اسبل رحيم جفنيه قليلا مشبكا أصابعه , ثم قال بهدوء بعد فترة **ت
لأنك تريدها لنفسك
كان كلمات والده بسيطة و مختصرة مباشرة بشدة , الا أنها كانت كفيلة بجعل قاسم يتراجع للخلف خطوة و قد ارتبكت ملامحه و توترت فسأل دون تفكير
هل كلمتك درة في شيء ؟!
من الجزع الخفي الذي ظهر على ملامح قاسم نهض رحيم من مكانه ووقف أمامه بنظراتٍ قاسية ثم سأل بنبرة أكثر تسلطا
هذا يعني أنك كلمتها في شيء او ربما تجاوزت معها !
تحرك حلق قاسم و أبعد عينيه عن عيني والده و ظل صامتا حينها اندفعت قبضة رحيم لتطبق على مقدمة قميص قاسم يجره اليه جرا وهو يقول بصرامة
لن أسألك عما أقدمت عليه من تجاوز لأنني أعرف حدودك التي ربيتك عليها , لكن قسما بالله يا قاسم لو تكرر الأمر الذي لا أعرفه و لا أريد معرفة تفاصيله فسيكون حسابك معي أنا
لم يقاوم قاسم و لم يرفع وجهه في وجه والده , بل ظل صامتا مستسلما حتى دفعه رحيم ثم سأل بجفاء
جاء دوري أنا لأسألك ماذا تريد منها بالضبط ؟!
رفع قاسم عينيه الصلبتين الى عيني والده ثم أجاب مباشرة دون تردد
أريد أن أتزوجها
رفع رحيم حاجبيه وهو يسبل جفنيه مفكرا بملامح قاتمة ثم ابتعد عن ابنه يوليه ظهره و استمر ال**ت بينهما للحظات , قبل أن يقول بخشونة
أتظن أنني لم ألحظ نظراتك لها قبلا ؟!
لم يرد قاسم , بل ظل صامتا بملامح جامدة , الا أن والده تابع يقول
و على الرغم من أنني سبق و أكدت لكما عدم نيتي في الزواج منها , الا أنكما تريدان تأكيدا أكبر حسنا هل اقتنعت الآن ؟! , و هل هناك تأكيدا أكبر من كون ابني يريدها لنفسه ؟!
أخذ قاسم نفسا عميقا , به بعض الراحة الا أنه قطعه حين تابع والده قائلا بخشونة
و بما أننا سوينا أمر رغبتي في الزواج منها , لنناقش اذن رغبتك أنت في الزواج منها
استدار اليه بملامح غير راضية متجهمة , لكنه تكلم بهدوء
يا قاسم , درة لها ظروف خاصة لن أحاكم أهلها لأن ظروفهم المادية شديدة الصعوبة , لكنها تربت دون سؤال أو اهتمام جدي من والدها أو إخوتها ... لذا أنا نفسي لست متأكدا من مدى صحة اتهام سلمى لها من أن يكون هناك شخصا قد حثها على السرقة و الهرب معه إن بعض الظن إثم يا ولدي لكن في الزواج عليك وضع هذه الأمور أمام عينيك حين تختار أما لأولادك هذا بخلاف الفارق في المستوى المادي بينكما , الا ترى أن التكافؤ أمر هام في الزواج ؟
تحرك فك قاسم بصعوبة ووالده يطرق بقوة فوق شكوكه , فحتى هذه اللحظة يعذبه الشك في أن تكون مرتبطة بأحدهم أو أن يكون قد لمسها أي انسان , كما فعل هو !
شحب وجهه تماما على الرغم من الصراع المجنون بداخله ... الا أنه قال بجفاء
سبق و ذكرت شيئا عن بقائها معنا حتى تتم دراستها و تجد لها زوجا مناسب , و كنا نظنك تراوغ لكن و بما أننا انتهينا من موضوع زواج بها يا حاج , فما الذي أفرقه عن أي شخص ستزوجها له ؟! لم أعهدك تضع شروطا خاصة لأولادك , لا تحق لغيرهم ! إن كنت غير واثقا في تربيتها فلما تعطيها لشاب يثق بالحاج رحيم و اختياره ؟!
زم رحيم شفتيه وهو يواجه عيني قاسم الشبيهتين بعينيه تصلبا و قوة ثم قال بصرامة
لا تنازلني بالكلام و الحجة يا ولد أعترف أمامك أن الوالد قد يكون غير نزيها في كثير من الأحيان حين يمس الأمر أولاده و أنا أريد لك فتاة من عائلتك نعرفها حق المعرفة من صغرها و حتى يومنا هذا , تناسبك أصلا و مالا فهل أبالغ في الطلب ؟!
أطبق قاسم شفتيه للحظة دون أن يحيد بعينيه عن عيني والده , ثم قال
لا تبالغ يا حاج , لكنني أريد درة
شبك رحيم كفيه خلف ظهره مطرقا برأسه للحظات ثم سأله
لا أراك متيما بها بل دائما تنظر اليها بشكٍ و اتهام مع رغبةٍ واضحة و هذا أخطر مزيج يا ولدي حين تريد الزواج من فتاة , فأنت باختصار تلقي بنفسك في أرضٍ ملغمة عوضا عن أرضٍ خصبة تستقر فيها , تنبت بها زرعك مرتاحا مطمئن البال حتى ولو افتقدت روح الشغف و المغامرة .
ظل قاسم صامتا للحظات ثم فتح كفيه قائلا بخفوت
أريدها
كانت كلمة مختصرة , اشعرت الحاج رحيم بأنه أمام حائط سد و الحوار معه غير مجدي
حين خرج من عند والده , ساقته ساقاه الى الغرفة المستقلة التي خصصها لها الحاج رحيم خارج البيت في بناءٍ صغير كانت تستخدمه قبلها أسرة صغيرة تقوم بخدمة بيت الحاج رحيم
وقف أمام الباب للحظات صلب الملامح , قاسي النظرات و لم يطل وقوفه قبل أن يطرق الباب بقوة
مرت بضعة لحظات , قبل أن تفتح الباب مندفعة , مشعثة الشعر بعينين ناريتين و ملامح لا تزال منفعلة
و ما أن رأته حتى صرخت عاليا
اذهب من هنا قبل أن أفضحك لدى الجميع
لم يرد عليها قاسم , بل طالت عيناه من خلف ظهرها حقيبة ملابسها الصغيرة المفتوحة فوق السرير و الملابس الضئيلة الملقاة بفوضوية من حولها تنبء بنواياها فأعاد عينيه إليها سائلا بصوتٍ غريب
الى أين ؟
صرخت درة بجنون ممسكة الباب تنوي اغلاقه في وجهه
لا دخل لك الى أي مكان بعيد عنك
الا أن كف قاسم امتدت ليحجز الباب و يمنع اغلاقه , ثم سأل بصوتٍ مخيف أرسل رعشة عبر جسدها
هناك شخص ما أليس كذلك ؟! هناك من يعطيكِ تعليمات محددة
ظلت درة تنظر اليه بذهول و هي تتنفس بسرعة شديدة قبل أن يصرخ فيها فجأة
هناك شخص على علاقة بكِ أليس كذلك , انطقي
قفزت درة من مكانها و هي تصرخ بجنون محاولة دفع الباب قدر الإمكان
أنت مجنون حقير , و سأبلغ الحاج رحيم عما تفعل و حتى يتصرف معك بما تستحق سأتصل بأخي لأخبره و حين يعرف بتجاوزك معي لن يسكت
على الرغم من الجنون الذي لم يهدأ في عينيه , الا أن ابتسامة ساخرة غاضبة لوت شفتيه , ثم قال ببرود شديد القسوة
اسمحي لي
و دون أن تفهم ما يطلب , كان قد أخرج هاتفه من جيب بنطاله طلب منه رقما وهو يقول ببساطة مهلكة
أنا أحتفظ برقم أخيك بناءًا على طلب والدي على الرغم من أنه كان رافضا اعطائنا رقمه في الغربة و ظل حريصا على هذا لكن أبي وصل للرقم رغما عنه و احتفظ به للضرورة
بهتت ملامح درة تماما و هي تراه يمد لها الهاتف الذي يتصل برقم محدد و قال قاسم ساخرا
أبلغيه بما تريدين
ترددت درة و هي تنظر الى الهاتف بخوف و كأنه على وشك عضها لا تعلم إن كانت خدعة أخرى فهي لم تشف بعد من خدعة أخته الظالمة و لا تزال تعاني قهرها
لكنها جازفت و مدت يدا مرتجفة , أمسكت بها الهاتف ووضعته على أذنها منتظرة حتى سمعت صوت أخيها بالفعل !!
هتفت درة بتوسل حار مضني و يحمل بعض الراحة مع الرجاء و اللهفة و كأنها وجدت السند أخيرا
مروان أنا درة , انقذني بالله عليك
ساد **ت مضطرب على الجهة الأخرى من الهاتف , ثم وصلها صوته متوترا و كأنه ضبط متلبسا رغما عنه
ما الأمر يا درة ؟ ماذا حدث مجددا ؟
صرخت درة تتوسل اليه و هي تستدير مولية ظهرها لنظرات قاسم الجافية دون تعبير
اخرجني من هذا البيت يا أخي أرجوك , ارسل لي كي آتي اليك حتى ولو اضطررت للنوم على الأرض لكن لا تتركني في بيت غريب
سمعت صوت نفسه عاليا مضطربا ثم سألها بتوتر
الا تريدين إكمال دراستك ؟ لو أتيت فلن أستطيع التكفل بمصاريف دراستك هنا
صرخت درة بغضب
لا أريد إتمام دراستي إن كان ثمنها بقائي هنا
رد عليها مروان بعصبية
حتى ولو لم تتمي دراستك , مصاريف الإقامة لا أقدر عليها , بالكاد أستطيع التكفل بإقامة أمي حتى ولو وجدتِ عملا لن تستطيعي التكفل بنصفها ما بيدي حيلة يا درة
شحب وجهها تماما و هي تبتلع ريقها هامسة بصوتٍ أجوف
اذن اؤمر صفية أن تستقبلني في بيتها أنا أختكما بالله عليك
هتف بغضب من الجانب الآخر
بأي حق آمرها و هو بيت رجل غريب لا يكاد يتسع لأطفالهما
صرخت فيه درة و قد هاج جنونها و انفعالها
ألست هنا في بيت رجل غريب ؟!
صرخ فيها هو الآخر
وجدنا لك زيجة تتمناها من هي أجمل و أغنى و أصغر منك و رفضتِ ثم عرض الحاج رحيم استضافتك في بيته حتى تتمين دراستك و تتزوجين بمن تختارين , و أيضا رفضتِ ما الذي نستطيع فعله أكثر من ذلك ؟!
شحبت ملامح درة تماما و على الرغم من معرفتها أن قاسم يقف خلفها يسمع كل كلمة تنطق بها الا أنها جازفت قائلة بصوتٍ ميت
لقد هاجمني ابنه
لو كانت استدارت لرأت تثير عبارتها الخافتة على ملامح قاسم .... الا أنها لم تستدر بل كانت تنتظر ردا , الى أن وصلها صوت مروان يسألها بجفاء
من أي هاتف تتحدثين يا درة ؟!
اضطربت قليلا و رمشت بعينيها و هي تلتفت نصف التفاتة إلى قاسم ثم همست بصوتٍ خافت مضطرب
من هاتفه لكن
الا أن مروان قاطعها بنبرة حانقة
هل خ*فتِ الهاتف منه مثلا أثناء هجومه ؟!
ازداد اضطرابها و شحوب ملامحها و هي تهمس
لا , هو أعطاني الهاتف لأكلمك لكن
صوت صراخه قطع عليها كلامها الضائع الغير واثق
لكن ماذا , لكن ماذا يا درة ... توقفي عن جعل نفسك محور الاهتمام بقصة جديدة كل يوم , فقد أبلغتني صفية بهروبك و ما تسببت به لنفسك من حرج أمام الحاج رحيم , و الآن تبتكرين قصة جديدة تماما
همست درة بذهول
مروان
الا أن صوته كان أكثر جفاءًا وهو يقول بصرامة
سلام يا درة و لا تتصلي بي الا لأمر حقيقي , لا مسرحية جديدة من مسرحياتك
أخفضت درة الهاتف عن أذنها ببطء و بقت واقفة ظهرها الى قاسم الذي كان ينظر اليها بملامح متجهمة و عينين مظلمتين الى أن استدارت تمد له يدها بالهاتف دون أن تتكلم
أخذ قاسم الهاتف منها يتأمله دون تعبير ثم وضعه في جيب بنطاله قبل أن يقول ببرود
لطالما عرفت أنه عديم النخوة . لكنه اليوم أبهرني
ساد ال**ت لبضعة لحظات , قبل أن تسأله درة بصوتٍ غريب و ملامح بيضاء كملامح الأموات
و أنت ذو نخوة عنه ؟!!
أطبق شفتيه للحظة وهو يواجه عينيها بعينيه بينما تحرك فكه بحركة متوترة متصلبة قبل أن ينطق بكلمة واحدة فقط
سنتزوج
اتسعت عينا درة بذهول و هي تشك فيما سمعت للتو , الا أن قاسم لم يمنحها المزيد من الوقت , بل تابع قائلا بصوتٍ مخيف
سنتزوج بعد اتمامك لدراستك لذا أحذرك يا درة من أن تتابعي تلك الألاعيب التي تمارسينها حول والدي فالأمر الآن بات خطيرا لا يحتمل المجازفة بحيلة منكِ بين والد و ابنه أما لو عرفت
**ت للحظة و رأت ملامحه تتغير و تزداد شراسة وهو يتابع بصوتٍ أكثر خفوتا
لو عرفت أن لكِ علاقة بشخصٍ آخرفلن تجدي نفسك لتلوميها حينئذ , لأنني سأكون قد أزهقت روحك
و أمام عينيها الذاهلتين تابع قائلا ببرود
أعيدي ملابسك الى حيث كانت و تعالي لتتناولي الطعام معنا
ثم انصرف تاركا إياها مستندة الى الباب متشبثة به بأظافرها , مما منع سقوطها
أوشك قاسم أن يصدم سيارة تحركت بجانبه وهو يقود شارد الذهن بعيدا في ذكريات الماضي مما جعله ينتبه و يشتم , ضاغطا المكابح بأقصى قوته مع صوتٍ عالٍ من الشتائم و عدة أبواق قبل أن يقف بالسيارة جانبا محاولا استعادة أعصابه التي تشنجت
مد يده يضبط المرآة الخلفية فواجهته عيناه بما تحملان من إتهامٍ و ألم
ربما كانت قد ارتكبت الكثير لكن البداية كانت ظلما
ربما غدرت به يوما , لكن صوت بكائها مظلومة لا يزال يرن في أذنيه يكاد أن ي**هما
و حين أوشك ذلك الشيء الذي ينهش ص*ره أن يدميه , قرر علاجه لذا تحرك بالسيارة بكل عزم
يطلب العودة الى حيث نقطة البداية .