-... كابتن، في ثقب في الدرجة التالتة!
قالها المساعد للربان، بعد أن ظهر لهما الإشعار بهذا، فكان رد الكابتن بعد أن أخذ يبحث عن ذٰاڪ الطائر الغريب والذي اختفىٰ فجأة عن ناظريهما، دون أن يبدو له أثر بجهاز المراقبة.
فقال لمساعده:
- إيه الحالة؟
- الحالة خطيرة جدًا يا كابتن، بيتهيألي مش هنعرف نتعامل مع المشكلة ديه!
فأدرڪ الربان أن الحل المثالي هوَ إبادة أولٰئِڪ المقنعين، فقام بضغط المقود الأسفل مباشرةً.
- كابتن، إنتَ بتعمل إيه؟
- تشرفت بالشغل معاڪ يا جمال!
- بتعمل إيه يا كابتن؟!
- يا ريت يكون ده الحل الصح!
أسيضيع حياتهم جميعًا فداء خيارٍ ليس مؤكد؟!
تحرڪ مساعد الربان نحوه بمنتهىٰ القوة، فأبعده عن المقود الذي كان لا يزال موجهًا نحو الأسفل، بعدها عاد ليضبط المقود للأعلىٰ، كان الأمر صعبًا حدَّ السماء، وبينما كان المساعد يحاول، فوجئ بطلقة تخترق ص*ره من الظهر.
رمق ص*ره وهوَ لا يزال ممسكًا بالمقود، ثم رفع رأسه للأمام قبل ثانية واحدة من سقوطه أرضًا.
توجه الربان نحو المقود بعدها، وكاد يوجهه للأسفل، ولٰكن ما حدث كان أن وقعت عينيه علىٰ الخدش الذي سببته الطلقة التي أصاب بها مساعده، والذي بدأ يتصدع تدريجيًّا..
- إنها الخاتمة!
فانفجرت غرفة الربان!
***
قبل 48 ساعة.
«الزمالڪ - ڤيلّا هيكل».
الساعة 07:00 مساءً.
استيقظ صاحبنا البالغ من العمر نيف وأربعين عامًا، مستجيبًا لصوت منبهه البسيط واللطيف، فمدَّ يده اليمنىٰ تلڪ المُزينة بساعته الكلاسيكيّة المطلية بماء الفضة، مدها نحو المنبه ليغلقه، ثم ابعد عنه غطاءه ليتضح أنه لم يكن يرتدي إلّا سرواله الداخلي.
فرصة سعيدة سنحت لنا رؤية جسده الرياضي خمري البشرة، وكيف أنه متناسبًا مع شعره الكثيف، قصير الطول، وفكه العريض، المتناسب مش شاربه الكثيف والذي كان يفوق علىٰ درجة طول شعره.
اعتدل في جلسته أولًا ثم مال برأسه يمينًا ويسارًا كمن آلمته، ولٰكنها عادة اكتسبها من كثرة العمل، كانت في البداية نتيجة آلام الرقبة المزمنة، إلىٰ أن صارت عادة لا إرادية يتبعها حينما يرغب وحينما لا يرغب.
بالكاد تتضح لنا دبلته زواجه التي كانت تزين بنصره الأيسر، تلڪ التي كانت من الـ«تيتانيوم» الأصلي ذو اللون الفضي البارق.
- حبيبي!
قالها من مكانه قبل أن يتحرڪ، فلم يرد أحد، فاستنتج أن كان لوحده بالڤيلّا، تحرڪ من مكانه بخطواتٍ متباطئة وصولًا إلىٰ المطبخ، فأخرج من المبرد أول مشروبٍ طازج التقت به عيناه، فهمَّ بتناوله من الزجاجة.
يرن هاتفه بالتزامن مع إنهاءه ما بالزجاجة بالكامل، فتوجه نحوه بنفس ذات الزجاجة التي بيده، التقطه فأجاب، وما إن عرف المتصل حتىٰ أكد علىٰ مطلبه.
- تمام يا فندم.
***
«أحد المناطق الزراعية - بالقرب من الأقصر».
تمام الساعة 10:00 مساءً.
لم يكن الأمر يتحمل التأخير، لذا، فكان من الواجب أن يستخدم في سفريته تلڪ رحلة جوية، وبالفعل، وصل لمطار سوهاج، ومنه استقل سيارة خاصة تابعة لجهة أمنية معينة.
ومنها إلىٰ المنطقة المعنية، والتي انقلب بها القطار ليأخذ به العاطل بالباطل، وليأخذ معه روح البرئ والمذنب، منهم أناسًا كانوا يرتدون أقنعة وعباءات، ومنهم مسافرين عاديون للغاية، لا تشوبهم شائبة.
أمرًا مثيرًا للتعجب!
- زاد، إنتَ وصلت إمتىٰ؟
قالها أحد الضباط المحققين بتلڪ القضية، برتبة مقدم، والذي كان يكبره بالعمر حوالي سبعة أعوام، فأجابه زاد دون أن يلتفت له، بتعرفه علىٰ صوته:
- من نصاية تقريبًا.
- هاه، وإيه رأيڪ؟
قالها وقد وصل إلىٰ جواره، فوضع يديه علىٰ وسطه، وكان رد زاد بتعجب:
- إللي أنا مستغربه، إن الناس إللي كانوا لابسين الأقنعة معليهومش أي شبهات جنائية سابقة، ولا متسجل محاضر ضدهم بالاختفاء أو الهروب، حسب تحقيقاتنا آخر كام ساعة، ده غير إن في منهم ولاد ناس.. يعني مفيش دافع ليهم إنهم يرتكبوا جرايم أو شغب!
سأله المقدم:
- ممكن كانوا متهددين؟
- ممكن، بس المنظمة إللي هددت العدد الرهيب ده أكيد مش قليلة، ممكن نقول مثلًا...
قاطعه رنين هاتفه، فأجاب قبل الرنة الثانية.
- أيوة.. تحت أمر سعادتڪ.
أنهىٰ المكالمة فالتفت للضابط، والذي استنتج أنها مكالمة من جهةٍ عليا، فترڪ له مجالًا للرحيل.
-... بس قبل ما تمشي، إنتَ شاكك في منظمة معينة؟
اقترب منه زاد، فقال:
- إمّا الماسونية أو المخابرات الإسرائيلية.
- الموساد؟!
تركه زاد دون توكيد أو سبب هذا الظن، فتوجه مباشرةً نحو سيارة الجهة الأمنية المسئولة عن تنقلاته.
والتي بها وصل إلىٰ ڤيلّا ماجد توفيق، حيث وجد المزيد والمزيد من قتلىٰ المقنعين، أولٰئِڪ الذين لم يختلفوا بهوياتهم عمَّن كانوا بالقطار.
ما الذي يحدث هنا..؟!
***
«غرفة الاجتماعات - أحد الأجهزة الأمنية».
بعد ساعات من التحقيق.
مشهدًا لمجهولين يراقبون زاد الجالس علىٰ مقعدًا بنهاية ذٰلڪ المكتب الطويل، والذي كان لوحده صاحب الضوء المُسلط علىٰ وجهه لتوضيح ملامحه، يناقشهم بطبيعة القضية وآخر التحديثات بها، بالطبع دون أن يستخدم لغة الجسد بأي سكل من الأشكال.
-... القضية مش بسيطة يا فندم، زي ما حضراتكوا شايفين إحنا قدام إمّا منظمة كبيرة أو جهاز أمني لدولة مُعادية بتحاول تحقق مصلحة معينة في البلد، طبعًا من الحاجات المثيرة للقلق كان إن محدش خارج دائرة الخطر...
ثم التقط أوراق الملفات التي لديه ليطلع علىٰ شيئًا بها، فقال وهوَ يطالعه:
-... يعني عندنا أولاد رجال أعمال وأولاد رجال في السلطة، وناس في الجيش والشرطة، وكان في كمان ناس كبيرة ليهم دور مؤثر إمّا عَٰ السوشيال ميديا أو في المبادرات، ده حتىٰ المتقاعدين مسلموش من الأمر!
أعاد الأوراق مرة أخرىٰ أمامه، فقال:
-... وبما إننا عيون ساهرة يا حضرات، ونومنا مبيجيش طالما بدأت القضية، رجالتنا وصلت لخيط مشترڪ في كل الحوادث إللي بتحصل ديه.
سأل أحد اللواءات الخمسة الجالسين أمامه:
- وده إللي هوَ مين؟
- الضوّ، راجل من مطاريد الشرقية، وواحد من أخطر الرجالة إللي بيتعاملوا معانا بشكل رسمي وقانوني بخلاف صحة شغله.
فقال أحد اللواءات:
- ده خيط حلو، خليڪ وراه يا زاد.
- أوامر سيادتڪ يا فندم، أنا فعلًا عينت عليه فريق مراقبة، وحتىٰ الآن مفيش جديد يذكر بخصوصه.
***
«ڤيلّا هيكل - الزمالڪ».
الساعة 02:12 صباحًا.
وصل زاد بالتزامن مع فوح رائحة طبخ باذنجان مقلي وبطاطس، إنه العشاء الرسمي يا سادة!.. أغلق الباب الداخلي للڤيلّا وقد راعي أن يحدث صوت، ثم دعىٰ حبيبته:
- بابا، إنتي في البيت؟
- أيوة يا حبيبي، وصلت من بدري.
وصل إلىٰ المطبخ، فتجاوز عن تلڪ التي تعد العشاء متوجهًا للمبرد، فأخرج منه ثمرة تفاح، وقبل أن يقطمها التقطتها هيَ منه بتعنيف:
- أنا بأخر العشا عشان ألحقڪ، وإنتَ بتعمل إيه!
- جعان يا تقىٰ!
- خلاص يا قلب تقىٰ تلت دقايق والعشا يجهز.
ثم تركته لاستكمال ما كانت تطبخه، وما إن أدارت ظهرها إليه حتىٰ قام هوَ باحتضانها من ظهرها، مراعيًا أن يستند علىٰ كتفها بذقنه.
-... عامل إيه يا روحي!
- شغل البنڪ تقيل، بس ماشي.
- والمدير السئيل ده لسه بيضايقڪ بكلامه؟!
- هوَ يقدر؟! من ساعة ما فريد باشا هيكل عدىٰ عليه وهوَ بيعملّي ألف حساب، ربنا يخليڪ ليَّٰ يا روح قلبي!
ابتسم، فقال:
- إوعىٰ تكوني قولتي لحد تاني أنا شغال فين!
- إطمن.
- لأ، أقلق، عشان إنتي مبيتبلّش في بوقڪ فولة!
فالتفتت له لتعطيه طبق الخضروات، قائلة بذهول مبالغ فيه:
- أنا مبيتبلّش في بوقي فولة؟!.. ماشي يا فريد!
- عمومًا، حتىٰ لو قولتيلهم، كدة كدة في الجهاز بيدّونا أسامي تانية غير إللي أهالينا يعرفونا بيها.
توجه بالطبق نحو المائدة، فنادته هيَ من مكانها:
- يا فريد نفسي مرة تثق في مراتڪ حبيبتڪ!.. وتحكيلي كدة بطولاتڪ والقضايا إللي بتحققها.
- يا بابا واثق فيكي، بس ديه أسرار دولة، حاجة أنا ماليش إني أتفاخر بيها، ملفات عليا لو متمش إذاعتها بقرار جمهوري يبقىٰ مالناش نتكلم فيها ولا حتىٰ مع روحنا، ثم إن إنتي فاكرة إن أنا لوحدي إللي بشتغل في القضايا ديه؟!.. ديه أجهزة كاملة يا تقىٰ!
توجهت نحو المائدة بطبقي البطاطس والباذنجان، فوضعتهما قبل أن تقول:
-... براحتڪ، بس برضه مبحكيش لصاحباتي.
- مصدقڪ يا «أميرة»!
قالها بسخرية، فاستشاط هذا غيظها الرقيق:
- متتريقش يا فريد!
- حاضر.
قالها بعد أن ضحڪ من رد فعلها الرقيق، وبعد دقائق أحضرت طبق البيض وأرغفة العيش، فجلست بجواره قائلة:
- ويومڪ مشي إزاي؟.. كان تمام؟!
- يعني، القضية رذلة شوية.
- هتآخد منڪ كتير؟
رمقها بجد:
- إنتي عارفة جوزڪ، مفيش قضية بتطول معاه.
- يعني سهلة المرة ديه؟!
- اممم.. ممكن.
ضحكت، فضحڪ.
***
«ڤيلّا هيكل».
بعد حوالي ساعة.
كانت تقىٰ قد لبثت بثباتٍ عميق، بينما كان صاحبنا جالسًا علىٰ مكتبه يدرس تلڪ القضية، رفع فنجان القهوة ليحتسي منه رشفة وهوَ يطالع أوراق الملف التي أمامه، فقاطعه رنين باب الڤيلّا الداخلي.
حتمًا أنه الغفير!
توجه نحو الباب بهدوء، فتحه فوجد أن العتبة فارغة تمامًا، لا يوجد أي مخلوق عليها، فتحرڪ للأمام خطوتين للتأكد، ليجد أن الحديقة الأمامية والخلفية كانت تخلو من أيًّا من كان.
توجه بعدها للغفير...
- إيه يا عم بدوي، مش شايف شغلڪ ليه؟
- خير بس يا فريد بيه؟!
- مين خبط باب الڤيلّا، وإزاي دخل؟
فأقسم الغفير بما صدقه ناظري فريد ولم تصدقه تعابيره:
- أقسم بالله ما حد عداني يا فريد بيه!
- إسمع يا جدع إنتَ، إنتَ تآخد بالڪ من شغلڪ كويس، أحسن ما أجيب شركة حراسة!
ثم تركه والتفت للڤيلّا، لتقع عيناه علىٰ البوابة الداخلية من مكانه، فرأىٰ أن أحدهم قد رسم عليها شعارًا بالإسبرية الملون بالأحمر!
التفت فريد للغفير مرة أخرىٰ وبنظرة أكثر حدة وقوة، فقال له مشيرًا نحو ما رآه:
- إتفضل!
بالفعل، التفت الغفير، فرأىٰ ما صعّب موقفه أكثر، كان شعارًا لجاموس ذي قرنين، وبالرغم من تقارب ذٰلڪ الشعار وترابطه بالقضية التي تبناها زاد مؤخرًا، إلا أنه قد تصنع التعجب أمام الغفير، كي لا يفشل في تحليل الموقف.
أشار فريد نحوه بإصبع التحذير:
- خلي بالڪ، مفهوم!.. وبكرة الصبح الزفت ده يتمسح.
وقبل أن يتحرڪ من مكانه أتته مكالمة هاتفية، فرد مباشرةً، ليكن نص المكالمة:
- «الضوّ أخد طيارة عَٰ اليمن!».
- جت فجأة كدة؟!
- «مظبوط، ده حتىٰ محجزهاش قبلها».
- إحجزلي أقرب ميعاد طيارة وبلغني، وأنا هحضر شنطتي.
***
بما أن تقىٰ كانت معتادة علىٰ مثل تلڪ السفريات المفاجئة من زوجها، بطبيعة وظيفته المهمة، فلم يكن الأمر يتطلب أكثر من ورقة تركها لها مع توضيح وخطة معينة تشمل المصاريف ستمشي عليها إلىٰ أن يعود.
وها هوَ يستقل الطائرة التي تلي الرحلة 200 توجهًا إلىٰ اليمن، والتي كانت تتابعها بساعة واحدة!
- أستاذ.. يا أستاذ!
قالتها المضيفة التي بقيت لأكثر من ثلاث دقائق تناديه، بينما كان هوَ مشغولًا باختلاس النظر علىٰ أحد المسافرين، وما إن شعر بوجودها حتىٰ التفت لها بعنف.
- أفندم!
- آء.. حضرتڪ هتآكل سمڪ ولّلا فراخ ولّلا لحمة؟
- أي حاجة.
وما إن رحلت حتىٰ رأىٰ فريد، أو لندعوه زاد بما أنه الآن علىٰ متن مهمة رسمية، رأىٰ المسافر عينه الذي انتابته الريبة تجاهه وقد أخرج من لدنه سلاح خنجر صغير.
كيف أفلت به من الأمن؟
هنا حضر زاد مسدسه، فتوقف علىٰ قدميه متتبعًا المضيفة بخطاها لكي لا يشد الانتباه.
وما إن لاحظت ما يفعل حتىٰ بدت عليها تعابير الرفض، وكادت تنطق، حتىٰ قاطعها بهشهشته وهمهمته التي لم يسمعها إلا بعض المسافرين القريبين منهما:
- هششش.. مخابرات!
فانكتمت كليًّا، وأكمل هوَ طريقه نحو المشبوه.
- إثبت مكانك!
لم يكن زاد من قالها، بل ضابط مدني مغفل اعتقد أن زاد مص*ر تهديد، فتسبب بكشفه للمشبوه.
- إرمي سلاحڪ!
نهاية الحلقة الثامنة.