---
في قصر جميل بتركيا، استيقظت مانسيا على صوت خادمتها تخبرها بأن الفطور جاهز. فتحت عينيها ببطء، لتجد شعاع الشمس المتسلل عبر النافذة يلامس بشرتها البيضاء. نهضت بتثاقل، تدفع الغطاء جانبًا، ثم قالت بصوت ناعس:
مانسيا: "حسنًا، حسنًا، سأستحم أولًا ثم أتي."
الخادمة: "حاضر، سيدتي."
وقفت مانسيا أمام المرآة، تتأمل عينيها السوداوين، نفس لون شعرها الطويل الذي ينسدل على كتفيها. والدتها تركية، ووالدها مصري، لكنها تعيش في تركيا بسبب أعمال والدها. عمرها خمسة وعشرون عامًا، لكنها تشعر وكأن عمرها ضعف ذلك. منذ وفاة والدتها وهي في السابعة، والحياة لم تعد كما كانت.
تمتمت وهي تنظر إلى انعكاسها في المرآة:
"صباح الخير أيها العالم الكئيب... يومٌ آخر من الروتين الممل. لو يعلم العالم كم هو السواد الذي يملأ قلبي، لأشفق عليّ. ما فائدة المال إذا كنت تعيش في حزن؟ رحمك الله يا أمي... كنتِ تجعلين هذا البيت ينبض بالحياة، أما الآن، فهو مجرد جدران باردة."
ارتدت ثيابها السوداء المعتادة، فلم تغير هذا اللون منذ وفاة والدتها. نزلت على الدرج بخطوات هادئة، لتجد والدها ينتظرها على المائدة، مما أثار استغرابها، فهو لا يتناول الطعام معها منذ سنوات.
محمد: "صباح الخير."
مانسيا (بحزن وكآبة): "صباح الخير."
محمد: "أعلم أنكِ متفاجئة، فأنا لم أجلس معكِ على مائدة الطعام منذ وفاة والدتكِ. سامحيني، لم أستطع تخيل تناول الطعام هنا دونها."
مانسيا: "لا بأس."
تناولت فطورها في صمت، ثم وضعت الملعقة جانبًا وقالت:
"سأخرج اليوم للتمشي، وربما أمرّ على المقهى. هل ستأتي معي أم أن العمل أهم كالمعتاد؟"
محمد: "أنتِ تعلمين أن..."
مانسيا (مقاطعةً ببرود): "أجل، أجل، العمل سينهار بدونك."
محمد: "يبدو أنكِ تفهمين الأمر جيدًا. حسنًا، السائق ينتظرني. وداعًا."
مانسيا: "وداعًا."
بعد أن أنهت فطورها، طلبت من الخادمة إعداد كوب من القهوة لها. توجهت إلى مكتبتها، حيث رائحة الكتب العتيقة التي تعشقها. جلست على الأريكة، تتأمل الغلاف الجلدي لكتاب بين يديها، ثم تمتمت:
"ليتني أستطيع العيش داخل الروايات، أيًّا كان نوعها... سعيدة، حزينة، درامية... بالتأكيد كانت الحياة ستصبح أكثر إثارة."
بعد أن أمضت وقتًا في القراءة، خرجت إلى الحديقة، تحمل في يدها بعض حبات الفراولة التي تحب تناولها أثناء التمشية. جلست على أحد المقاعد، تراقب الزهور والعصافير الملونة وهي تغرد بحرية.
مانسيا (بهمس): "ليتني حرة مثلكم... لا هموم، لا أحزان، فقط حياة بسيطة."
نظرت إلى يدها، كانت الفراولة قد نفدت. زفرت بضيق:
"كان يجب أن أشتري المزيد... يومٌ غريب حقًا."
نهضت متجهة إلى المقهى المفضل لديها. عند وصولها، استنشقت رائحة قهوة شهية، أقوى وألذ من أي مرة سابقة. هذا غريب، فهي تأتي إلى هنا دائمًا، لكن هذه الرائحة مختلفة. تحمست لتجربتها، ودخلت المقهى حيث استقبلها ماركوس، صديقها الذي يعمل هناك.
مانسيا: "مرحبًا، ماركوس. كيف حالك اليوم؟"
ماركوس: "أنا بخير جدًا، وأنتِ؟"
مانسيا: "كما المعتاد... لكن، ماركوس، ما سر هذه الرائحة؟ لم أشم مثلها من قبل!"
ماركوس (بابتسامة): "لدينا باريستا جديد. منذ أن بدأ العمل هنا، والزبائن يتوافدون بكثرة بسبب روعة قهوته."
مانسيا: "غريب... هل طعمها بنفس روعة الرائحة؟"
ماركوس: "هناك طريقة واحدة لمعرفة ذلك... جربيها!"
مانسيا: "بالطبع! أسرع، فأنا لا أطيق الانتظار!"
طلبت كابتشينو كالمعتاد، وأخرجت كتابًا من حقيبتها لتقرأه أثناء انتظارها. بعد دقائق، وضع ماركوس الكوب أمامها.
ماركوس: "صحة وهناء."
مانسيا: "شكرًا لك."
رفعت الكوب وتذوقت رشفة... أغلقت عينيها فورًا. الطعم كان كما توقعت، بل أفضل. هذه القهوة... تشبه تمامًا قهوة والدتها. نفس الرائحة، نفس المذاق... كأنها عادت إلى الطفولة للحظات. عندما أدركت أنها أنهت الكوب، شعرت وكأنها خرجت من عالم آخر.
وضعت الكوب وقالت:
"ماركوس؟"
ماركوس: "نعم يا مارى؟"
مانسيا: "كم أحب هذا الاسم! لكن، دعك من هذا. هل لديك فراولة؟"
ماركوس (ضاحكًا): "دعيني أحزر... انتهت فراولتك ولم تشبعي منها، صحيح؟"
مانسيا: "بالضبط! أريد طبقًا كبيرًا مع الشوكولاتة الداكنة، لكن بشرط… أريده أن يُقدَّم لي من الباريستا الجديد. أودّ شكره على هذه القهوة. ولكن ليس الآن... عند الغروب."
ماركوس: "أمرك يا مارى!"
أخبر ماركوس الباريستا بالأمر، فتفاجأ بطلبها، لكنه وافق. جلست مانسيا تقرأ كتابها منتظرة لحظة الغروب. وعندما حان الوقت، وقفت أمام النافذة، تتأمل السماء التي تلونت بدرجات الذهب والنار.
وفجأة، جاءها صوت هادئ من خلفها:
"الفراولة الطازجة مع الشوكولاتة... لأميرة هذا المكان."
التفتت ببطء، لتقابل عينين غامضتين وساحرتين. كان الباريستا الجديد يقف أمامها، بابتسامة دافئة، وبشرة حنطية تضيئها أشعة الغروب. كان أطول منها، شعره مموج، وجسده الرياضي زاد من حضوره اللافت. صُدمت للحظة، لكنها سرعان ما تماسكت، وأخذت الطبق منه.
مانسيا: "شكرًا لك... ما اسمك بالمناسبة؟"
يوسف (بابتسامة جذابة): "اسمي يوسف، يا أميرتي."