الفصل الرابع

1684 Words
الفصل الرابع. "ساكنة القلب والروح." تأففت زينب للمرة التي لا تعرف عددها تلك الفرح تصر على إثارة غضبها بما تفعله من حماقات، ألم يكف ما قالته أمس والذي سمعه حمزة بوضوح، ذكرته بجرح الماضي المؤلم وذكرتها هي أيضًا بما فقدته من قلبها؟ فرح مصيبة انضمت لكم مصائبهم الهائل، ورغم هذا تحبها كأنها ابنتها حتى مع مشاكلها التي لا تعد ولا تحصى. _ يا بنتي قومي بقا الواحد زهق منك، أي كل دا نوم؟ تململت فرح بنعاس وفتحت نصف عين متمتمة: _ حاضر حاضر. ما إن خرجت زينب من الغرفة حتى عادت تستلقي على السرير تضع الوسادة فوق رأسها وغرقت بالنوم مرة أخرى إلا إنها فزعت على صوت زينب الحاد من المطبخ، فهبت واقفة وركضت للخارج ناسية تمامًا بأنها ترتدي ثياب للنوم خفيفة متكونة من بنطال صغير وكنزة ضيقة تحجم جسدها بأكمام قصيرة، وهي تركض اصتدمت بحمزة الخارج من المطبخ، فوقفت بخجل أمامه غير قادرة على التفوه حتى بكلمة خاصة وهي تقف أمامه بهذه الهيئة. من وقوفه أمامها ظنت أنه يتطلع لها ولكنه لم يكن كذلك بل رحل من فترة لم تدرك متى، ولكنها أدركت بأنه لم ينظر لها بالأساس، هي من فرط خجلها كتمت حتى أنفاسها ولم تعد تدري بشيء. دخلت لزينب المطبخ فوجدتها تعد الطعام منشغلة به، ولكنها شعرت بفرح خلفها المتأهبة كي تفزعها كحركة دائمة منها إلا إنها اثبطت حماستها وهي تقول: _ عارفة إنك ورايا يا فرح، بلاش حركاتك دي. ضمت فرح شفتيها بضيق واسدلت ذراعيها بجانبيها وهي تقول بتذمر: _ هو أنتِ كل مرة كدا بتكشفيني! _ عشان بحس بيكِ يا هبلة. طوقتها فرح من الخلف وقبلت وجنتها بعمق ممتنة لحنان زينب التي عوضتها عن فراق أمها المضني. لن يستطيع أحد ملء الفجوة التي تحدثها غياب الأم ولكن قد يحمل أحد آخر حملك معك فيصير أخف لتتقبله. زينب لطالما كانت لها الأم الحنون التي حاولت كثيرًا لسد فجوة فراق أمها ومداواة قلبها الفارغ. _ تسلميلي يا أحلى زينب فـ الدنيا. _ طيب يلا يا بكاشة عشان تفطري وتنزلي كليتك. هذه هي الكلمة التي تحضر عفاريت العالم تقفز أمام وجهها، فهي تكره الدراسة منذ الصغر رغم إنها متفوقة جدًا بها، فهي في عامها الثاني من كلية الصيدلة ولكنها تمقت فكرة الحفظ والجلوس على كتاب لساعات طويلة. _ بس أي السيرة اللي تسد النفس دي؟ بلا دراسة بلا غيره، البنت ملهاش غير مطبخها وبس. فارت الدماء بعروق زينب من قول هذه المتبجحة المستهترة، تغيظها لامبالاتها المستمرة؛ ولذلك هدرت بها في عنف: _ بنت أنتِ هتجننيني، حمزة دافع كوم مصاريف على كليتك دي وفـ الآخر مش عايزة تمشي والمطبخ أحسن! لم تدرك زينب أنها جرحت فرح حرجًا بالغًا بما قالته من فرط عصبيتها، ففرح مستفزة لأقصى حد وزينب فقدت كل صبرها وصارت عصبية لأقل شيء، ولكن فرح دائمًا ما تضع لها الأعذار فما عانته زينب عصيب لدرجة مؤذية. واصلت زينب حديثها الغاضب تخرج ما بها من غضب في تلك المسكين التي لم يكن خطأها إلا أنها مزحت قليلًا. _ إذا كان المطبخ أحسن فأهو اشبعي بيه بس يا رب ناكل حاجة عدلة منك. أسرعت فرح تقف أمامها تمسكها قبل أن تخرج من المطبخ غاضبة بهذا الشكل، رغم إن فرح بالكاد تمسك دموعها حتى لا تتناثر على خديها. _ استني بس يا ست الكل، أنا مش قصدي، مطبخ أي بس اللي أدخله، أنا أساسًا واحدة فاشلة ومعرفش حاجة. لم تفلح في ارضائها، وفي هذه الأثناء دخل حمزة ليجد أمه الغاضبة فأمسك بيدها في حنان وأجلسها على مقعد في صالة الشقة وهتف: _ مالك يا ست الكل اهدي؟ تن*دت تطلب الهدوء والتريث وقالت: _ هو من وجود المصيبة دي هلاقي هدوء، دي م**مة تموتني مشلولة. خنجر استحل قلبيهما ولكل واحد منهما سببه، فحمزة كان خوفه على أمه وفرح كون وجودها مصيبة لزينب. _ متقوليش كدا يا أمي، عملتلك أي فرح، دي بتهزر وأنتِ عارفة إنها مجنونة شوية. مع جملته هذه طرف بعينه تجاه فرح في نظرة معاتبة وصوب حديثه لها. _ وأنتِ يا فرح بلاش تتعبي خالتك زينب معاكِ ها. خجلت مما فعلته وقالته وشعرت بالخزى والاستصغار من نفسها، فاردفت معتذرة: _ آسفة يا خالتي مكنش قصدي أضايقك واللّٰه. بعدما قالت جملتها هذه تركهما حمزة ودخل لغرفته، فجلست فرح بجوار زينب صامتة باعتذار صادق، رغم إن الأمر بسيطًا جدًا إلا إن حالة زينب تهول الأمر. هدأت زينب وحادت بنظرها لفرح الجالسة ب**ت وقالت آمرة: _ قومي يلا يا بنتي افطري وروحي كليتك. اومأت لها فرح ونهضت مقبلة رأس زينب وتحركت لغرفتها قبل أن تتجمد مكانها من صراخ زينب الموبخ كان كإنذار للحريق مما جعلها تستدير بفزع جم: _ أنتِ أزاي كنتِ قاعدة كدا قدام حمزة يا فرح؟ _ حمزة! أدركت لتوها أنه تحدث معها ووقفت أمامه وهي بهذه الهيئة المخزية، **ت مطبق لاح بالأجواء، فرح ت**ت بخزى ولا تستطيع النطق من فرط خجلها، أما زينب كانت تنتظر جوابًا رغم إن الجواب واضحًا، بررت أخيرًا بحماقة: _ مخدتش بالي إن عمو حمزة هنا، افتكرته راح شغله زي كل يوم بدري.. قاطعتها زينب بحدة هذه المرة تزجرها على حماقتها: _ مدام حمزة هنا تلتزمي بلبسك وطرحتك ومش عايزة أي تهاون فـ الموضوع دا. بكل قلب محطم غادرت فرح لغرفتها، محقة هي ولكنها توصل لها النصائح بشكل خاطئ. خرج من غرفته مع خروجها من غرفتها هي أيضًا كانت قد أعدت نفسها للخروج، فقال بنبرة هادئة لا تنم عن شيء: _ تعالي معايا. خرجت خلفه تتمسك بقوة بحزام حقيبتها في توتر بالغ، فحمزة في حالات هدوئه مخيف جدًا، هدوء ما قبل العاصفة. عدت الخطوات الفاصلة بينها وبينه وهي تتقدم منه حيث وقف أمام باب الشقة بعدما خرجا منها، وقفت أمامه كالمذنبة تنتظر توبيخه فهو لم يرد جرحها أو التقليل منها أمام والدته. _ مالك يا فرح؟ مش هتهدي شوية وتبعدي عن المشاكل دي. هزت رأسها بنعم، كل جرأتها تبخرت عندما وقفت أمامه وهو يطل عليها بطوله الفارع وجسده العريض، لم تصل بنظرها إلى أبعد من كتفيه، وهنا قد أضناها الحنين للماضي عندما كانت صغيرة يحملها هنا ويدور بها وهي تتذمر وتأمر وهو يلبي ضاحكًا، اختفت ضحكته، ولت تلك الأيام التي كان يحملها بها، ولكنه مازال يلبي طلباتها، يدللها كأنه يعوضها عن أمها التي فقدتها. _ آسفة. كلمة واحدة بسيطة بدلت حالته للنقيض بعد أن كان غاضبًا منها، تبخر غضبه وهو يراها تقر بذنبها حتى وإن كان في إعتذار صغير كـ "آسفة". _ أوعديني إنك مش هتدخلي فـ مشاكل تاني. _ وعد. قالتها بتهلل وكادت أن تقفز بفرحة غامرة كونه رضي عنها. يذوب قلبها من بسمته الراضية، نظرته الحانية والتي تشبه نظرة الأب لابنته الوحيدة، ولكنها ترضيها لحد ما، ترضيها لأن أصغر فعل منه كبيرًا عندها. ألم يقولوا بصلة المحب خروف! _ ها، مستنية أي دلوقتي، روحي على كليتك. افتر مبسمها عن ضحكة لعوب صغيرة وصاحت بشغف وجنون يصاحباها كظلها: _ توصلني الكلية بتاعتي. اعترض بتراجع متشدقًا: _ لا مش هينفع، هتأخر على شغلي. أمسكت بمع**ه بغتة فانتفض جسده لمسكتها البريئة هذه، نظرت في ساعته وعادت لتنظر في عينيه التي طالتها بالكاد وقالت: _ على فكرة لسه الساعة ٦ ونص، يعني تقدر توصلني بسرعة وترجع. من اصرارها لم يجد مفر منها، فتحرك أمامها وهو محرجًا لكونه يصطحبها لجامعتها، لاحت ذكرى قديمة على تلافيف عقله، عندما كان في ذات مرة أصر على إيصال عامر، فأوحى له عامر كونه متحرجًا من أخيه الذي لم يكمل تعليمه وهو يوصله لكلية الطب؛ ولذلك عندما وصل الجامعة تهرب منه حتى لا يعرفه على زملائه. بحزن بالغ شقشقت ابتسامة شفتيه تحن لما مضى، رغم إن الموقف أخبره بكون أخيه يخجل منه إلا إنه تمنى لو أنه مازال معه. كان الحال مع هذه الصغيرة غير، فهي كانت ترفع رأسها بكبرياء وهي تسير بجانبه، تفتخر بكونها تعيش بمنزل هذا الرجل الذي يقسَم الجميع على كونه أشرف رجل قد يروه. تختلس النظرات خفية وابتسامة وامقة تظلل شفتيها، غير مقلتيها التي تتدفق منها القلوب تحكي كم تعشق هذا الرجل، كم تحمل من مذلة ليبقى فقط بجانبها. وصلت كليتها، فكاد أن يهرب لولا أنها أمسكت بيده مرة أخرى ووقفت أمامه تشكره بإمتنان تطيل من هذه اللحظة: _ شكرًا يا عمو حمزة. تسحبت ببطء من غرفتها وأغلقتها خلفها بحذر، قلبها يخفق بقوة وجسدها تلبسته انتفاضة خفيفة، تحركت بحذر بالغ وتخطت زجاجات الخمر الفارغة والملقاة بفوضاوية على الأرضية، طالعت جسده الهامد بتقذذ، فكان يلقي جسده على الأريكة وأطرافه تتدلى من جانبيها غير رائحته التي امتزجت بالخمر تفوح بالغرفة، تقلصت ملامحها بإنزعاج واضح وهزت رأسها باستياء يحفه الغضب.. لم يكن منه، بل منه ومنها، غاضبة لما أوصلها له حالها. خرجت من الشقة لتتنفس الصعداء فقد تملصت من هذه الشقة الخانقة بصعوبة، مازالت تتذكر ليلة أمس عندما أتى بصديق له للشقة، وكم خافت منهما خاصة بسبب ضحكاتهما التي مازالت تصدح برأسها، فقد كانا في حالة سكر كاملة، وقتها انكمشت على ذاتها وأغلقت باب غرفتها جيدًا ووضعت خلفه منضدة كبيرة أخذت الكثير من قوتها حتى تدفعها وتضعها خلف الباب. ربما حيلة نافعة بعض الشيء لتحميها من زوجين ثيران لا تعلم ما قد يكون مصيرها إن اقتربا منها. ككل مرة تخرج بها، لم تستفد بشيء، فقد وجدت الباب مغلقًا ولا أحد بالداخل، انهارت قوتها وهي تطرق الباب وتصيح وتصرخ بلا فائدة. _ افتح يا أشرف.. باللّٰه عليك رد عليا.. أخذت تنادي باسمه رافضة كونه بأنه لم يكن بالمنزل، بالأساس في كل مرة أتت بها لهنا لم تجده وفي كل مرة كذلك تصرخ وتنادي باسمه حتى يفتح لها. خرجت امرأة تبدو في مثل سنها أو أكبر قليلًا من الشقة المجاورة وتحدثت بلكنتها الأجنبية التي تفهم منها هي الكثير. _ أشرف لم يعد للآن.. أنتِ تضعين وقتك عزيزتي، فهو ربما لن يعود أبدًا. هزت رأسها برفض، كيف لا يعود؟ تركها هنا وهرب! كل ما تدعو به أن يعود للحظات فقط، حتى تتمكن من الخلاص، فما تعيشه عصيبًا، لا يحتمل. _ طيب ما قالش حاجة ولا.. تذكرت أنها تتحدث بالعربية والتي أمامها لم تفهم شيئًا وهذا ظهر جليًا على ملامحها المنكمشة، ف*نهدت وعادت لتقول بلكنة السيدة أمامها: _ ألم يخبركم متى قد يعود؟ فأنا احتاجه بشدة، لا سبيل أمامي سواه. هزت المرأة رأسها بلا معقبة بقولها: _ لا، لم يقل أي شيء، فقط غادر ولم يلحق به زوجي، حاولي التأقلم وتناسيه. تطلب منها المستحيل بعينه، حاولت التأقلم ولكن كيف وهي ببلد أجنبي لا تعرف بها أحدًا، تتخبط هنا وهناك، تضيع طرقها وفقدت هويتها. تغضنت ملامحها بألم واغرورقت عيناها بالعبرات الحارقة قهر وغضب، ولم تخف ملامحها عن الواقفة تتطالعها، فرمقتها بعطف وحزن على حالتها سرعان ما تحول لضيق وغيرة وصفقت الباب في وجهها بصفاقة ووقاحة، فقد تذكرت نظرات زوجها الغربية لها، نظرات إعجاب من نوع خاص، ونبهتها الأنثى بداخلها بخطر هذه الفتاة على زوجها. لملمت ما تبقى منها من مشاعر ومنعت دموعها المنهالة تحرق وجهها الذي تصدع وتشقق من كثرة الحزن والسهاد في البكاء. مسحت وجهها بكفها ونظمت خصلات شعرها للخلف، وابتسمت بتهكم عندما لمسته وتحسسته. أمنت نفسها بلقاء آخر وتحركت حيث عملها كنادلة بمطعم قريب. # مُنى_عيد. # ساكنة_القلب_والروح. يتبع..
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD