الارجوحة

3433 Words
راودتها عن نفسها تبسمت ، إختفت تبعتها ... أعني الفكرة أنوار النيون بألوانها المتعددة تحيط بالمكان ، أطفال يلعبون ، عشاق يتهامسون ، نافورة مياه من مركز الحديقة ،تزيد فورتها تغطى سطح الأرض ، ويأتي الطوفان ، تتمايل الجودى ، تتقاذفها الأمواج ، تجحظ العيون بالرعب ، رمتها الموجة الأولى في عمق الفراغ المتماس والماء شهقوا ، زفروا لما عادت بهم الي السطح ... سطح الماء هادىء تحت كبرى المك نمر ، الحكايا عادية السرد مسترسل ، نحكي ونشير لجهات عديدة ، قطعنا ثلثي المسافة بين ضفتي نهر قيشون ن السيارات مسرعة تلحق بقافلة المدينة الغارقة في الضوء والضوضاء ، بع**هم نخطو بتأن مستأنسين ، ينخفض صوت السيارات ، يخلو الكبرى إلا من بعض المارة ... سطح الماء ساكن ، هدأ كل من في السفينة ، غشيتهم السكينة ناموا ... صر ... صر... صر صوت هوام الليل ، خرير مياه النهر المموسق ، الموجات التي تتلاعب في حنو ، كل هذا ولا إضاءة غير المرسلة من أعمدة الكهرباء بالكبرى ، المدينة الضاجة خلفنا ، تضج مياه النهر تترنح الجودى يصرخ أحدهم أنزلوني وفي خضم الجلبة **ت الثاني نهائياً ، فيما أصابت الثالث نوبة ضحك هستيري ، بينما خرجت عيون الراع من أحداقها لتتحقق مما يجري حولها بحري أمامنا غارقة فى الهدوء والظلام ، بعد أن أعاد الجذر ماء الطوفان الي حوض نافورة الحديقة ، بعد أن أطفئت أنوار النيون الملونة بالحديقة ، بعد أن نزل راكبى الجودى بأمان ، بعدها صارت صاخبة الهدوء ، مشعة الإظلام ... فى الذاكرة كان الكفن بالشاطئ والشمس غاربة ، لوّنت بياضه قبل أن توقع إذن رحيلها ، فناة ذات شعر فضي تتأرجح على شعاع الضوء تدفعها زقزقة العصافير الآيبة الي أعشاشها ، هي أول من صحا إثر ضحكاتنا التي رجت دواخلنا رجت ماء النهر وأزعجت ساكنيه ، إحتج قزمان ذوي شوارب طويلة ، تعاركا شد شارب أخيه ، زعق بصوت مدوى ... سمبرية تنادى بإسمى أن تع... الكفن لأوانى الزار ، تعاد للبحر عندما لا يجدن من يستخدمها ، للبحر مخاليقه ، وساكنيه ، يسكنون نهاراً ويتحركون ليلاً ، البحر كل الأشياء ، ذاكرتي تسبح فيه ،وفيه غرق الشلب الذي غرر بالفتاة في نص الشبكية المقلوبة والمعين الخفي ، فى حوارية الحنين ضم منزل المب**كة السبعينية قديمة الجمال ، في ذات خسوف خ*ف ساكنيه العريس ولم يبن ، حبوبة الودع ذات الثوب الأ**د تخرج منه وتعود إليه ... جن أحد أجدادى لانه كان يعمل في البحر... المدينة الضاجة خلفنا ، الضاحية أمامنا نتساير فجأة أصرخ ...لأن ما يدور بخلدي أزاح ما يجري أمامه وحلّ هو ، واراه كاملاّ و أول ما رأيت الفتاة ذات الشعر الفضي ، يأتيني صدى صوتي ، من أهرامات البجراوية الحدود الشمالية لمدينة بحري ، ليجدني غارقة في الدموع إثر الصرخة ... ومازلت أراودها عن نفسها ومازالت تتبسم ، تختفي أتبعها ، أعنى أفكارى . الشبكية المقلوبة والمعين الخفي صورته تنع** على سطحي مت**رة، هو وشجرته التي يجلس تحتها، وقمة ذاك التل البعيد، بنتوءاته المتحجرة وشجيراته الشوكية. عصافير تشوِّش الصورة بانتقالها المتكرر وتزقزق، إلا أن الصورة لا تع** زقزقتها. في البعيد مراكبي يجدف شمالاً مبتعداً عن سرتي (الدوامة). الوجه المنع** في الصورة مكفهر رغم الطبيعة الجميلة المحيطة به؛ تجاعيد تحيط بعينيه، شيء ما يدور بخلده. رشقته بقطرات مني قصدت إحداها عينه، وتلصصت؛ لتأتيني بالخبر الأكيد. هدأت حتى لا أشوِّش عليها تلصصها. حرك أهدابه، تسلقتها وأنا أشد أحدها، اغرورقت عينه، اختلطت بالدمع، أغمض عينه فسال الدمع، بينما اختبأت تحت جفنه الأسفل. انتظرت لأتخَّير الوقت المناسب لولوج ذاكرته وهو ما زال ساهماً، غشاه خدر طفيف فكف عن تحريك عينه. واتتني الفرصة المناسبة، تمسكت بحافة إنسان عينه وقفزت بخفه إلى داخل ذاكرته، جثوت على ركبتي وحبوت بين بيوت طينية على الحافة الشرقية للنيل، وجدته يتحرك بينها بعشوائية، يخرج من هذا ويدخل في ذاك، إلى أن دخل أحدها وتأخر. تبعته بهدوء، وتبعنا آخرون كلهم رجال يرتدون جلاليب بيضاء، ويحملون عِصياً متفاوتة الأحجام، يحيّي الواحد منهم ا****عة باقتضاب ويردون عليه بهمهمات، جلسوا جميعاً متقاربين إلا هو، أخذ بنبره* ووضعه تحت الحائط الطيني القصير، جلس في البنبر واتكأ على الحائط، امرأة وحيدة تتوسطهم. لم أهتم به، وشدتني الحلقة المغلقة هناك، حبوت إلى أن صرت مركزهم تماماً. ما زالوا يهمهمون: - البنت عذبتنا، من يومها عينها بيضا... - والله لو ما إنتي يا خالتي دار السلام كنت كتلتها... قال ذلك والشرر يتطاير من عينيه. أنين عناقريب الحطب تحت أجسادهم يعلو وينحفض، تبعاً لحدة انفعالهم. - تكتلها ليه سوت ليكم شنو... - إنتي ما عارفة السوتو يا عمتي........ فقدتنا شرفنا - السوتو ده سوتو براها ولا فلاحتكم في الحريم ولا في واحد فيكم ما سوى سواتها دي؟ - ما سويناها بي حرام. - حلال ولا حرام شن عرفها بيهم. ولا الحرام ده عليها هي بس؟ هي كان عارفاه حرام كان سوتو وحكتو كمان؟ - ما لها ما قالت المعاها منو. - إنتو سألتوها؟ بلغ الغضب بأحدهم أن وقف وخطا نحو الباب دون استئذان. لحق به الجميع وبعد أن حلف بالطلاق عاد إلى المجلس - فهل وقع طلاقه؟ - هي وينها مقصوفة الرقبة دي؟ - مالك بيها هي ما هنا. - وديتيها وين؟ - في لكن ما بد*كم ليها تكتلوها. - وشن قولك؟ - قولي تعرفوا الغرّر بيها منو وتنفذوا فيهم شرع الله. - والفضيحة يا دار السلام...... الشرف يا دار السلام؟ شارف المجلس على أن يُرفع ما بين همهمات الوعيد وصيحات رفض مقترح دار السلام. تسلل صوت فتيات في إحدى الغرف الطينية، حبوت حتى وصلتهن، كن متجمهرات حول عنقريب يتوسط الغرفة وإحداهن مستلقية عليه وأخرى بجوارها ترسم دائرة محيط ثديها بل**نها. الآن فقط اكتشفت أن المستلقية تتعرى شيئاً فشيئاً. واستهوت اللعبة الأخريات اللواتي قلدنها ب ***ة، رفع المتلصص عليه عنقه صدفة ورآهن، خرجت وقد تبعثر الجمع إلا من دار السلام والمتلصص على ذاكرته المتكئ على الحائط، تبادلا نظرات ذات معنى. خرج. أتت به خطواته إلى هنا، كل الصور داخل ذاكرته مقلوبة؛ ربما فقد شبكية عينه، لكن لا بأس. أخذت الصور وخرجت بها إلى مقدمة عينه، ع**تها على سطح أُمي الماء، واجهها معتدلة، بكى.. انتحب.. سقط في قلب النهر، فزعت الأسماك والأحياء المائية، وغضبت البَرَدَة*.. وقبل أن..... فتحت جفنه وخرجت ألاعب صديقاتي في حبور. --- * البنبر مقعد قصير * البردة سمكة تص*ر شحنات كهربائية قاتله تدافع بها عن نفسها مبعوث السنات في السنات وَمَضَت في القلب روح، خزّنتها في مكان من الذاكرة، أرفف خزانة الأفكار أو سلة مهملاتها، دون قصد بعثرت الأوراق بحثاً عنها، أثناء ذلك ذهبت في سُبات عميق. هناك ألفيتها، ألبستها جسداً من كلمات، عمدتها ابنة شرعية للا وعي. أزيز طائرات يقترب، شارع إسفلتي عريض، يتفرع منه آخر عرضي وضيّق يتجه شرقاً، طويل نسبياً، مشطور نصفين برصيف وأصايص زهور. فتاة ترتدي بنطلوناً وقميصاً من الجينز الأزرق، تعقص شعرها خلف رأسها وحدة واحدة، لا تغطي شعرها، كأية مرشدة سياحية متحررة تتشبه بالثقافات الوافدة، دقيقة الملامح، سمراء فاتن لونها تسر الناظرين. أرتدي حذاءً عملياً، أسير حادرة، أقصد مباني المطار التي أمامي، مطار الخرطوم؛ العا**ة التي ترفل في حضن النيلين هانئة، الأزرق الهادر والأبيض الهادئ، يحتويانها في حبور. مدينة متناقضة، لا تبعد أوكارها الكرتونية العشوائية عن بناياتها السامقات العشوائية أيضاً سوى كيلومترات. يعبر أثرياؤها بسياراتهم الصاروخية أمام شحاذيها سلحفائيي الحركة بلا اكتراث. لا بأس، فهي وردة أخرى، أرضعتني خبلها، وأدمنت رائحة حليبها، ولا فطام. اسمي ندى أحمد عثمان. أنا هنا لاستقبال مايكل هالمنت، المبعوث الألماني وعالم الآثار الذي يزور البلاد ليؤكد أننا أول من خطا على ظهر البسيطة كلها. ألخص هذه المعلومات وأنا ساهمة، كفاي داخل جيبي البنطلون، قدمي الأولى تجاوزت مدخل الصالة، تبعتها الثانية، حطت على أرض رخامية. لفحني هواء بارد، نظرت عالياً فلم أتبين السقف. اخترت مقعداً من مجموع المقاعد المتلاصقة والمتناثرة هنا وهناك، من المنتصف تتدلى لافتة إلكترونية بوجوه أربعة تتبادل سطحها عبارات الترحيب تحيي الواصلين: "مرحباً بكم في الخرطوم" "حللتم أهلاً ونزلتم سهلاً" مايكل ينضح لونه بدمائه، كأنه يلفظها، تغرق ملامحه، شعيراته المتناثرة تتراقص بلونها الأشقر كشعيرات الذرة الشامية. راسلته عدة مرات عبر الإنترنت، استعرضت صورته سريعاً وأنا أتأمل الواصلين: سودانيون تدلك على ذلك سحناتهم ورداءتهم ولهجاتهم إذا تحدثوا، أطفال يزورون السودان لأول مرة؛ تبدو عليهم الدهشة، أجانب تختلط أحاسيسهم داخلهم فتعجز وجوههم عن التعبير عنها. "سيداتي سادتي، وصلت طائرة الخطوط الجوية الألمانية" أخرجتني المذيعة من تأملاتي بإعلانها عن وصول مايكل على متن الطائرة تواً. انتهى من إجراءاته الروتينية. بحث عني. لوحت له. التقينا. تبادلنا التحايا المالوفة بلغة إنجليزية مميزة. أبلغت وكالتي بوصول عميلها؛ أرسلت ليموزينها الخاص، أقلنا إلى فندق المريديان وسط الخرطوم. أشارت عقارب الساعة إلى الثالثة بعد الظهر؛ موعد انتهاء دوام اليوم. تركت المبعوث لشأنه وذهبت لشأني. في رصيف مدرسة الاتحاد انتظرتني أمي. تسوقنا. اشتريت أشياء تخصني وأشياء تخص الرجل الذي يخصني. - في الواقع أمي لا ترافقني للتسوق. وفي اللاوعي، الرجل الذي يخص ندى لن يصحبها في رحلتها والمبعوث - صباح اليوم التالي، وبنفس العربة الليموزين اتجهنا شمالاً عبر شارع إسفلتي جرح اللون الأصفر؛ أول ألوان علم السودان القديم، يحاذيه النيل بزرقة مائه، يسلمان على بعضهما حباً فيكونان حلةً خضراء وريفة، تهدي الصحراء ظلالها. تلال صخرية تتناثر هنا وهناك، عمد ممددة، مبان ضخمة تتراءى يغطيها السراب، ترفعه عنها لتنجلب، تبدو وتختفي، إلى أن بدت بوابتها وثبتت معالمها، خارجها بعض أعراب القرى المجاورة، يرتدون عراريق متسخة، نحاف عجاف، داخلها لا أحد. استقبلتنا المنحوتات والمرسومات بنظرات ترحاب ينم عن كرم أصيل. أطلع مايكل على المنحوتات داخل المعابد وعلى رموزها، كأني من نحتها، أفك طلاسم الرسوم التي اصطفت كحروف لتشكل لغة أهل ذلك الزمان في هذا المكان. - استغربت لبراعة ندى، ليتني كنتها - نتبادل معلومات البحث عن النحوت، ونفك دلالات الرسوم مرتلي الخطى. النحوت تتشكل، تحاكي صورة الإنسان بنوعيه؛ المرأة والرجل، فهنا في النحت الذي أمامي هم عراة كلياً، وتارة غطوا عوراتهم ورؤوسهم، يصورون حياتهم اليومية: رجل يبني، امرأة تزرع، طفل يرنو إلى السماء. الرسوم كانت بألوان زاهية، ونقلوها بحرفية عالية، ودوماً كانت زهرة اللوتس حاضرة، رسالة الخلود هي ما أرادوا تأكيده. انتهت بنا خطواتنا إلى بهو واسع تتوسطه جنة عظيمة النخل خضراءه. - أظنها النقعة والمصورات، لم تشر لي ندي بأية إشارة تؤيد قولي أو تدحضه - يتوسط حديقة البهو حوض كبير تصب فيه مياه تخرج من أفواه أ**د حجرية، يصلح الواحد منها للجلوس عليه لولا تقديسهم لها، وقد جلس مايكل على أحدها، وقبل أن أنهه عن فعلته تلك، وقبل أن يخبرني برغبته بأن يتصور على أحدها صورة تذكارية؛ زأر الأسد، زأرت الأ**د، تشقق منحوت قائد الجيش الكائن أمام بوابة المدينة الأثرية شاهراً سيفه، استدعى منادي المدينة الذي لبى النداء سريعاً وأتى حاملاً بوقه، أمره أن أذن في الناس أن الحرب.. فأذن، علا صوت الدف المضروب عبر صاحبه جائباً الشوارع، اخترق صاحب النحاس الجدار وعلا إيقاعه، تدافع كل أفراد الجيش تلبية للنداء: المنحوتون، المرسومون والمدفونون. وقف الجيش كاملاً أمام مايكل، اعتراه الخوف، في شرفة المعبد الكبير جثوت عند قدمي الملك ومليكته، أصبحت "تويا" وصيفة الملكة الخاصة برداء قطني محزوم الوسط بحزام ذهبي عريض، منقوش الص*ر مطرز، شعري ممشط منسدل يغطي جبهتي ويمتد إلى كتفي، مطأطأة الرأس أرى صندلي الفاصل بين قدمي والأرض، أقدم فروض الولاء والطاعة لهما وهما يحييان جيشهما بإيماءات محفزة، والخدم لا يألون جهداً في تلبية طلباتهما، وتلطيف هوائهما بأرياش طواويس عظيمة نسجت بدقة، يحركونها فتتداخل ألوانها صانعة قوس قزح يستتران به ليتبادلا همسات الحب. ناجى مايكل ربه فقبل دعوته وبعث له بجيش من أهله الذين غزوا المدينة في حقبة تاريخية لاحقة. عسكر الجيش خارج المدينة استعداداً لغزوها وإنقاذ مايكل، وأنا لا يهمني ما يجري، أخدم مليكي ومليكتي وارثي الأرض ومستخلفيْن عليها من قبل الرب. رغم إن حبيبي ليس معي، إلا أن ظله يغطيني، ربما استعان به الفرنجة ليردوا ابنهم دون حرب، لكنه لم يوفق لأن الصفوف احتدمت عند البوابة وساد الهرج والمرج، قتلى هنا وقتلى هناك، اشتد أوارها علينا، قدمنا قرابيننا للنيل فأحاط بالمدينة وصيرها جزيرة، انقطعت السبل بالغازين، ركنوا للسلم. - فجأةً تذكرت أنهم أبناء يافث ونحن أبناء حام والاثنان ابنا نوح. أوعزت لتويا بذلك – جمعت بينهم بكلمة التوحيد أن لا أله إلا الله احتكموا لكلمتي، وبعضهم لم يحتكم. فاض النيل، أغرق من لم يحتكم، ونجا من احتكم، وهنا تحديداً فقدت ظل حبيبي. في المدينة الجزيرة، طارد صياد يلبس اللاو غزالة أصابها بكوكابه، كان ذلك في اليابسة، وفي الماء تماسيح تتقاذف جثث الغرقى. أطيار تغرد. همت على وجهي في الجزيرة باحثة عن حبيبي، لم أجده. تهت. أغرقتني دموعي. تكثفت سحابة، عزف*ني نسمة مقطوعة حزن أمطرتني في الخرطوم مناحة. أمشي. قلبي مشتاق، روحي في اشتراق، يلفني الزراق، في منزلهم عيون تطفح أملاً تسألني عنه، وعيوني ترصد باباً أن يفتح فيبزغ فجر، لكن هيهات وقد قيد في لوح الحرب شهيداً. انتحبت.. اجتمعت النسوة والجيران، أقاموا مآتماً جديداً، قالوا إن وصيته عند حضوري أن أقترن وشقيقه الأصغر، ألزم الخلوة والمنزل. - هنا اكتمل رداء الروح الوامضة، لكني رأيت أن أضفي عليها بعض التعديلات التي تخصني - لوصيته لم أنْزل، وتركت الخلوة والمنزل، نظرت ملياً داخل أمه، تغلغلت فيها أكثر، أكثر، خرجت منها أمهل، أمهل، وقبل أن أتعدى المدخل، مر طيفه عليّ، وقف جواري، تبسمت لمرآه، تبسم لمرآي، تبسمت أمه لمرآنا... - مرت بنت أفكار لاوعي بردائها الزاهي أمام وعي، أعجب بها، طلبها، عاهدها أن يحفظها، قبلت، نقلني من السُبات إلى السِّنة، نقلني إلى السنات، ليلتقط صورتها كاملة، وكان أن ظهرتها بالمداد. *وردة: امرأة معتوهة تلد كل عام طفلاً لا يشبه الآخر. *الكوكاب: حربة بها نتوآت مدببة تستعمل للصيد والحرب. *الاشتراق: الاحتراق ضياءً. *الزراق: أحد أنواع الثياب السودانية، مصنوع من القطن المغزول على منسج يدوي ومصبوغ يدوياً باللون الأ**د. *السنات: لحظة الانتقال من النوم الخفيف (السنة) إلى النوم الثقيل (السُبات). صدى الهمهمة أبحث عن نص مميز ومختلف، أرهقني التفكير حتى وجدتُ المب**كة متعثرة الخطوات في شوارع ذاكرتي غير المرصوفة. أخذت بيدها، كنت دليلها، خرجت بها وهي تتكئ عليّ. صفعه؛ أفاق، غرق في الدموع والنحيب، حكى ثم غاب عن الوعي.. (عمري تسع سنين، يوم صِحيت قريب الفَجُر، الدنيا بَرِد، بِي كَشْكَشَة كُرعِين في الزقاق، الهوا التقول يِقْلَع الشجر، الكُرعين كُرعين مَرَة، لأنها كانت بتتكلم بي صوت واطي. أول ما عرفتها، لكن بعد شوية اتأكدتَ إنها المب**كة، فتّحتَ عِيُونِي، كان الرقْرَاق مضوي الأُوضَة، دخل بي شباك الخَشَب الفاتح على الزقاق). كانت تردد: أسلم... (ما سمعتن بي أسلم) سوّن ليها كَدِي... فَعِّلَن ليها كَدِي تأكد من أنها المب**كة، لكن ما قصة أسلم؟ سألها من وراء الشباك: من فعل ذلك؟ أجابته وهي تلوك طرف ثوبها الأخضر المهترئ، تحُك شعرها الأشعث ببلاهة: فلانة.. وفلانة. و**ها بالجنون. غالبه النعاس، ونام. تذكر جداته قبل شهور، لما كُنّ جميعاً هناك تحت شجرة النيم العتيقة، تتوسطهن أسلم، يرسلن المب**كة لقضاء بعض حاجاتهن، أسلم تغني بصوتها الرخيم، ولِد ووجدها ضمن أفراد أسرته، لا صلة دم تربطها بهم.. يناديها (حبوبة). كانت والأخريات يغزلن القطن بالمترار، ويضفرن السعف بروشاً وسجادات ونطوعاً، يخطن الصوف (طو**ي)، تأتي تاجرة تصغرهن في السن تأخذ ما ينتجن وتعطيهن نقوداً تكفيهن ليعشن في رغد. حبوبة (زهرة ) و(الله معانا) تجيدان الطبخ وتحبان اللحم، تطبخانه، ويأكلنه، يهضمنه بمشروب (العيش) ومن فترة إلى أخرى يصنعن مشروب البلح المعتق. يومها أكلن نصف خروف، شربن الكثير من البلح، غنت أسلم أجمل أغانيها بأعذب صوت، ثم **تت لبرهة. لم يحتملن **تها، أردن تنبيها.... (انقلبتَ على جنبتي التانية، لسة المب**كة حايمة في الزقاق). تثاءب وهو مغمض العينين، أذن الفجر، دبت الحياة في الشوارع، صحا كل أفراد أسرته، نام هو، يحلم.. يهذي.. يصرخ: حبوووبة أسلم.. أسلم خانقااانيي. خنقته وطالبته بأن يثأر لها: ما كُتْ بَغَسِّل ليك ما كت بد*ك قروش. صرخ وفقد الوعي. هرع إليه الجميع، حتى (زهرة) و(الله معانا) بخطواتهما البطيئة. رشته والدته بالماء، أفاق ليستأنف حياته اليومية. أول ما طلع حوش البيت وجدها تنتظره تحت شجرة النيم التي اعتادت الجلوس تحتها، تنظر إليه صامتة. هرول ماراً أمامها، تعداها، التفت إلى مكانها علها غادرته، لكنها ما زالت هناك تسأله عينيها الثأر. يمشي إلى الأمام، ينظر إلى الخلف، وقع وهو يهذي؛ أصابته الحمى. ذهبت به والدته إلى خلوة الشيخ في الجامع. ذلك المبنى الطيني العتيق ذو الرائحة المميزة. استقبلهم الشيخ بوجهه الوضيء وابتسامتة الوقور، قدم إليه بلحاً وحلاوة دربس، طمأنه.. قرأ وهو يضع يده على رأسه آيات السحر، ولكنه ما زال يهذي.. رشه بالمحاية ولم يفق. صفعه؛ أفاق، غرق في الدموع والنحيب وحكى أن المب**كة تقول: أسلم.. ما سمعتن بي أسلم؟ خَتَّنْ ليها الفليقة جَلَّطَنْ ليها الود*كة سألها: منو خت ليها الفليقة؟ وجلط ليها الود*كة؟ أجابته: حبوباتك (زهرة) و(الله معانا)، يوم أكلن الخروف وشربن البلح، يوم ماتت أسلم. حكى ثم غاب عن الوعي. همهمت المب**كة وكان لهمهمتها صدى. 12/6/2008 نصّ وتمائم فض أحمد النشادر* عذرية الورقة بنصي، جرتقه بلوحة طارق. أذهلني جمال نصي العريس بعد أن اكتملت تمائمه. سألت عن مص*رها؛ عرفوني عليه، اكتشفت أنه كان جليسي قبل أيام، دعاني لشرب القهوة، سكبها لي بيده. أخبروه بأن التمائم استخدمت لجرتق نصي العريس، وأنهما كانا متلائمين. طلب أن يراها مستخدمة لكنه......... دخلت هذا العالم من عالم آخر، بينهما نفاج ساكنوه هادئون، كلٌّ منكفئ على عمله، يؤديه بحب. بين فترة وأخرى تص*ر همهمة من هذا، يرد عليه بمثلها أو لا يرد. النشادر يتعاطى الشعر، يطرب للموسيقى، يف*ن باللون والمنحوتة. أنا أكتب القصة والرواية، أرسم أحياناً. طارق يرسم ويلوِّن، حولنا آخرون.. صب لي فنجاناً آخر من القهوة، وعد محمد عابدين بلقاء غداً، تثاقف والمجموعة، علق ورقة بيضاء عليّ، حمل ألوانه، قصدها، نظر بعيداً، غمس فرشاته في اللون الأخضر، رسم منحنى، قسم الورقة نصفين بقطر مائل. أكملت كوب القهوة، سألته عن اللوحة. هم بالرد، قاطعنا النشادر وهو يرسم............ كح.......... ابتسم....... ومات......... 19 يوليو 2008 * أحمد النشادر محرر الملف الثقافي (تخوم) بصحيفة (الأحداث) السودانية 2008م. غواية استوائية أجلس بمزاج هانئ في صالون ذاكرتي، أنتظر حبيباً تهيأت للقائه بالزينة والعطور، ابتعت له باقة الورد الذي يحبه، وأوقدت له الشموع.. لكنه لن يأتي. على حائط الصالون عُلقت لوحة أبنوسية الإطار، متوسطة الحجم، أحاطتها الشموع بهالة ملكية. تضمخت بعطري فاكتسبت بعداً ثالثاً. داخل اللوحة كان حبيبي، بدا ثمانينياً، انحنت قامته المديدة، تشربت ملامحه الحكمة والسمرة، زاده الغليون وقاراً، ينظر من قمته تلك إلى ما يدور أسفله في الوادي.. الطبول تدق، فرسان يعرضون قوتهم، يتباهون بفحولتهم في ساحة مساكنهم، حكماؤهم ينهونهم، لكنهم لا ينتهون.. هي هناك في ماخورها البعيد تسمع دقات الطبول وتتبسّم، يصطرعون، ومن يصرع أخاه فيهم، يعد عدته ليقطع الغابة المليئة بالوحوش؛ ليجد دارها المطلة على منبع النهر. هناك في أعلى الجبل هم جميعاً سود، هي خلاسية بارقة، هكذا قال من رآها، لم يرها أحد وعاد، فكل من رآها مات؛ إما حباً أو أكلته الوحوش لمّا ملت منه وأدارت له ظهرها. إذن هذا القول مشكوك فيه.. الطبول تدق. الأ**د تزأر. النسانيس تنتقل من رأس شجرة إلى أخرى. أشجار الأبنوس سامقة. الفتية يصطرعون، لونوا أجسادهم بالرماد، حملوا الحراب والكواكيب، يتدربون على استعمال الدروع، أرواح الأسلاف تمنعهم وتحذرهم لكنهم لا يمتنعون.. أنتظر حبيبي في صالون ذاكرتي، لكنه مشغول بما يجري في الوادي، يستعد لخلافة حكيم القرية.. هي الآن تستحم في منبع النهر، يصل ماء حمامها محلى كعسل النحل؛ تستحم ثلاث مرات في العام، المرة الأولى يشربه الشيوخ، يصبحون شباباً. في الثانية تشربه العاقرات فيحبلن. في الثالثة يشربه الشباب، يزدادون فحولة، والصبيات فيأتلقن.. الطبول تدق. اليوم الفصل في من سيقصد مخدعها، شعرات الرحوط التي على الجذوع تتطاير، السوق تض*ب الأرض، يخرج أنينها مكتوماً، ضارب الطبل الكبير يرممه مما أصابه من كدمات.. قصد حفيدنا شجرة المانقو الكبيرة التي يجلس جده وحبيبي تحتها، الذي يدخن دوماً، الدخان يدل على أنه ما يزال حياً، إذ إنه نادراً ما يتحدث، أتاه حفيدنا يأكل علكة، يرتدي قرطاً، يحمل جهاز تسجيل صغير، سأله عن تاريخ أمته، زفر بآهة طويلة كادت تردي الغليون، ترقرقت عيناه بالدمع وقال: - إذا سألني آباؤك عنا، لما آلت حياتنا إلى ما يدور هنا - وأشار إلى الوادي - وأنت سرقتك المدينة وتعلقت بينها وبين ديارك.. قال: - بدأ هذا الصراع قبل سبعة وثمانين عاماً، لمّا زارنا ذلك المراكبي، أبحر ضد التيار حتى وصل منبع النهر في الوادي، سمع عن جمال الغانية من أهل الوادي، شرب من ماء استحمامها، أراد أن يقصدها في ماخورها البعيد. علمت بنيته فتراءت له، غراء فرعاء خلاسية مصقول عوارضها، عارية تماماً، سكبت شعرها خلفها غطاها حتى كفلها، خاطبته قائلة: - كلهم يريدونني، اصطرعوا إذن ومن يصرع أخاه يقطع غابه الوحوش وعندها أتهيأ له. أخرج المراكبي مركبه من الماء، خلع ملابسه، تمرغ بالرماد وارتحط. دخل حلبة الصراع، غلبهم. أمرنا له بحربة وكوكاب ودرع، حملها ويمم وجهه شطر الغابة، حارب وحوشها وقتل ضواريها، وصلها.. وجد دخان حفرتها رابطاً بعطر طلحه في قبة السماء، جارياتها يعددن لها الدلكة والبخور، هي اليوم عروس وهو عريسها، قوبل بالترحاب، أدخل جناحها الخاص ولم تكن فيه، أكل وشرب ونام؛ هكذا أمرت. أوشكت الشمس على المغيب، أشعتها القانية غسلت سفح الجبل ومنبع النهر بحمرة محببة، أتته من قبل، كانت كالنسمة لمّا عبرت بكفها وجهه، ربتت على كتفه، صحا، رآها جواره.. كانت عاريةً تماماً كما تراءت له، جميلة، ناهدة الص*ر، ناحلة الخصر، ممتدة الكفل، إلا أن طفلاً يخرج من أحشائها الآن، رأسه وكتفاه بين فخذيها، دمه يتقطر، نفسه يتقطع. رآها، همّ بالهرب، لكنها تبسمت، أمسكت يديه بحنو، أوقفته على حافة ذهوله، ضمته إليها؛ نسي العالم. دست شفتيها بين شفتيه؛ نسي الجنين. مسدت ص*ره؛ خارت قواه. همّ بها؛ وجد الطفل. خاطبته قائلة: - ساعدني ليخرج الجنين وأكون لك كاملة. سألها: - كيف السبيل؟ قالت: - عد إلى الوادي. عاد. - أذن في الناس. فأذن. - ارتد ثوب الكهانة. فارتداه. - مُر بالمعروف. أمر. - انه عن المنكر. نهى. قال لها: فلنتزوج. ضحكت ضحكة سافرة، أمرته أن يأتيها؛ فأتاها. أمرته أن يسب الله والأسلاف؛ فسبهم. أن يخلع ثيابه؛ فتبختر أمامها عارياً. اترك المعروف؛ فتركه. افعل المنكر؛ ففعل. آتني من دبر؛ فأتاها. خرج الجنين، أخذته جارياتها. كانت له كاملة. رضع حليب الجنين من ثدييها الرحيبين، مات الجنين، نسي الوادي وأهله، هي لم تستحم؛ مات الشيوخ، لم تلد العاقرات، شاب الشباب، شاخت الصبيات، ملت منه، أدارت له ظهرها، أهدته فريسة للوحوش في الغابة.. بعد خمسين عاماً، أتى حفيد المراكبي، ذاك المبحر جنوباً، فعل فعلة جده. بعد خمسة وعشرين عاماً أتى آخر ضل بضلالهما. بعد اثني عشر عاماً ونصف أتى رابع ضل بضلالهم، لكنّ أشلاءه لم تنزل عبر ماء النهر حتى الآن.. هذا ما يجري يا ولدي، يا صاحب القرط. خبا دخان غليون الجد ومضى حفيدنا إلى سبيله. رفع حبيبي عينيه خارج اللوحة، تذكر أنني أنتظره، خرج إلى مجلسي في صالون ذاكرتي بعد أن عاد ثلاثينياً، معتدل القامة. حياني وجلس. 25/7/2008
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD