعرها الشاب أي إهتمام، بل لم يتحرك ولو بشيء هين ليساعدها، وتجاهلها تماماً وكأنها غير موجودة، مما جعلها تنظر له بغيظ قليلأً لكنها تن*دت وتجاهلت الأمر...
-"سيدي هل تسمح لي"
قالت هالة بالعربية، وهي تحاول أن تتجاهل وقاحته وتستأذنه ليسمح لها بالدخول......كان الشاب يرتدي بنطالاً من الجلد الأ**د وعليه جاكت من نفس نوع الجلد وتحته سترة قطنية سوداء اللون أيضاً، ويضع فوق رأسه كاب أ**د يغطي معظم وجهه بالإضافة إلى عينيه، يجلس براحة قليلاً وهو يطوي ذراعيه أمام ص*ره ورجليه كانت ممتدة لتقطع الطريق عن مرور أي شخص أمامه .....
-"هل تسمح لي من فضلك؟"
سألته هالة بالعربية فرفع الشاب حافة الكاب الخاص به بيديه قليلاً لتظهر عيونه العسلية وهو ينظر لها ثم قال بالإنجليزية
"ماذا تقولين؟"
ارتبكت هالة بالبداية لا تعرف السبب، فما أن رفع كابهـ ورأت عيونه حتى سرت رجفة بجسدها أربكتها وأوقفتها عن الكلام لبرهة، لكنها أجابت بالإنجليزية وهي تبتسم
"آه عفواً ظننتك عربي، ملامحك تشبه الملامح العربية كثيراً" ثم أكملت "هل تسمح لي بالمرور إلى مقعدي؟" فنظر إليها قليلاً ثم رد ببرود بالإنجليزية "...لا..." ثم عاد إلى جلسته الأولى...
على ع** هالة كان الهدوء هو سيد الموقف بالنسبة لفلاد، لم يراها فاتنة أو حتى جميلة عادية إلى حد بعيد، حتى أنه لم يفكر بها كفريسة له على الع** من نظرته لهند والتي ما أن وقع نظره عليها حتى جذبته بكل معنى الكلمة وبكل المقاييس، رأي فيها الجمال المصري واضحاً وبشخصيتها السمات التي توقعها بالشعب المصري، لذا وقع اختياره عليها لتكون فريسته...
كانت عينا الشاب معلقة على هند ولم تنزل للحظة عنها، فقد كانت هند فتاة جميلة سمراء قليلاً، ذات شعر أ**د طويل، ممشوقة القوام وطويلة، ومن الوهلة الأولى تعرف أنها مصرية، بالإضافة لأنها مضيفة بشركة مصر للطيران، مما يؤكد جنسيتها، وقد كان هذا النوع الذي يشتاق لتذوقه الشاب أو دراكيولا، وقرر أن تكون هي وجبته الأولى على متن الطائرة....لكن عليه أن ينتظر اللحظة المناسبة، وقد رأى هند تتحدث إلى هالة، لذا علم أنه إذا ماحدث شىء مع هذه الفتاة، ستأتي له على الفور وبطريقته سيتعرف عليها وسيستطيع لاحقاً تحقيق مراده...
إتسعت عيني هالة في ذهول وغيظ وهي تنظر إلى دراكيولا، ولا تصدق ردة فعله المتعالية عليها، ثم إلتفتت لتنادي هند، لكنها وجدتها تتحدث مع الطيار وفكرت قليلاً أنه يكفي مساعدتها لها حتى الآن، وأنه لا يجب عليها أن تتسبب لها في مشاكل من بداية الرحلة، فأغمضت عينيها حتى تستطيع أن تتماسك وتهدأ ثم أخذت نفس عميقاً وزفرته وإلتفتت مرة أخرى للشاب وقالت بهدوء بالإنجليزية وهي تبتسم:
- "سيدي عفواً يبدو أني أخطئت الترجمة، ولكن من فضلك هل تأذن لي بالدخول؟". فنظر لها الشاب قليلاً دون أن يعدل من جلسته أو حتى يرفع طرف كابه ثم قال بالعربية:
- "قد فهمت ماقلته تماماً وأجبت بـ...لا
إتسعت عيني هالة أكثر بذهول، حتى بات فمها مفتوحاً لبرهة، ثم قطبت جبينها ونظرت بغضب إليه حتى أن صوت أنفاسها بات مسموعاً وكأنها على وشك أن تزمجر، لكن فجأة ضاقت عيونها وكأنها تفكر بأمر ما، ثم رفعت حاجبها وقالت وهي تبتسم "حسناً إذاً" ثم رفعت قدمها قليلاً وض*بت بكل قوتها بكعب حذائها على قدميه.....
إنتفض فلاد وإعتدل في جلسته على إثر ض*بة هالة له، مما أتاح الطريق أمامها فإستغلت هالة الفرصة، ومرت بسرعة وعصبية وجلست على مقعدها نفس جلسته، وهي تبتسم ابتسامة بزاوية فمها، وهي تنظر له بتعالي ثم تجاهلته ونظرت عبر النافذة .
تفاجأ دراكيولا من تصرف هالة حتى أن الأمر إحتاج لأكثر من دقيقة وهو ينظر بغضب إليها وعيناه متسعتان في ذهول، لكنه كظم غيظه وفكر قليلاً بالأمر وأن هذه قد تكون فرصة له لجعل هند تأتي إليه فإرتسمت إبتسامة صغيرة تلاشت سريعاً ثم إنتفض واقفاً وصاح بهالة:
-"أنتي حقاً فتاة غير مهذبة". صاح دراكيولا بالرومانية وبصوت مرتفع بعد أن وقف وهو ينظر لهالة ليلفت إنتباه الجميع، وبالطبع من ضمنهم هند، وقد كان وإلتفتت لهم والطيار بل وكل أفراد الطاقم الموجود والركاب، فعقد الطيار جبينه ونظر لهند وقال لها بقلق:
- "ياإلهي هذا الكونت فلاد تيبس"، ثم همّ ليذهب له، لكن هند أمسكت بذراعه لتوقفه عندما وجدت أن الأمر مع هالة وقالت له:
- "سيدي دعني أتولى أنا الأمر، وأرجوك فلتذهب لتستعد للإقلاع"، نظر إليها بحيرة:
- "حسناً لكن بسرعة، لايمكن أن نسمح لشىء أن يزعجه ؟!" ،
أومأت له هند بالإيجاب و تركته وذهبت إليهم...
-"كونت فلاد مرحباً بك على طائرتنا"، قالت هند وهي تبتسم وتتكلم مع دراكيولا بكل إحترام، ثم أكملت وهي لا تزال تبتسم "ما الأمر سيدي؟" ثم إلتفتت نحو هالة وعقدت جبينها قليلاً وهي تنظر لها وكأنها تغمز لها بعينيها أن تنتبه للأمر وأن الأمر يحرجها، فنظر لها دراكيولا وهو غاضب وقال:
- "أنظري إلى وقاحة هذه الفتاة"، وهنا قطبت هالة حاجباها وانتفضت واقفة وصاحت بغضب:
- "أنا الو**ة حقاً أنت....." ، فنظرت لها هند نظرة غاضبة أوقفتها عن الكلام ثم عادت لدراكيولا وبنبرة راجية:
- "سيدي الأنسة لم تقصد". ثم نظرت لهالة وقالت وهي تمسك بيد هالة وتضغط على يدها لتنبهها :
-"هالة كونت فلاد تيبس سليل العائلة الملكية برومانيا ومن المؤكد أنك أسأتِ الفهم"، ثم نظرت لدراكيولا وقالت بإبتسامة:
- "سيدي أنت من رِفعة أخلاقك وشدة تواضعك قد طلبت أن تسافر على متن طائرتنا بالدرجة السياحية، دون أن تجعلنا نجري أي إستعدادات فأرجوك سيدي سامحنا على هذا الخطأ، وأعدك أنها لن تضايقك أبداً مرة أخرى، أرجوك سيدي لأجل خاطري أنا".
نظر لها دراكيولا قليلاً وقد بدأ يهدأ، ثم إبتسم وهو ينظر بعينيها وقال بطريقته المهذبة والتي يتميز بها النبلاء واشراف الاسر الحاكمة:
- "لأجلك أنتي فقط آنستي المهذبة الرقيقة" فإبتلعت هند ريقها وأومأت برأسها بالإيجاب ، وقالت وهي ترجع خصلات شعرها بخجل خلف أذنها:
- "شكراً سيدي أنت حقاً نبيل الأخلاق، دقائق وستقلع الطائرة وسأتيك بمشروب ترحيب خصيصاً لك....عن إذنك" ثم إستأذنته ونظرت لهالة بحزم، وهزت رأسها وهي تشير لدراكيولا دون أن يراها وكأنها تنبهها أن تحترس ثم تركتهم وذهبت....
كان دراكيولا قد قرر السفر عبر الدرجة العادية ليضمن أن يتقابل مع مصريين بل ومصريين عاديين مثل الذي رآهم عبر التلفاز، ليتعرف إليهم وعلى لهجتهم وإن كان يتحدث العربية، فقبلاً قد ذهب إلى لبنان وتونس والسعودية لكنه سمع كثيراً عن أن اللهجة المصرية مختلفة وقد كان وما أن جلس حتى بدأ يلتقط اللهجة بسرعة مذهلة من الجالسين حوله بسبب حاسة السمع الخارقة لديه.
عضت هالة على شفتها السفلى وعقدت حاجباها وتمتمت وهي تشعر بالإحراج
"كُونت!"
ثم جلست ببطء على مقعدها وبأدب وخجل نظرت له، وقالت وهي محرجة منه للغاية:
- "عفواً لم أكن أعلم أنك كونت، من المؤكد أني قد أسأت الفهم"
ثم أخذت نفس عميق وزفرته بسرعة وقالت له وهي تبتسم إبتسامة واسعة ومدت يدها لتصافحه:
- "لكن أرجوك سيدي دعنا نتعرف من البداية مرة أخرى، أنا هالة أمين مرشدة سياحية و......"
نظر لها دراكيولا بإستحقار ثم ضحك ضحكة تهكمية سريعة وهز رأسه يمين ويسار بتعجب وغيظ منها، ثم نفخ بعض الهواء وأشاح بوجهه بعيداً عنها وعاد لجلسته الأولى...أغمضت هالة عينيها وضمت قبضتها وسحبتها يدها ثم عادت لمقعدها ونظرت بعيداً عنه عبر النافذة.
دقائق وأقلعت الطائرة، وبالفعل أحضرت المضيفة مشروب للترحيب بدراكيولا، لكنها لم تكن هند كما وعدته مما جعل فلاد يشعر بالضيق، لكنه أخذ المشروب شاكراً إياها عليه، وعاد يفكر بطريقة تمكنه من الحصول على هند.
مرت بضع ساعات والأجواء لا تزال مشحونة بين فلاد وهالة، هو يفرك ذقنه طوال الوقت بعصبية وغضب وهي تراقبه بنظرات من جانب عينيها حتى لا يراها وتتظاهر بتجاهله حتى قامت المضيفات بتوزيع وجبات الغداء....
"يممممم يمي" تمتمت هالة وهي تتناول طعامها اللذيذ دون أن تشعر أنها تص*ر صوت، ولم تتوقف حتى إنتبهت أن وجبة فلاد كما هي ولم يلمس غدائه فتوقفت عن تناول الطعام، ونظرت له بحزن ثم إقتربت منه قليلاً وقالت:
- "مابك؟ لماذا لم تأكل طعامك بعد؟ سيعجبك كثيراً صدقني" ، نظر لها دراكيولا بضيق عاقداً جبينه ومندهشاً من حديثها له بعد مابدر منها، ثم هز رأسه يمين ويسار دون تعليق وتن*د ونظر بهاتفه، فلملمت هالة ماتبقى من وجبتها وأبعدت الطاولة عنها قليلاً و قالت له: "حقاً ستندم إن لم تأكل" ثم أكملت وهي تمد يدها لتفتح له غدائه "عليك الإنتباه على صحتك و...." لكن ما أن أمسكت بأحد الأطباق حتى إتسعت عيناه بغضب وهو ينظر لها، وأزاح يدها الممسكة بالطبق بقوة فطارت محتوياته كلها وإنسكبت على وجهه وملابسه..
إتسعت عيني دراكيولا وقد جمدت المقاجأة ملامحه لبرهة، وهو ينظر لها وعيونه يتطاير منها الشرر وص*ره يعلو ويهبط لشدة غضبه وهو لايصدق مايحدث، والطعام على وجهه وملابسه أما هالة فقد اتسعت عيونها بذهول وتوقف الكلام بفمها ولم تستطع فعل شىء سوى أنها وضعت يدها على فمها المفتوح وهي تنظر إليه.
أخيراً إبتلعت هالة ريقها ثم تنبهت للأمر وقالت بسرعة:
- "أعتذر أعتذر حقاً أنا أسفة"، ثم أسرعت وأمسكت بمحرمة لتمسح عنه بعض ما انسكب فصاح بها
"توقفي"
وهنا تنبهت المضيفة والمضيف وأسرعا نحوهما أما هو فوقف ينظر لها بغيظ وذهب إلى الحمام....
وقف فلاد بحمام الطائرة رغم ضيقه، ينظر إلى نفسه بالمرآة، وهو يستشيط غضباً من هذه الفتاة ، من أين أتت له وظهرت بطريقه وبالنهاية تمتم
"فتاة لعينة"
ثم هز رأسه بغيظ وأمسك بمنشفة وراح ينظف ملابسه.
عاد دراكيولا بعد أن قام بغسل وجهه وتنظيف ملابسه، وجلس على كرسيه وقد وجد أن المسئول قد قام بتنظيف المكان، أما هالة فقد جلست وهي تشعر بالإحراج الشديد منه وما أن عاد حتى قالت له بتردد:
- "عفواً كونت فلاد، أنا حقاً أعتذر، أرجوك إقبل إعتذاري لم أقـ" ، فقاطعها بحركة من يده ثم نظر لها بغضب وقال:
- " أنسة أرجوكي، فقط إبتعدي عني أتركيني وشأني"، فنظرت إليه وإبتلعت ريقها ثم أومأت برأسها بالإيجاب وعادت إلى مقعدها....
لم يمر الكثير من الوقت قبل أن يشعر فلاد بالظمأ والجوع، بالطبع فهو لم يتناول شىء منذ أن قام بتحويل تلك الفتاة بقصره مساء أمس، وإعتمد على هند لسد جوعه، لكن الأمر لم يفلح، ومنذ أن تركته في الصباح لم تظهر مرة أخرى، وفي ظل وجوده وسط هذا الكم الكبير من الطعام، لايمكنه أن يتمالك نفسه وبالكاد يحاول ألا يص*ر هذا الصوت الذي دائماً ماكنت تسمعه عندما يرى الذئب فريسته، وكأنه صوت فحيح لثعبان لكنه ممزوج بزمجرة ثعلب ماكر وفي الحقيقة ماهو إلا صوت شهوته لتناول وجبته التالية، لذا لم يجد فلاد مفر من أن يبحث عن فريسة أخرى له بدلاً من هند، ولو بصورة مؤقتة ليسد بها جوعه، وفي ظل محاولته ليتمالك نفسه أمسك رأسه بيده، وهو يسند مرفقه على مسند المقعد، وهنا لاحت له الفكرة وهو يفرك رأسه بأصابعه عندما لمح ....هالة...
بالطبع هالة فريسة سهلة ووجبة مقبولة بل وممتازة، فبعد كل مافعلته لا يوجد أحب إلى قلبه من أن يفعل هذا بها، وب*عورها الشديد بالإحراج منه لن يكون من الصعب أن تتقدم بنفسها إليه، بل وتكشف عن عنقها له ما أن يبتسم لها أو يناديها...
نظر فلاد إلى هالة وهو يبتسم إبتسامة ماكرة، وظهرت السعادة بعيونه فعقدت هالة جبينها وهي تنظر له بدهشة، إلا أنها لم تكن في وضع يسمح لها بمناقشته أو حتى سؤاله، فقد كانت تشعر بألم في معدتها وبحاجة للذهاب للحمام بعد تناول وجبتها، لكنها شعرت بالإحراج من أن تطلب منه السماح لها بالمرور لكن في النهاية لم تحتمل وإستغلت إبتسامته لها...
-"عفواً سيدي لكن حقاً إسمح لي بالمرور"
قالت له هالة بسرعة فهي لم تعد تستطيع أن تحتمل أكثر وهي تمسك بمعدتها، إبتسم لها فلاد وأسرع ووقف بجانب كرسيه ومد يده أمامها وكأنها أميرة وهو يقول:
"بالطبع تفضلي"
وقفت هالة بدهشة من موقف فلاد ونظرت له بقلق من تصرفه، فعلى ما يبدو أنه يدبر لها مكيدة ومرت بحذر أمامه وهي تنظر له ثم سارت في الممر متجهة للحمام،
بالرغم من أنه ظل واقفاً بمكانه لكنها شعرت بأنفاسه بالقرب منها، فإلتفتت بسرعة خلفها عدة مرات لكنها لم تجده، وهنا فاجئها ألم معدتها مرة أخرى فأسرعت نحو باب الحمام، وما أن وصلت إليه حتى وجدت دراكيولا بالفعل خلفها وقبل قول شيء ض*بها هو ض*بة خفيفة على رسغها أفقدها الوعي وفي لمح البصر أخذها ودخل إلى الحمام....
كانت سرعة دراكيولا حقاً رهيبة، حتى أحداً لم يلمحه لا من طاقم الطائرة أو الركاب أو حتى هالة نفسها.
إبتسم فلاد إبتسامة واسعة وهو يمنع ضحكته العالية الظافرة التي دائماً ماكان يطلقها عند حصوله على فريسته، وهذه الفريسة بالذات يتوق إلى تذوقها فبالإضافة لأنه يريد الإنتقام منها أنها، أنها أيضاً مصرية وتبدو أنها أقرب نوع لما رأه عبر التلفاز.
-"أخيراً ستنالين ماتستحقينه، سأستمتع بدمائك ولن أقوم بتحويلك، سأتركك تتعذبين"، قال دراكيولا بهمس لهالة الفاقدة للوعي أمامه، وهو يتوعدها أنه سينتقم منها على كل مابدر منها نحوه، فنظر إليها قليلاً وهي غائبة عن الوعي والإبتسامة تعلو وجهه بعد أن وضعها على مقعد الحمام الذي أغلقه، ورأسها يميل إلى الوراء وعنقها ظاهر أمامه وعرقه ينبض، فعض على شفته السفلى ثم قام بعمل حركة دائرية بل**نه على شفتيه وإقترب منها أكثر، وأزاح شعرها البني الطويل كله إلى جهة واحدة ليظهر عنقها الطويل أمامه وعروقها تنبض بصورة تثير شهوته للطعام أكثر ثم ضحك وكشر عن أنيابه وإنقض عليها...
ما أن كشر دراكيولا عن أنيابه وإستعد لغرس أنيابه بعنق هالة، وإقترب منها حتى توقف وإتسعت عيونه فجأة حين شعر بركلة قوية من ركبة هالة وقبل أن يستوعب الأمر إذا بض*بة أخرى من رأسها على أنفه وجبهته فجرت الدماء منها ثم أسرعت ودفعته بعيداً عنها وفتحت الباب وصاحت "أنقذوووووووني متحررررررررش".