جالسة على المقعد الملحق بمرآتها ترمق هيئتها الشاحبة بنظرة متفحصة مقارنة بين صورتها الموضوعة أمامها و بين تلك التى تراها فى المرآة ، فمن يراها الآن لن يصدق أنها هى " كيان " الفتاة المليئة بالحيوية و المفعمة بالحياة ذو الملامح الهادئة الشبيهة بحد كبير بوالدها الراحل ، تلك اللمعة التى لطالما اتسمت برماديتيها اللتين و رثتهما أيضا عن والدها اختفت و تبدلت بسحابة من دموع تتلألأ بعينيها بين الحين و الآخر ، تنظر فى الفراغ بعينين ساهمتين زائغتين يندلع منهما ذلك الحزن الذى استوطن قلبها بل و كيانها أجمعه ، تن*دت و هى تكاد تختنق من كم المصائب التى لا تنفك تقع فوق عاهلها و تكدر حياتها نهايةً بعمها ذاك و أكاذيبه التى أتى بها إليها لكى يصل لأطماعه من خلالها أيستهون بذكائها ! ، هل يعتقد أنها لا تفقه كل ما يدور من حولها ! ، فاقت من شرودها على صوت مدبرة البيت تلك السيدة الحنون التى قد أتت منذ قليل لتعيد ترتيب الغرفة لها و انتهت لتوها و هى تتساءل باهتمام و بنبرة حانية :
- " فكرتى هتعملى ايه فى الكلام اللى عمك قالهولك يا بنتى ؟ "
سحبت نفسا عميقا و زفرته على عجالة ثم أجابتها بفتور بعد أن استدارت موجها نظرها إليها :
- " هعمل ايه يعنى يا دادة ! "
فغرت " كريمة " عينيها بتفاجؤ من ردها اللامبالى و رددت مستفسرة بشىء من عدم التصديق :
- " يعنى هتوافقى يا بنتى على جوازك من راغب ؟ "
تن*دت ونهضت من فوق المقعد وسارت حتى شرفتها واقفة أمام أعتابها و هى منفتحة و النسمات الصباحية الشتائية الباردة التى تخلف ارتعاشة فى الجسد خلاف ارتعاشة بكائها التى تتحامل على نفسها كى لا تنخرط به قالت بقلة حيلة و نبرة صوت هادئة و هى ناظرة أمامها :
- " فى قدامى حل تانى غير ان انا اسكت و اسيبهم يعملوا اللى يعملوه . "
شعرت تجاهها بالآسى فهى مازالت فى مقتبل عمرها و لا ينبغى لأمثالها بروحهن النقية أن تنطفأ روح الحياة بداخلهن هكذا ، توجهت نحوها و وضعت يدها على كتفها رابتة عليه بحنان لم تكف عن الغدق عليها به ذلك الحنان الذى لم تجده مع والدتها و تمنت كثيرا أن تشعر بطيفه يوما رفقتها بينما استمعت لقول تلك العاملة الطيبة التى ترعاها منذ طفولتها و كأنها ابنتها :
- " سمية هانم مش موافقة سيبيها هى تتعامل معاه و تعرفه انكوا رافضين. "
ابتسمت للجانب بسخرية طفيفة على ما قالته فهى أكثر من يعرفها و تعرف أنها لا تهتم سوى لأمورها هى فقط ليس إلا لتردف بكلمات تيقنها " كيان " بشدة و هى عاقدة ذراعيها أمام ص*رها متكأة على عاتبة الباب بجانب جسدها و مازالت موجهة نظرها أمامها :
- " ما هى عرفته ، و مش عمي اللى هيسمع كلام ماما و هيصرف نظر عن الموضوع عشان هى رافضة ، طالما حط حاجة فى دماغه هيعملها ، انتى يعنى مش عارفاه يا دادة . "
زمت شفتيها للجانب بتهكم عندما أتى بذهناها أفعاله المليئة بالشر و طريقة تعامله الغير طيبة على الإطلاق و غمغمت :
- " عارفاه يا بنتى و عارفة شره كان دايما بيقيد فى البيت نار لما ييجى و يتخانق مع بكر بيه اللى يرحمه ، و الله منا عارفة ازاى كتلة الشر و الكره ده يبقى اخو بكر بيه اللى كان كلامه مليان طيبة و حب و كان زى الملايكة . "
عندما رأت الدموع بدأت تترقرق فى عينى " كيان " على ذكرها سمات والدها الطيبة لاحقتها قبل أن تبدا بالبكاء و تكلمت مسرعة و هى تحرك يديها مع الحديث فى انفعالات تلقائية منها :
- " طب بس برضه سيبى امك تقف جنبك جايز تعرف تحل الموضوع و تنهى الجوازة دى . "
التفتت إليها و قالت بتعابير وجهٍ معتليه الشجن و بنبرة مستنكرة :
- " ماما ! ، من امتى يا دادة و ماما بتقف جنبى و لا بتحللى حاجة ، من امتى ماما اصلا معتبرانى بنتها و بتدافع و بتحامى عنى ، رفضها ده عشانها مش عشانى ، انا فاهمة كل واحد فيهم كويس وومش من دلوقتى ، من وقت ماروحنا للمحامى و شوفت فى عينيهم الكره ليا انا و بابا عشان كتب كل حاجة باسمى ، و فاهمة كويس ان عمى عايز يجوزنى راغب عشان الورث ، و ان ماما رافضة عشان برضه الورث ، كل واحد بيفكر بطريقته ازاى يمتلكنى و يتحكم فيا عشان يعرف يوصل لأطماعه ، إنما انا مش فارقة مع حد كان هو بابا بس و خلاص راح و انا كمان رحت معاه فمش هتفرق إذا اتجوزت راغب أو ماتجوزتوش فى الحالتين جوايا مات . "
ما إن انتهت من كلماتها التى قالتها باندفاع و تواتر سريع دون حتى ان تلتقط انفاسها و كأنها كانت تنتظر من يدفعها للتكلم وزإخراج ما يختلج ص*رها ، نظرت " كريمة " لأسفل و كأن ل**نها قد لُجم مما قالته و بعد برهة رفعت نظرها إليها و قالت بتردد متسائلة :
- " و حقك يا بنتى هتفرطى فيه ليهم ؟ "
احتدمت نظراتها من تطرق تلك الفكرة لذهنها رغم علمها بنواياهم فى سلب ميراثها و لكن رسالة والدها الذى أوصاها بها ألا تترك حقها لأحد و ألا تفرط به نهائيا و كأنه يخبرها أنه يعلم بنوايا جميع من حوله و المفترض أن يكونوا سندا و آمانا له و ليس بطامعين بما لديه جعلتها تعزم على ألا تترك لهم قرشا واحدا من ميراثها ، ليتشنج جسدها بغضب تملك أوصالها و صاحت بحدة عاقدة العزم :
- " ده بقى اللى مش هسمح بيه ، لو انا ضعيفة و ماليش اللى يقفلهم و هما مستغلين ده وبيمشوا حياتى على مزاجهم يمش*ها ، إنما أملاك بابا اللى تعب فيها طول السنين اللى فاتت مهما عملوا مش هيطولوا منها مليم و لو وصلت انهم يقتلونى مش هسمح بكده . "
تهدج ص*رها بأنفاسا غاضبة من فكرة أخذهم لأموال و أملاك أبيها الذى كونهم بجهده و تعب سنين لا يعلم أحد عن ما كلفه خلالها غيرها هى فهو كان كثيرا ما يخبرها بكل ما مر عليه من شدائد واجهته بعضها تغلب عليه بضراوة أسد و البعض كان يتغلب عليه ليعود بعزيمة لم تتبتعد عنه من جديد و يبنى ما هُدم خلال فترات سقوطه ، وةرغم ثورتها و شجاعتها التى اظهرتها حيال ذلك هى أضعف من أن تقف و تمنع أحدا من نهب ما لديها و تعلم كل العلم أنهم قادرون على أخذ ما يريدوه عنوة عنها و لكنها تتمنى أن تواتيها القدرة للتصدى لهم أن تستمد القوة من كلماته التى لطالما كان يلقيها عليها منذ الصغر و كلماته التى خطها لها قبل وفاته آملة أن يساندوها فى تلك الحروب التى تعلم أنها ستشن عليها بمجرد رفضها الإنصياع لرغباتهم الدنيئة فى الإستيلاء على حقوقها التى لم تكن لتدافع عنها لولا تلك الوصية التى أوصاها بها والدها و التى ستحاول باستماته و بكامل قوتها التى لم تكن لديها قبلا أن تنفذ كل ما بها .
ها هى جالسة على فراشها بوجه بائس تتذكر كلمات مربيتها قبل مغادرتها عن مساندة والدتها لها ، أى مساندة تلك التى تننظرها منها ! ، ألا تعلمها ! . . ألا تعلم طباعها ! ، منذ متى وووالدتها كانت لها أمًا بالأساس ! ، فهى تتذكر كل شىء فعلته معها و بها منذ الصغر ، أغمضت عينيها و هى تتذكر إحدى الذكريات السوداء التى تجمعهما معا و هى طفلة لم تتعدَ السابعة من العمر .
■■■
تقدمت بخطوات تملأها الحماس نحو تلك الجالسة ترتشف من كوب قهوتها بهدوء ممزوج بغطرسة ، بين يديها دفتر الرسم خاصتها و هى تهتف بصوت طفولى :
- " بصى يا خالتو الرسمة بتاعتى . "
دون قصد منها اصطدمت بجسدها عند اندفاعها بيد خالتها أوقعت فوق ثيابها بعضا من القهوة لتشهق " فريدة " بفزع و أبعدت الكوب عنها لترى بقعة القهوة التى تكونت فوق تنورتها إضافة إلى حرق فخذها موضع القهوة التى سُكبت ، وضعت الكوب فوق المنضدة أمامها ووالتقطت مناديلا من العلبة أمامها و اخذت تنظف تنورتها ووهى تصرخ بالواقفة أمامها اعترى قسماتها الخوف زاجرة إياه بعنف :
- " ايه اللى عملتيه ده يا حيوانة ؟ "
انتفض جسدها إثرا لصراخها و ابتلعت بخوف جم و هى تتراجع للخلف و قالت مبررة بأسف بصوت مهزوز :
- " انا مكانش قصدى I'm sorry ، ا . . "
لوحت بيدها فى وجهها وكأنها إمرأة من ذات عمرها و ليست بطفلة ذات سبع سنين و قالت بمزيد من الصراخ نتيجة له ارتعد جسد الصغيرة و أخذت ترتجف :
- " يعنى ايه مكانش قصدك امشى ازاى انا كده ، شوفتى يا سمية كيان بهدلتنى ازاى . "
وجهت كلماتها الأخيرة لشقيقتها المتوجهة نحوهما لتحتد ملامحها و برقت بعينيها لابنتها حتى اصبحت امامها و صفعتها على وجهها لتصرخ " كيان " من قوة الصفحة التى لن تحتملها فتاة كبيرة و ليست طفلة بعمرها ثم قبضت على ذراعها و صاحب بها ناهرة إياها :
- " ازاى تعملى حاجة زى كده يا قليلة الأدب ، اطلعى فوق وزمتنزليش من اوضتك خالص ، لو شوفتك النهارده بره أوضتك هحرقلك رجلك انتى فاهمة . "
أومأت " كيان " بهلع و ما إن تركت ذراعها حتى هرعت من امامها صاعدة الدرج متوجها نحو غرفتها كما أخبرتها والدتها و الدموع مغرقة وجنتيها .
■■■
فتحت عينيها المليئتين بدموع لتذكرها واحدة من الذكريات السيئة المستقرة بذهنها منذ سنوات كثيرة و كأن عقلها يأبى نسيانها و يذكرها بالعديد و العديد كى يؤكد لها أن والدتها لم تكن يوما بوالدة لها .
•••••••••
ماددا ذراعه نحو مطفأة السجائر يطفأ عقب سيجارته و هو ينفث دخانها ثم قال بنبرة صوت جادة لابنه الجالس أمامه يتفقد بعض التقارير :
- " جهز نفسك عشان كتب كتابك الخميس . "
رفع نظره إليه و عقد حاجبيه بتفاجؤ و قال بغرابة :
- " على طول كده ! "
عاد بظهره على المقعد و هو يردف ببرود مميت :
- " ايه اللى هيخلينا نستنا ! "
أخفض نظره لثانية و كأنه يفكر بأمر ما ثم عاد بنظره إليه و هو يتساءل باستشفاف :
- " يعنى كيان وافقت ؟ "
امتعضت ملامحه و احتد نظرته و هو يهدر بتجهم :
- " و هى تقدر ترفض ! "
آثر ابنه ال**ت رغم ما يعتريه من ضيق طفيف بداخله لا يعلم مص*ره ، بينما كان " نوح " يطرق بإصبع السبابة فوق سطح المكتب منتبها لدلوفها لذا أردف قائلا عن عمد :
- " على العموم اعمل حسابك انك هتعيش فى الفيلا معايا بعد الجواز . "
اعترى الغضب وجهه من تحكمات والده التى تخنقه وهدر بحنق :
- " برضه يا بابا مصم... "
قاطع متابعة حديثه صوت حذاء انثوى كان على مقربة منه علم انه ل " داليدا " شريكته و ابنة صديق والده و التى تجمعها علاقة قوية ب " راغب " و الكثير ممن يعرفونهما يعلمون أنهما سوف تتوج علاقتهما بالزواج عن قريب ، ليست بعلاقة حب القائمة بينهما و لكنهما تجمعهما علاقة صداقة وطيدة إضافة إلى علاقة عملهما و التى تجعلهما شريكى عمل رائع يكملان بعضهما فى تلك الأمور الخاصة بالعمل ، وةالتى استمعت للآخير الذى قاله " نوح " لتضيق ما بين حاجبيها و هى تفرق نظراتها بين " نوح " و " راغب " و هى تتساءل بعدم استيعاب :
- " جواز ايه ! ، مين اللى هيتجوز ؟ "
لم يستطع " راغب " الرد على سؤالها المباغت و الذى لم يرتب له ردا مسبقا بينما رمقها " نوح " بنظرات ذات مغزى و هو يجيب على سؤالها بثبات :
- " راغب ، هيتجوز كيان بنت عمه . "
غصة مريرة تكونت فى حلقها عند استماعها لرده و لكنها تحاملت على نفسها و أدارت وجهها ل " راغب " الجالس شاعرا بحرج بالغ منها بينما هى ابتسمت له باقتضاب و قالت بهدوء و نبرة صوت جادة :
- " مب**ك ، الإجتماع فاضله خمس دقايق عن إذنكوا . "
غادرت فور إنتهائها مما قالته ليشعر " راغب " بقليل من الذنب حيالها بينما كان " نوح " يشعر بانشاء سرى بعروقه كونه قد تخلص من تلك الفتاة التى كانت تحوم حول ابنه شاعرا بانتصار لنجاح جميع مخططاته و سريان الأمور بحذافيرها كما رتب لها مسبقا .
••••••••••
يُتبع•••