الفصل الثانى

1520 Words
مانسيا بصدمة: "أتتحدث العربية؟" يوسف مبتسمًا: "وبطلاقة، فهي لغتي الأم، فأنا من أصول مصرية." مانسيا: "هذا رائع! أردت فقط شكرك على هذه القهوة المميزة، ورائحتها التي تملأ المكان." يوسف ضاحكًا: "لا داعي للشكر، فأنا مخمور بعشق القهوة، أحب صنعها والتفنن فيها." سرحت مانسيا قليلًا في ضحكته التي خرجت مع صوته الرجولي، لكنها سرعان ما تداركت نفسها. مانسيا: "وقد أثبت كوب القهوة الذي احتسيته ذلك." يوسف: "أأعتبر هذا إطراءً؟" مانسيا مبتسمة: "ربما... عليّ الذهاب، لقد تأخرت كثيرًا." يوسف: "ألن تُكملي الفراولة؟" مانسيا: "كلا، لقد اكتفيت لليوم." يوسف: "إذاً دعيني أغلف لكِ الباقي لتتناوليه في المنزل." مانسيا، متعجبة من إصراره: "حسنًا، أنا منتظرة." ذهب يوسف لتغليف الفراولة، بينما كانت مانسيا شاردة الذهن في هذا الرجل العجيب. كيف يمكن له أن يصنع قهوة بهذا الجمال؟ كيف يجعل المكان ينبض بالحياة برائحته؟ كيف لضحكته أن تسحر من يسمعها؟ وكيف لكلامه المعسول أن يترك هذا الأثر العميق؟ بدا لها وكأنه ملاك يبعث الطاقة الإيجابية في كل مكان. ظلت مانسيا سارحة في أفكارها حتى انتبهت لصوت يناديها، لم تستفق إلا عندما لوّح يوسف بيده أمام وجهها. يوسف: "ما بالكِ؟ أناديكِ منذ عشر دقائق لأعطيكِ الفراولة. هل أنتِ متعبة؟" ثم صمت للحظة، وانخفض لمستواها قائلًا بابتسامة وغمزة: "أم أنه... الحب؟" شعرت مانسيا في تلك اللحظة وكأنها ستفقد توازنها، فأخذت صندوق الفراولة بسرعة، وهمّت بالمغادرة قبل أن يُغمى عليها. مارى، بتوتر: "مضطرة للذهاب... وداعًا!" يوسف: "وداعًا... بالمناسبة، ما اسمك؟" مانسيا، وهي تستدير نحوه: "اسمي مانسيا... وداعًا." رحلت مارى مسرعة، وأخذت تفكر طوال الطريق في يوسف، هذا الرجل الذي يبدو مختلفًا عن الجميع. كيف له أن يكون بهذه الجاذبية؟ كيف لقهوتِه أن تمنحها هذا الشعور بالدفء؟ كيف له أن يغيّر يومها بهذه البساطة؟ دخلت مارى منزلها، فوجدت والدها يتحدث مع خالد، مساعده الشخصي وذراعه اليمنى. صُدم الاثنان حين رأيا مارى تصعد السلالم إلى غرفتها وعلى وجهها ابتسامة واضحة، فقد كانت هذه أول مرة تبتسم منذ وفاة والدتها. حاولا تجاهل الأمر، لكن الفضول تغلّب عليهما، فظلّت أفكارهما مشغولة بسر هذه الابتسامة. في غرفتها، بدّلت مارى ثيابها إلى أخرى مريحة، واستلقت على السرير بينما تفكر في يوسف. تذكرت صندوق الفراولة، فتحته، فوجدت يوسف قد رتب الفراولة بطريقة جميلة. بدأت تتناولها وهي تفكر به أكثر، ثم تمنت لو أن لديها فنجانًا من قهوته الآن. مارى، تحدث نفسها: "ترى، ما حكاية هذا الرجل؟ كيف له أن يبعث هذه الطاقة في الناس؟ كيف يمكنه أن يتعامل مع الجميع وكأنه يعرفهم منذ سنين؟ ربما سأكتشف ذلك مع الأيام." خلدت مارى للنوم مبكرًا، فقد قررت زيارة المقهى مجددًا غدًا. استيقظت مارى هذه المرة على زقزقة العصافير، لكنها سرعان ما تذكرت خطتها لهذا اليوم، فشعرت بالسعادة. استحمت، وارتدت فستانًا أسود، فلم تكن لتنسى والدتها أبدًا، لكنها شعرت بطاقة تملأ جسدها. قررت تنظيف غرفتها بنفسها، فرتبت الفراش، وفتحت النوافذ، وعطّرت الغرفة ببخور برائحة القهوة. دخلت الخادمة إلى غرفتها لتوقظها، لكنها تفاجأت بحماس مارى ونشاطها. الخادمة، بقلق: "سيدتي، هل أنتِ بخير؟" مارى، بابتسامة مشرقة: "أجل، هل بي شيء غريب اليوم؟" الخادمة مرتبكة: "كلا... فقط استغربت." مارى: "إذاً، لماذا أتيتِ؟" الخادمة: "لإيقاظكِ من أجل الفطور." مارى: "أنا قادمة خلفك." رحلت الخادمة، بينما نظرت مارى لنفسها في المرآة وابتسمت. نزلت إلى السفرة، حيث كان والدها يتحدث مع خالد عن العمل. مارى، وهي تجلس: "صباح الخير جميعًا." السيد محمد وخالد: "صباح النور." السيد محمد، متعجبًا: "ما سر كل هذا النشاط اليوم؟ وما هذا الفستان الجميل؟" مارى، بسعادة: "لا أعلم، شعرت بطاقة إيجابية كبيرة اليوم... وبالمناسبة، شكرًا على الإطراء." السيد محمد: "هل ستخرجين اليوم؟" مارى: "اليوم يبدو رائعًا للتنزه، ما رأيك؟" السيد محمد: "أوافقكِ الرأي." مارى، وهي تنهض: "حسنًا، سأرحل الآن." السيد محمد، مستغربًا: "لكن، ألا تتناولين فطوركِ؟" مارى، وهي تصعد لغرفتها: "سأتناول إفطاري خارجًا اليوم، وداعًا!" تعجب السيد محمد وخالد من هذا التغيير المفاجئ في مارى، لكن الأب كان سعيدًا برؤية ابنته تبدأ بالتغيير. خرجت مارى من المنزل، متجهة إلى المنتزه القريب من المقهى، حيث قررت الانتظار حتى يفتح. جلست على مقعد قريب، وأخرجت كتابها من الحقيبة، وبدأت في القراءة بينما النسيم يداعب شعرها الحريري. كانت الأجواء جميلة، لكنها لم تمضِ خمس دقائق حتى شعرت بوجود أنفاس قريبة منها. رفعت رأسها بسرعة، فوجدت يوسف خلفها، ففزعت ونهضت فورًا. يوسف، ضاحكًا: "ماذا؟ هل رأيتِ شبحًا يا مانسيا؟" مارى، بغضب طفيف: "هل جربت يومًا أن يفاجئك أحدهم هكذا؟" يوسف، مبتسمًا: "لا تكبّري الأمر، أردت فقط معرفة ما الذي تقرئين، وما نوع الروايات التي تفضلينها." مارى: "ولماذا تهتم؟" يوسف: "لأن القراءة من هواياتي، خصوصًا الكتب التاريخية، أما أنتِ فأظن أنكِ تحبين الروايات الرومانسية." أنهى جملته بغمزة، فتهرّبت مارى من النظر إليه. مارى: "أجل، أحب قراءتها أثناء احتساء القهوة." يوسف: "لاحظتُ ذلك البارحة. هل تؤمنين بأن..." يوسف ومانسيا معًا: "الروايات تسحب من يقرأها إلى عالمها؟" نظر كل منهما للآخر وضحكا معًا يوسف: ما الذي تفعلينه هنا؟ مارى: أتمشى قليلاً. تشعر مارى بألم خفيف في معدتها، فتبدأ معدتها بالقرقرة، مما يجعلها تضع يدها بسرعة عليها، مصدومة. يوسف (ضاحكًا): وأرى أيضًا أن أحدهم لم يفطر بعد! مارى (محاولة تغيير الموضوع): وأنت، ماذا تفعل هنا؟ يوسف: كنت ذاهبًا لفتح المقهى، لكن رأيتكِ فقلت لنفسي: "لأرَ ما تفعلينه." مارى: لكن المكان يفتح بعد ساعة! يوسف: أحب الذهاب باكرًا... لكن ما رأيكِ أن نفطر أولًا؟ لم ينتظر يوسف حتى تجيب، بل أمسك بيدها وجعلها تجري معه. مارى (متعثرة): توقف قليلًا، سأقع! يوسف: هيا، لا تكوني كسولة! الجو جميل اليوم، ثم إن صوت معدتكِ أخبرني أن أحدهم يحتاج إلى فطور لذيذ جدًا! صمتت مارى، بينما كانت تركز في ملامح وجهه أثناء الجري، حتى وصلا إلى مطعم مطل على البحر. مارى (لاهثة): لا تجرِ مجددًا وتسحب أحدهم هكذا! راعِ أن ليس كل الناس يمتلكون جسدًا رياضيًا مثلك! استوعبت مارى ما قالته بعد ثانيتين، فحاولت التعديل سريعًا: مارى (مرتبكة): أقصد... ليس الجميع قادرًا على تحمل الجري مثلك. يوسف (ضاحكًا): هيا، لا تكوني كسولة. دخل الاثنان المطعم، وصعدا إلى الطابق الثاني، حيث السقف مفتوح والمكان يطل مباشرة على البحر. بابتسامة، سحب يوسف الكرسي لمارى قائلًا: يوسف: تفضلي، يا أميرتي. جلست مارى وهي تضحك على كلمته. يوسف: سأذهب لإحضار الفطور. مارى: حسنًا، سأنتظرك. ذهب يوسف إلى الطابق الأول لجلب الطعام، بينما بقيت مارى سارحة تنظر إلى البحر، وهي تمسك يدها التي أمسكها يوسف أثناء الجري. عاد يوسف وجلس أمامها، فلاحظ شرودها. يوسف: إذن، ما هذا الفستان الجميل؟ مارى (بخجل): شكرًا لك. يوسف: لكنه يفتقر إلى البهجة. مارى: اعتدت ألا أرتدي لونًا غيره منذ وفاة والدتي. يوسف: آسف لتذكيركِ بذلك، لكن أراهن أن والدتكِ - رحمها الله - لو رأتكِ في هذه الحالة، وفي هذا اللون، لن تكون سعيدة. مارى (تحدق في البحر): ربما... لكن حزني لن يُنسى. قاطع حديثهما النادل، وهو يضع الفطور على الطاولة. النادل: هل تريدان شيئًا آخر؟ يوسف: لا، شكرًا. بدأ الاثنان بتناول الطعام في جو مرح، حيث كان يوسف يحاول إضحاك مارى بكل الطرق، ليجعلها تنسى الحديث عن والدتها. مارى (في منتصف الطعام): إذن، أخبرني عن والديك. فقد أخبرتك عن والدتي، وأنت تعرف والدي. يوسف (بهدوء): رحمهما الله. مارى (بأسف): آسفة... يوسف: لا بأس. مارى: لكن كيف تعايشت بعد وفاتهما؟ وضع يوسف الملعقة جانبًا، ولم يعد قادرًا على تناول المزيد. يوسف: كل شخص يكبح في داخله نارًا موقدة. لا تنظر لابتسامة أحد، فقد يكون خلفها أعاصير... لكن يجب علينا التعايش. مارى (بلطف): أكمل طعامك. يوسف: فقدت شهيتي. مارى: آسفة... لقد انتهيت، يمكننا الرحيل. يوسف: حسنًا، هيا بنا. رحل الاثنان من المطعم، وبدآ يتمشيان بطول البحر حتى وصلا إلى المقهى. يوسف: هل فكرتِ يومًا في تغيير نفسكِ؟ مارى: ماذا؟ يوسف: أقصد أن تغيري رداء الكآبة. مارى: لا، ولا أعتقد أنني أستطيع. يوسف: لماذا؟ كل منا قادر على تغيير نفسه، لكن الأمر يعتمد على كيفية القيام بذلك. مارى: إذن، كيف يمكنني فعلها؟ يوسف (مبتسمًا): لقد وصلنا إلى المقهى، هيا لندخل... وبالمناسبة، إجابة سؤالكِ ستعرفينها بنفسكِ، فقط لو وافقتِ على التغيير. أخرج يوسف مفاتيحه، وبدأ بفتح المكان، وكانت مارى تقف بجانبه. مارى: بما أن العمال لم يأتوا بعد، سأساعدك في ترتيب المكان... ردًا على الفطور اللذيذ. يوسف: أنا موافق! ظل الاثنان يعملان في ترتيب المكان ويضحكان، حتى امتلأ الجو بالمرح. في هذه الأثناء، دخل ماركوس. ماركوس (بدهشة): منذ متى وأنتِ نشيطة هكذا، يا مارى؟ مارى (متذمرة): ماذا تقصد؟ ماركوس: لا ضغينة! أردت فقط معرفة السبب... وما سر هذا الضحك؟ نظرت مارى ويوسف لبعضهما، ثم انفجرا ضحكًا. مارى: حسنًا، حسنًا... سأجلس وأقرأ كتابي، فقد انتهيت من العمل. يوسف: أما أنا، فذاهب إلى المطبخ لبدء عملي. ذهبت مارى إلى طاولتها المفضلة، بالقرب من النافذة المطلة على البحر، وبدأت تقرأ حتى انتهى اليوم. عند الغروب، دخل يوسف حاملاً طبقًا من الفراولة وقهوة. يوسف: وهذا أجمل طبق فراولة... لأحلى فراولة! مارى: كم كنت مشتهية لها، هي والقهوة! جلس يوسف بجانبها، وأمسك بكوب قهوته. يوسف: فكرتُ أنه بعد إنهائي للعمل، يمكننا الجلوس معًا واحتساء القهوة. ساد الصمت لخمس دقائق، بينما كانا يشاهدان الغروب. مارى (بصوت هادئ): شكرًا... يوسف: على ماذا؟ مارى: على ضحكتي... لم أتوقع أن أضحك هكذا في يومٍ من الأيام، ولا أن أقضي يومًا رائعًا كهذا. يوسف: لا شكر على شيء، يمكنكِ دائمًا فعل ذلك. مارى: لم يخطر ببالي أبدًا أن أخرج وحدي إلى أماكن جميلة أو أن أتناول الفطور خارجًا... حياتي كانت دائمًا بين مكتبة منزلي والمقهى. يوسف: يمكننا فعل ذلك كل يوم، لو أحببتِ. مارى: لا أخرج كل يوم، فأنا أحب المنزل أكثر. يوسف: حسنًا، في أي وقت تأتين فيه إلى المقهى، أخبريني، وسنخرج معًا. مارى: لمَ لا؟ يوسف: إذن، أعطني رقم هاتفكِ. مارى (متفاجئة): ولماذا؟ يوسف (يخبط على رأسها بخفة): وكيف سأعرف أنكِ آتية، مثلًا؟ مارى (متذمرة): حسنًا، حسنًا... لا تتعامل معي وكأنني غبية! يوسف (ضاحكًا): كنت أمزح فقط، لا تكوني كثيرة التذمر! مارى: أنا لست متذمرة! يوسف (مازحًا): بلى، وتملكين أيضًا تذمرًا مثل الأطفال. مارى: كلا، لست كذلك! فجأة، جاء صوت من الخلف ينادي: الصوت: مارى! التفتت مارى بسرعة، ثم وقفت مصدومة. مارى: أبي...
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD