تنظر بسخرية إلى ذلك الفستان أبيض اللون الذى جلبه لها " راغب " و كأنهما خطيبين طبيعين و أهدى لها خطيبها فستان خطبتهما أو إذا صح القول فى ذلك الحين فستان زفافها الذى لن يكون بزفاف بتاتا ، أي زواج ذلك الذى يعقد من أجل أطماع العم فى ابنة أخيه ! ، و الأسوأ أنه إذا لم يُعقد فهناك طرف آخر يطمع فى أخذ حصته فى تركة ليس له بها بقرش ألا و هى والدتها التى من المفترض أن تقوم بحمايتها و لكن فى حالتها هى من يجب أن تأخذ حذرها منها و من نواياها الخبيثة التى لطالما عاهدتها عليها و استمعت منذ الصغر إلى مخططات عدة كانت ترتب لها دائما مع شقيقتها الكبرى الشبيهة بها بدرجة كبرى ليرتسم فى ذهنها أسوأ صورة قد تُرسم فى ذهن فتاة لوالدتها .
وجهت نظرها فى حالة تفاجؤ من دلوفها غرفتها فى مثل ذلك الوقت فهى لم تأتى غرفتها منذ وفاة والدها بل لم تتحدث إليها أيضا منذ ذلك اليوم و كأنها ليست بإبنتها و لا تعنيها بشىء على الإطلاق ، تابعت توجهها إليها بهدوء لتستمع إليها تهدر بجمود بعدما أصبحت قبالتها مباشرة :
- " انا عارفة انك مش عايزه راغب . "
نظرت لها فى جدية و أومأت لها برأسها بتأكيد و قالت بكلمات ذات مغزى :
- " فعلا مش عايزاه ، تقدرى ترفضى و تمنعى الجوازة دى ! "
زاغت عين والدتها عنها للحظة ثم عادت و قالت باندفاع و كأنها وجدت ضالتها :
- " ممكن اكتب كتابك على هادى النهاردة و بكده نبقى قفلناها على نوح و . . . انتى بتضحكى على ايه ؟ "
قالت الأخير بغيظ من ضحك ابنتها المفاجئ و الذى لمحت به طيف سخرية ، لترمقها ابنتها بنظرة بها بعضا من اللوم و قالت هاكمة :
- " هادى ! ده انا اوافق على راغب ارحملى . "
نهضت من مقعدها تاركة الأخرى تشعر بغليان دمائها من سخريتها على حلها الذى عرضته عليها ، لترفع نظرها إليها بملامحها المشدودة و " كيان " تخبرها بطريقة مليئة بالبرود لم تكن عليها يوما و هى شارعة فى الخروج من الغرفة :
- " على العموم يا ماما عايزه ترفضى انا معنديش مشكلة بس ده لو عرفتى تمشى كلمتك على عمى . "
تن*دت فور خروجها من الغرفة محاولة تهدئة حدة أنفاسها التى ازدادت من بعض كلمات استمعت إليها من والدتها و كأنها آتية لتخبرها و تأكد على عدم أهميتها بالنسبة إليها و أنها لا يعنيها شيئا سوى نفسها فقط ليس إلا ، آتية إليها تعرض عليها أن تتزوج بابن خالتها " فريدة " التى لطالما تلقت منها المعاملة السيئة منذ كانت طفلة أم ذلك المتحرش ابنها الذى حاول تلمس جسدها بطريقة ب*عة من قبل .
■■■
شعرت و هى نائمة على أحد جانبيها مغمضة العينين ما بين النعاس و اليقظة بيد تتحرك فوق خصرها بطريقة غريبة لتنتفض فى نومتها و أسرعت فى إضاءة الغرفة لتجده ابن خالتها جالس بجانبها و يبدو بحالة مريبة ، لتعود بجسدها للخلف لعدم قدرتها على النهوض حيث أنه ساددا عليها الطريق بجسده و تكلمت بهلع و هى تشعر بدقات قلبها تخفق فى ص*رها بعنف :
- " ايه اللى بتعمله ده ! . . اخرج برا . "
اقترب اكثر من وجهها لتشتم رائحة غريبة تفوح من فمه و استمعت لصوته الغير متزن :
- " كيان انتي حلوة اوى و انا معدتش متحمل اسلوبك معايا و صدك ليا . "
تلك النظرات الثاقبة لمعالم جسدها من عينيه الحمراوتين إثرا لسكره الذى لم يتبين ل " كيان " بعد تشعرها برجفة فى سائر جسدها لتتكلم بخوف بالغ و هى تحاول أن تتحرك مبتعدة عنه :
- " بقولك اخرج برا يا هادى . "
ازداد وجيب قلبها على الأخير و أصبح ص*رها يعلو و يهبط من هرجلة انفاسها المتلاحقة بخوف جم خاصة و انه قد اقترب منها بغتة و قام بمحاوطة جسدها بعد أن اعتلاه و أخذ يقرب وجهه من وجهها وةهو يقول بخمول و عينيه قد غامتا بالشهوة و الرغبة بها بطريقة مخيفة :
- " مفيش واحدة قدرت تعمل معايا زيك كده و لا تقف قصادى ، انتى اللى خلتينى احطك فى دماغى و ابقى عايزك بالشكل ده . "
دفعت به من ص*ره بكامل قوتها التى لا تقارن بجانب قوته الجسمانية و قالت بصوت قارب على البكاء :
- " انت أكيد مجنون . "
ضحك باتساع مظهرا اسنانه بطريقة مقززة على هيئتها و انفاسه تفوح منها تلك الرائحة القذرة التى جعلتها على وشك القئ ليتلمس خصرها بتروٍ ثم قبض عليه لتندلع صرخة منها و هى لا تكف عن المقاومة ليقول و هو يحاول تقبيلها رغما عنها :
- " صرخى براحتك أمى و أمك تحت و محدش سامع حاجة . "
أخذت دموعها فى الإنهمار فوق صدغيها و هى تتلوى بجسدها أسفل جسده المعتلى إياها و مازالت لم تكف عن محاولة تحرير جسدها من بين حصاره و قالت بصراخ ممزوج بنشيج بكائها بتهديد :
- " انا هعرف بابا بكل ده هخليه يود*ك فى داهية . "
ضحك للجانب بسخرية و غمغم و هو يتحسس وجنتها بصوت يشبه فحيح الأفعى :
- " و ايه الدليل يا قطة ؟ ، و بعدين انتى فى بيتنا هقول انتى اللى جتيلى لحد عندى و غاوتينى . "
أزدادت محاولتها فى ابعاده عنها و هى تشعر باختناق من قربه ذلك و لا تصدق كم القذارة التى اندلعت من بين شفتيه ليخرج تلك الكلمات المليئة بالإنحطاط و صرخت به ساببة إياه :
- " انت حيوان وقذر . "
دلفت والدتها العرفة بغتة لينتفض من فوق جسدها بينما هى نظرت له شزرا و أردفت بجمود وهى ناظرة تجاه ابنتها التى انكمشت على نفسها فور ابتعاده عنها :
- " برا يا هادى . "
خرج من الغرفة دون نقاش فهو يعلم خالته عندما تغضب إضافة إلى إنه ليس بوعيه بشكل كامل كى يختلق أكاذيب حول تلك الوضعية التى رأتهما فيها نتيجة لسكره بينما توجهت " سمية " نحو ابنتها التى انهارت باكية فور خروجه و دمدمت بتسلط وتحذير :
- " مش عايزه كلمة من اللى حصل تخرج لابوكى وده احسنلك يا كيان . "
