تلك الخطوات التي يمشيها الإنسان مبتعدا , ظنا منه أن قد قطع الخيط الأخير بينه و بين ما ترك خلفه في الواقع ما هي الا أقصر الطرق لتعيده من حيث ابتعد !
أسرعت نسيبة الخطى متعثرة و هي تخرج من باب البيت القديم المتهالك , دون حتى أن تجد الوقت للاهتمام بشكلها كما يجب بل كانت ترتدي حلة بيتية رياضية قديمة فضفاضة و نظرت الى حيث يقف على بعدٍ منها , فسارعت إليه عاقدة حاجبيها حتى وصلت إليه
شكله غريب ! يقف مستندا بظهره الى أحد السيارات الصافة بالطريق الضيق مكتفا ذراعيه , مطرق الوجه ناظرا الى الأرض بشرودٍ حزين فازداد القلق على ملامحها أضعافا و هتفت بخوف
ما الأمر يا ساهر ؟! صوتك في الهاتف أرعبني , ما الموضوع الخطير الذي لم يستطع التأجيل حتى تأتِنا مساءا ؟!
رفع ساهر وجهه اليها ببطء و هالها شحوب ملامحه و احمرار عينيه بدا و كأنه زاد عشر سنوات دفعة واحدة فاتسعت عيناها و همست برهبة و هي تضع يدها على ص*رها الخافق
ما الذي حدث ؟!
بدا ساهر غير قادرا على الكلام وهو ينظر إليها طويلا ثم تكلم بصوتٍ خافت
أحتاجك يا نسيبة أحتاجك أكثر من أي وقتٍ مضى في حياتي
اتسعت عيناها أكثر و هي تراقب ملامحه بذهول لم يكن هذا هو ساهر ! ساهر الذي ودعها على الهاتف منذ قليل سعيدا مبتهجا بالعمل الجديد ! ما الذي يمكن أن يكون قد تغير تلك الدقائق ؟
اقتربت منه و أمسكت بمع**ه هامسة برهبة
و أنا هنا يا حبيبي ما الذي حدث ؟!
قال ساهر بصوتٍ خفيض باهت
أريد الكلام معك , لكن ليس هنا
جذبت مع**ه قليلا و هي تقول بلهفة عاقدة حاجبيها
تعال معي الى البيت و لن يقاطعنا أحد
الا أنه هز رأسه نفيا ببطء ثم قال بصوتٍ خافت أجش
لا يا نسيبة , لا أريد رؤية أحد الآن أريد أن أكون وحدي معك , لنكن بمفردنا أنا حتى غير قادرا على الجلوس في مكانٍ عام
ابتلعت ريقها بخوف ثم همست و قلبها يكاد أن يسقط بين أضلعها
تعال لنذهب الى شقتنا انتظر لأبدل ملابسي , دقائق و أعود إليك
الا أن ساهر أمسك بكفها بين أصابعه يمنعها من المغادرة فرفعت وجهها إليه و رأت شبه ابتسامة على شفتيه بعيدة كل البعد عن الحزن الدفين البادي في عينيه ثم قال بعمق
بل تعالي كما أنتِ تذكريني بطفولتك و مراهقتك حين كنتِ تنزلين كما أنتِ كي نقف سويا في الطريق بضعة دقائق و هذا كل ما أحتاجه في تلك اللحظة , العودة لسنواتٍ خلت
فغرت فمها و هي تراه يزداد غرابة الا أنها لم تلبث أن أومأت برأسها قائلة بمزاحٍ يحمل من القلق ما جعله مهتزا
لا بأس المفتاح معي في سلسلة مفاتيحي لا يغادرني أبدا , لنذهب حبيبي
و ما أن وصلا و فتحت الباب لتدخل حتى قالت مبتسمة بخجل
الحمد لله أن لم يرني أحد من الجيران بهذا المنظر تخيل لو حدث هذا لما استطعت مواجهتهم في المستقبل مطلقا
ثم ضحكت ضحكة صغيرة , الا أنها لم تلبث أن اختفت حين وجدت ساهر يتبعها مغلقا الباب ببطء مطرقا بوجهه , مستندا بكفه اليه لا يشاركها المزحة ولو بابتسامة حتى !
اقتربت منه نسيبة حتى وضعت يدها على ظهره و سألت بجدية حازمة على الرغم من الخوف الذي ينهش أعماقها
ما الأمر ستتكلم الآن قبل أن أصاب بالإغماء فقد بدأت أشعر بالدوار بالفعل من شدة القلق
رفع ساهر وجهه ببطء , و مضت بضعة لحظات قبل أن يقول بخفوت لا يكاد أن يسمع
أمي مصابة بمرض خبيث في الكبد
اتسعت عينا نسيبة على أقصى اتساعهما و هي تشهق عاليا هاتفة همسا
ياللهي ! لا يمكن !
ظل ساهر صامتا غير قادرا على الكلام أكثر فأمسكت بكتفيه و هي تهمس هلعا
أخبرني أنني أخطأت السمع يا ساهر أرجوك
رفع وجهه و قال بصوتٍ مجهد
ليتك أخطأت السمع يا نسيبة لقد اكتشفنا الأمر بالصدفة و تأكدنا منه و كانت تنوي إخفائه عنا الى فترة لا يعلمها الا الله ربما الى النهاية !
أغمضت نسيبة عينيها بألم و اقتربت منه أكثر حتى وضعت وجنتها على ظهره و ضمته اليها بقوة شديدة فأمسك بذراعيها الملتفتين حول خصره و كأنهما طوق النجاة الذي يحتاجه
و مضى بهما وقت طويل و هما على وقفتهما كلا منهما متمسك بالآخر يرفض تركه حتى همست أخيرا بضعف و قد بللت دموعها قميصه
ليتني أستطيع فعل أي شيء لأبعد عنك الألم يا حبيبي أي شيء
استدار ساهر اليها و أمسك بيديها بين قبضتيه يدلكهما ببطء , ناظرا اليهما شاردا و وهو يطرف بعينيه , يرفض أن يظهر ضعفه أمامها حد البكاء و يعلم الله كم يود البكاء كيوم كان طفلا في يومه الدراسي الأول و أمه تلوح له مودعة وهو يبكي و كأنه سيضيع منها للأبد
ثم قال بصوتٍ متحشرج خفيض
ما يجعلني أتماسك أن هناك أملا ولو كان ضعيفا المرض لم ينتشر الى كل الكبد و يمكننا اجراء جراحة دقيقة ثم البدء بالعلاج بعدها
همست نسيبة بشك
حقا يا ساهر ؟! هل فرصة الشفاء بعد الجراحة كبيرة ؟! أعني الكبد لكن ربما
**تت لا تدري ما تقوله فالمرض الخبيث في الكبد يعد من أكثر أنواعه شراسة حتى ولو كان في البداية
ابتلع ساهر ريقه بصعوبة وهو يومئ برأسه قائلا بصلابة
طالما أن الطبيب ذكر الجراحة فلابد و أن الأمل موجود و نحن سنحارب المرض حتى النهاية
**تت تماما و هي تنظر اليه بعينين ضاقتا قليلا على الرغم من الدموع التي تغرقهما و انتظرت
الى أن رفع وجهه إليها ينظر بنظرة غريبة ثم قال بصوتٍ فاتر ميت
نسيبة إنها المرة الأولى التي أطلب منكِ تنازلا حقيقيا تنازلا ضخما و يعلم الله ما أشعر به في تلك اللحظة لاضطراري لطلبه منكِ , لكنك أملي الوحيد
باعدت نسيبة بين شفتيها ببطء شديد و قد تجمدت الدموع في عينيها تماما الا أنها همست بصوتٍ باهت
ما هو التنازل ؟!
أغمض عينيه آخذا نفسا عميقا مهتزا فما سيقوم به من أصعب ما طلبه يوما الا أنه تمكن من فعلها و قال أخيرا بخفوت
أحتاج ثمن هذه الشقة يا نسيبة أحتاج لبيعها
تحول انفراج شفتيها الى اتساعٍ ذاهل كاتساع عينيها المصعوقتين و هي تهمس بغباء
ماذا ؟!
كان يدرك أنها ستصدم و قد هيأ نفسه للحظات الصدمة الأولى و قدرها و تفهمها من **يم قلبه لذا أسرع بالقول بلهفة وهو يضغط كفيها بين يديه بشدة
اسمعيني جيدا حبيبتي لقد سألت بالتفصيل عن مقدار ما ستتكلفه الجراحة ثمن هذه الشقة يكفي و سيفيض كي نتمكن من شراء شقة صغيرة في حينا أو حي مجاور أما العلاج سأتكفل به أنا من دخلي .
كانت نسيبة تستمع إليه و كأنها قد فقدت فجأة جميع ما تمتلكه من شهاداتٍ تدل على التفوق و تحولت الى أميةٍ لا تفقه و ما أن انتهى من كلامه حتى نظر إليها بقلق منتظرا ردها و حين ظلت صامتة فاغرة فمها بعينين واسعتين مبللتين واسعتين همس عاقدا حاجبيه بقلقٍ مضاعف
نسيبة ! قولي شيئا بالله عليكِ
رمشت نسيبة بعينيها و هي تهز رأسها قليلا محاولة استيعاب ما سمعته للتو , و بعد لحظاتٍ إضافية من الخوف من الجانبين تمكنت من القول بصوتٍ مرتجف أجوف
ما الذي تقول يا ساهر ؟! زواجنا بعد ثلاث أسابيع !
شدد على كفيها قائلا بحرارة و قوة
و أنا لن أؤجله لمرض أمي بل على الع** سأعمل على إتمامه في موعده لمعرفتي أن هذا أكثر ما قد يسعدها و أعدك أنني سأحصل على بيتٍ في حينا خلال هذه الأسابيع و سأقوم بتجهيزه ببعض الأساسيات سأفعل المستحيل أقسم لكِ حبيبتي
كانت تلهث ببطء و هي تستمع إليه تهز رأسها نفيا أو انكارا لما تسمع و ما أن سكت حتى عضت على شفتيها مغمضة عينيها و قالت ببطء شديد
ساهر هل يعقل أن تطلب مني بيع شقة زواجنا لعلاج والدتك ؟!
و كأن سؤالها البسيط البطيء كان أكبر صدمة عليه من صدمتها ! فتصلبت أطرافه و بدا غير مصدقا لما سمع للتو و هي لم تفتح عينيها لمعرفتها شكل الملامح التي ستواجهها في هذه اللحظة , لذا تابعت تقول بصوتٍ مرتجف و جسدها بأكمله ينتفض انتفاضا
ألا ترى أن هذا طلبا غريبا ! كم من ابنٍ طالب زوجته ببيع مسكنهما لعلاج والدته ! هذا ليس تنازلا بل جنونا !
كان ال**ت الذي واجهها أطول من أن تستطيع تحمله مغمضة العينين أكثر من ذلك , لذا جازفت و فتحت عينيها ببطىء و مهما كان ما تخيلته فلم يكن يمثل قطرة من بحر ملامحه المصدومة !
فتحت فمها ببطء و جازفت قائلة ترتعش
ساهر أنا
الا أنه قاطعها سابقا يقول بنبرة خافتة صلبة باهتة وهو ينظر الى عينيها
أتذكر يوما كنت فيه طفلا نشبت بيني و بين ابن ناظر المدرسة عراكا و ض*ب كلا منا الآخر و أصبته إصابة صغيرة فقد كنت شرسا عدوانيا , الا أنهم تمكنوا من استخراج تقرير طبي بأنني أصبته كذبا اصابة خطيرة و تسبب هذا في فصلي فذهبت أمي واصطحبتني معها الى الناظر تترجاه و معها ملفي أوراقي و قا**ها بجفاء و حين أطالت الإلحاح أمسك بالملف و ألقى به أرضا و طردها , فما كان منها الا أن انحنت و جمعته و نهضت قائلة كلمة لن أنسى نبرتها مطلقا أتوسل إليك لذا
**ت للحظة قبل أن يتابع بنبرة متحشرجة وهو ينظر الى عينيها
أنا أتوسل إليك يا نسيبة لا تخذليني هذه الشقة هي المبلغ الوحيد الذي تمتلكه الأسرة بأكملها , هي الأمل الوحيد
ابتلعت نسيبة غصة الرعب في حلقها و هي تنظر الى عينيه الساكنتين و اللتين يظهر بهما التوسل واضحا !
فعادت لتعض على شفتها بقسوة حتى أدمتها ثم همست بصوتٍ يرتعش
أخبرتني أن والدتك لم تكن تنوي إخباركم بمرضها , ألم تفكر في السبب ؟! لأن لأن الأمل ضعيف يا ساهر أيعقل أن نبيع الشقة في أمل ضعيف ؟! والدتك سترفض بإصرار لكن بعد فوات الأوان حينها سنكون قد خسرنا الشقة و انتهى الأمر
ساد بينهما **ت مريع صادم و شعرت بأنها مكشوفة أمامه تماما و كأنها عارية أمام عينيه الذاهلتين وهو ينظر إليها بملامح شاحبة قبل أن يقول بصوتٍ خفيض مشتد غير مصدق لما نطقت به للتو
أريد استعادة الشقة يا نسيبة و هذه المرة ليست توسلا بل طلبا صريحا لاستعادة شيء لم يكن ملكك من الأساس
أخذت نفسا طويلا و هي تنظر اليه بذعر قبل أن تسحب يديها من بين كفيه ببطىء ثم تراجعت خطوة للخلف مطرقة بوجهها و هي تهمس بضعف
آسفة يا ساهر لا أقبل
تحول شحوب ملامحه الى لونٍ رمادي و كأنه فقد الحياة تماما ناظرا إليها بنظرةٍ غريبة و كأنه في مواجهة مسخ ب*ع .!
و بعد لحظةٍ واحدة رأته يحرك يديه فرفعت عينيها تنظر إليهما لتفجع به يخلع خاتم الخطبة قبل أن يرفع ذراعه و يقذف به بعيدا عاليا بكل قوته فتطاير الخاتم في الهواء ثم اصطدم بأحد الجدران و سقط أرضا مص*را رنينا صادما
هتفت نسيبة بذعرٍ حقيقي
ساهر !!
الا أنه قال بصوتٍ مخيف محدقا في عينيها
ابقي هنا بحلتك القديمة بين جدران السكن الفاخر , الآن فقط أراكِ بنظرة أخرى جائعة
و أمام عينيها الواسعتين بجنون خرج من الباب ليصفقه خلفه بعنفٍ تردد صداه بين الجدران الخاوية أما هي فرفعت يديها الى أعلى شعرها فاغرة فمها هامسة بجسد ينتفض
ما الذي حدث ؟! يا الهي !
....
و أحيانا كلما رفض جاهدا قطع الخيط بينه و بين ما ترك خلفه تطول المسافة بينهما أكثر !
تحركت تجاه الباب لتفتحه ثم ابتسمت قائلة بحنان
أهلا يا قاسم تأخرت في زيارتنا , أين كنت كل هذه الفترة ؟!
بادلها الابتسام بحنان أكثر أمانا و رد عليها بهدوء
شُغِلت قليلا , لكن ها أنا ذا لا غنى لي عنكِ يا سلمى
دخل و أغلق الباب خلفه قبل أن ينحي إليها مقبلا وجنتيها , لكن ما أن رفعت له وجهها واضعة يدها على كتفه حتى عقدت حاجبيها هاتفة بقلق
ما هذا الذي أصاب وجهك ؟! هل تشاجرت ؟!
ابتعد قاسم وهو يقول بابتسامة مختصرة لا تحمل أي مرح
شيء من هذا القبيل ألا تتابعين مواقع التواصل ؟!
أجابته سلمى بحيرة
والله لم أنظر الى شاشة في الشهور الأخيرة الا فيما يخص عمر للضرورة تعلم مرضه جعلني ابتعد عن الكثير بل عن الحياة بأسرها إن أردت الحق , لكن لماذا تسأل ؟!
ربت على كتفها قائلا بهدوء
لا شيء مهم الأهم أخبريني عن صحة عمر الآن
تن*دت سلمى تنهيدة عميقة مثقلة بالكثير من التعب و الحزن ثم قالت بقنوط ترفع كفيها باستسلام
كما هو و إن كنت أشعر أن حاله يسوء
تحرك قاسم معها حتى دخلا غرفة ابنها فاتجه اليه مباشرة ليجلس بجواره على حافة سريره , يبتسم لملامح الطفل الضعيف جسدا و الشاحب وجها ثم انحنى ليقبل جبهته مداعبا شعره بحنان بينما جلست سلمى عند قدمي طفلها تربت عليها بعطف شاردة تماما و قد اكتسبت شحوبا كشحوب ابنها و نقص وزنها بشكلٍ واضح حتى بدت كالأموات
نظر اليها قاسم طويلا وهو يتأمل امرأة أخرى تماما , لا تمت لأخته المشرقة بالحياة الضحوكة بصلة بل باتت كائنا هزيلا شاردا دائما فسألها بصوتٍ أجش خافت
ما كان رأي الطبيب الأخير ؟ كان أملك هذه المرة كبيرا قبل ذهابك إليه بناءًا على ترشيح الكثيرين له
عادت لتتن*د و هي تهز رأسها ببطء ناظرة الى الولد بعينين فارغتين و رفعت كتفها تهمس بصوتٍ أجوف
تماما كمن سبقوه لم أحصل من أي منهم على جوابٍ شافٍ و كأنهم لم يرون حالة مثله من قبل ! نفس التحاليل الشاملة و نفس الأشعة المطلوبة حتى حفظتها عن ظهر قلب , و مجددا لا رأي صريح كلا منهم يرجح شيء يختلف عن الآخر لا أحد يستطيع تفسير فقدان الولد للحركة تدريجيا و في مختلف أطرافه يبدون غير واثقين تماما و هذا يشعرني بالعجز و الجنون حين أكون أنا غير واثقة في كلا منهم و في علاجه إن كان هو نفسه غير واثقا
عقد قاسم حاجبيه بشدة وهو يستمع إليها ثم اقترح بخفوت
لما لا نسافر به للخارج ربما وجدنا ما نبحث عنه ؟
همست سلمى بعد فترة بتعب
أعياني السؤال , إن كانت خطوة لها فائدة مجددا لم يشفِ أحدا منهم لهفتي في جوابٍ قاطع و حتى الآن لا أدري ما العمل أصلي صلاة استخارة لعل الله يهديني الى الطريق السليم
سألها قاسم بصوتٍ خشن بعد فترة وهو يداعب شعر عمر بحنان
الا يسأل حمد عن ابنه قط ؟!
طال الظلم عينيها الغائرتين فبانت الظلال تحتهما بشكلٍ أكثر وضوحا ... ثم قالت بصوتٍ قاتم مقتضب
من يراه يصارعني في المحاكم كي ينتزع مني حضانة أخوة عمر الأكبر حتى نجح في ذلك ما أن وصلوا للسن , لا يصدق أنه هو نفسه من ينسى تماما الطفل الأصغر و المريض يمر شهر و شهران قد لا يسأل عنه الا بمجرد اتصالٍ هاتفي مقتضب و سؤالا إن كنا نحتاج أي تكاليف للعلاج
ص*رت عن قاسم ضحكة خشنة قاسية غاضبة وهو يهز رأسه هازئا ثم لم يلبث أن قال بعنفٍ مكبوت
أنتِ من تمنعيني عنه حتى الآن يا سلمى لو أشرتِ لي فقط , لعرفته واجباته حتى ولو تطلب الأمر اقحامها في رأسه
أغمضت سلمى عينيها بأسى و ظلت صامتة لفترة طويلة بملامح ساكنة تماما , ثم قالت بصوتٍ واهٍ
ربما كان هذا أثناء الصراعات التي تلت طلاقنا مباشرة كنت مستعدة للنزال حتى آخر نفس و أنا أتفنن خوض المعارك واحدة تلو الأخرى ضده , كي أعلمه من تكون سلمى ابنة الحاج رحيم كان نفسي طويلا و قوتي من حديد و أنا أمام هدف واحد فقط , الانتصار عليه لكن و من بعد مرض عمر , بدأت أشعر و كأنني أفقد قواي واحدة تلو الأخرى و كأن رؤيته على هذا الحال سلبتني التسلط القديم و الكبر و تركتني خاوية اليدين , خائرة القوى لا أرجو الا شفائه خاصة بعد ابتعاد اخوته عني و كأنهم أكثر راحة عند والدهم أكثر مما كانوا عندي أما هو فيبدو و كأنه قد زهد الطفل الأخير بعد طول الصراع
**تت قليلا و هي تطرق برأسها ثم همست بعد فترة
الحقيقة يا قاسم أنني لم أعد أريد شيئا لقد تعبت و قد فقدت كل من لدي
أجابها قاسم بتأكيدٍ حار أجش و خافت
لازلت موجودا يا سلمى لم تفقديني بعد و لد*كِ أولادك حتى و إن ابتعدوا قليلا أما عمر فسنطرق كل الأبواب حتى يستعيد صحته , أعدك بذلك
ابتسمت سلمى بحزن و همست بأمل ضئيل
لا أريد أكثر من هذا يا قاسم عسى أن يستجب الله لرجائي
انحنى قاسم ليقبل الطفل برفق وهو يمسح على وجنته بكفه الكبيرة بينما تابعت سلمى قائلة برجاء
قاسم حبيبي , كنت أريد منك طلبا أريد التصدق بنية شفاء عمر مجددا , لكنني كما ترى لا أخرج و لا أبتعد هلا ساعدتني , أريد الذ*ح تصدقا مجددا
أومأ قاسم برأسه مجددا قائلا يطمئنها
طلبك مجاب , اطمئني و اهتمي بعمر
أطرقت سلمى برأسها و هي تربت على ساق ابنها شاردة و طالهما ال**ت طويلا فرفع وجهه ينظر اليها عاقدا حاجبيه وهو يرى ترددا واضحا على ملامحها و كأنها تعاني صراعا غريبا مجهولا بداخلها أرقها طويلا مما جعله يسألها بحيرة
هل هناك ما تودين قوله يا سلمى ؟! اطلبي و لا تترددي
رفعت سلمى وجهها إليه و قالت بخفوت
في الواقع هناك شيء هو أمر قديم قد لا يبدو هاما , لكن ربما لو ذكرته لارتحت
هز قاسم رأسه بعدم فهم متسائلا , فتابعت سلمى تقول بصوتٍ أكثر خفوتا حتى بدا كهمسٍ ضائع
أتذكر قصة قديمة أتذكر درة التي هربت من بيتنا ذات يوم ؟
ضاقت عينا قاسم وهو يشعر برجفةٍ غادرة داخل ص*ره الصلب من سماع اسمها الا أنه تمكن من السؤال بصوتٍ أجش
ماذا عنها ؟!
ارتجفت شفتا سلمى قليلا و بدا هناك حرجا على ملامح وجهها المرهق و كأنها تعاني خجلا مروعا ثم تمكنت من القول أخيرا متجنبة النظر إليه
أتذكر في بداية اقامتها لدينا و قصة عقد والدتي رحمها الله ؟! و قد اتهمناها بسرقته و أقسمت كلا منا على كتاب الله
**تت للحظة , ثم تابعت بصوتٍ لا يكاد يسمع
كانت صادقة , فقد منحته لها عن قصدٍ كي تهرب و لا يبحث عنها أحد بما أنها سارقة خفت أن يضعف والدك أمام صباها و صغر سنها فيتزوج منها بالفعل لذا قررت أن أبعدها عن البيت و اعتقدت أن ثمن العقد يعد ثمنا جيدا مقابل اتهامها بالسرقة على الا نراها مجددا لكني لم أحسب حسابا لعودتها , و حين وضعتني في هذا الموقف أمامك و أمام أبي فضلت الموت على الاعتراف لذا أقسمت كذبا