يدها تسللت بخفة لتضعها على ص*رها.. تمامًا حيث قلبها الذي تشعر به ينبض سريعًا لوهلة. كانت لحظة خاطفة بالفعل.. ولكنها متأكدة من أنها لمحت شيئًا يمر بسرعة خارقة أمامها للتو. لا تزال تشعر بيدَي شقيقها حولها، يتمسك بها كأنه كاد يفقدها للتو رغم أنها لا تعلم حقًا ما حدث. لقد فاتتها تمامًا حقيقةُ أن شرودها منعها من سماعِ الصوتِ المزعج لدراجةٍ نارية مُقتربة.. ولم تشعر أنها جفلت بشدة من ذلك حتى استعادت تركيزها من جديد.
رفعت عينيها الواسعتين أخيرًا لتُلقي نظرةً إلى محيطها، تنوي أن تضع ناظريها على أيًا ما تسبّب بهذا الموقف. يبدو أن كيونغ سو كان الشخص الذي حصل على رؤية واضحة للمشهد، مذ أنه يعقِد حاجبيه والغضب يسيطر تمامًا على تعابيره. بعيونٍ جاحظة كان يُحدق في اتّجاهٍ ما، وصوته المليء بالتوعُّد المرعب ارتفعَ..
[ا****ة! ألا يستخدم ذلك الو*د عينيه؟!]
تلك المرة بدا صوتُ أخيها مُخيفًا أكثر من المعتاد، حتى لو كان قد امتاز بخشونته لسنوات.. لكنها شعرت بأنه كان على وشكِ قتلِ أحدهم حينها. بالفعل هي لم تكُن مخطئة.. لأن نظراته المُباشِرة جعلتها تتبع مسارها إلى حيث يُحدق. قد لمحت بعض الطلاب الذين توقفوا للحظات أو التفتوا كأنهم يتساءلون عمّا حدث مع ذلك الشاب الغاضب والفتاة الشقراء.. لكن لا أحد منهم جذبَ اهتمامها مثله..
لمعت عيناها ب**ت حينَ رأتها مرة أخرى.. تلك الخصلات الحمراء كتفاحة طرية. هناك.. أمامها على بُعدِ أمتار حيثُ موقِف الدراجات الخاص بالمدرسة.. راقبت دراجةً سوداء ذات سطحٍ برّاق وطرازٍ شبابي تصطف قُرب الأُخريات. كان هنالك شابٌ يترجل منها بالفعل، ولم يكُن يرتدي خوذة وقتها.. لذا فأن أول ما يمكنك أن تلاحظه فيه هو ذلك الشعر الأحمر الصارخ.
يبدو أنه تمكّن من جذبِ الكثير من الأنظار.. فعلى ما يبدو أن الطلاب الّذين كانوا يلتفتون ليشاهدوا سِرًا كانوا يتهامسون بشأنِ شيءٍ واحد.. وهو أن ذلك الشاب ذو الشعر الغريب سيوقع نفسه بورطة صباح ذلك اليوم.
تلك كانت اللحظة حين أدركت افروديت أخيرًا ما حدث.. فتلك الدراجة النارية كادت تدهسها للتو! هذا صحيح.. الشاب الطائش هناك كادَ أن يدهس ابنة مموّل المدرسة. هذا ليس سرًا بعد الآن في هذا المكان، فافروديت وكيونغ سو كانا دومًا من ضمنِ الطلبة الأغنياء الذين يتمتعون بحقيقةِ أن والدهم، السيد كيم، هو مموّل رئيسي لهذه المدرسة.
حسنًا.. ربما سينتهي أمر هذا الطالب اليوم.هذا ما فكر به أغلب المارّة من هناك.
استطاعت أنفاسُ افروديت أن تنتظم من جديد، وراحت تُحدق بذلك الرأس الأحمر لتتعرّف جيدًا على هيئته. جسده مُغلّف بسترةٍ جلدية سوداء كلونِ دراجته، لكن الغريب في الأمر أنه لم يكُن يبدو كراكبي الدراجات الشائعين.. أعني أنه لم يكُن ضخمًا ولا يبدو مخيفًا. كانت تعابيرها قد سكَنَت تمامًا وعيونها الفضولية تُحدق به.. فهي لا تتذكر أنها رأت شخصُا ب*عرٍ أحمر من قبل، وهذا ما جعلها لا تنتبه حقًا إلى حركاتِ شقيقها قربها.
هو التفتَ نحوها يتفحصها بعينيه ليتأكد أنها لم تتأذي في أي مكان، ولا تزال تلك العقدة بين حاجبيه يُمكنها أن تشير بوضوح إلى غضبه، ومع هذا هو حرصَ أن يسأل افروديت عن حالها بعدما أبعد يديه عنها ووكزها بخفة لتنتبه له.