فغرت عينيها صدمة مما قالته و هى ناظرة إليها بعدم تصديق و قالت بنحيب :
- " انتى عايزانى متكلمش ده كان بيحاول يعتدى عليا و مش أول مرة . "
رمقتها بنظرات حادة و دنت منها و أخبرتها بنبرة قاسية تحمل التهديد :
- " لو نطقتى بحرف هقوله انك انتى اللى كنتى جايباه اوضتك و انا دخلت عليكوا و انتوا فى وضع مش كويس و بتقولى كده عشان تدارى على قلة أدبك ، و حطى فى حسبانك انك انتى اللى عندهم مش الع** يعنى بكر حتى مش هيصدقك و خصوصا انك بتقولى مش اول مرة ، أبسط حاجة بكر هيقولها ايه اللى مود*كى إلا إذا كان الموضوع عاجبك ، فاعقلى كده و الاحسن ليكى و للكل انك متتكلميش . "
استمعت بحزن بالغ لتوالى كلماتها المثيرة للاشمئزاز و التى لا ينبغى أن تتفوه بها أم لابنتها التى لم تبلغ من العمر بعد سوى الخامسة عشر ، بمرحلة مراهقتها و هى أكثر مرحلة عمرية تحتاج فيها الفتاة لوالدتها ، و لكن هى ما الذى فعلته ! ، بدلا من أن تحتويها و تهدئ من روعها من هول ما تعرضت له قامت بتهديدها و كل ذلك من أجل شقيقتها و ماذا عنها هى أليست ابنتها ! ، ألا يوجد بداخل قلبها ذرة حب لها ! ، نظرت لها بنظرات ان**ار تتابع خروجها من الغرفة و التى نهضت مسرعة فور مغادرتها و أغلقت الباب عليها من الداخل و انهارت جالسة على الأرض تبكى بقوة و نهنهات بكائها إن استمع إليها أحد سيرق قلبه لها باستثناء تلك المرأة التى تجزم أن ما بداخلها ليس بقلب مطلقا ، ظلت تبكى لوقت طويل حتى خارت قواها و سحبها سلطان النوم لعالمه منتشلا إياها من الظلم المجحف الذى تلقاه على يد أقرب شخص لها ألا و هى والدتها .
■■■
و هذه أيضا ذكرى أخرى تؤكد لها أنها أصبحت وحيدة دون سند بعد وفاة والدها ، أمن المفترض من واحدة كتلك أن تصبح سندها ! . و تعوضها عن والدها الذى لن يعوض بالأساس حتى إذا كانت والدتها إمرأة صالحة ذات طباع طيبة ، زفرت هواءً ساخنا من رئتيها يحمل اختناق بالغ تحتس به منذ ألتقطت أذنها كلمات عمها حول زواجها من ابنه ، لتلتقط القلم و هى جالسة فوق الأريكة بالحديقة عل نسمات الهواء تبعث بعض البرودة لص*رها طاردة تلك السخونة الخانقة من داخلها ، قامت بفتح الصفحة التالية بدفترها لتخط مزيدا من الكلمات التى لن تقدر على الإفصاح عنها سوى لذلك الدفتر .
مرحبا دفترى آسفة على طريقتى المقتضبة التى سأتحدث لك بها و لكننى لست ببالٍ رائق لأزين كلماتى و لكن على كلٍ أريد إخراج ما يجيش به ص*رى و أخرج ما بجعبتى ، فلقد أصبت بصداع لعين برأسى من كثرة التفكير فى كل ما يحدث من أمور عدة أرهقت فكرى و شتت وجدانى ، تنهيدات متتالية أسحبها لص*رى - تحمل شجنا دفينا يستقر بأعماق أعماقى حيث لا يراه و لا يشعر به غير روحى المهشمة - ألفظها على مهلٍ آملةً أن تغادرنى معها أوجاعى الجمة و جروحى المعنوية التى لا تندمل بمرور الوقت ، أوصد عينى بإرغام على النوم رغبة فى محو أزلية شتاتى الذهنى حتى لو بشكل مؤقت ، و لكن سريعا ما أصحو و كأن الراحة لم تكتب لي حتى و لو بقسط قليلٍ من النوم .
أنهض و أنا أشعر بخمول ساحق مرافقا له ذلك الدوار الذى يجعلنى أحتس بالأرض و كأنها ستميد بي ، أجالس وحدتى و أحتضن حزنى لأجدنى أتحدث بإطناب بكلمات لا يُفهم من خلالها شيئا رغم أننى فى الحقيقة أتحدث بحصافة تامة و أصقل حديثى مع الجميع و لكن يبدو ان تلك الكلمات ما هى إلا كلماتى الحبيسة بداخلى لذا عندما أص*ر أمرا بتحرريها تندلع بقوة من داخلى لتصبح على تلك الهيئة المذرية التى لا تعطى معنى فى نهاية الأمر ، أنَّى لى بكل ذلك التحمل على كل تلك النفوس السوداء التى أزهقت روحى السجية ، يتذرعون بأسباب واهية للظفر بمطامعهم فى حقوقى التى لا تعنيني بشىء بالأساس و التى إذا طالبوا بأخذها من البداية لكنت أعطتها لهم طواعيةً .
و هذا كان سيحدث حقا لولا وصية والدى التى أوصانى بها ألا أدع أحدا يسلب أملاكى و أناضل للمحافظة عليها ، لولا ذلك فقط لكنت تنازلت عن كل شىء دون تفكير مسبق فى فعلها ، لقد اضحت تلك الوصية طوقا ملفوفا حول رقبتى يخنقنى ليس إلا و لا أدرى هل سأستطيع تنفيذها أم لا ، فضعفى الذى جعلنى أخنع لهم فى تسييرهم لحياتى القادمة لا شك أنه سيجعلنى أيضا أخنع لرغباتهم الدنيئة فى أخذ ما هو ملك لى فقط و يريدوا أخذه عنوة ، لا أملك سلطانا على أفعال من حوالى و جرائر شرهم و لكن أقله يمكننى الفرار من حصار خانق لكل خلية بجسدى فلمَ لا أمتلك الجرأة إذًا لفعلها ! ، لمَ لا أنأى بنفسى عن كل ذلك البغض !
لقد أصبحت لقمة سائغة لكل من عمى و والدتى ، ندية بحتة أراها فى أعينهم حول من سيسلبنى حقى فيهما ، و الآن أنا على شفا حفرة من زواج بشخص لم أتعامل معه قبلا و لا أدرى كيف ستكون معاشرته ، هل هو كوالده ! ، أعلم أننى لطالما تملكتنى الرهبة بحضوره و لكن و على الرغم من ذلك لا أرى تلك النظرات المليئة بالشر بعينيه ، لا أدرى ما الذى ينتظرنى معه و لكن أيا كان ما سيحدث لن يكون أكثر سوءً من فقدى لوالدى ، و أيا كان ما ينوى على فعله بزواجى ذاك لن أتراجع عن حماية حقوقى و لن أجعلهم يهنأون بنجاح مخططاتهم الدونية ، فها أنا تحت وطأة ضعفى الذى لا ينتهى أحاول جاهدة بأن أمتلك رباطة الجأش لأتمكن من المقاومة و المتابعة فى تلك المؤامرة الوضيعة .
أغلقت دفترها وبداخلها لم يتحسن كالعادة عندما تكتب مكنوناتها ، فلقد أصبح الأمر أكبر من أن يكتب أو يُحكى حتى ، بنظراتها الساهمة تنظر أمامها تشعر أن الحياة قد انتزعت من داخلها جسدها أصبح كدمية تنتظر من يحركها و هى بكل ضعف قد تركت زمام الأمور لهم و ماذا عساها تفعل ! ، و هى وحيدة بلا مأوى تلجأ إليه من جميع من حولها الذين فى الأساس و فى الظاهر للجميع عائلتها .
••••••••••
يُتبع•••