راما
" تفضل حبيبي كل بعض الكرز".
مددت يدي بحبة كرز حمراء نحو شفتيه، وقلبي يخفق بجنون محبته. احتضنت وجهه المشرق وأنا أتأمل ابتسامته الساحرة، فلم أقاوم مشاعري تجاهه لأبوح له بقولي: " أنت لا تعلم كم أحبك يا فراس".
نظر بعينيه الزرقاوين اللامعتين في عينيّ ثم قال: " يا لك من حالمة!"
فاجأني بنبرته الساخرة، ولم أتوقع أن يلفظ بهذه العبارة ظننته سيبوح بشعوره نحوي، خطفتني الدهشة على حين غرة. أبعدت يديّ عنه وابتعدت إلى الخلف قليلا عندها أحسست بأن ملامحه بدأت بالتغير. وما هي إلا لحظات حتى وجدت نفسي نائمة في سريري أعانق بيديّ وجه أختي الصغرى التي تبلغ السادسة من عمرها، لم أكن بعد قد أفقت من صدمتي حتى تكلمت الصغيرة سارة: "أخيرا أفقت من أحلامك التي تثير الشفقة! ظننتك ستبقين نائمة حتى الظهيرة".
سرعان ما بدأت أستعيد وعيي وأدركت وقتها بأنني كنت أحلم، نهضت فزعة ونفضت نفسي في سريري وصرخت بأعلى صوتي راجية من أمي أن تبعد هذه الماكرة عني:
" أمي! أبعدي هذا الشيطان من هنا!"
بعد أن أبرحت أختي الصغرى ضربا وتشاجرت مع أمي بسبب ذلك قررت أن آخذ حماما سريعا وأرتدي ملابسي وأتجه نحو الجامعة حتى لا تفوتني محاضرة الساعة التاسعة.
في نهايات شهر أيلول نودع الصيف لنستقبل فصل الخريف بأوراقه المتساقطة وألوانه الحزينة لأكمل مشواري الجامعي حيث استطعت بنجاح تخطي السنة الأولى فيها وصولا إلى سنتي الثانية، ومع ذلك يأبى الصيف تركنا بسهولة ليترك لنا دفء أجوائه، كأنه لم يرحل قط.
انتظرت الحافلة في الموقف، وتظاهرت بالانشغال بهاتفي حينما لمحتها قادمة من بعد؛ تلك العجوز التي ما يئست من تركي بحالي، مع أسئلتها المزعجة وتعليقاتها المحرجة لي؛ هل أنت شقراء حقيقية؟ العدسات الزرقاء جميلة في عينيك، لكن يا ترى ما هو لونهما الحقيقي؟ ماذا تأكلين لتحافظي على قوامك هذا؟ أنت طويلة القامة لست بحاجة إلى ارتداء الكعب، لماذا لا ترضين بحفيدي زوجا لك؟... وغيرها وغيرها من الأسئلة والكلام غير اللائق. في البداية كنت أستبسل لأحاول إقناعها بأنني حقيقية ولا أختبئ خلف التبرج ومساحيق التجميل، لكنني بعد ذلك سئمت ولم أعد أبرر لها.
توقفت عن المسير وتعمدت أن تجلس إلى جانبي على المقعد، ثم ألقت إلي بتحية الصباح، فرددتها لها على مضض. رمتني بنظرة متفحصة كالمعتاد، ثم قالت: " ألم تتم خطبتك بعد؟ أستغرب أن فتاة بهذا الجمال ما زالت متوفرة، اسمعي حفيدي مهندس سيعجبك.."
طفح الكيل وما عاد بإمكاني تحملها لذا قاطعتها متصنعة الأدب: "أنا آسفة يا جدة لكن أنا محجوزة... عمي يريدني لابنه عند تخرجي."
ظهر الامتعاض على ملامحها ثم قالت: " مبارك لك يا ابنتي، ومع ذلك إن لم يفلح الأمر وما زال حفيدي أعزب فأرجوك فكري في الموضوع."
اضطررت أن أزرع ابتسامة صفراء على وجهي ووعدتها كاذبة بالتفكير في الأمر.
راما هو اسمي، أدرس في قسم العلوم التربوية في الجامعة، يصفني الكثير بالجميلة لأنهم يرون أنني أتمتع بطلّة ملفتة؛ بشعري الأشقر اللامع القصير وعينيّ الزرقاوين الواسعتين ورموش عينيّ الطويلة وقوامي الممشوق. ومع ذلك كنت مؤمنة بأن الجمال ليس قوى خارقة وليس من صنع يديّ لأتباهى به؛ ففي نظري لا يوجد قبيح على وجه الكرة الأرضية بل أن الجمال نسبي؛ فما أراه في عيني جميلا قد لا يكون كذلك بالضرورة في عيني غيري، إذن المحصلة النهائية كل البشر يتمتعون بالجمال بطريقتهم المميزة.
نزلت من الحافلة وسرت باتجاه الباب الرئيسي للجامعة، كان مزاجي معكرا بسبب شجاري مع أمي ووضعت اللوم كاملًا على سارة فهي سبب مشاكلي دائما.
بسبب فارق السن بيننا فإننا لا نتفق أبدًا، عدا عن ذلك فسارة لا تحمل عقلية الفتيات اللواتي في سنها. أحيانا أشعر أنها امرأة في جسد طفلة، فهي شديدة المكر والخداع وتجيد تمثيل دور الضحية أمام أمي فيقع اللوم والعتاب علي لأنني الأخت الكبرى. كما أنها تتدخل كثيرا في حديث الكبار وذلك يثير سخطي دائما. عدا عن الإزعاج الصباحي المعتاد من قبل تلك العجوز.
بينما كنت شاردة في أفكاري وألوم حظي المتعثر إذ بي ألمح ذاك الشخص الذي اصطاد قلبي منذ خمس سنوات مضت، وما زال رهينة بين ضلوعه إلى الآن.. أذكر ذلك اليوم كأنه حصل قبل دقائق، حين ذهبت لزيارة صديقتي لورا في منزلها الكبير لأول مرة، فرأيته في حديقة منزلها. وقتها نشب شجار روتيني كما تصفه لورا بينهما. ما زلت أذكر بالضبط ملامحه الساخرة، ضحكته المذيبة للقلب، نظرات عينيه الساحرة بينما تلمعان بزرقتهما تحت ضوء الشمس. كل شيء كان مثاليًا فيه. إلا أنه لم ينتبه إلي ولا مرة واحدة.
بدأ قلبي يخفق بقوة وأخذت يداي تتعرقان وهمست في سري: " إنه فراس! مضى أسبوع ولم أره. يا إلهي هل ازداد سحرًا في هذا الأسبوع؟"
كان يسير برفقة أصدقائه لكنه لم يكن متجها نحو الباب الرئيسي بل كانت وجهته الباب الغربي كالمعتاد. تساءلت في نفسي: " هل أتبعه؟ لا لا عيب لكن أنا لن أفعل شيئا مخلا بالآداب أريد أن أمتع ناظري به فقط".
لذا قررت ملاحقته وتجاهلت ذلك النداء الخفي في داخلي؛ الذي يمنعني من الذهاب، حاولت أن أخفي نفسي وسط الطلبة حتى لا ألفت الأنظار إلي ويعلم بتتبعي له، جاهدت على إبقاء عينيّ عليه لكي لا أضيع أثره، ولم أعر الطريق أمامي انتباها فحصل ما كان علي توقعه؛ هاجمتني العاقبة الأخلاقية، فاصطدمت بقوة بعمود كهرباء أمامي مما أسقطني أرضا، وأخذت أتأوه من ألم الاصطدام، حينها سمعت صوتا من خلفي يقول:
" هل أنت بخير؟ هل تحتاجين إلى مساعدة؟"
استدرت خلفي وأنا أحدث نفسي بأن هذا الصوت مألوف، فوجدته واقفا هناك، لا يمكن لي أن أنسى ذلك الوجه بتعابيره الحادة وعينيه العسليتين، يداه في جيب بنطاله وعلى وجهه ارتسمت علامات القلق. كان آخر شخص أتمنى أن أراه في هذه اللحظة بسبب الموقف المحرج الذي حصل بيننا في آخر مرة تعاملت فيها معه. انتفضت واقفة بسرعة وبدأت بنفض ملابسي وحاولت قدر الإمكان ألا أنظر في عينيه بينما قلت: " لا لا شكرا. أنا بخير".
لكنه قال بنبرة تحمل قلقا واضحا: " لكن جبينك ينزف لا أستطيع تركك هكذا هيا سأرافقك إلى عيادة الطبيب."
ابتسمت بإحراج وأجبت: " لا داعي، قلت لك أنا بخير".
لكنه أصر قائلا: " هيا هذا أقل واجب يمكنني فعله من أجل صديقة لورا".
أحسست بوجنتيّ تشتعلان حمرة ثم ابتعلت ريقي وتساءلت قائلة: " إذًا أنت تذكرني!"
ابتسم ساخرا وقال: " بالطبع أذكرك. كيف لي أن أنسى صديقات لورا؟ خصوصا المقربات!"
قال كلمة المقربات بنبرة ساخرة مما أثار في داخلي مزيدا من الإحراج والغضب منه.
لم يكن بيدي أن أصنع شيئا فقد وجدت نفسي في نهاية المطاف راضخة له ومتجهة نحو عيادة الجامعة برفقته حيث استقبلني الطبيب وعالج جرحي بقليل من مطهر الجروح ولاصق ليخفي منظر الخدش الذي أصاب جبيني، حاولت قدر الإمكان أن أبقى صامتة وأتجاهل نظرات الشاب لي.
شكرته على مساعدتي وانطلقت لألحق بمحاضرتي الأولى قبل أن يحرجني بمزيد من التعليقات. الساعة شارفت على التاسعة؛ لذا ركضت بكل سرعة سمحت بها ساقاي وأنا أردد في ذهني شعوري السيء تجاه اليوم هذا، فقد مررت بأفظع صباح على الإطلاق، ألم يكفني شيطنة سارة وشجاري مع أمي؟ والآن أصدم بعمود يسبب لي نزفا في جبيني؟ وفوق كل ذلك آخر شخص أملت في رؤيته يوما هو من قدّم لي يد المساعدة! هل يمكن أن يسوء هذا اليوم أكثر؟
عندما وصلت إلى القاعة وجدت بابها مغلقا، نظرت إلى ساعتي فوجدتها تعدت التاسعة بعشر دقائق. حاولت تهدئة نفسي وضبط توتري وأخذت نفسا عميقا، طرقت الباب وفتحته لألفت أنظار الطلبة والدكتور المحاضر نحوي. تجاهلت الإحراج البادي على ملامحي واعتذرت للدكتور قائلة:
" أنا أعتذر يا دكتور عن التأخير لقد..... حصل ......معي موقف...."
ولم أستطع إكمال عبارتي فأجابني مقاطعا: " ماذا حصل لجبينك يا ابنتي؟"
نظرت نحو الأرض بتوتر ولم أستطع التفوه بكلمة، فقال ليزيل الإحراج عني: " لا بأس يا ابنتي يمكنك الدخول".
جررت قدمي حتى وصلت إلى جانب صديقتي الحميمة سيلينا، حيث كانت تحتفظ بمقعد فارغ بجانبها لي، فسألتني هي الأخرى بقلق بصوت خافت:
" ماذا حصل لك؟ هل أنت بخير؟".
هززت رأسي وهمست لها: " فيما بعد ليس الآن".
دوت ضحكة سيلينا عاليا لتملأ أرجاء المقهى الخاص بالكلية بصوتها الرنان بالرغم من كونها فتاة خجولة في العادة بمظهرها الأنثوي ووجهها اللطيف وهالتها الهادئة التي تحوم حولها دائما. فأثارت بعض الأنظار نحونا، غطيت وجهي بيدي وزممت شفتيّ غضبا وقلت: " لو كنت أعلم أنك ستضحكين هكذا ما أخبرتك، كفى!"
أجابت سيلينا بين ضحكاتها: " أنا آسفة هههههه لم أستطع ههههه الموقف مضحك جدا هههههه ليس بيدي سامحيني ههههههه".
وسط ضحكات سيلينا واستيائي ظهرت لورا فجأة أمامنا، بثوبها البنفسجي الجميل الذي يلتف حول جسدها برشاقة، وصولا تحت ركبتيها بقليل، وبحذائها الفضي ذي الكعب العالي. وتتدلى من كتفها حقيبتها الفضية الصغيرة، بينما شعرها البني الحريري الجميل ينسدل على ظهرها وكتفيها كانت تحمل كتبها في يد ونظاراتها الشمسية الباهظة الثمن في يدها الثانية. مظهر الرقي كان واضحا جدا عليها. كيف لا وهي وحيدة والدها رجل الأعمال فاحش الثراء السيد حيدر عثمان؟ الذي كان يغدقها بدلاله الزائد لها، كان يرغب والدها في أن يلحقها بجامعة خاصة لكنها أصرت على الالتحاق بهذه الجامعة حتى تبقى بقرب صديقتيها المقربتين ؛ أنا وسيلينا. سمحت لنفسها أن تشاركنا جلستنا فسحبت كرسيا فارغا عن الطاولة التي أجلس إليها مع سيلينا وسألت مبتسمة: " ما سبب ضحكاتك هذه يا سيلينا؟ صوتك وصل إلى خارج المبنى."
بدأت سيلينا بمسح دموعها من أثر الضحك وقد بدا الإحراج واضحا عليها ثم أجابت: " أنا آسفة إنها راما".
نظرت لورا نحوي بابتسامة متحمسة وقالت متسائلة: " ما بها راما؟" وعلى الفور حدجت سيلينا بعبوس وقلت مهددة إياها: " لا تقولي شيئا."
أسندت لورا ظهرها على ظهر الكرسي ثم قالت بنظرة واثقة: " إذا كنت تضحكين على الحادث الذي أصابها صباحا فأنا على علم به."
أظلمت عيناي وسألت بارتياب :" كيف عرفت؟"
ابتسمت مظهرة أسنانها البيضاء وأفصحت كمن تنطق بموضوع بديهي: " سمير قال لي".
غطيت وجهي بيديّ وقلت باستياء: " طبعا، كان يجدر بي أن أعلم أنه سيخبرك. ولما سيخفي الموضوع عن مخطوبته أصلا!".
فردت علي لورا: " الحق عليك، هذا جزاؤك! ماذا تريدين بهذا الغ*ي فراس؟ كفي عن ملاحقته."
اتسعت حدقتا عيني واعتلت وجهي حمرة شديدة وقلت متسائلة: " لم أكن ألاحقه، من قال هذا الكلام أصلا؟"
أجابت لورا بهدوء: " سمير!".
شهقت مع سيلينا بصدمة كبيرة ثم استفسرت بوجل: " ماذا تقصدين؟ كيف علم سمير أنني ألاحق .... كيف له أن ..... هل أخبرته أنني أحب فراس؟! هل بحت له بسرّي؟"
قالت لورا مجيبة عن استفساراتي: " كفاك دراما، أنا لم أقل له شيئا اكتشف الموضوع بمفرده. فحركاتك واضحة تلاحقين فراس أينما ذهب وتنظرين نحوه بعينين حالمتين وهكذا...".
كنت أنظر نحوها بفم مفتوح من الصدمة ولم أدر بما أجيب حتى وضعت سيلينا يدها على كتفي وقالت مطمئنة لي وهي تكبت ضحكتها بجهد واضح: " لا عليك يا عزيزتي احمدي الله أنه سمير الذي أمسك بك متربصة وليس فراس. لكان الوضع... أسوأ".
ضحكت لورا باستهزاء وقالت: " ومن قال لك أنها تريد رؤية سمير أصلا بعد ما حصل بينهما؟"
فنظرت سيلينا نحو لورا تعلو وجهها علامات الجهل التام ثم سألتها: " ماذا حصل؟ عم تتكلمين؟ هل يوجد شيء لا أعرفه؟"
أجابتها وهي تضرب على الطاولة بكفها بمشهد درامي مصطنع: " صح، تذكرت... أنت لم تأتي إلى حفل خطبتي!"
توردت وجنتاي حينما تذكرت ذلك الحادث الفظيع، فنظرت نحو لورا بتهديد، لكنها تجاهلت تهديدي، ووجهت نظراتها نحو سيلينا باستمتاع، ثم قالت: " حصل ذلك في حفل خطبتي عندما تقدمت راما مني بينما كنت جالسة على الأريكة المخصصة للعرسان لتمنحني مباركتها لي وتهنئني كما تجري العادة في الأفراح، ولكن عندما استدارت مبتعدة علق كعب حذائها بطرف ثوبي فوقعت في حجر سمير".
لطمت سيلينا خديها بيديها ثم انفجرت ضاحكة مما زاد من استيائي فهممت بالرحيل، وبسرعة أمسكتا بيديّ وحاولتا تلطيف الأجواء وهما تكبتان ضحكاتهما وتعتذران مني مرارا.
فجأة تقدم أمامنا شاب طويل القامة نحيل الجسد وسيم الملامح، تنحنح ليقطع علينا شجارنا اللفظي، وألقى التحية وهو ينظر نحوي ثم قال موجها الكلام لي: " كيف حالك يا آنسة راما؟ أنا أعتذرعن إزعاجك لكن هل يمكنني دعوتك إلى شرب فنجان قهوة معي؟"
نظرت نحوه نظرة متفحصة ثم سألته ببرود: " عفوا، هل أعرفك؟"
فأجاب مبتسما محاولا تذكيري:" أنا وليد! أتشارك معك في محاضرة اللغة الإنجليزية!"
لم يبد على ملامحي أنني تذكرته، فالقاعة مليئة بالشبان، لكنني لا أعير أحدا انتباها، عدا عن ذلك فقلبي مشغول بحبه لفراس. أكمل كلامه قائلا:
" على كل حال أحببت أن أدعوك إلى شرب فنجان قهوة معي، فما رأيك؟"
من يظن نفسه هذا بطلبه المستنكر؟ لست من النوع التي تواعد الفتيان! أشحت بوجهي بعيدا عنه وقلت معتذرة ببرود: " لا شكرا، لا أستطيع".
لكنه كان مصرا بشكل مزعج فقال ملحا: " آه هيا! فنجان قهوة واحد لن يضرك."
ضاقت لورا به ذرعا فنظرت إليه بحدة وتدخلت قائلة: " أي جزء من عبارة لا شكرا لم تفهمه؟ هل أنت.. أصم؟ هل أنت.. مخبول؟"
اكفهرت ملامح الشاب عن تكشيرة ثم أجابها: " ومن كلمك يا هذه؟ لما لا تهتمين بأمورك الخاصة بدل التدخل في شؤون صديقتك؟ أم أنك تشعرين بالغيرة كونها لفتت نظري لا أنت؟"
أظلمت عينا لورا غضبا ثم رفعت ساقها اليمنى فوق اليسرى ونظرت إليه باشمئزاز: " أغار منها على من؟ أنت؟" قالت وهي تشير بسبابتها نحوه بتقزز، ثم استطردت: " ألا ترى مظهري؟! هل يعقل لفتاة مثلي أن تفكر يوما بالنظر نحو شيء مثلك؟ وسواء أعجبك أم لا؛ صديقتي هذه من أموري الخاصة، ولن أرضى لها أن ترتبط بجرذ مثلك. فإما أن تحمل معك قذارتك وتنقلع من أمامي الآن، أو أستدعي لك أمن الجامعة بتهمة التحرش".
شعر الشاب بإهانة كبيرة ونظر إليها بغضب وقال: " ستندمين أيتها المغرورة" . ثم انصرف مبتعدا.
علقت سيلينا على الموقف وهي تشعر بشفقة على ذلك الشاب فقالت: " ألا تلاحظين أنك جرحته قليلا؟" التفتت لورا نحوها وأجابتها ببرود: " توقفي عن قول السخافات!"
-" لكنه مجرد معجب يا لورا لم يسئ إلى راما بشيء."
-" سيلينا! أيتها المسكينة! افتحي عينيك على الدنيا واخرجي من قصص روميو وجولييت! لا يوجد شاب يعرض على فتاة فنجان قهوة من باب الإعجاب فقط! بالله عليك ماذا تظنينه يريد من راما؟"
مررت سيلينا أصابعها في خصلات شعرها وأجابت ببراءة: " أن يشرب معها فنجان قهوة؟!"
زمجرت لورا باستياء ردا عليها: " كم أنت بريئة! أنا واثقة أنه بينه وبين أصحابه يتراهن عليها لإيقاعها في شباكه. ومن فنجان قهوة إلى آخر، وفي النهاية ينال رغبته منها!" أوضحت مقطبة الجبين ثم أضافت:" اسمعي مني جيدا وتعلمي؛ الرجال أمثاله مخلوقات لا تتمع بأي أخلاقيات ومجردون من الضمير، يستمتعون بدمعة الم**ور قلبها وفي المقابل علينا ألا نظهر لهم أي رأفة أو رحمة!"
أكملت دوامي الممل لهذا اليوم ولمحت ذاك المدعو وليد يلوح لي مرحّبا من بعيد، حينما كنا ننتظر بدء المحاضرة، فتظاهرت بأنني لا أراه، آخر ما ينقصني أن تتهمني زميلاتي بمواعدة الشبان وإطلاق هذه السمعة علي.
انتهى الدوام أخيرا فتنفست الصعداء عندما أشارت الساعة نحو الثالثة. لورا سبق وغادرت برفقة خطيبها في سيارته الفارهة. أما أنا وسيلينا فكان علينا التوجه نحو موقف الحافلات لإيصالنا إلى مجمع للمواصلات العامة، وهناك يفترق دربانا لتستقل كل منا مواصلتها إلى بيتها. فسرت مع سيلينا في شوارع الجامعة لنتجه نحو المخرج.
مررت أصابعي في شعري الأشقر لأبعده عن عيني ثم قلت متن*دة: " وأخيرا انتهت هذه المحاضرة المملة لينتهي معها دوام هذا اليوم المتعب! سأعود إلى البيت وأستحم بالمياه الدافئة وأنام وأرتاح من فظاعة ما حل بي من صباح هذا اليوم! لا يمكن أن يسوء أكثر، هذا مستبعد! أليس كذلك؟"
توقفت سيلينا عن المسير وقد لفت نظرها شيء ما، أو بالأحرى أشخاص ما، ثم تساءلت: " راما، أليس ذاك فراس؟"
التفتّ موضع نظراتها ويا ليتني لم أعش حتى أرى هذا المشهد، كان يقف على الرصيف المقابل من بعد وهو يبتسم لفتاة ما، بدا لي أن بينهما حديثا مهما. ألقيت نظرة متفحصة نحو الفتاة، ثم صفعني إدراكي لأستوعب أن هذه البنت ليست إلا ميساء، كانت تتمايع أمامه بجسدها بينما تقف صديقتها إلى جانبها، والتي أذكر أن اسمها بانا. عضضت على إصبعي لأكبت صرختي وزمجرت باستياء: " آآه! تلك الو**ة ميساء! ماذا تريد من فراس؟"
تساءلت سيلينا ببراءة قائلة: " ومنذ متى وجارتك هذه معجبة بفراس؟"
هببت بها مما دب الرعب في قلبها: " هي ليست معجبة به، فقط لأن راما تحبه أصبحت تريده.. كل شيء أرغب فيه تحاول الحصول عليه لتغيظني فقط، لأنها حسودة وأفعى، هل فهمت؟"
أشارت لي بيديها لكي أهدأ، وما إن تركها فراس مبتعدا حتى هممت بالاتجاه نحوها، فتساءلت سيلينا بقلق: " إلى أين؟"
أجبتها بينما أكبح ذاك الثور الذي يريد الانقضاض نحو تلك المشعوذة: " سأذهب إليها لأفهم سبب وقوفها معه." ثم هتفت لها من مكاني وأنا أسير نحوها: " ميــســـاء!"
لوحت بشعرها البني الطويل وهي تستدير نحوي وتربعت على ثغرها ابتسامة شيطانية مريرة، ثم هاجمتني بقولها: " رامــا! وفرت علي عناء البحث عنك... يجب أن أقول لك شيئا في غاية الأهمية."
قاطعتها محتدة بعد أن صرت أمامها مباشرة، وقد سمحت للغضب بالسيطرة علي: " ماذا كنت تفعلين مع فراس؟"
شهقت بشكل مصطنع ثم تغنجت في وقفتها وهي تتظاهر بالخجل ثم قالت: " آه! رأيتني؟! في الواقع هذا ما كنت أريد إخبارك به.. فراس طلب يدي للزواج."
أظلمت الدنيا من حولي وتوقف قلبي عن النبض لوهلة، لأن أموت بسكتة قلبية أهون من خبر زواجه بأخرى، عالمي ينهار أمامي بينما أحاول كبت دموعي، وفجأة أعادني صوت بانا إلى الواقع حيث تساءلت متعجبة: " لكن ... ألم تطلبي منه شرح درس الإحصاء لك؟ متى طلب يدك؟"
التفتت ميساء من فورها نحوها ونهرتها بغضب واضح: " هل يجب أن تكوني غ*ية إلى هذا الحد؟ قتلت لحظة استمتاعي!"
اعتذرت منها صديقتها محرجة بشدة، ثم لوحت ميساء بشعرها مجددا ووجدت ابتسامتها الماكرة طريقها مجددا نحو شفتيها ثم قالت بخيلاء: " حسنا هو لم يطلب يدي بعد، لكن بيننا موعد غدا في مقهى كلية إدارة الأعمال ليشرح لي درسا، وعندما يلمح ذكائي ويركز أنظاره بما حباني الله به من جمال سيهيم بالتأكيد بي ثم نرتبط معا، الكل ينتظر هذه اللحظة، فالشائعات منتشرة بشدة في كلية الهندسة وتقول أنه سيتقدم لخطبتي والكل يعلم بأننا مناسبان لبعضنا. واسألي من شئت وستحصلين على الإجابة ذاتها" ثم ضحكت بدلال مصطنع وأضافت: " لا تخافي لن أنسى دعوتك لحفل خطبتي كي تتحسري على نفسك!"
ضحكت بانا بصوتها الرفيع المستفز وعقبت على كلامها بينما تسيران مبتعدتين عني: " كي تتحسري على نفسك! هههه أعجبتني هذه العبارة كم أنت ظريفة يا ميساء!"
-" أعلم! أحيانا أفاجئ نفسي!"
تقدمت مني سيلينا وحاولت حثي على المسير بينما سمحت للشعور السيء بالزحف إلى قلبي ليتركني وسط ألمي، ثم قالت: " مما أنت مستاءة؟ لا تهتمي لقولها! هذه الفتاة سخيفة ولا شيء مما قالته صحيح! راما هل تسمعينني؟"
جلست في حوض الاستحمام أبكي بصمت وشعرت أنني أختنق بين شهقاتي، فكلما تراءى في مخيلتي زفاف فراس وميساء أشعر بأن قلبي يتقطع، إذا كنت أشعر هكذا بمجرد التخيل فكيف لو عشت هذه اللحظات حقا؟ تبا لك يا ميساء أفسدت علي ما تبقى يومي.
بالرغم من محاولة سيلينا الجاهدة في طمأنتي إلا أنني كنت أعلم يقينا ما هي ميساء قادرة على فعله، فإذا أصرت على شيء فإنها تناله دون الاكتراث لشيء آخر، كلما رغبت بشيء أو حلمت به تخطفه على مرأى من ناظري. ميساء ليست سهلة أبدا.
طرقت أمي الباب مرة ثانية لتستعجلني لأنهي استحمامي وهتفت لي من الخارج: " راما! استعجلي طعام العشاء على وشك النضج!"
دفنت وجهي بين كفي وأكملت نحيبي متجاهلة نداء أمي لي.