[هل أنتِ بخير؟]
تلك المرة هي لم تنظر إليه، لكنها فقط أومأت بهدوء تؤكد عليه ذلك.. بما أنه يستطيع رؤية ذلك أيضًا. وقتها شعرت بالربطةِ الصغيرة في شعرها ترتخي وكأنها على وشك افلات خصلاتها الشقراء، لهذا رفعت يديها بِبطء نحوها وراحت تُرتب شعرها بعد ذلك الموقف.. ومع هذا لم تتمكّن من انتزاعِ عينيها عن ذلك الشاب الذي كاد يدهسها.
التفتَ كيونغ سو مرة أُخرى لينظر فيه وعينيه متوعِّدتين بشدة، كان ينوي الذهاب إلى هناك وتلقينه درسًا لكنه توقف للحظة عندما لاحظ أن ذو الشعر الأحمر ترك دراجته مكانها وأدار جسده نحوه، كما لو أنه يرغب بأن يُلقي نظرة إلى الخلف.
في تلك اللحظة.. كِلا الأخوين عقدا حاجبيهما معًا فورَ أن وقعت عينيهما على وجهه الذي انكشفَ للتو.
رقعةٌ طبية بيضاء كانت تعانِق إحدى عينيه لتُخفيها بأمانٍ خلفها، تترك عينه الداكنة الأخرى تُحدق بشكلٍ مُباشر ببريقهما الغريب في افروديت وكيونغ سو. كانت تعابيره هادئة تمامًا كما لو أنه لا يُدرِك ما فعله أبدًا، مما جعل افروديت تُحمحم وتُخفض يديها حين أصلحت ربطة شعرها وبدأت في المسحِ على تنورتها القصيرة.. كما لو أنها تنوي أن تُشير له بأنها هي من كاد يصدمها.
بالتفكير مرة أخرى..رؤيته برقعةٍ طبية يجعلها تشعر أنها ستعذره بطريقةٍ ما، ربما لأنه حقًا لم ينتبه لطريقه، ولكن كيف يتم السماح له بقيادة تلك الدراجة إن لم يكُن قادرًا على فعلِ ذلك بقدرٍ كافٍ من الحرص؟ يبدو أن شقيقها كان يُفكر بالشيء نفسه.. ولهذا عقدَ ذراعيه إلى ص*ره يُظهِر هالة عدائية قليلًا، كما لو أنه سيقف هناك وينتظر من ذو الشعر الأحمر أن يقترب ويُبدي اعتذارًا مناسبًا..
حسنًا ليس وكأن هذا سيُرضيه تمامًا..
يبدو أن الشاب وقتها حطمَ كل توقعات الأخوين، لأنه وبكل بساطة وضع يديه في جيوبِ سترته، أشاح بعينه الظاهِرة بعيدًا بلامبالاةٍ ممزوجة بفظاظةٍ باردة.. كأنه لا يهتم حقًا لما حصل ولن يُلقي نظرة أُخرى للخلف. رؤيته وهو يلتفت بهدوء هكذا ويبدأ بأخذِ خطواته نحو المدرسة جعل كيونغ سو يُحدق به بغضبٍ لا يُصدّق كأنه على وشك القفز عليه والتهامه بأسنانه.
تصرّفه الوقح جعل دمه يغلي، وافروديت وقفت هناك متجمدة في مكانها وترمش.. فهي كانت تتوقع اعتذارًا والآن كل ما تراه هو ظهرُ ذلك الشاب وهو يبتعد بخطواتٍ مستقيمة وواثقة نحو وجهته، تتعلّق حقيبته التي لم تلاحظها بسبب تناغم لونها الداكن مع سترته الجلدية على كتفه.
ما دفعها إلى أن تستفيق من صدمتها تلك هو صوتُ شقيقها المُخيف مرة أُخرى وهو يصدو كالرعد، فخفّ اتّساع عينيها والتفتت تراه يكاد يهرول خلف صاحب الشعر الأحمر وهو يبدو كشخصٍ جاهز للدخول إلى حلبة مصارعة أو ما شابه.
[هل يظن ذلك المتعجرف ان هذا سيمضي بسهولة؟! بجدية ما ال..؟!]
فورَ أن رأته افروديت يتّخذ خطوة غاضبة نحو الأمام هي هلعت وقفزت سريعًا لتوقِفه حين مدت كلتا يديها وتمسّكت بشدة بذراعه، فتسبّبت بجعله يتعثر للحظة قبل أن يلتفت برأسه باتجاهها.. يُحدق فيها بحاجبين معقودين كما لو أنه يتساءل عن السبب الذي جعلها تفعل ذلك. وقتها رمشت افروديت بعدم راحة، وتمتمت له عسى أن تنجح في تهدأته ولو لوهلة..
[لا تفعل كيونغ سو.. اتركه الآن.]
طلبها الذي جاء بصوتٍ متردد وصغير جعله يرفع كِلا حاجبيه وينظر فيها كما لو أنه سيض*ب رأسها بيده حتى تستفيق من صدمتها جراء الحادث والتفكير معه بجدية، فذلك الشاب كان سيقتلها وهي ترغب أن تتركه يفلت؟! لم تعُد افروديت تملك ذلك الوجه المُشرق الذي نزلت فيه من السيارة، ولهذا تراجع كيونغ سو من جديد ليقف أمامها تمامًا ويُحدق فيها بطريقة جعلتها تبلل شفتيها وتحاول النظر إلى شيءٍ غير عينيه المخيفتين.
[!اتركه؟! ولمَ هذا هل كنتِ ستفضّلين أن تبدأي العام الدراسي بالحصول على جنازة؟!]
كرر عليها طلبها المستحيل بالنسبة له حتى يُسمِعها ما بدى عليه الأمر حين قالت ذلك، فولا أنه سمِع صوت الدراجة قادمة والتفت لينظُر لما كانت افروديت تقف هنا وتقترح عليه ذلك! كانت تعلم أن مطلبها يبدو غير معقول في البداية، لكنها تن*دت كأنها غيرُ مرتاحة وبقيت تتمسك بسترته فيما هي تشرح..
[لا أرغب بجعلك تتسبّب بشجارٍ كبير هنا! ليس وكأنني لستُ غاضبة من هذا ولكن لا يمكنك وحسب أن تذهب لتواجهه بدون أن نتصرف بعقلانية! هذا يحتاج إلى بلاغ!]
حين سمع كيونغ سو ذلك شخر بسخرية، بالرغم من أن أخته كانت جادة تمامًا بحاجبيها المعقودين ذنيك وعيونها المشوشة. لا بُد أنها تشعر بضيقٍ كبير داخلها، ولم تعُد مبتهجة كثيرًا بشأنِ هذا اليوم.
كان يعلم أنها محقة من ناحيةٍ ما، لكنه وحسب لا يُمكنه أن يقف هناك دون أن يلكمه مثلًا أو يصرخ فيه على الأقل، فعبس بوجهه وتمتم بحنق..
[عقلانية في مؤخر..]
كان سيشتم من جديد لولا أن يد افروديت صفعت ذراعه بخفة، تعبس في وجهه بشكلٍ جاد مما جعله ينظر إليها من جديد بانزعاجٍ تام من حقيقةِ أنها تنوي حقًا أن تمنعه، فقط ليذهبا ويقدما الشكوى على الشاب ذو الشعر الأحمر بما يكون مناسبًا. عينيه تفحصتا شقيقته مرة أُخرى وراح يجوّل ناظريه أمامه كما لو أنه يبحث عن ذلك الطائش من بين التجمعات الطلابية والأجساد المارة.. يوعِد نفسه بأنه سيلحق به إلى كل مكان حتى لا ينسى ما فعله هذا اليوم.
ربما لم تعترف افروديت بذلك وقتها.. لكنها كانت لا تزال ممسكة بذراع شقيقها لأنها يمكنها الشعور بساقيها ترتجفان بخفة. للتو أدركت أن الموقف كان مُرعبًا.. ولم تتوقع أن يستقبلها شيءٌ كهذا في الصباح الدراسي الأول.
كانت ترغب بأحداثٍ جديدة والخوض في علاقات حديثة.. لكن هذا ليس شيئًا وضعته في رأسها.
-----------------
تن*دت افروديت تمامًا بعد ثوانٍ فقط من مراقبتها للسيدة التي تصنع كعكةً من شعرها تسيرُ أمامها مُتجاوزةً باب الفصل وهي تعانق كتابها إلى ص*رها، فانتظرتها أن تمر حتى تقفز خارجةً هي الأُخرى نحو الرواق اللامع داخل تلك البناية.. وما هي إلا لحظات حتى امتلأ بالطُلاب الّذين تراكضوا خارج فصولهم نحو الاستراحة الأولى لهذا اليوم.
لم تمضِ دقيقة على سماعها صوت الرنين يصدح في المكان.. وها قد راقبت الاستاذة تغادر، الآن عليها فقط أن تجد أخيها من جديد.
هي حقًا تًحب المدرسة، لكنها تلك المرة لم تستمتع تمامًا بالحصّة الأولى لهذا العام.. كونها كانت تفكر باستمرار بما سيفعله شقيقها بشأن ذلك الشاب صباحًا. لو علِم والدها بهذا ستحدث فوضى كبيرة، وبقدرِ ما كانت تكره التسبّب بالمتاعب هي تريد حقًا أن تحصل على اعتذارٍ وتعويض لائقين! كادت أن تفقد حياتها في يومٍ كانت متحمسة لأجله.
تسحّبت بالكاد من بين يدّي زميلاتها في الفصل حينَ عرضنَ عليها بحماس أن يأخذن جولتهن المعتادة معًا، وربما يتناولن الطعام في الكافتيريا لاحقًا.. لكنها أهدتهن ابتسامتها اللطيفة وهربت حتى تبحث عن كيونغ سو، توعِدهن أنها ستلاقيهن في وقتٍ ما حين تنتهي مما يشغلها.
بالطبع فتاةٌ كأفروديت يرغب الجميع بمحادثتها والكون صديقا مقربا لها، مذ أنها وشقيقها عُرضةً لأن يكونا أشهر تلميذين في المدرسة. الجميع يعلم تلك الشقراء الطيبة وأخيها المُخيف.. ولهذا كانت تُدرِك جيدًا أن أغلب العلاقات التي تصنعها تجعلها تمضي يومها بمرحٍ على الأقل، حتى لو لم تكُن تملك علاقة حقيقية لا يكونُ سببها أنها مشهورة وحسب، لكنها مع هذا تتصرف بلطف مع الجميع..
ع** شقيقها.. فهو أكثر حذرًا منها وعلى الأغلب لا يتمكّن الكثيرون حقًا من التقرّب منه. إنه مخيف قليلًا من يلومهم؟
علّقت حقيبتها على كتفها جيدًا بعدها.. وتقدّمت تعانق كتابها فيما هي تسير بين الطلاب في ذلك الرواق، وأشعة الشمس المنعشة تنبسط على الأرضية من تلك النوافذ الكبيرة التي تطلُّ على الساحةٍ الرياضية في الأسفل.. مذ أن فصلها يقع في الطابق الثاني للمبنى هذا العام. يُمكنها معرفة أن فصل كيونغ سو قريبٌ من هناك.. لذا راحت تبحث بعينيها عنه وتتأكد من أنه ليس من بين التجمعات الطلابية.
بين فينةٍ وأُخرى كان عليها الابتسام للفتيات اللاتي يُلقين عليها التحية فيما يتجاوزنها.. على الرغم من أن فِكرها مشغول، وبدأت تعتقد أن شقيقها ذهب بالفعل لينفذ الشكوى دونها أو أنه بحث عن ذلك الشاب وتولاه بنفسه، هذا يجعلها تقلق بأنهما لن يعودا للمنزل باكرًا هذا اليوم بسبب ذلك..
عندما كانت على وشك أن تصدق بأنه ليس أمام فصله.. توقفت قدميها على غفلة، وعيونها الداكنة وجدت هيئته أخيرًا.
لمحته من بين عِدة أجساد، يقِف بين مجموعة وتعابيره هادئة أكثر مما توقعت، فهي ترى أن شفتيه تتحركان ليحاور أحدهم فيما يحتفظ بعقدة حاجبيه. هذا المشهد جعلها ترمش للحظات وتعقد حاجبيها بحيرة. يمكنها رؤية أنهم مجموعة من أربعة الآن، فمن هم الّذين يتنعمون حقًا بصداقة مع كيونغ سو؟
هناك هيئتين مألوفتين بجانبه، فيبدو أن عقلها تعرّف لوهلة على شابٍ ذو ابتسامة قططية يربّت على كتفِ أخيها كما لو أنه يحاول اقناعه بشيءٍ ما، بينما الآخر ذو عيونٍ كبيرة يقف بهدوء ويبتسم بلطف. كلاهما بديا ذو مظهرٍ منعش بالألوان بالمقارنة مع كيونغ سو.. وبالمقارنة أيضًا بذلك الشاب الرابع..
على ذِكره.. فبمجرد أن سقطت عيناها عليه شعرت أن الأفكار توقفت في رأسها. راحت ترمش وعدستيها تتوسعان بخفة لا تكاد تصدق ما ترى، فعيونها التقطتا ذلك اللون المميز من جديد في شعره.
كـ كيف بالضبط لكيونغ سو أن يقف أمامه بهدوء هكذا؟ كانت متأكدة تمامًا من أنه كان على وشك اقتلاعِ أطرافه صباحًا والآن.. الآن يبدو وكأنهم مجموعة أصدقاء يحاول اثنين منهم تهدئة الجو بعد شجارٍ بسيط. وقفت هناك وحسب لا تعلم بمَ يجب عليها أن تشعر فيما هي تُحدق فيه..
الشابُ ذو السترة الجلدية السوداء.. كان يُخفي يديه في جيوبها ويقف ب**تٍ تام، فحتى تعابيره كانت ساكِنة تُحدق بفراغٍ بعينه الباردة.. لأن الأُخرى كانت مختبئة تحت رقعةٍ طبية..
إنه الشاب ذو الشعر الأحمر..