جوري .. هو يذكر اسمها اذاً .. وضيفت عيناها عليه بينما ..دفاع سريع خرج من فم الاستاذ وسام جعلها تبتسم لصاحبه :
" جوري لطيفة ولا تفعل اي شيء خاطئ .. انها افضل طلابي "
عضت شفتها واعترفت بينما تحاول تجنب نظرات الاستاذ علاء قد الامكان :
" لقد فعلت هذه المرة للاسف .. انه بسبب هذا .. ديوان الشعر الذي اهديتني اياه السنة الماضية .. نوع شعر لا يلائم المدرسة كما قالت لي "
" هل اخبرتها انه مني ؟! "
" ولما افعل هذا ؟! .. لتظن ما تريديه ثم امي ستحل الامر لا تهتم لقد تم استدعائها .. ارجو المعذرة علي الالتحاق باصدقائي "
قاطع الاستاذ علاء تسلل كلماتها مجدداً .. يامرها بطريقة غريبة بينما يقف في طريقها مانعاً خطواتها من الابتعاد..
" ارني اياه "
نظرت نحو الاستاذ الاخر تنتظر رده لتراه يهز رأسه موافقاً .. لذا مدت يدها بالكتاب تاركة له النظر اليه والتقاطه باصابع واثقة
" ديوان قصائد متوحشة .. اختيار موفق وسام .. ايمكن ان استعيره جوري ؟! "
" اسفة .. لا .. يمكنك تفحصه على الانترنت او شراء واحد لك .. ايمكن ان استعيده الان ؟! "
توترت اصابعه وشعرت انه على وشك قول شيء لها ثم عادت ملامحه لتغدو لطيفة واعاد الكتاب لها .. لثوان تقابلت نظراتهما .. بحديث صامت لم تعرف احرفه ولا كلماته .. ليتوتر الجو المحيط بها ساحباً انفاسها مذكراً اياها بضعفها الداخلي الأزلي .. ما السر في وجوده ؟! .. رأته يقطب في وجهها ثم ابعد نظراته لتتنفس براحة زافرة انفاس كانت عالقة داخلها دون سبب..
" يمكنك الذهاب الان .. اراك لاحقاً "
تحركت تترك مكانها منفذة أمره الصارم .. مفكرة بما يدور داخل ذاك الرأس .. ما الذي يفكر به ؟! .. لما نظر اليها هكذا ؟! .. اكان عليها عدم قول انه هدية من استاذها المفضل ؟! .. ولما ؟! .. هذا ليس سراً .. فليفكر بما يريده .. المقيت الذي ينظر دائماً اليها كطفلة مشاغبة .. كمراهقة بلهاء فقدت عقلها .
بمجرد ان اصبحت قرب اصدقائها حتى تحرك الثلاثي نحو الصف ..
" لما لم تخبريها انه من الاستاذ وسام ؟! "
انطلقت كلمات هالة قبل ان تتكلم هي فيما تجلس كل واحدة منهن مكانها
" هل جننت ؟! .. ستظن ان الاستاذ وسام يفعل هذا لسبب شخصي او عاطفي .. وهذا ليس صحيح .. "
" هل انت متأكدة انه ليس صحيح ؟! "
زفرت بحنق تطالع رنا بلؤم وتجيب بصوت صارخ :
" للمرة الالف .. الاستاذ وسام يحترمني ويعاملني كأخت صغيرة له.. وهذا .. مجرد هدية لمعرفته بحبي للشعر .. هو رجل محترم لا يفكر بالتفاهات التي تدور برأسك المراهق .. لذى اياك واهانته وان سمعت هذه اللهجة منك ثانياً لن اكلمك طوال حياتي "
" حسناً .. اهدئي .. كنت امزح .. ثم انتظري .. قلت انهم استدعوا والدتك .. ما الذي ستفعلينه ؟! "
رفعت كتفاها ثم اخفضتهما غير مبالية بالامر .. امها لن تتعب نفسها بالقدوم .. وليتها كانت مخطئة .. هي ستتصل لتجد اي حجة مدعية شيء غير صحيح .. تماماً كما تفعل منذ قررت ان تتمرد وتجعل نفسها الفتاة الو**ة قليلة التهذيب خلال السنوات الثلاث الماضية.. لكن حتى مع كل تصرفاتها السيئة لم تجعلها تهتم .. ولن تهتم سوى بشخص واحد .. مدللها الأول والاخير.. سيد منزلها.. أدم
********
داخل غرفة مكتبه الانيقة في منزله .. وفوق الاريكة الجلدية المنفردة ذات اللون الاسود حيث يجلس .. اخذ ينهي علاء المكالمة المرئية المسائية المعتادة مع والدته القلقة دائما عليه .. ماذا اكل ؟! .. هل نام جيداً البارحة ؟! .. كيف قضى يومه ؟! .. وهل رأى اختيه المتزوجتان اليوم ام لا ؟!
" حسناً .. بالتأكيد يا غالية .. رضاك علي .. "
" لا تخرج دون سترة الجو مازل بارداً .. تأكد من اكل الخضار مع وجباتك ولا تطل السهر.. لينير الله طريقك ويرضيك بابنة حلال تسعد حياتك .. واولاد يسعدون قلبي بك .. وداعاً يا قرة عيني "
ابتسم لدلعها الاخير ،كلمتها المعتادة لاخر العنقود كما تسميه احياناً .. وانغلق المكالمة على هيئتها بحجابها الحريري ووجهها الابيض المنير حاملة ابتسامة امومية حنونة ..
عاد ليتأمل الاوراق البيضاء فوق الطاولة الزجاجية بشرود .. انحنى بعدها ورفع احداها واخذ يدقق في الاجوبة .. انها تحيره .. منذ بدأ عمله قبل شهر.. هي تجعل رأسه يدور في حلقة مفرغة.. تلك الفتاة ب*عرها الطويل المجعد كشرائط ذهبية ملفوفة باتقان .. عينان واسعتان كبحر عسل حديث الاكتشاف .. احياناً هادئة جداً .. لا تتحرك .. لا تتنفس .. كتمثال رخام .. واحياناً آخرى .. صاخبة بشكل جنوني .. عاصفة هائجة.. بردورها الو**ة التي لا تنتهي.. بتحديها واستفزازها المستمر ..
" من انت جوري ؟! "
همهم يركز نظره على اجاباتها الفلسفية العميقة .. انسيت هي ان ما يعطيه لغة عربية لا مادة الفلسفة ؟! .. لما تكتب اعتراض على سؤال بسيط اعطاه كواجب، عما يتمنون ان يدرسوه مستقبلاً ؟! .. فتخط ثلاث اسطر من الكلمات التي لا تناسب طفلة مثلها ..
" اوه .. طفلة ؟! .. هيا علاء انها كل شيء عدى طفلة "
لا طفلة مطلقاً ستكتب جملة مثل :
" لا اريد ان اغدو مدرسة، ولا طبيبة، ولا مهندسة، انا سأغدو ما يريدونه .. ما يطلبونه .. وما يصرون عليه .. فانا تابع،كلمة لا محل لها من الاعراب، خيال لا يملك حق قول كلمة لا .. "
تباً لبلاغتها اللغوية .. لاتقانها حتى لموضع الفاصلة واشارة الاستفهام .. لإتقانها فن المروغة والتلاعب بالكلمات ..
زفر بحنق ورمى الورقة .. طوال اعوام عمله السابقة .. رأى الكثير .. طلاب يتبعون ما يحلم به الاهل .. ما يريده ويحلم به ابائهم وامهاتهم فقط .. لكن احد لم يكن صريحاً كجوري .. جوري .. من اسماها بهذا الاسم ؟! .. انها فعلاً كزهرة الجوري .. جميلة .. نضرة .. وباشواك قد تدميك ان حاولت لمسها ..
" كفى علاء "
صرخ بنفسه ثم انتفض ليترك مكانه ويتجول في منزله العصري البناء يحرك ساقيه بخطوات لا هدى لها .. عيناه التقطت المطبخ المفتوح على غرفة جلوس باثاث رمادي .. يقا**ه غرفة مكتبه التي تركها للتو .. وحمام الضيوف .. قدماه سارت على طول بهو الاستقبال الذي يفضي لثلاث درجات ثم يتفرع لغرفتي نوم يتوسطهما حمام خاص بهما ..
دخل غرفته ينزع سترته .. يعلقها بترتيب فوق مشجب جانبي خشبي .. تركز نظره على سرير واسع بغطاء بني يقابل خزانة بلون مشابه تحمل مرآة على طولها .. يده جرت الخشب ليظهر ورائه عدد كبير من الالبسة المعلقة باتقان كبير .. ولجم كل تفكير له بتلك المراهقة المتمردة..
صوت رنين الهاتف مجدداً اوقفه .. فاخرجه من سرواله المنزلي وحدق بالرقم قبل ان يجيب :
" اهلا عمي.. كيف حالك؟"
" بخير بني.. كيف حالك انت علاء ؟! .. لم نتواصل منذ مدة.. "
صوت الرجل العجوز المعاتب وصله من السماعة، فتلفظ بتبريرات متعددة ، وحديث طويل متشعب انتهى بموعد للقاء قريب .. انهى بعدها الاتصال وهو يبتسم بسخرية .. اذا لقد خطبت ابنة عمته الصغرى دون ان يعلم حتى ..ولما يعلموه بهذا ؟! .. فاحد لا يتذكره من اقربائه الا لخدمة او طلب ثم يتصل احدهم معاتباً وكأنه هو السبب.. تجاهل سخطه واخذ يفكر .. تلك المدللة الصغيرة هدى اصبحت امرأة وستتزوج قريباً .. لقد مر الوقت سريعاً فعلاً..
هز رأسه لتتحرك خصل شعره الداكنة وتنسدل فوق جبينه مظهرة اياه بمظهر مختلف اقل صرامة .. واستقرت نظراته على الصورة داخل الايطار الخشبي فوق وحدة الأدراج..
" ارأيت أبي .. ابنة اختك ستتزوج .. لا اعلم ان كان علي حضور الزفاف لاحقاً .. انا اكره التجمع العائلي الزائف الذي يجتمع به الكل ليكذبوا دون رادع .. متصنعين السعادة وحب بعضهم البعض .. كانت امي محقة بسفرها للعيش في دبي عند اخي واولاده .. احياناً انا الوم نفسي لاني لم افعل المثل "
استحضرت مخيلته رد والده المعتاد عن اهمية صلة الرحم .. عن ضرورة فهمه ان ابتعاده عن اقربائه ليس الحل الصحيح .. بل مواجهة نفسه والاخرين بثقة ..
" اشتقت اليك .. كثيراً .. احياناً اظن ان رحيلك كان حلم سيء لا اكثر.. كان الحديث معك يريحني جداً.. رحمك الله "
ختم الامر بالنظر مجدداً للوجه المبتسم دائما .. المتسامح دائماً .. الاب الحنون والصديق المتفهم والزوج الصالح .. للرجل المتفاني دائما لاجل كل من يشاركهم حياته ..والعطوف بشكل كبير على بناته.. اخيراً وقف يتحرك مجدداً .. يغير ثيابه بسرعة ليلحق بصلاة العشاء في المسجد القريب من منزله .. متجاهلاً صوت داخلي يحذره من شيء خفي قادم..
******
" وهكذا تنتهي المسألة .. هل لدى احد اي سؤال ؟! "
" لماذا ض*ب ثلاثة ؟! "
سألتها رنا بصوت خافت لترد بهدوء وهي ترى ان اجاباتها صحيحة :
" انه الثلث اتذكرين ؟! .. وهي ض*بت بثلاثة لنعود للرقم الذي نبغيه "
" اه .. صحيح "
اجابت رنا بسرعة وهي تشير بيدها بينما تشعر جوري بالملل.. ورغم علمها ان ادم خارج المدينة في سفر ليومين.. لم تشعر بالسعادة.. امر غريب جداً لم يحدث لها من قبل..
وحدقت نحو هالة.. حالها مشابهة اليوم.. ترى ما الذي يحدث مع صديقتها ايضاً؟!..
" ماذا هناك رنا ؟! .. اسأليني ان كان لد*ك سؤال عزيزتي ؟! "
صوت المعلمة تدخل وزميلتها التي ابت الا ان تجلس بجانبها اليوم اجابت :
" لاشيء .. لقد عرفت ما اريده .. شكرا معلمتي "
" حسناً .. السؤال التالي .. جمانة دورك "
عيناها حادتا للنافذة لتجد سيارة سوداء تركن بجانب الملعب ثم يخرج الاستاذ الوسيم منها، ليقفلها بجهاز الاقفال الخاص به ويتحرك نحو المدخل الخلفي للمدرسة برشاقة وابتسامة لطيفة.. لما هو مبتسم دائماً ؟! .. اليس لديه يوم نكد مثلاً .. يتجول ليلقي التحية على جميع الاساتذة ويمدهم بمرحه الدائم .. طوال الاسبوعين الماضين استمر الامر عينه .. لقد سحر الجميع هنا حتى هالة التي اصبحت تبتسم هي الاخرى بشكل غريب عنها ..
هي الوحيدة التي كانت تمقت ابتسامته وتفهمه .. حبه لما يفعله وعشقه لتدريس اللغة الجلي في نطقه لكل كلمة .. تشبعه من الابيات الشعرية كما لو كان يشرب شرابه المفضل .. وتحركه كما لو كان على مسرح وليس داخل صف مليء بالفتيات المغرمات به .. تمقته .. تمقته لانه لا يراها .. هو ينظر ولا يراها .. ورغم محاولاتها لافتعال اي شجار معه .. هو يعاملها كطفلة ويتجاهل تواقحها او عدم مبالاتها .. ثم ترن مجدداً كلماته في اذنها.. تلك الكلمات التي عرت روحها دون رحمة :
" لا تملكين حق قول لا "
كم هو محق .. وكم تكره انه محق ..
" جوري .. الحل هنا "
تنبهت لتوبيخ المعلمة اللطيف لتترك الجسد الذي اصبح اكثر قرباً وتعود للنظر نحو كتابها المفتوح ..
" انه استاذي المفضل .. لا معلم مثيلاً له ابداً "
كتمت سخطها ودنيا تتفنن بالوصف بصوت هامس قرب اذنها ..
" سوبر مان الخاص بي .. بطل خارق انبثق من مخيلتي "
اضافت رنا مجارية صديقتها فضحكت جوري..
" انبثق ؟! .. روايات احلام وعبير افسدت رأسك يا فتاة .. انتن مخبولات تماماً .. ابتعدي دنيا "
دفعتها بكتفها لتبعد وجهها لكنها تمنعت فقرصتها لتصرخ الاخرى جاعلة الكل ينظر اليها بسخط ..
" دنيا !! "
" اسفة .. اسفة .. اكرهك "
همست مجدداً لتعيد تعديل جسدها وتجلس باستقامة .. بينما تنظر لها جوري بتبسم مائل تلاحظ حشر هالة لرأسها قرب رنا الغارقة في كتاب الرياضيات فتهمس لها :
" هي انت .. دودة الكتب .. هل ستذهبين معنا اليوم ؟! "
" امي ستقتلني ان غادرت المنزل .. لقد انذرتني البارحة "
" جبانة "
" ا**تي .. انت الجبانة "
تجادل الفتاتان كان محبب لها .. لا تعرف ما جعلهم اصدقاء مقربون .. ربما السبب مقاعد المدرسة التي تشاركوها منذ نعومة اظافرهم .. هي وهالة كانا معاً دائماً منذ الحضانة.. رنا انضمت لهما في الابتدائية لتغدو جزء جديد لا ينفصل عنهم الا نادراً .. دنيا كانت حديثة العهد .. انضمت بعد شهادة الاعدادية لتدخل جواً من الالفة والمرح للثلاثي الشرير .. ولكن كانت بعيدة عن اهواء جوري وتحركاتها .. تضع بعض المسافة خوفاً من ان تنقلب عليها يوماً ما ..
رنين الجرس انهى الدرس ليشتعل المكان بالضجيج المعتاد .. بمجرد خروج المعلمة غادرن امكنتهن.. جوري التي كانت تشعر بالملل وجدت ضالتها للتو فتوجهت للمقعد الاخير .. الفتاتان هناك انكمشتا وتحول صخب حديثهما وضحكاتهما ل**ت وتحديق كاره خائف ..
" هاته "
امرت بصوت هادئ جعل الفتاة تضع قلم الكحل وراء ظهرها ..
" ساعد لثلاثة .. ان لم تضعيه في يدي .. "
قطع كلامها والقلم يوضع في راحتها للتأمله .. انه من ماركة مشهورة حديثاً.. ذاك الذي يضعون اعلان له في التلفاز دائماً .. قلبته لمرات ثم ادخلته جيبها واقتربت تضع يدها فوق شعر الفتاة التي حاولت التمنع :
" فأرة لطيفة .. لقد اعجبني وسأستعيره .. انت لن تقولي لا صحيح ؟! "
لم تجب الطالبة فمررت يدها حتى الرباط وشدت خصل الشعر لتصرخ صاحبته بسرعة :
" لا .. لا .. انه لك "
" جيد .. اكملا حديثكما الشيق .. "
بمجرد ان عادت لمكانها جلست براحة تضع ساق فوق اخرى وترمي القلم لرنا..
" ضعيه مع اغراضنا .. سنبيعه لاحقاً .. انه غالي "
" انه القلم الثالث الذي تأخذيه منها "
الاعتراض المنخفض لدنيا جعلها تلتف .. تضيقت حدقتيها لتكمل الفتاة كلامها .
" لما لا نعيده لها ؟! "
" هل انت قائدة الخير ؟! .. البطل المغوار ؟!.. توقفي عن التدخل بشؤون لا تعنيك "
هدير صوت هالة كان عالياً .. صارخاً هذه المرة .. وتأملتها جوري .. انها تخفي شيء عنها .. صديقتها ليست بخير كما يبدو .. لابد ان قرار والدها بالزواج مجدداً هو السبب .. لا احد سعيد .. اليس هذا صحيح ؟! .. لكن هي تتمنى لو انها تعيش حياة مشابهة لهالة .. على الاقل .. لا يوجد لديها ادم ..
*********
" قفي بالدور .. ا**توا !! "
صرخت هالة بوجه الفتيات المتجمعات حول مقعدهما .. فرفعت جوري رأسها عن الاوراق ورتبتها ثم تن*دت واسندت جسدها للخلف
" من ادعوها تقترب وتأخذ ورقتها .. الدفع عند هالة .. لقد كتبت الاسماء بقلم الرصاص في اعلى الصفحات "
رأس رنا اقترب من رأسها وهي تمد جسدها من المقعد ورائها .. واخذت تنظر للاوراق بحشرية معتادة منها
" جمانة .. "
" ادفعي اولاً "
دفعت هالة اصابع الفتاة بعيداً عن الورقة ..فابتسمت جوري وهمست لرنا :
" ستأكلها حية .. انتظري دقائق .. وهالة ستفترس احداهنا "
انطلقت ضحكت رفيقتها وردت بهز رأسها .. دنيا ضمت رأسها لرنا لتحشره بقوة بين رأسيهما .
" هذه لضحى "
هتفت دنيا بدلاً عن جوري .. لتتقدم الفتاة وتدفع ورقة نقدية قبل ان تأخذ ما تريده وتشكر جوري بحبور كبير ..
" مدعية .. انظري اليها .. كم اكرهها "
" فلتخرسا "
التف رأس هالة للخلف ودفعت بيدها التي تحمل اوراق نقدية عديدة رأس رنا للخلف بعنف .. لتصرخ الاخرى بها
" هيي .. رأسي .. متوحشة "
" حشرية بلهاء "
استمر الامر لدقائق ثم انتهى .. اخذت بعدها هالة تعد المال وتجمعه ثم تعطيه لجوري التي ربطته بعقدة شعرها وادخلته جيب سترتها ..
" ساضمه لما نجمعه .. رنا .. اين الحلي واقلام احمر الشفاه التي اوصيتك ان تجعلي خالك يشتريهم ويرسلهم لك ؟! "
" في المنزل "
" احضريهم غداً لنبيعهم .. لدينا لنهاية الشهر لنجمع كل المال .. "
" هل سيكفينا ؟! "
سألت دنيا وهي تقطب .. لترد جوري بهدوء وتدفع خصل شعرها للخلف
" لا تخافي .. لدي بعض المدخرات من اموال اخي .. وهالة ستبيع ساعتها القديمة "
رأت جوري عينا دنيا تلتمعان للاجابة وعادت لمكانها لتضم جسدها بينما الابتسامة لا تفارق وجهها ..
" اذا الواجب الاسبوعي .. هو موضوع تعبيري عن الأم .. لد*كم اربع ايام لتقديمه .. اراكم غداً "
تجمدت اصابعها وهي تعيد كتاب اللغة العربية لحقيبتها.. هالة كانت تتمتم بغضب لشيء لا تهتم لمعرفته .. قلبها كان يفقد ض*باته وهي تكرر جملته في رأسها .. موضوع عن الام .. عن الام .. وكأن هذا بسيط او عادي .. وكأنه ما كان يدق مسمار صدئ داخل هواجزها وآلامها .. لتغلق عيناها وتتوسل نفسها القوة .. ثم تجد الجرأة لايقافه قبل مغادرته للصف ..
" استاذ علاء "
مررت عبر رفيقتها لتصل اليه ثم وقفت امام طاولته تضم يديها بقبضة واحدة لينظر اليها بدوره ويسأل :
" ماذا جوري ؟! "
عضت شفتها ورمقته بنظرة شاردة دون ادراك لتعود وتبتلع هذيانها فاركة كفها باصابع يديها الاخرى
" انا لا استطيع ان اكتب عن الام .. هل يمكن ان اكتب عن شيء آخر ؟! "
تجمدت نظراته يراقبها لثوان وقطب بعدها يميل بجسده نحوها جاعلاً انفاسها تضيق
" هل انت يتيمة ؟! "