الفصل الثاني: ميغيل آنخيل.

2462 Words
عندما رنّ جرس الباب استيقظت الفتاتان ونزلتا إلى الطابق السفلي فلقد كانوا يظنّانِ أن الطارق خالهم فرناندو لأنهم كانوا على موعد للخروج للحديقة العامة ومدينة الأل**ب اليوم، فاليوم كان يوم عطلته من المستشفى التي يعمل بها هو وسيليا، وعندما رَأَوا رجلاً غريباً يحتضن والدتهم ويقبلها وهي مستمرة في البكاء، سمّرتهما المفاجأة مكانهم وأدهشهما الموقف، ولكن ليليان كانت كالعادة هي الأسرع في الاستجابة، حيث ركضت من فورها نحو غرفة نوم والدتهما وجلبت الصورة التي بجوار الساعة فلقد علمت وأدركت أنه والدهم الذي كانت والدتهم تصفه لهما، وتحكي لهما عنه دائماً قبل أن تخلدا إلى النوم، كما أنه كان يشبه الصورة، هذا ما علمته من سيليا فيما بعد. وعادت ليليان مسرعة ووجدتنا جالسين متقاربين جداً من بعضنا، أكثر مما كنا منذ قليل، فنظرت إلى فيفيان وهمست لها.. "فيفيان، هل تتذكرين الصورة التي بجوار فراش ماما؟"، فهزت فيفيان رأسها إيجاباً. وتابعت ليليان "إنه والدنا الذي في الصورة، إنه بابا لقد عاد"، وأخذتا تبكيان بخفوت وهم ينظرون إلينا من تحت رموشهم، حتى رفعت عينيّ إليهما ورأيتهما. كنت قد شعرت أن هناك من يراقبني، فرفعت نظري إلى ذاك الذي يراقبنا فتفاجأت مفاجأة عمري كله "يا الهي إنه ليس واحداً بل فتاتين اثنتين مثل شمسٍ وقمرٍ، ولكن مهلاً.. ماذا يحدث هنا؟"، وتساءلت بحيرة في نفسي. في الحقيقة لاعبتني الغيرة والشك قليلاً بين أصابعها، ولكنني سرعان ما عدت لعقلي وحسبت حساباتي وتذكرت التقرير الذي أعطاني إياه جون دارك المتحري الأمريكي الخاص الذي كلّفته منذ عامٍ تقريباً بالبحث عنها وإيجادها أينما كانت وبأي ثمن. ومن يوم واحد فقط كنت في رحلة عمل لفرع مؤسستنا المالية في نيويورك فقابلته وفاجأني مفاجأة كبيرة عندما قال لي مسروراً فرحاً بعمله "هيا ميغيل أخرج دفتر شيكاتك واكتب لي بخطك الجميل مليون دولار يُصرف لحامله، وأظن أنّ ما لديّ من معلومات سوف يساوي عندك أكثر من ذلك بكثير". أخرستني المفاجأة قليلاً ثم ابتسمت بخفوت وأنا أحاول قدر استطاعتي تمالك أعصابي والسيطرة على مشاعري ريثما أكون بمفردي، فأعطيته ما اتفقنا عليه وأخذت منه الملف بعناية، وبالفعل كل ما حدث بعد ذلك كما لو كان خارج الزمن ومن وراء العقل، فمن أول ما فتحت غلاف الملف الأزرق ورأيت صورتها وعنوانها، والذي أعطيته لقائد طائرتي الخاصة آمراً إياه أن يتوجّه إلى فورتاليزا في الجزء الشمالي الشرقي من البرازيل فوراً ويلغي ما عداه من أعمال مهما كانت مهمّةً أو يؤجلها، فأنا عائد إلى الحياة من جديد، وأرجو وكلّي أمل أن تكون زوجتي وحبيبتي بعد مرور كل تلك السنوات مازالت تذكرني وتستطيع أن تسامحني وتصفح عني وربما تقبل اعتذاري. إن كانت مازالت باقية على حبي وقسمنا الذي أقسمناه سويّاً، ومع الأسف كنت أنا أول من نسيَ الحب ونكث هذا العهد، رفعت الملف إلى ص*ري أضمّه وكأنني أضمها هي، وغادرت المقصورة إلى غرفة نومي المُلحقة بطائرتي الخاصة، فأنا والفضل لذكائي وفطنتي وحُسْن إدراكي وتقديري لمجريات الأمور في سوق الأوراق المالية الإيطالية استطعت أن أُنقِذ البنك الذي أنشأه جدي ووسَعَّه والدي، ولقد كنت أتابع مسيرة والدي ومنهجه وطريقته في الإدارة، ليس هذا فحسب بل وتمكنت بمساعدة صديقي الوحيد باتريسيو وزميلي في الدراسة والعمل في مجال الاستشارات المالية والاقتصادية من تطوير البنك وتوسعته وإدخال إليه وإمداده بأحدث النظم العاملة والخاصة بمجال أعمالنا المالية. كنت قد استطعت إنقاذه من الإفلاس، وعدت مرة أخرى بذاكرتني لتلك السنوات التي أنهكتني وأرهقت أعصابي أكثر مما تصورت.. كانت العداوة بيني وبين أخي إمبيرتو ظاهرة للعيان، ومع أنه كان الأكبر سناً إلا أنه كان قليل الطموح ومحدود الأفق والذكاء بالنسبة للعمل بالسندات والحقائب المالية، ولهذا فضّل والدنا روجيرو دي آل ميديتشي أن أتولّى أنا مجلس إدارة الأعمال سواء في البنك أوغيره من بقية أعمال العائلة، وكنت حريصاً على ألّا أخذله مطلقاً. ولسوء الحظ حينها، كان إمبيرتو على علاقة بكاترينا دي كابريو والتي كانت تعمل في بورصة تورينو للأوراق المالية والسندات ومن هنا بدأت الكارثة وانتهت بتحمّل البنك الأكبر لعدة قروض هائلة وهالكة لرجال أعمال محسوبين على الحكومة من أصدقائها ومعارفها والذين لم يقدموا أيّ ضمانات أو استحقاقات مالية موازية وبالتالي كانت فرصة استرداد هذه القروض يساوي صفر، هذا بالإضافة إلى ما كانت تعاني منه البلاد في تلك الفترة من **اد وأزمة رهن عقاري عالمية ولم يكن الاتحاد الأوروبي بأفضل حال، وإيطاليا مثلهم لا بل وأسوأ. ليس هذا وحسب وإنما قام بكل عبقريته الفذة برهن حصته وحصة شقيقتيه تريسيتا وفرانشيسكا وشراء بثمن الرهن سندات وشارك بها في البورصة في إيطاليا ونيويورك وطوكيو، ولا أعلم بأي طريقة لعينة أقنعته بفعل كل ذلك، ولا كيف كنا غافلين عما يجري من بين أيدينا ولم نعلم إلا بعد فوات الأوان عندما حلت الكارثة بالفعل. وعند هذه النقطة وفوْر أن عَلِمَ المستثمرون وحاملي الأسهم لدينا أنّ ملّاك البنك الأصليين يقومون برهن حصصهم والتورط في عمليات غير مضمونة العائد وإخراج قروض عقارية غير محسوبة ولا منضبطة في ظل أزمة الرهن العقارية العالمية، حينها ستهتز صورتك في الأسواق ويقلق المساهمون وطبعاً ستتغير وتهتز قيمة أسهمك وحينها تبدأ الخسارة وتوشك على الإفلاس، وهذا ما حدث حرفيّاً. كنت دائماً قارئاً ممتازاً للأوضاع وعالماً بكل الاحتمالات ومستعد لها جيداً، كنت أرى ذلك بكل وضوح ولكن إمبيرتو استطاع بكل دهاء وخبث أن يقلب جلسة تصويت مجلس الإدارة لصالحه واتهمني بأنني من سيتسبب في إفلاس المؤسسة بطريقتي القديمة في العمل وأنه لابد وأن نتبع الخطوات العملية الحديثة التي تتبعها البنوك العالمية الأخرى، ولأنني لم أكن أمتلك دليلاً سوى شعوري بالخطر وبأن مؤامرة تدور في الخفاء، آثرت الصمت ريثما أجد ما يثبت صحة كلامي وتوقعاتي، وفي خِضَمّ تلك الأحداث وافق مجلس الإدارة برئاسة والدي على تولية منصب الرئيس لإمبيرتو وذلك بأغلبية الأصوات. وهنا غضبت بشدة من والدي ومن الوضع بأكمله، وكيف أنه لم يقدر تعبي في المؤسسة طوال السنوات الماضية ولكنني علمت دائماً أنه كان يفضله عليّ رغم أنه فاشل وفاسد من شعر رأسه وحتى أصابع قدميه، ثم غادرت إيطاليا بأكملها لعلّني أرتاح قليلاً من القلق والتوتر وليذهبوا جميعاً إلى الجحيم، وسأكون سعيداً جداً بذلك فلقد حذرتهم وشرحت لهم الأمر بكل صدق ووضوح وجدية وأن ما يفعله إمبيرتو ما هو إلا دمار وكارثة ولا يمكن السكوت عنه ولكن دفة المواجهة لم تكن في صالحي أبداً. غادرت شقتي في نفس اليوم إلى فورتاليزا حيث صديقي الحميم باتريسيو فيلاردي وزميل الدراسة وهو أكثر من شقيق بالنسبة لي، فأنا وهو ومنذ التقينا في نيويورك حيث مدينة المال والأعمال والدراسة ونحن لم نفترق مطلقاً، فبعد أن انتهت سنوات الدراسة عاد معي إلى إيطاليا حيث عملنا معا على مدار ما يقرب من خمس سنوات في وضع أسس جديدة ومتينة لمجموعة إيزيستا سان روما المصرفية والتي كان مقرها تورينو، وأصبحت بفضل جهودنا مجتمعين وتحت إشراف والدي وتنفيذ الأسس والقواعد التي تعلمناها ومارسناها في نيويورك، فضلاً عن العمل الجاد والشاق الدقيق والمنظم، حتى غدت مجموعتنا المصرفية من أكبر المجموعات المصرفية من حيث القيمة السوقية وإجمالي الأصول في إيطاليا كلها. ومع الوقت شهدت مؤسستنا نمواّ ثابتاً وازدهاراً عظيماً في السوق الدولية حيث تركزنا في أوروبا الشرقية والوسطى ولندن وبالتأكيد نيويورك، وكان الجزء الأكبر هو البنك التجاري في تورينو إيطاليا والذي كان يهتم بالعمل في الخدمات المصرفية والاستشارات المالية، وكيفية تطوير المؤسسات المالية المتعثرة ودعمها على الصعيدين المحلي والدولي، هذا بالإضافة إلى الاقتراض والإقراض قصير الأجل، وأغراض التأمين المالي على الحياة والمشاركة بالتخطيط المالي الشخصي. "يا الهي الرحيم، كم كان ذلك شاقّاً وممتعاً في نفس الوقت"، خاطبني عقلي وأنا ما زلت غارقاً بذكرياتي وما حدث، فأنا لطالما أحببت عملي هذا ولم أملّ منه أبداً. أما الآن وبعد كل ما حدث، يا للجحيم لا أعلم ماذا يجري وعقلي وكأنه متوقف عن العمل، وعندما قررت السفر لم أكن أنوي البقاء طويلاً، يومان فقط وعلى أبعد تقديرٍ ثلاثة أيام لأعيد التفكير بشكل صحيح ومدروس مع صديقي. ولا أعلم إن كان من سوء أو حسن حظي أني لم أجد باتريسيو في شقته فقد كان مسافراً وسيعود بعد شهرين، ولأنني أعلم المدينة جيداً تركت حقيبتي في شقته، فنحن مثل شقيقين كل واحد منّا يعرف كل شيء عن الآخر ومعه أيضا نسخة من مفاتيح شقته، لأن مجال عملنا يحتم علينا السفر باستمرار ويلزمنا راحة وبعض الهدوء، وهذا ما نوفره لبعضنا. خلعت بذلتي الداكنة وأسرعت بالاستحمام وارتديت جينز أزرق وتيشرت أبيض يضم جسمي ويظهر تقاسيم ص*ري وبطني، والذي كان يوضح كم أنا مهتم بجسمي وممارساتي الرياضية التي لم أكن أتركها أبداً على الرغم من ضيق الوقت عندي. ترتسم على وجهي الآن ابتسامة حانية وأنا أتذكر عندما توجّهت إلى ساحة البلدة ودخلت سوبر ماركت لأشتري شيئاً ما، لا أذكر ما هو لأني رأيت ما أغناني عن أي شيء وكل شيء. كانت شابة يافعة يانعة كما أزهار الربيع تبدو في العشرينات، طويلة باعتدال، ورشيقة مثل غصن محمل بثمر التفاح الأحمر، لا تتوقف عن الحركة والتنقل، كانت ترتب وتعيد وضع بعض الأشياء على الرفوف وتنادي بصوتها المخمليّ ذو البحّة المميزة "قادمة ماما..". لم أرَ بجمالها امرأة من قبل، ولا عذوبتها ومدى بساطتها وتلقائيتها في كل ما تقول أو تفعل، لم تكن تتصنَّع الجمال ولا الدلال فلقد كانت أجمل الجميلات وأكثرهن حلاوةً، بشعر غجري بلون الشوكولاتة الذائبة في السكر، وعينين واسعتين كما العسل في بلادي ورموش طويلة حادة مثل خناجر شقية حامية مزقت شغاف قلبي البارد فألهبت فؤاده وسكنته باطمئنان، وأنف صغير وشفتين ممتلئتين قرمزيتين لامعتين بطبيعية، تعيث بصبري وتعقلي فساداً وتدعوني للخطيئة، كل ذلك في وجه كما الملاك نديٌّ وصافي، على جسد هو عين الكمال، ممتلئة حيث يجب أن يكون الامتلاء ونحيفة فيما عداه. هكذا رأيتها وعلى هذا النحو فكرت بها، كانت جميلة كلما رأيتها وقد أصبحت عادتي مراقبتها، ليلاً ونهاراً وعلى مدار أسبوع كامل، فلقد كنت ودون أن أدرك أزيد من قناعتي بأنني أحببتها حتى عظامي، وتركتها تتغلغل بداخلي حتى سكنت بصورتها وحلاوتها وجمالها كل خلية وعصب ينبض بداخلي، وفي نفس الوقت كنت أتقرّب منها وفي النهاية عرضت على والديها العمل معهم فوافقوا لأن ماريا سيليستي كانت تتعب بشدة من العمل هي وشابّين آخرين خلال ما يقارب اثنا عشر ساعة عمل. كان متجرهم فريداً من نوعه، لأنه كان عبارة عن مطعم صغير دافئ وحميميّ تقدم لك السيدة روزيتا الطاهية التي تعمل فيه كل ما كانت أمك تصنعه بكل حبها وخبرتها لسنوات في المطبخ من مخبوزات شهية أو وجبات رائعة، وملحق به قاعة للشرب والرقص، ليست مبتذلة أبداً على الع** تماماً كانت بسيطة، جميلة، وأنيقة للغاية بألوانها الذهبية والحمراء الداكنة، وخليط من ألوان الخريف الدافئة والحميمية والقريبة من النفس والتي تريح عقلك وجسمك بمجرد تواجدك في المكان، حيث تجد من الموسيقى الكلاسيكية القديمة العذبة ما يأسرك ويخطف عنك تعبك وإرهاقك ويجدد نشاطك دون أن تشعر، كما ستغزوك روائح هي خليط من نكهات الطبخ المحببة ونباتات عطرية وتوابل شرقية ونكهات فريدة، وأمزجة من الصندل والروز ماري، اللافندر والزهر وقت الصباح، كل ذلك كان في الأسفل أما في الطابق العلوي فيوجد شقتهم حيث يعيشون. "يا ألهي.."، سخرت من نفسي وتقول الشعر أيضاً ميغيل، وماذا ستفعلين بي أيضاً ماريا سيليستي، ولكنك لي وستنتمين إليّ قريباً، فلم يعد طاقة على الصبر. علمت فيما بعد أن ماريا سيليستي في التاسعة عشر وهي تعمل فقط فترة الإجازة الصيفية وهي تستعد بالفعل لدراسة التمريض، كانت ابنة وحيدة لوالديها بعد سنوات من اليأس في الإنجاب فكان حبهم لها عظيماً وخوفهم وغيرتهم عليها أعظم وأشدّ، ومع الأسف حتى منّي أنا وقد كنت زوجها. خلال أسبوع آخر تطورت علاقتنا للغاية، أصحبت أنادي اسمها الطويل بلغتي والذي أحبّته للغاية «سيليا»، وكنت معهم بمجرد استيقاظي من النوم، حيث أسرع بتبديل ثيابي وألحق بهم على طاولة الإفطار، وكلنا يشرب قهوته وهو يعيد ترتيب مقعده، ويبدأ النهار ويتوافد الزبائن. شعرت بحبها لي ونظراتها المسروقة نحوي عندما أكون غافلاً عنها أو مشغولاً بأمر ما، تلعثم كلماتها عندما نكون وحدنا، رعشة يديها وأنا أساعدها بشيء أو أتمسك بها لأي سبب كان وليس له وجود، أنا فقط كنت أحب أن ألمسها وأشعر بتلك الذبذبات التي تحدث بيننا، وأستمتع بها وهي تحطم المزيد من دفاعاتي وتجعلني أحبها أكثر وأكثر، لم أستطع منع نفسي من تقبيلها أكثر من يوم واحد، خاصة بعد أن عملت معهم و*دوت ألتقيها في الصباح وعند المساء، وأراها بكل حالاتها والتي أحببتها في كل منها. وذات صباح كانت ترفع صندوقاً من الأرض وتضعه في مكان مرتفع، صعدت درجتين من السلم ثم تعثرت وكنت أنا قريباً منها فأسرعت على صوت ندائها لي وصراخها باسمي "ميغيل..". فألقيت ما كان معي أرضاً وأسرعت إليها، وعندما رأيتها على الأرض ساكنةً ولا تتحرك، سقط قلبي في معدتي وركضت إليها خائفاً مذعوراً أقول بمناجاة ولهفة "يا إلهي.. يا إلهي.."، ولكنها لم تكن تتحرك ولا تتكلم، كانت فقط في غاية الهدوء والسكون. كانت ترتدي ثوباً صيفياً أصفر بورود زرقاء صغيرة، وعندما سقطت أرضاً انحسر الثوب حتى تخطي ركبتيها، وقد ارتفعت يديها قليلاً بمحاذاة رأسها، فأسرعت إليها وأشرفت عليها بجسمي "سيليا.."، ناديتها بقلق. وتسارعت يدايَ عليها تتحسَّسها وتلمسها في كل مكان لأتأكد أنها بخير وليس بها أي **ور، وأنا لا أتوقف عن مناداتها بخفوت وخوف، ولكنها كانت هادئة جداً بطريقة غريبة، في الحقيقة كانت تدّعي السكون ولكن ما أن وصلت يدي حدود ص*رها حتى سمعت صوت أنّاتها، وقد كنت أعلم معنى ذلك الأنين جيداً.. فشهقت وتراجعت قليلاً عنها ولكنني مازلت أشرف عليها بجسمي، وعندما فتحت عينيها واتحدت نظراتها مع نظراتي المحبة لها والخائفة من أجلها، أمسكت يدي وقالت "أنا بخير ميغيل، لا تقلق.."، وبدأت تضحك بعذوبة وخفوت من أثر السقوط، ومع ذلك أسرتني. فغضبت منها أكثر وصرخت بها "أتضحكين سيليا وأنا مت ألف مرة من خوفي عليك"، فابتسمت كعادتها وقالت بهمس وصوتها يغويني "أنا بخير، أرجوك لا تقلق وأنا آسفة لأنني أخفتك ميغيل" لا أعلم كيف وجدتني أقبلها وأقبلها، بجموحي وغضبي، بحبي الكبير والعميق لها والذي لم أعرف مداه إلا بعد أن فات الأوان، جوعي الشديد لها وحاجتي إليها، يدي الكبيرتين تحيطان وجهها الصغير والحبيب وأنا غارق في شهد شفتيها، ولم أكن أتصور مطلقاً أن تقبيل امرأةٍ ما هو كالجنة، ولقد فعلت ذلك من قبل كثيراً طوال حياتي ولكنه على ما يبدو كان أي شيء آخر غير ما أشعر به الآن. يديها الصغيرتين تحيطان عنقي من الخلف حتى أستطيع تعميق قبلتي لها أكثر، وأنا أقسم أن تلك الشفاه ما مسها رجل قبلي، أنين خرج من ص*رها سكن قلبي، وأنفاسها المتسارعة ألهبت الدم في عروقي، فرفعت وجهي عنها أتأملها؛ أنفاسها متلاحقة وشفتيها متورمتين وعيونها في عيني تحكي وتقول ما أردته تماماً.. "أحبك.."، لم أدرك من قالها أولاً أنا أم هي، فطار ما تبقى لي من تعَقُّلٍ وصبر، فجلست رافعاً إياها حيث أجلستها بين يدي، أخبرها كم أحبها وكيف راقبتها لأيام وليالي طويلة جداً وأنا أحلم بها وكيف ستكون بين ذراعي كما هي الآن، هذا وشفتاي تلثمانها برقة وحنان لا أريدها أن تخاف أو تنفر من قوة مشاعري، خصوصاً وقد أيقنت من لمساتها البريئة لي أنها لم يتقرب منها رجل قبلي، فكان خوفي عليها من نفسي أعظم وأكبر فكانت شفتاي تلمسها برقة كما رفرفات فراشة على شعرها، عينيها، وخدها وكل إنش منها وقد طالته يدي، أبثها بكل ما استطعت مشاعري وأخبرها كم أحبها وأريدها. وما لبثنا حتى تسارعت الأحداث ورغم تفاجؤ والديها بالأمر إلا أنهم وافقوا نزولاً عند رغبتها، رغم اعتراض والدتها على فارق السن بيننا، فلقد كنت أنا في التاسعة والعشرين وهي في التاسعة عشر وقد كانت والدتها دائماً ما تزعجني بتلميحها عن ذلك، وتستمر تذكيري به مراراً وتكراراً. مع أنني لم أشعر بذلك مع سيليا حبيبتي أبداً فلقد كنا منسجمين متفاهمين ومتكاملين إلى أبعد الحدود، ولم أصدق نفسي عندما أخبرتني أنها أحبتني من أول نظرة، ولطالما انتظرتني أن أخطوَ أنا الخطوة الأولى، فأحببتها أكثر وأكثر وازادت مكانتها في نفسي، فلقد كان لديها من الحكمة والتعقل ما يكفي لكلينا.. لم أخبرهم عن نفسي الكثير؛ غير أني إيطالي المنشأ والولادة، وأمي كانت برازيلية من عائلة متوسطة وجئت بلاد والدتي أبحث عن عمل بعد أن فشلت محاولاتي في موطني، ولم يلفت انتباههم اسم عائلة آل ميديتشي وهذا ما طمأنني، وبما أن اسمي كان طويلاً فكانت سيليا تناديني ميغيل فأحببته أنا أيضاً وصار اسمي فيما بينهم، كما أنني كنت أحب سماع طريقتها في نطق حروف اسمي طيلة الوقت، ومنذ أن دخلت متجرهم ومنزلهم واندمجت بحياتهم وجعلتها جزءً من حياتي حتى نسيت أمر باتريسيو تماماً والمشكلة التي تركت إيطاليا بسببها.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD