الفصل الثاني

1935 Words
استيقظ من نومه على صوت جرس شقته التى يسكن بها بمفرده لرغبته فى ذلك ، توجه نحو الباب و هو يتثاءب و يفرك عينيه نافضا علامات النعاس ، فتح الباب بتعبيرات حانقة ممن جاء إليه فى ذلك الوقت المبكر و أقلق نومته ليجده والده الذى نحاه جانبا و دلف ببروده المعتاد ، قلب الآخر عينيه بملل و اغلق الباب فى هدوء و تبعه حتى غرفة المعيشة حيث جلس والده على أحد المقاعد واضعا ساق فوق الآخر و نظر إليه بغطرسته المميته و قال له بجمود و ملامح مبهمة لم يفهم ابنه من خلالها شىء : - " أقعد يا راغب عايزك فى موضوع . " جلس على المقعد المجاور منه على مضض و لكن استرعى اهتمامه معرفة ما الأمر الذى أتى بوالده إليه فمنذ انتقاله للعيش بمفرده لم يكلف وسعه مرة واحدة و زاره بها ، أخرج " نوح " علبة سجائرة و القداحة و أشعل واحدة منها و ألقى العلبة و القداحة بإهمال فوق المنضدة ، لفظ دخان السيجارة بتريث و قال و هو ناظر أمامه بهدوء : - " عايزك تتجوز كيان بنت عمك . " توسعت عينيه بصدمة لبضع ثوانٍ لم ينبس ببنت شفة محاولا استيعاب ما تفوه به والده ليهز رأسه و هو يتساءل باستنكار : - " اتجوز مين ! " أنزل السيجارة عن فمه و قال له و هو ينفث دخانها و يشير عليه بها و هى بين أصبعيه : - " انت سمعت كويس . " زم شفتيه كابحا غضبه و أغمض عينيه و زفر بضيق ثم تكلم بتهكم : - " بابا انت أكيد بتهزر ، كيان مين اللى عايزنى اتجوزها دى عيلة . " مط شفتيه بلا مبالاة و أردف و هو محافظا على ثباته و بروده الذى آثارا حنق الآخر : - " لا عيلة و لا حاجة كيان عندها عشرين سنة . " رفع أحد حاجبيه و دمدم بسخط : - " و انا عندى تلاتة و تلاتين و بعدين الناس كلها عارفة انى مرتبط بداليدا و تقريبا مخطوبين . " أحنى جذعه قليلا للأمام و أطفأ سيجارته بالمطفأة و هو يقول بكلمات قصد بها إغرائه : - " خطوبتك من داليدا و الناس و لا املاك عمك و ثروته اللى هيبقوا تحت رجليك و هيعلوا مركزك فى السوق و تولع ساعتها الناس . " يعرف ابنه حق المعرفة و كم تغريه المظاهر و علو مركزه فى حياته العملية و على صعيد آخر بالحياة الشخصية يقدس حياة الترف و البزخ تقديسا ، لذا وضعه بمساومة صغيرة بالنسبة له يعلم كل العلم أنه سيرضخ لها ، رأى التساؤلات جلية على وجهه ليتستطرد بالمزيد قائلا : - " انت أكيد عرفت ان عمك كتب كل املاكه و فلوسه لكيان . " ضيق الآخر عينيه محاولا استشفاف القصد وراء كلماته ليهدر بتأكيد : - " ايوه عرفت . " شبح ابتسامة شيطانية ارتسم على ثغره و أردف بجشع : - " كل ده هيبقى لينا . " خلل الآخر شعره بيديه بنفاذ صبر ليقول بملل : - " بابا وضح ، انا لسه صاحى من النوم و مش فاهم انت بترمى لايه بكلامك ده . " تن*د بحنق من عدم استخدام ابنه لعقله فيما يقوله ليتكلم بتعبيرات مشتدة : - " انت عارف ان فلوس بكر فى الاساس فلوسى ، انا اللى تعبت و شقيت فيها و جدك حرمنى منها و كتبهاله و هو أخدها على الجاهز . " ما زال لا يفهم ما دخله بالأمر و لمَ يريد تزويجه بابنة عمه ليقول بنزق متسائلا : - " ده ماله و مال جوازى من كيان ؟ " تأفف بضجر و أردف بغضب موضحا : - " بجوازك منها هنقدر نسيطر عليها و نخليها تتنازل عن الورث . " سحب الهواء لرئتيه و لفظه على مهل ثم تساءل بجدية : - " و هى ايه اللى يخليها ترضى بكده ؟ " تلك التساؤلات التى سأم منها لن تنتهى هو يعلم ذلك ، ينقر بسبابته فوق يد الكرسى الجالس عليه و جاوبه بكراهية واضحة : - " هنجبرها ، و احنا لو معملناش كده سمية هتعملها و هيضيع عليا فلوسى اللى بكر نهبها منى ، لكن بجوازك منها هنمنع سمية انها تحط ايدها على حاجة او تقنع كيان انها تتنازلها و هى اصلا مش فارق معها ورث و لا فلوس موت ابوها مأثر فيها و مش مخليها عايز ورث و لا غيره . " لم يتضح له المخطط كاملا ليتساءل باستفسار : - " و ده هيتم ازاى بقى ؟ " أحس بانتعاش بص*ره لاستجابة ابنه ليتكلم بهدوء شارحا له مخططه : - " هتتجوزها و هتفضل على ذمتك لحد ما تتم الواحد و عشرين سنة و بعدها هنمضيها على تنازل ، حابب تكمل معاها بعد كده انت حر مش حابب طلقها و اعمل معاها اللى انت عايزه مش هتدخل فى اللى هتعمله وقتها . " **ت لعدة ثوانٍ مفكرا فى شىء ما ليتكلم ل**نه بما أتى بفكره : - " و طنط سمية هتوافق على الكلام ده ؟ " استقام واقفا وقال له بصوت امتلأ بالبغض و الخبث الذى لم يلاحظه ابنه و ملامحه احتدمت للغاية : - " مجبرة توافق . " •••••••• رغم حالتها التى يرثى لها و التى لازمتها لطوال الشهر الماضى منذ أن فارقها والدها إلى الآن و لكنها أرادت أن تنفذ وصيته لها التى كتبها لها قبل وفاته بعدة أيامٍ بكل طاقته التى كانت قد فُنيت حينها ، فلقد غاب بعدها بداخل تلك الغيبوبة اللعينة التى سرعان ما أخذته بعيدا عنها لحياة أخرى تاركا إياها بتلك الحياة البائسة التى أضحت وحيدة بها طاغيا عليها تعاسة العالمين ، لم تفهم خلالها أنه كان يحاول أن يشد أزرها و يثبط من تأثير فراقه الحتمى الذى كان يشعر بقربه و ما لم يعلمه حينها انه يستحيل أن يُخفى أثره من قلبها مدى حياتها . جلست على ذلك المقعد الخشبى بحديقة منزلها و الذى لطالما جلست عليه بذلك المكان رفقة والدها عندما كانا يتسامران سويا بأحاديث عدة ، فتحت دفترها الصغير نسبيا و التى أعتادت أن تفضفض له بكل ما تود إخراجه من أعماقها عندما يجتاحها شعور باحتياج رفيقا لم يحالفها الحظ بالعثور عليه للتحدث إليه ، و لكنها بداية من الآن سوف تتحدث إليه دائما فلا وجود لرفيق و لا والدها الذى كان الصديق الأوحد لديها . بقلمها الأ**د التى اعتادت ان تخط كلماتها به و التى أصبحت حياتها بلونه استقرت على صفحة بذلك الدفتر و التى لا تعلم عددها من كثرة ما خطته من مواقف عدة ، مشاعر ، و مكنونات لم تخرج سوى له و به ، لم تكن من اللواتى يستطعن التعبير عما يختلج ص*رهم لذا كان ذلك الدفتر الصغير أفضل من يتقبل كل ما يبدر منها و لا يكل من احتضان احرفها التى تارة ما تخرج بتواتر سريع كأنها تتسابق مع الزمن و تارة ما تكن متقطعة إذا تكونت من ورائها جملة لن تعطى معنى بالنهاية سوى بداخل قلبها الذى لم تشُبه شوائب الحياة الغابرة . مرحبا دفترى العزيز اشتقت إليك كثيرا و أعلم كل العلم أنك كنت تفتقد كلماتى التى لا تعنى لأحد على الإطلاق و لكنى أيقن أنك ترحب بها و تشتاق إلى قلمى كذلك ، حسنا منذ اليوم لن ابتعد عنك مجددا فلم يعد يوجد لى أحد سواك على كل حال ، حياتى أصبحت فارغة أصبحت تراهة بعد غيابه لم أعد أريدها و لكنى سأحاول جاهدة أن أتجاوز تلك المرحلة المستنفذة لكل ذرة بروحى ، سأنفذ كلماته الأخيرة التى خطها لى كى تصبح الذكرى الأخيرة منه ، و سأحتفظ بها و لن أتراخى عن المحاولة ما حييت ، لقد أخبرنى بها أنه يحبنى كثيرا و هذا ما لم يكن يحتاج للتصريح به بتاتا كما أخبرنى أيضا أن أتحلى بالقوة التى لا أعلم من أين لى بها بعد ابتعاده كما أخبرنى ألا أستسلم لضعفى الذى كان يجاهد لتبديده ، أسأستطيع أن اتغلب على ضعف ملاحق لى منذ الصغر حتى و هو بجانبى لقد كان هو قوتى كيف له أن يطالبنى بأن أصبح قوية و هو قد سلب منى تلك القوة برحيله ، لست أدرى هل سأتمكن من العيش رفقة كل ذلك الإفك ، فحياتى مزدانة بسيل من ابتسامات يملأها الزيف مكللة بأشخاص تصطنع مشاعر وكلمات تلقيها و تنمقها بطريقة فائقة الروعة ، يتواتر الظلم المجحف من العديد ورالعديد يجعلنى أبكى قهرا على سذاجة لطالما استبدت منى ، تستهل عينى دموعا حارقة على كونى بكل ذلك الضعف الذى لا يتبدد بداخلى ، تتفاقم تلك الغصة بحلقى عندما أتحامل على نفسى و أمنعها من الإستسلام والإنخراط فى نوبة بكاء تهددنى بالإنسياب عند مواجهةٍ - مع أشياء سوداء و أشخاص ضَوَارٍ - لطالما استسهلت الفرار منها ، إذا أردنا التطرق لصدد الحديث سنجد أننى اعزف عزوفا تاما عن انتشال نفسى من تلك الظلمة الموحشة التى أصبحت أسيرة لها ، يتهدج ص*رى بأنفاس متلاحقة فى صخب من مواقف - أقل ما تتصف به أنها قميئة - أعيدها بذهنى ، أختنق من كل ما يجيش به ص*رى من حزن دفين ، أشعر و كأن جذوة شر ظهرت بغتة فى نفوس العديد من حولى و ظلت تتقد إلى أن قامت بإحراق روحى و على صعيد آخر انكفأ الجميع عنى و ابتعدوا تاركين إياى فى وحدتى بائسة داخل قوقعة أحزانى ، تبعثرت مشاعرى و أفكارى مع كل ذلك الشتات من حولى ، و لكنى و بالرغم من كل ذلك سأناضل حتى الرمق الأخير مع تلك الحياة التى لم تنصفنى يوما و فى هذا الخضم من أناس كُثْر و إلى أن يتوقف وجيب قلبى سألوذ بنفسى فقط . أغلقت دفترها و وضعته بجانبها و أغمضت عينيها و هى تستنشق الهواء الطلق مطولا محتبسة إياه بص*رها لثوانٍ ثم تلفظه على مهلٍ محاولة نفض تلك الأفكار المهلكة ، الذكريات المريرة ، و المستقبل مجهول الهوية و الإسترخاء قليلا قدر المستطاع عن طريق تلك النسمات الرقيفة الهادئة التى تلفح وجهها مخلفة هدوء غريب بداخلها طاردة تلك الزوبعة من الشتات الذهنى الذى أصبح لا يفارق فكرها مؤخرا . •••••••• تذرع الحجرة جيئةً و ذهابا والغل الدفين بداخلها قد اعترى قسماتها بقوة ، تشعر بوجود مخطط يُرتب له من ورائها من قبله ، فهى تعرفه جيدا و يستحيل أن يتقبل بوصية زوجها و يتنازل عن حقه فى الميراث أو فيما يدعى أنه حقه فى أملاك زوجها الراحل ، و ما يجعلها تتأكد من شكوكها أنه لم يقم بمهاتفتها منذ ذلك اليوم الذى ذهبوا فيه إلى المحامى و علمهم بأمر الوصية ، و لم يُطالب برؤيتها التى دائما ما كان يُظهر إشتياقه البالغ إليها ، زمت شفتيها بغضب يكاد ينفجر من مقلتيها البارقتين مخلفة هيئة بالغة الشر . جلست على المقعد أمام المرآة و هى تفرك يديها ببعضهم بغضب ساحق و تعض شفتها محاولة استجماع شتاتها و التفكير بتريث لمواجهة أى موقف غادر منه تتوقعه و بشدة ، و لكن كل ما يهمها الآن هى تلك الأموال التى لطالما أرادت تملكها و فعلت من أجلها كل ما بوسعها من مؤامرات شيطانية و أفعال شنيعة لتحظى بها و فى النهاية تجد ذلك الأرعن كتب كل ما يملك لإبنتهما أى لعنة قادته لفعل ذلك ! ، لقد حرم عليها أن يكن لها كيان مستقل بعدم إدخالها بمجال عمله التى كثيرا ما طالبته به و لكنه كان يأبى كل مرة و كانت ترى نظرات عدم الثقة تجاهها بعينيه و على النقيض تماما قام بإدخال " كيان " كلية الإقتصاد و الإدارة كى يتسنى لها إدارة شركاته فيما بعد . هى لم تخطئ فيما ارتكبته فى حقه فهو من اضطرها لفعل ذلك ، هو من ضيق عليها جميع الطرق ، لم يكتب لها قرشا واحدا وىكتب كل ما يملك ل" كيان " ، أحتدت ملامحها بشكل مريب و هى تنظر أمامها و تفكيرها المشابه للأبالسة لا يتوقف عن تلك الأفكار النكراء ، و لكنها لن تبدأ سوى بالود كما يُهيأ لها و لكن إذا لم يحدث ما ترتب له و يُنفَذ مبتغاها ستلجأ حينها لطرقها الخبيثة التى لطالما استفضلتها ، رمقت هاتفها بنظرة كبر تزامنا مع ثغرها الذى ارتسم فوقه بسمة مليئة باللؤم و سريعا ما التقطته وجاءت برقمه و وضعت الهاتف فوق اذنها منتظرة إجابته و التى سريعا ما تكلمت بجدية عندما آتاها صوته الملئ بالبرود على غير عادته معها : - " ايوه يا نوح انا عايزه أشوفك . " •••••••• يُتبع•••
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD