تأففت درة و هي تنهض من مكانها متمددة ترى من السمج الذي يستمر في ضغط جرس الباب دون توقف
طالما لا تفتح فهي نائمة , لكن على ما يبدو أن هناك الكثير من سميكي العقل
كانت ترتدي قميص نومٍ فضفاض لونه كحلي بنقطٍ وردية و طويل بأكمامٍ منتفخة تصل الى منتصف ذراعها
و بما أنه يغطي تسعين بالمئة من كامل مساحتها لذا لم تتنازل بتبديل ملابسها أو وضع شيء عليها
فتحت الباب متعمدة رسم كل معالم الملل و التأفف القادرة على تجميد من ضغط الجرس
لكن و ما أن فعلت حتى ذهلت و فغرت فمها و هي تراه واقفا أمامها ينظر اليها متجهما , يدقق النظر بها بعينين ضيقتين يداه في جيبي بنطاله وهو يقف مرتاحا , لا يفعل سوى مراقبتها
و كأنه يراها للمرة الأولى و على الرغم من تجهم ملامحه كان هناك شيء جديد بها و كأنه لمحة من حنان
ما أن تمالكت درة نفسها وتغلبت على عامل المفاجأة حتى صرخت عاليا بغضب
لقد فقدت عقلك بالكامل ! كيف تتجرأ بالمجيء الى هنا مجددا ؟!
**تت للحظة و هي تنظر بعينيها إن كان هناك من يسمع كي لا تحدث المزيد من الفضائح , ثم أعادتهما الى وجهه الساكن تماما و تابعت هاتفة بصوتٍ مجنون رغم خفوته من بين أسنانها
ألم تكفك الفضيحة التي تسببت فيها , و تناقلتها مواقع التواصل بمئات المشاركات ؟! ما الذي دهاك لتقدم على ما فعلت ؟!
**تت قليلا و هي تضيق عينيها تراقب وجهه عن قرب ثم قالت مبتسمة فجأة بتشفٍ و قمة في الرضا
لقد ض*بك بشدة ! يا الهي لقد فعل ما حلمت بفعله لسنواتٍ طويلة
مجددا لم يرد و لم ينفعل , بل ظل مكانه واقفا ينظر إليها بذات التعبير الغريب فعقدت حاجبيها قليلا و قد زالت الابتسامة عن ملامحها و حل القلق , فهو يبدو و كأنه شخص مختلف مما جعلها تهز رأسها و كأنها تسأله عما يحدث بالضبط
فتح قاسم فمه أخيرا و قال بجفاء و نبرة خفيضة دون أن تتغير ملامحه
هذا القميص كنتِ ترتدينه في بيتنا
ارتفع حاجبا درة و اتسعت عيناها بدهشة بالغة و هي تخفض عينيها الى القميص الفضفاض
ألا يزال يتذكره حقا !
بعضا من ملابسها لا تزال تحتفظ بها منذ سنوات طويلة خاصة و أن مقاسها لم يتغير كثيرا
شعرت بالارتباك و هي تحيط خصرها بذراعها و كأنها تخفي نفسها , الا أنها زادت في الواقع من بروز مفاتنها
ظل ينظر اليها طويلا و كأنه لم يأتِ الى هنا الا لينظر اليها فقط و كأنه يحتاج الى هذا !
رفعت ذقنها أخيرا و تمكنت من النظر إليه بملامح جليدية و سألته مباشرة بقسوة
لماذا جئت الى هنا بعد ما فعلت يا قاسم ؟! أتريد أن تٌبرح ض*با مجددا ؟! لأنه لا مانع لدي من الاتصال بعامر كي يأتي الى هنا
نطقها اسم عامر مجردا أتى بمفعوله كما أحست بنفس التشفي فقد التوت شفتاه المكدومتان و رأت في عينيه تعبيرا أخطر من الكلمات ففتح فمه ليتكلم , و انتظرت بتحفز كي تغلق الباب في وجهه لكن ما أن نطق حتى اتسعت عيناها بغباء وهو يسألها بنبرة هادئة
هل تريدين طاولة السفرة من ست كراسٍ أم ثمانية ؟
طرفت بعينيها و هي تهز رأسها للحظة , ثم سألت تستشعر و كأن النظام العقلي لديها قد تعطل
ماذا ؟!
أجابها ببساطة دون أن يبتسم
طاولة سفرة بيت الزوجية تريدينها من ست كراسٍ أم ثمانية ؟
ظلت ممتدة الرأس و العنق كالزرافة و هي تنظر اليه عاقدة حاجبيها تمط فمها و كأنها تحاول استيعاب ما يقول ثم لم تلبث أن تراجعت و ابتسمت ببرود قائلة
ثمانية يا حبيبي عسى أن تتلبسك ثمانية عفاريت لتجعلك تركض في الطريق لا تدري من يلاحقك
و دون انتظار رد منه صفقت الباب في وجهه بمنتهى العنف , ثم استندت اليه بظهرها تتنفس بسرعة و ذهول
أرهفت السمع تنتظر سماع خطواته تبتعد , الا أنها انتفضت حين سمعت صوته يقول بجفاء
ابتعدي عن ذاك الكاتب يا درة جربتِ العناد مرة و خرجتِ خاسرة بطلاقٍ مخزي ,
هذه المرة لن أسمح و لن أسامح
ثم ابتعد !!
هزت درة رأسها فاغرة فمها و كأن من كان واقفا للتو لم يكن قاسم ! كان شخصا مختلفا ! تماما !
.....
ماذا تفعل هذه الطفلة هنا ؟
نطق علام بالسؤال الفظ دون تغليف أو ترحيب وهو يشير بذقنه الى الطفلة التي يحملها عامر بين يديه فاحمر وجه سلوان بشدة حتى تحول الى لونٍ قاني انتشر عبر بشرتها البيضاء فتلعثمت قائلة يكاد صوتها الا يُسمع ..
أنا إنه لقد
أغمضت عينيها للحظة شاعرة بالدوار و فقدان القدرة على الكلام حاولت جاهدة الا أنها كانت كمن خرج الى المسرح و فقد صوته لكن صوتا آخر تطوع بإنقاذها
كان صوت عامر
فسمعته يقول بهدوء على الرغم من نبرة اله***ة في هذا الصوت و التي تتحدى أيا من يكون على الجدال
ابنة سلوان ستأتي معها الى أن تستطيع تدبير أمورها , فقد كان عرض العمل مفاجئا
برقت عينا علام و قست ملامح وجهه وهو يواجه ابنه الذي لم يرف له جفن وهو يقبل بالمواجهة بتحدٍ سافر
فارتعشت سلوان بشدة حين نقل عينيه المخيفتين اليها , وهو يرمقها بنظرةٍ أقل ما يقال عنها أنها مزدرية
فتأوهت دون صوت و هي تود لو سحبت طفلتها من بين ذراعي عامر و انطلقت مولية الفرار من هذا البيت المخيف و الرجل الأكثر رعبا !
لكن علام كان هو من اختار الانسحاب بأنفة و كأنه يجد نفسه أعظم شأنا من أن يجادل في وضع أحد الخدم !
لذا و دون ترحيب أو رد استدار مغادرا مما جعل ملامح عامر تقسو و تتجهم أما سلوان فقد مدت يديها تنوي أخذ ابنتها هامسة باختناق و هي توشك على البكاء
بعد اذنك يا سيد عامر أريد ابنتي لأغادر
استدار إليها عاقدا حاجبيه و من نظرة واحدة الى وجهها عرف أنها ستبكي لكنه ابتسم ناظرا في ساعة مع**ه وهو يقول
لست أنوي أن أكون رب عمل مستعبدا لكن الا أترين أن خمس دقائق فقط في العمل تعتبر قليلة بعض الشيء ؟!
لم تتجاوب سلوان مع ابتسامته بل أصرت على القول و هي تقترب لتحمل روان
أعذرني ليس لي مكان هنا
مد عامر يده الأخرى ينوي التمسك بظهر روان مانعا سلوان من أخذها , الا أن كفه أمسكت بكفها بقوة !
شهقت سلوان دون صون و سارعت تبعد يديها عنه و كأن نارا قد لسعتها و ازداد احمرار وجهها بينما نظر اليها عامر طويلا ثم قال بصوتٍ مبهم
آسف لم أقصد .
ازداد ارتباكها و هي تفرك ظاهر كفها و كأنها تمسح لمسته دون أن تدري أنه كان يراقب حركتها بينما ردت عليه بإختناق
لا عليك
حاولت السيطرة على نفسها قائلة بسرعة
نحن سنذهب الآن و أنا التي يجب أن تعتذر على هذا الموقف
سألها بهدوء
أي موقف ؟!
لوحت سلوان بإشارة من يدها الى حيث اختفى والده و أجابت بصوتٍ مختنق
لست مرحبا بي من والدك , كما أنه تضايق من وجود روان
ضاقت عينا عامر قليلا وهو يرى أن أول الدموع بدأت تتساقط على وجهها فسارعت بمسحها بأصابع مرتجفة و أخذ يراقبها قليلا ثم سألها برزانة
هل تحلين مشاكلك دائما بالبكاء ؟!
رفعت عينيها اليه بدهشة قبل أن تخفض وجهها و هي تمسح المزيد من الدموع تحاول ابتلاع الغصة في حلقها ثم قالت بصعوبة
لا بد و أنك تراني حمقاء الآن
ابتسم عامر و قال دون مجاملة
بصراحة نعم
مرة ثانية نظرت اليه بدهشة أكبر و قالت دون تفكير
أنت صريح جدا
اتسعت ابتسامته وهو يقول ناظرا الى عينيها الفاتحتين المبللتين
اعتدت الصراحة , و أنا أكره أن يلجأ الإنسان للبكاء على حافة كل منعطفٍ يقا**ه لما لا تقاتلين ولو قليلا ؟!
ألجمها التوبيخ المباشر في كلامه الهادئ فأخفضت وجهها قائلة
لم أعمل من قبل في حياتي , و لم أنتظر قوت يومي من أحد كنت معززة مكرمة في بيتي
نظر اليها عامر طويلا دون رد , ثم أخرج من جيب قميصه منديلا ورقيا ناوله لها قائلا بخفوت
خذي
نظرت الى المنديل في يده بتردد , ثم رفعت يدها تأخذه منه و مسحت به عينيها و أنفها
مرت عليه فترة طويلة , منذ أن رآى امرأة تمسح وجهها بهذه الثقة دون أن تخشى تلطيخ زينة وجهها
ربما لأن الزينة الوحيدة التي كانت تضعها , هو تورد وجهها ولون عينيها !
تكلم عامر أخيرا قائلا
أستطيع تصديق أنكِ لم تعملي من قبل أما معززة مكرمة , فهذا أمر آخر
انتفضت ناظرة اليه بصدمة , ثم قالت و قد بدأت تنفعل
ماذا قلت ؟!
لم يخشى النظرة الغاضبة في عينيها , بل على الع** ابتسم لهما و مد يده قائلا بتهذيب
تعالي لأريكِ المطبخ
وقفت مكانها شديدة التردد , غير قادرة على التحرك و هي تنقل عينيها بصراعٍ شديد بين باب البيت و المطبخ
الا أن عامر كان قد سبقها , و مجددا التفت إليها آمرا بجدية
تعالي يا سلوان لا أحب الانتظار
امتقع وجهها من التوبيخ الآمر فوجدت نفسها تلحقه حتى سارت الى جواره تتعثر كان أطول منها بكثير و قشعرت بشيء من الحميمية و هي ترى روان بين ذراعيه و كأنهما أسرة واحدة !
انتفضت فجأة و هي تهز رأسها بقوة محاولة التخلص من الرعشة التي انتابتها إثر هذا التخيل المجنون
فرمقها عامر بنظرةٍ جانبية وهو يسألها رافعا حاجبه
هل انتفضتِ للتو ؟ هل جو البيت بارد عليكِ و على روان ؟ يمكننا تعديل المكيف
رفعت سلوان يدها الى وجنتها الحارة و توقفت أمامه كتلميذة مذعورة من أن يكون قد استطاع قراءة أفكارها
فهتفت متلعثمة
لا أبدا , الجو جميل
ابتسم عامر ابتسامة عريضة مما جعلها تفتح فمها كالبلهاء , بينما قال مؤكدا و كأنهما يسيران على شاطئ البحر لا مجرد الذهاب الى مطبخٍ ما
بالفعل جميل يمكننا أن نقوم بعمل نزهة و افتراش الأرض هنا في البهو لو حضرتِ سلة من الشطائر
على الرغم من كل خجلها و ارتباكها و عدم قدرتها على التعامل مع العالم الخارجي , الا أن هناك شيء واحد بعد لا تستطيع سلوان التعامل معه خفة الظل الزائدة , لذا مطت شفتيها و هي تقول بتهذيب
أنت لطيف جدا يا سيد عامر , حقا
ضحك ضحكة خافتة دون أن يجفل من امتعاض شفتيها و قال ببساطة
بعض مما عندكم يا سيدة سلوان والله حين اقرأ منشوراتك على موقع التواصل و خاصة النكات منها أجد نفسي و قد وقعت تحت السرير من شدة الضحك
ضاقت عيناها و سألته بجمود
هل تهزأ بي ؟!
لم تختفِ ابتسامته العريضة , بل أجابها بكل إخلاص
شيء واحد يمكنك التأكد منه , وهو أنكِ المص*ر الوحيد لضحكي مؤخرا
لم تعرف إن كانت عبارته مديحا أم استهزاء , لذا عقدت حاجبيها قليلا بتوتر الا أنهما كانا قد وصلا الى المطبخ أخيرا في هذا البيت الذي يحتاج الى مواصلات كي يقطه المرء موقف يمد يده بتهذيب
تفضلي
دخلت سلوان شاعرة بالرهبة و هي تجيل عينيها في أرجاء هذا المكان الملقب بالمطبخ !
ثم توقفت فاغرة فمها للحظةٍ قبل أن تسأل بصدمة
هل هذا هو مطبخكم ؟!
ابتسم عامر قائلا بتسلية وهو يراقب تعابير وجهها المشدوه
نعم , هذا هو مطبخنا هل يعجبك ؟!
لم تنظر سلوان الى عامر , و لم تغلق فمها بعد بل همست بذهول
إنه أجمل من حياتي
انحنت ابتسامة عامر تجاوبا مع عبارتها البسيطة و على الرغم من تسليته بكل تعبيراتها الا أن عبارتها الأخيرة كانت محزنة حقا , خاصة و أنها بدت صادقة فيها