الفصل الثالث

3033 Words
شدتني أحداث رواية طالعتها بينما كنت برفقة سيلينا، وفي أذن كل واحدة منا سماعة من سماعاتي لنستمع إلى بعض الموسيقى من جهازي المحمول، كنا نجلس على مقعد حجري نتفيأ تحت ظل شجرة أمست بعض أوراقها تتساقط، لتذكرنا بأننا في فصل الخريف. ارتشفت من عصير البرتقال ثم توقفت في منتصف الطريق؛ لألتفت نحو سيلينا التي فاجأتني بانتفاضها على حين غرة. وضعت كوب القهوة من يدها جانبا، وأسرعت إلى حقيبتها لتعدل أحمر الشفاه على شفتيها، ففتحت فمي مذهولة بتصرفها وقلت هامسة: " سيلينا، نحن في مكان عام! ماذا تفعلين؟" ألقت نظرة إلى نفسها في المرآة الصغيرة وأجابتني: " إيان سيمر من هنا." رفعت حاجباي بينما شككت بأنني أعيش في بعد آخر؛ أنا أعرف كل من يحيط بعالم سيلينا، فمن إيان هذا؟ وما علاقته بها، فسألتها فورا: " إيان؟ من إيان؟" -" لاحقا راما! ليس الآن!" -" ليس قبل أن تقولي لي من هو إيان!" لمحت ظلا يقف إلى جواري، فأدرت رأسي ناحيته، ثم فاجأني بسؤاله: " Excuse me.. Can I help you? " [1] أول ما رأيته قامة طويلة في بزة رسمية أنيقة باللون البيجي، ثم ذاك الشعر الحريري المتراقص مع نسمات الهواء اللطيفة، ثم تلكم النظارات الشمسية التي لم تساعدني في تحديد تعابير الشاب الواقف أمامي. في البداية ظننته شابا عاديا كوليد لكنه يختبئ خلف ملابس راقية، فأجبته ببرود: " عفوا؟!" أجابني بهدوء: "ألم تتلفظي باسمي قبل قليل؟" من يظن نفسه هذا؟ هل هذه طريقة جديدة في التحرش بالبنات؟ شعرت بالضيق منه فجأة فهببت به: " ومن أحضر سيرتك يا هذا؟... أصلا ما أدراني من أنت وما اسمك؟" كانت سيلينا تلطم خديها ولم أفهم ما حل بها فجأة، وقبل أن أتمكن من ربط الخيوط مع بعضها باغتني باستجوابه: " لكن.. ألم تقولي.. إيان قبل قليل؟" رمشت بعيني مرتين لأحاول استيعاب الموقف وهتفت هامسة: " إيان؟" تدخلت سيلينا أخيرا: " هي لم تقل إيان.." أجابت لتنقذ الموقف، ثم أضافت: " بل أيـــ....نَ!" تربعت ابتسامة ماكرة على ثغره وقال: "Is that so?! .. Ok. then.. "[2] أكمل سيره في الممر الطويل المحاط بالأشجار والمقاعد ليبتعد، لكنه استدار في طريقه، وما زالت تلك الابتسامة الماكرة مطبوعة على شفتيه، وقال مخاطبا لي: " By the way…" [3] نظرت إليه بترقب فقال: " تبدين شرسة نوعا ما." ثم تابع مسيره متجاهلا صدمتي. عضضت على مصاصة العصير بين أسناني وأنا أقول بغيظ: " يا إلهي ما أوقحه!" أما سيلينا فاحتضنت وجهها بكفيها وقالت بعينين حالمتين: " آه لا أصدق بأنني كلمته!.. لا أصدق أنه تغزل براما! سأقتلها!" ماذا؟ بماذا تهذي هذه الحمقاء؟ أردت أن أجيبها لأطرد أي أفكار غ*ية من رأسها، لكن سارة قفزت من خلف الشجرة فجأة وبادرت بالتحدث قبلي بقولها: " كيف تعتبرين كلمة شرسة غزلا؟ إنه يذمها، بل قد وصفها وصفا دقيقا." نهضت مهتاجة بسرعة لأضربها، فاختبأت خلف المقعد كأرنب بريء. وسارعت سيلينا بالإمساك بي لإيقافي وهي تهتف لي: " راما اهدئي إنها مجرد طفلة!" استطاعت سيلينا إبعادي عن تلك المشعوذة، بعد أن استهلكت طاقتي وأنا أحاول التحرر من قبضتها، صحيح أنها تمتلك جسدا نحيلا لكنني أشهد لها بقوتها العضلية! فتوقفت لألتقط أنفاسي، وأحاول تجنب النظرات التي تحوم من حولي من قبل الطلبة المتواجدين في المكان إثر الاستعراض الذي قمت به قبل قليل. كل ذلك بسبب سارة، دائما ما تضعني في مواقف محرجة، لا أدري كيف وافقت على اصطحابها معي إلى الجامعة اليوم، فمن بين كل الأيام لم يحن موعد الرحلة المدرسية إلا في ذات اليوم الذي أخذت فيه أمي أخي الصغير إلى المطاعيم! ولأن أمي تكره الرحلات المدرسية ولديها قلق زائد، ولا تثق بأحد ألقت أوامرها علي باصطحابها معي إلى الجامعة. حاولت الرفض كثيرا حتى علت أصواتنا. في النهاية هددتني بقطع المصروف عني وعدم السماح لي بالذهاب إلى الجامعة فوافقت مكرهة. جلست على المقعد بينما أوضّب سماعاتي في الحقيبة وأنا أردد بسخط:" أصلا احمدي الله أنني وافقت على أخذك معي اليوم، لو رميتك في بيت الجيران لكنت ارتحت منك!" ثم نظرت نحو سيلينا وأنا ما زلت أنفث بالنيران من منخري وتابعت: " وأنت! من هو إيان هذا؟" شبكت أصابع يديها ونظرت في الفراغ أمامها بعينين حالمتين كأنها ترى أحدا ما لا نراه، وأكاد أقسم أنني لمحت حولها عالما ورديا، ثم قالت بنبرة تيه واضحة: " إيان!.. طالب أجنبي يكمل دراسات عليا، رئيس مجلس الطلبة، يتخصص في إدارة الأعمال، وفاحش الثراء، فهو يتبرع بمبالغ هائلة للجامعة والطلبة الذين لا يتمكنون من الدراسة على نفقتهم، لديه الكثير من مشاريع الأعمال الخيرية... شاب وسيم.. راقٍ.. خفيف ظل.. اجتماعي.. سهل المعشر.. يتصف باللطافة لكن في الوقت ذاته رجولي.. هادئ جدا وليس همجيا ولا تفور أعصابه بسرعة.. إنه ملاك على هيئة ملاك بشري!" هل سيلينا واقعة في الحب؟ منذ متى؟ وكيف تعرف عن هذا المدعو إيان كل هذه المعلومات؟ لماذا قد تخفي عني شيئا كهذا؟ أردت سؤالها كيف تعرف عنه كل هذه المعلومات ولماذا لم تحدثني بأمره سابقا، لكنني ارتأيت تركها في عالمها الوردي بعد أن شعرت أنها لم تعد تدرك ما يدور حولها. وقررت الانطلاق نحو الكلية؛ لأن موعد المحاضرة القادمة قد اقترب. وعلي طلب الإذن من الدكتورة ماجدة لتسمح لسارة بالجلوس معي في القاعة بدل تركها وحدها، فهي صغيرة وأخشى عليها. كان يمكن أن أتركها مع سيلينا، لكن لديها هي الأخرى محاضرة في ذات الوقت، أما لورا لا أحد يعلم أين اختفت. وقفت أمام الباب بانتظار مجيء الدكتورة وسارة إلى جانبي، ويبدو أنها تعبت من الوقوف فجلست القرفصاء ثم قالت بتذمر: " لما لا نجلس بدل الوقوف هنا عند الباب؟" أجبتها باختصار: " حتى أستأذن من الدكتورة فورا لكي تبقي في القاعة." كانت سارة تركز نظرها أمامها بعينين مرتابتين، ثم أشارت بإصبعها قائلة: " راما؟ ما به ذاك الشاب ينظر إليك بوقاحة هكذا؟" أمسكت يدها وأنزلتها بسرعة وهببت بها باستياء: " كم مرة قلت لك لا تشيري نحو أحد؟!" ألقيت نظرة محرجة من طرف عيني نحو ذاك الشقي وليد فرأيته ينظر نحونا باستمتاع، تبا لك يا سارة الآن سيظن أنه ذات أهمية لأنها أشارت نحوه. حاولت كبت غيظي ووجهت كلامي إليها بتهديد: " انسي أمره، هذا شاب أحمق... تجنبيه ولا تنظري إليه.. هل تفهمين؟" أخيرا لمحت الدكتورة ماجدة في الممر فهرولت نحوها لأطلب الإذن منها بينما أدعو في سيري بكل آيات التيسير، وأعتقد جازمة بأن دعواتي قد استجيبت؛ فقد وافقت ولله الحمد. خشيت ألا توافق هي بالذات بسبب كونها صارمة جدا، كما أنني أستشعر أحيانا أنها لا تستلطفني. نبهت على سارة بعدم إصدار صوت واحد مؤكدة عليها أن هذا شرط الدكتورة. أعطيتها سماعاتي وجهازي المحمول لكي تشاهد مقاطع فيديو لألهيها بها حتى لا تتسبب بالإزعاج لنا، وأجلستها في المقعد الأول بجانب النافذة وجلست إلى جانبها وركزت كل انتباهي مع المحاضرة. عطشت سارة وهو أمر متوقع منها، فنزلت عن المقعد لتأخذ زجاجة الماء مني، ونسيت أن السماعات في أذنيها، ولأنني أمتلك سماعات ذات سلك جرّت معها هاتفي وسقط أرضا فأص*ر صوتا. حاولت جاهدة كبت غيظي وأنا أعض على خدي من الداخل وأتوعد لأمي في سري بأن تشتري لي جهازا جديدا إذا تسببت سارة بهمجيتها بخدش في هاتفي. نظرت نحونا الدكتورة ماجدة مؤنبة، ونظرتها الحادة كانت كافية لي لدب الرعب في قلبي، فحدجت سارة بسخط، وهمست لها آمرة أن تلتزم الصمت وتتوقف عن الإزعاج. جلست سارة مرة أخرى في مقعدها، وانغمست في الهاتف من جديد، وبالرغم من تنبيه أمي علي بعدم إعطائها جهازا الكترونيا كونها صغيرة في العمر، إلا أنني ألجأ إلى ذلك أحيانا كثيرة دون علمها وخصوصا عندما تتركني في البيت وحدي معها، وذلك لأتخلص من إزعاجها. بينما كنت أتابع المناقشة بين الدكتورة وأحد الطلبة في موضوع المحاضرة وإذ بسارة تضحك فجأة، فالتفت الجميع نحوها. كانت تضحك على شيء رأته في أحد مقاطع الفيديو، ويبدو أنها غير مدركة لفداحة تصرفها بعد. زمجرت الدكتورة بضيق واضح وهي تشزرني بنظرات مخيفة. فاعتذرت منها فورا وعمدت إلى مقعد سارة وسحبت الهاتف والسماعات من أذنها بينما أهمس مهددة لها بأن أقتص منها لاحقا. لم تستوعب سارة الأمر بعد، فكانت تنظر إلي مصدومة، ثم لوت فمها كعلامة على عدم رضاها وجلست في مقعدها غاضبة. تجاهلتها وأكملت المحاضرة، فأخذت تجوب بعينيها في أنحاء القاعة، علّها تبحث عن تسلية جديدة. ثم انحنت نحوي وهتفت لي هامسة: " راما، ذاك الشاب ينظر إليك ثانية." همست لها لأسكتها لئلا توقعني في المشاكل من جديد: " قلت لك تجاهليه ولا تنظري إليه." اعترضت قائلة: " لكنه أكلك بعينيه!" طفح الكيل من قبل الدكتورة، ولنقل أن هذه هي القشة الأخيرة، فحدجتني بنبرة مؤنبة: " راما! أهذا وعدك لي بألا تتكلمي مع أختك؟" احمر وجهي خجلا ثم أجبتها بنبرة محرجة: " أنا آسفة... أعدك أن الأمر لن يتكرر..." فقاطعتني بحدة: " آه كفاك وعودا! لا أريد سماع صوتك أو صوت أختك طيلة المحاضرة مفهوم؟!" غضبت سارة فورا من أسلوب الدكتورة الجاف معي، فهاجمتها قبل أن أتمكن من استيعاب موقفها: " أنت امرأة ظالمة!" لطمت وجهي برعب وإحراج، وصرخت بها: " سارة اصمتي!" لكنها تجاهلت أمري وتابعت: " ذاك الشاب التهمها بعينيه..." أشارت نحو وليد فدفن جسده في داخل مقعده محرجا وهو يتمتم بخفوت وأعتقد جازمة أنه كان يشتمها. ثم تابعت: " هو من يجب أن تغضبي عليه لا راما.. أنا أصلا أعتقد أنك تغارين منها لأنك بشعة وهي أجمل منك.. نعم، نعم! تغارين من شعرها الأشقر يا حسودة لهذا تعاملينها بجفاء وحقد وظلم!" علت أصوات الشهقات والضحكات من حولي، احمرت وجنتا الدكتورة واكفهر وجهها عن تكشيرة مرعبة وأظلمت عيناها غيظا. شعرت بأنني سيغشى علي. حاولت ازدراد ريقي، ثم جاهدت لأستبسل بالاعتذار والدفاع عن نفسي قائلة: " دكتورة.. إنها مجرد طفلة! أنا أعتذر بشدة! إني آسفة.." رفعت يدها لتسكتني وأشارت نحو الباب بيدها الثانية وهي تزمجر: "توقفي يا راما! لست بحاجة لأسفك ولا لوجودك في القاعة! يمكنك الانصراف مع شقيقتك!" حاولت جاهدة كبت دموعي واعترضت بوجل: " لكن.." قاطعتني محتدة: " بدون لكن! هيا تحركي.. لن أكمل المحاضرة إذا بقيت هنا!" نهضت بينما أجر معي كبريائي المجروح، واتجهت خارجا ولحقتني سارة بسرعة، لم أتمكن من السير، شعرت بالضعف والهوان فاتجهت نحو أحد زوايا الممر وجلست على مقعد حجري بجانب النافذة واستسلمت للبكاء: " لماذا؟ ماذا فعلت لك لكي تعامليني بهذه الطريقة؟ ألهذه الدرجة كنت أختا سيئة؟! يا رب ساعدني! ......" حاولت سارة الاعتذار مني وهي تضع يديها على فخذي، وتأمل أن أنظر نحوها بعطف فقالت: " أنا آسفة لم أكن أقصد كانت نيتي حسنة!" صفعت يديها بعيدا عني واستسلمت لبكاء مرير، ثم سمعت فجأة صوتا ليس بغريب يتساءل: " ما بها الحلوة تبكي؟" اقترب مني أكثر، كانت رؤيتي ضبابية بسبب الدموع، فلم أتنبه إلى ملامحه في البداية، لكنني لمحت تلك البزة البيجية وهو ينحني فوقي متسائلا: " من الذي أجرم بحقك وأنزل دمعتك؟" لم أتمكن من إجابته، فتكفلت سارة بالأمر قائلة ببراءة: " طردتها المعلمة من الصف." أجابها بنبرة مستمتعة وهو يجاريها في طريقة حديثها: " حقا؟! معلمة ماذا؟" أجابته بنبرتها الطفولية ذاتها: " معلمة اللغة الانجليزية." سألها مجددا: " حسنا وما اسم معلمتها تلك؟" فقالت بنبرة مغتاظة: " لا أعرف.. هي امرأة مغرورة حقودة، لها أنف معقوف.. لكنني لا أعرف اسمها.." سمعته يحاول كبت ضحكته من حديثها العجيب، فقررت التدخل أخيرا وأجبته بشهقات وسط دموعي: " اسمها ماجدة... الدكتورة ماجدة." مد يده بمنديل أبيض مطرز نظيف وقال: " تفضلي، امسحي دموعك... لا يجوز لعينين جميلتين كهاتين أن تمتلآ بالدموع!" شعرت بالإحراج من تعليقه ولفتته اللطيفة، نظرت في وجهه فرأيت عينين زرقاوين بزرقة عميقة كلون البحر، ورموش مكحلة تنظران في عيني الباكيتين، لحية لطيفة خفيفة تزين فكه، أنف مستقيم وابتسامة دافئة تشق شفتيه. ازداد إحراجي بعد إدراكي لتفاصيل وجهه الوسيم، وومض في مخيلتي تعليق سيلينا حينما وصفته بقولها: ( ملاك على هيئة ملاك بشري)، فأخذت المنديل شاكرة له وأشحت نظري بعيدا، ثم بادرني بالسؤال: " أين هي محاضرتك؟ في أي قاعة؟" أجبته بصوت خافت: " قاعة 106". فهز رأسه وهو يضع يديه في جيب بنطاله المكوي بعناية، ثم أشار لي برأسه قائلا: " حسنا.. تعالي معي سأعيدك إلى المحاضرة." تفاجأت من بادرته، فقلت بتردد: " ماذا؟ لكن... ماذا لو رفضت؟" ابتسم ابتسامة واثقة وأجاب: " لن يحصل." ثم انحنى نحو حقيبتي وكتبي ورفعها عني قائلا: " هاتي عنك سأحمل لك أغراضك." ثم سار أمامي بينما يتملكني التعجب من تصرفه، فقررت اللحاق به؛ فأغراضي معه في كل الأحوال، سرت خلفه لأجاريه، لكنني التفتّ نحو سارة أولا ثم هببت بها بغل واضح: " أنت لن تأتي معي ستبقين هنا!" قابلتني بنظرة مستعطفة لكن لا، هذه المرة لن أقع في فخاخها، وتابعت: " يكفيني ما تسببت به من مشاكل لي." تركتها ومضيت خلف ذاك الشاب. التفت نحوي بابتسامة معاتبة وقال: " ألا تعتقدين أنك قسوت عليها بعض الشيء؟" اخترت ألا أجيبه، ثم وصلنا حيث الباب، طرق عليه بخفة طرقتين بنغمة، ثم سمح لنفسه فتحه قبل أن يسمع إجابة من الطرف الآخر، ثم حياها بنبرة هادئة وابتسامة لطيفة: " Hi!" سمعت صوت الدكتورة من الداخل، حيث لم أر وجهها لكن من نبرة صوتها علمت أنها ابتهجت لرؤيته، قائلة: " إيان!.. يا للمفاجأة!" وقبل أن تنطق بالمزيد سمح لنفسه بالحديث فقال معاتبا: " ماذا يا دكتورة؟ ظننت أن بيننا صحبة! لم أعتقد أنك ستخيبين ظني فيك هكذا!" ثم ابتعد قليلا عن المدخل لأظهر من خلفه، كنت أختبئ خلفه بإحراج واضح، فاتسعت دهشتها من رؤيتي لتتساءل: " ماذا؟" ربت يده على كتفي وقال: " كيف استطعت أن تطردي هذه الجميلة من القاعة؟" تمتمت بلهجة مبهوتة: " .. أنا.. ءء.." لكنه لم يعطها مجالا للحديث فقال: " لا داعي لأن تدافعي عن موقفك فمهما كان الذي فعلته هذه المسكينة فهي لا تستحق الطرد! والآن إن كنت تكنين لي المعزة فأعيديها إلى المحاضرة.. رجاء!" نظرت بطرف عيني نحو وجهها المبهوت، ثم ما لبث خداها يحتقنان بحمرة الغضب وأخيرا أجابته: " حسنا.... بشرط واحد... أن تكمل قصصها الغرامية خارج وقت المحاضرة!" فتح فمه مذهولا والتفت نحوي رافعا حاجبيه وهو يقول: " قصص غرامية؟!" شعرت بأن الدخان يتصاعد من رأسي إثر تدفق الدماء إلى وجنتيّ بعنف، فطـأطأت رأسي إلى الأسفل بإحراج بينما أهتف في سري ذما لها: " لئيمة!" نهض الطلبة للخروج عقب انتهاء المحاضرة ومرت فتاتان من خلفي وهما تتهامسان، فقالت الأولى: " هل رأيت كيف حدجت الدكتورة راما بعينيها قبل خروجها؟" فأجابتها الثانية باستمتاع: " يا إلهي! نظرات الغيظ في عينيها كانت واضحة." تجاهلت التعليقات التافهة من حولي ووضبت دفتر ملاحظاتي في حقيبتي بينما أهذر مع نفسي: " وأخيرا سأخرج من هنا وأرتاح من هذا العذاب!" ظللني خيال أحد ما ثم سمعت صوته يهدر بي: " حسنا! من كان هذا الشاب؟ قولي لي الآن!" رفعت بصري نحوه مغتاظة، يا له من شاب وقح! ألا يكفيني السمعة التي جلبها لي من نظراته الو**ة؟! فأجبته وأنا أحاول كظم غيظي: " هذا أنت؟ ماذا تريد؟!" وضع وليد يديه على وسطه وكرر سؤاله بنبرة أشد غلظة: " لم تجيبي على سؤالي، من كان ذاك؟ حبيبك؟" فغرت فمي مذهولة بسؤاله الوقح وبدأت أتمتم: " إه؟ ماذا؟ إنه ليـ... وما شأنك أنت أصلا؟!" -" هذا الكلام لا يقال لزوجك المستقبلي!" نهضت عن المقعد بغيظ وضربت الطاولة بكف يدي وهاجمته بقولي: " زوجي المستقبلي؟!" التفت بعض الطلبة الذين كانوا ما يزالون يهمون بالخروج نحونا، لكنني قررت الاستمرار في صراخي عليه في كل الأحوال فتابعت: " كيف تجرؤ على قول هذا؟ أنت السبب في طردي من المحاضرة والإحراج الذي تعرضت له! كفّ عن إزعاجي واتركني وشأني!" قطب جبينه باستياء وأجاب: " لست أنا السبب، شقيقتك ذات الفم الكبير هي السبب!" -" أنت مزعج! هذا آخر تنبيه لك! دعني في حالي!" -" لماذا أنت غاضبة؟ أنا من يجب أن يغضب هنا!" وأخيرا لمحت سيلينا حين وصل إلى مسامعي صوتها وهي تهتف لي بوجه متعجب: " راما؟ هل كل شيء على ما يرام؟" أسرعت بالتوجه نحوها، وأمسكتها من يدها وجررتها خارجا وأنا أقول: " تعالي يا سيلينا يجب أن أخرج من هنا قبل أن أنفجر!" التفتت خلفها لتراه وهو يصيح من مكانه: " لن تستطيعي الهروب إلى الأبد! سنلتقي مجددا وعندها سيكون لكل مقام مقال!" حينما خرجت لم أجد أثرا لسارة في الممر، فشحب وجهي وأنا ألتفت يمنة ويسرى بينما أبحث عنها. وأخذت أهتف وأنادي باسمها، تساءلت سيلينا عم يجري معي وعن سبب اختفاء سارة. أوشكت عيناي على ذرف الدموع حينما لم أجدها، وأخيرا سمعت صوتها عند نهاية الممر من جهة السلالم الخلفية وهي تضحك، فجريت باتجاه الصوت وجرت سيلينا خلفي. حينما وصلنا توقفنا فجأة نكبت شهقاتنا؛ لمحنا سارة جالسة على السلالم بيدها قطعة من الشوكولاه وإلى جانبها يجلس ذاك الشاب – إيان -. رفع بصره نحونا ثم نهض واقفا، وأشار إلى سارة بالذهاب إلي، وقال لي: " لا يمكنك ترك طفلة وحدها أينما كانت، حتى لو كانت في حرم آمن!" نظر نحو سارة وقال: " أحببت أن أجالسها كأمانة حتى تنهي محاضرتك وأعيدها إليك لئلا تصاب بأذى..." مشت سارة نحوي بوجل، وهي تنظر في عيني بقلق، فانحنيت نحوها واحتضنت خديها بكفي وقلت: " خفت عليك... لا تخيفيني هكذا ثانية!" أومأت برأسها موافقة ثم أمسكت بيدي، نظرت نحو إيان بإحراج، فابتسم ثم أدار ظهره لنا وهبط السلالم ليختفي من أمامنا. وأخيرا نطقت سيلينا قائلة بنبرة متشككة: " ماذا يجري هنا؟ هلا فسرت لي ماذا يفعل إيان مع أختك؟" أوضحت لها أنني سأشرح لها كل شيء حالما نصل مطعم الوجبات السريعة؛ لأطعم سارة كتعويض عما فعلته بها................ رفعت بصري نحو سيلينا بحذر منهية شرحي بقولي: " وهذا ما جرى بالضبط." كانت تعقد ذراعيها أمام ص*رها وتنظر في وجبتها ثم عقبت: " أه! حسنا لا أعرف ماذا أقول.." شعرت بالاستياء فورا ورجوتها بنبرة نادمة لتسامحني، فقبضت على شطيرتها وتصنعت ابتسامة باهتة وقاطعتني: " أرجوك راما انسي الموضوع، دعينا نأكل الآن..." أردت أن أقول شيئا أي شيء، وعندما تحليت بالشجاعة لأحدثها ثانية جاء صوته مقاطعا جلستنا بقوله: " يا للمصادفة!" وجهنا أنظارنا بتعجب نحو مص*ر الصوت، حيث كان واقفا بثقة بجسده الطويل عاقدا ذراعيه أمام ص*ره، ثم هز رأسه قليلا ليبعد شعره الحريري عن عينيه وخاطبني قائلا: "Can I have a moment with you please? "[4] نظرت نحو سيلينا كأنني أستأذن منها أولا، لكنها أشاحت بصرها بعيدا عنا، ثم نهضت وسرت معه مبتعدين قليلا عن الطاولة التي نجلس عليها في المطعم. اعتذر مني على مقاطعته لي أثناء تناول وجبتي، ثم قلت له: " هل من خدمة أسديها لك؟ آه تذكرت... أنا لم أشكرك!" لوح بيده متقبلا الأمر ثم قال: " لم آتك لهذا...بل أريد أن أدعوك إلى عشاء.... معي... ما رأيك؟" فغرت فمي بدهشة وحانت مني نظرة باتجاه سيلينا وسارة حيث كانتا تنظران من بعيد نحونا بفضول قاتل. دعكت مؤخرة رقبتي وأجبته: "ليس كأنني لم أشعر بالإطراء.. لكن أنا آسفة .. لا أستطيع." ابتسم مظهرا صف أسنانه البيضاء ثم تساءل: " Why not?" [5] لم أجد ما أرد به عليه فتأتأت بقولي: " ءءء.. مجتمعنا ليس.... كمجتمعاتكم .. الغربية.. نحن شعب.. محافظون..." ضحك هذه المرة وقال: " لن يحصل شيء بيننا ولن أستغلك، إنه مجرد عشاء لا أكثر... هيا، شاب غني يدعوك لعشاء فاخر! لا يمكنك الرفض! لا تنسي أنني أنقذتك اليوم." حرر ذراعيه ليضع يديه في جيب بنطاله ثم انحنى نحوي أكثر وهمس: " اعتبري قبولك كشكر لي... ومن ناحية أخرى من سيقنع ماجدة بألا تظلمك في العلامات؟ فأنت تعلمين أن معظم الدكاترة في الجامعات الحكومية يعملون بلا ضمير.." شعرت بوخزة خوف في قلبي من حديثه عن الدكتورة ماجدة، ثم قال منهيا الأمر دون أن يأخذ برأيي: [6]"So? Thursday night? 6 o'clock? Give me your address I'll send you a limo." غمزني بعينه ثم انصرف، فعدت بوجنتين مشتعلتين احمرارا إلى الطاولة، وجلست في مقعدي ببهتان يغطي وجهي، لم تتمالك سيلينا نفسها فهاجمتني بسؤالها: " إذن؟ ماذا يريد؟" أجبتها متجنبة النظر نحوها: "لقد.. دعاني إلى العشاء!" شهقت المسكينة وأرجعت ظهرها لتسنده على ظهر الكرسي وهي تطالعني بعينين دامعتين وكأنني سفاحتها التي ذبحت أملها وأحلامها.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD