الفصل الثاني

1137 Words
إنحنى على قبرها وهو يبكي لأول مرة بـ حياته بـ قوة..قوة دمرته فقد رحلت بعدما أهدته قطعة منها..ربما كانت تعلم ولم تُخبره..ها هي الذكرى الأولى لموتها..صرخ بـ صوتٍ مجروح -ليه سبتيني ورحتي!..ليه؟..علقتيني بيكي ورحتي..لما روحي أخيرًا بدأت تهدى تسبيني أنتي وتمشي... سارت يده على تراب قبرها ثم همس وهو يضع جبهته عليه -مكنتش أعرف إنك أنانية كدا..كنتي ديمًا بتكلميني عن حياة جديدة ليا وليكي بعيد عن المُستنقع دا..وأنا كنت برفض عشان إنتقامي..ااااه يا سوزي وحشتيني بجد..مكنتش مُتخيل إني أحبك كدا... وضع رأسه على قبرها وكأنه يضعها على ساقيها كما تعود..بعد مرور سنة على تلك البداية الجديدة والتي أراحت روحه المُرهقة..بدأت تتلاشى بـ رحيلها فـ بعد وضعها لجنينهما ماتت بعدها بـ شهر..الجميع يُخبره أنها أمانة وتسلمها الله ولكنه يعلم تمام العلم أنها قُتلت لما إقترفه هو ورائف..وها هو أول من يدفع الثمن وربما يلحقه رائف نهض عن القبر وبدأ ينفض قميصه من الأتربة وأزال عبراته ليتجه إلى عربة صغيرته..كانت تحمل ملامح والدتها وكأنها تعمدت أن تُذكره بها..عدا عينيها الواسعتين السوداويتين كـ عيناه..ملس على وجهها الأبيض ثم همس بـ خفوت -يلا نروح يا ملك..إطمنت على ماما..وأه هي بتسلم عليكي وبتقولك متعيطيش عشان أنتي كدا بتزعلي بابا... تحركت يديها الصغيريتين بـ الهواء ليقبض عليها بـ أنامله لينحني ويُقبلها ثم همس -يلا قولي باي لماما... حرك يديها وكأنه يلوح لها ثم تحرك بعيدًا عن القبر..وضع النظارة الشمسية على ملامحه ثم توجه إلى عمله وهو يصطحب إبنته معه إلى المشفى الخاص بـ عائلة الأسيوطي فـ هو يعمل بها كـ طبيب جراحي بعدما إبتعد عن ذلك العالم وكم أسعد ذلك رائف الذي لم يفقد إتصاله به..رغم أنه أصر أن يعود ويبقى بـ جانب أحمد إلا أنه رفض كي لا يتعرضان إلى مخاطر خاصةً بعد وفاة زوجته وصل إلى المشفى بـ نفس وقت وصول مُحي..ليهبط بـ هدوء وكأنه لم ينهار مُنذ قليل ثم إتجه إلى مقعد إبنته المُثبت بـ الخلف يحملها و توجه إلى مُحي الأسيوطي الذي إبتسم ما أن أبصر أحمد والصغيرة ملك..ليًصافحه بـ حرارة قائلًا وهو يُداعب وجنة الصغيرة -صباح الخير يا أحمد..وصباح الخير للأميرة ملك -صافحه أحمد بـ هدوء ثم هتف:صباح النور يا دكتور مُحي..أخبار سعاد هانم إيه! -تن*د مُحي وقال بـ جمود:لسه على حالها..لحد أما ربنا يكتبلها الرحمة -أومأ أحمد بـ تفهم ثم قال:إن شاء الله تتحسن أخذ نفسًا عميق ثم قال بـ عملية -يلا يا دكتور..عندنا شغل كتير -إبتسم مُحي بـ إعجاب وقال:يلا يا دكتور... كان أحمد قد بدأ العمل بُناءًا على ما طلبه من مُحي..وقد أظهر تفانيًا بـ العمل وقد شجعه مُحي على التخلص من كل عاداته السيئة ومُساعدته بـ بدء حياة نظيفة كما فعل رائف ************************************ وجدته يدلف خارج غُرفة غيث ثم همس بـ إرتياح -نام أخيرًا... أومأت زهرة ولم ترد وقد ظهر على وجهها الشرود..ليقترب رائف بـ قلق ثم تساءل -خير يا زهرة!!..وشك مش مظبوط... جلس أمامها ثم أمسك يدها لتنظر إلى يده وبعدها إلى عيناه ثم هتفت -هقولك على حاجة وأوعدني تسمعني للآخر -تضخم ص*ره وقال:قولي يا زهرة..متخافيش... شددت على قبضته ثم همست وهى تنظر إلى زرقاوتيه العميقتين -مش بتفكر ترجع مصر!... إرتفع حاجبيه بـ صدمة..وفتح فاه كي يرد ولكن علق الحديث بـ حلقه..حاول أن يتحدث مرةً أخرى دون أن يغضب إلى أنه عجز وقد بدا هذا واضحًا بـ عينيه التي تحولت لأخرى عاصفتين تحملان أعاصير وذراعيه اللتين برزت عروقهما النافرة ليهدر بـ جمود أفزعها -لأ -حاولت الحديث معه:طب إسمعني بس نفض يدها بـ قوة أدت إلى تألمها تعلم تمام العِلم حساسية ذلك الموضوع بـ النسبةِ إليه ولكنه حديث يجب الخوض فيه خصوصًا بـ تلك الأوضاع الخارجة عن الإرادة..فـ نهضت وهمت الحديث إلا أنه قاطعها بـ شراسة -متقوليش حاجة..أنتي عارفة إني مانع الكلام فـ الموضوع دا... ثم نهض وإستدار ليخطو خطوتين قبل أن يسمع صوتها الخفيض يقول بـ تردد -جدتك إتوفت النهاردة... ********************** حين تظلمنا الحياة بـ أسوء الطرق... إما يضطر الإنسان المواجهة بـ كل شراسة... أو ينحني لها تاركًا إياها تتقاذفه كما تهوى... صرخ بـ غضب دالفًا خارج المرحاض وهى تتبعه لتقول بـ غضب يُماثل غضبه -مش تطنشني يا طارق وتمشي..أستنى هنا... ألقى المنشفة من يده ثم إستدار إليها غير آبهه لنظرة الألم المُرتسمة على وجهها ليقول بـ قسوة -لأ هطنشك يا هايدي..هطنشك لما ترجعي للكلام فـ الموضوع دا للمرة المليون..إرحميني بالله عليكي... لم ترد عليه بل إنسابت عبرتان على وجنتيها الناعمتين ليتأفف طارق بـ نفاذ صبر ثم إقترب منها يُحاوط ذراعيها ثم همس بـ يأس -على الأقل دلوقتي وإحنا بنمر بـ الظرف دا..جدتي لسه ميتة النهاردة وأنتي بتتكلمي فـ الموضوع دا -تحشرجت نبرتها وهمست:عشان كدا بتكلم فيه..مفيش وقت نضيعه ..عشان خاطري -جذبها إلى أحضانه ثم همس:عشان خاطري أنتي إسمعي كلامي... أبعدها عنه قليلًا يُزيل عبراتها بـ حنو ثم تشدق بـ رقة وهو ينظر إلى عيناها الرائعتين -خشي إلبسي يا هايدي..خشي إلبسي وإطردي الشيطان دا من راسك -حركت رأسها نافية قائلة:مش هقدر وأنا حاسة بـ الذنب ناحيتك -قست عيناه قليلًا وهو يقول بـ قوة:ذنب إيه بس!..ذنب إيه بس!..خشي إلبسي يا هايدي عشان مينفعش أسيب بابا لوحده... أزالت عبرتين هبطتا دون أن تشعر ثم أبعدت يده عنها وإتجهت ناحية الخزانة وأخرجت ثياب مُكونة من بنطال قُماشي أ**د وقميص نسائي أ**د اللون أيضًا يصل إلى ما بعد خصرها بـ قليل..أما عن خُصلاتها فـ قد عقدتها على هيئة كعكة مُنمقة وإستدارت إليه لتجده يُغلق أخر زرين من قميصه فـ إتجهت إليه تُساعده على إرتداء سترة حلته السوداء..جذب هو يدها ثم قبّل باطنها هامسًا بـ صدق -وجودك فـ حياتي بيغنيني عن أي حاجة تانية وعن أي طفل..عشان أنتي طفلتي يا هايدي..عارفة يعني إيه!..يعني أنتي مسئولة مني..عليا أحميكي حتى لو من نفسك لو هتضريها..هي دي الأبوة -ردت بعدما إبتلعت غصتها قائلة:طب وأنا!..مش محتاجة أكون أم!..أحس إن فيه حد مسئول مني والمفروض أحميه حتى من نفسي!... حينها إبتسم بـ رقة يجذبها إلى أحضانه هامسًا بـ نبرة عميقة غائرة من الألم عليها -أنا إبنك..ومش هسمح يكونلي أخ أبدًا..هكون أناني وأستأثر بـ أمومتك ليا..أنا وبس يا ماما... أحس بـ إرتجافة جسدها بين أحضانه ليتيقن أنها تبكي..ليُشدد من عناقها ثم همس مرةً أُخرى بـ نبرةٍ أكثر عُمقًا -متعيطيش..أوعي تسمحي لحاجة تهزمك..دي إرادة ربنا ولو كان إختبار..فـ مقدمناش حاجة غير الصبر..تمام!... نطق بـ كلمته الأخيرة وهو يُحاوط وجنتيها بـ يده ليبتسم بـ حنو فـ أومأت بـ ضعف غير قادرة على شئ حاليًا سوى الإستسلام..فـ أمسك بـ كف يدها وهمس -يلا يا هايدي..جدتي ماتت وإحنا بنحب فـ بعض... تحركا حتى خرجا من الغُرفة لتسأله بـ خفوت -أنت بطلت تحب جدتك مش كدا؟... توقف لثانية ثم عاود السير مُجددًا وقد أحست بـ حزنه فـ مُنذ طلاق والدته وتلك القُنبلة التي تفجرت وأخته الغير ش*يقة التي ظهرت فجأة جعلته يحقد على سُعاد فـ هي السبب الرئيسي لما حدث معهم لذلك أجابها بـ صوتٍ جاف -يمكن عشان هي السبب فـ اللي إحنا فيه..عمتًا ربنا يرحمها هي ميجوزش عليها غير الرحمة وهي بين إيدين ربنا -تمتمت هايدي بـ صوتٍ خفيض:ربنا يرحمها... وصلا إلى السيارة لتصعدها هايدي أولًا ثم طارق الذي تجهمت ملامحه بـ شدة..لولا ما فعلته له سابقًا لما حضر عزائها وقد إعتكف عنها لسنتين كاملتين كما فعل رائف..ولكنه كان يزورها من وقتٍ إلى أخر لا لشئ سوى تأنيب ضميرها هذا إن تواجد..دائمًا ما كان ينطق بـ تلك العبارة بـ اخر حديثه ثم يرحل..وبالرغم من ملامح الألم والغموض التي تجتاحها ولكنه لم يأبه ولو لثانية..تن*د وهو يُتمتم بـ قنوط -ربنا يرحمك يا سُعاد هانم..ربنا يرحمك يا جدة عيلة الأسيوطي...
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD