الفصل الرابع: سيلفيستر اللطيف

1136 Words
أنه نصف النهار تقريبًا.. سيلفستر استمر بالسير وكأنه يعلم الطريق، ويعلم إلى أين يذهب، ولم يتوقف حتى لدقيقة كي نستريح. أشعر أن ساقيَّ قد تحطمتا بسبب السير المستمر لعدة ساعات. ​كنا نسير في مكان عشبي، تغطي بعضه بقع واسعة من الثلج.. عصافير عادية تطير بالأرجاء تغرد بأصواتها الرنانة. كان سيلفستر يسير في المقدمة، وأنا أتبعه.. حتى شعرت أنني لن أستطيع الاستمرار وتوقفت عن اللحاق به: ​-لنسترح قليلاً.. إننا نمشي منذ ساعات، لن أستطيع المواصلة على هذا المنوال! تذمرتُ، وذهبتُ للجلوس أسفل إحدى الأشجار المزهرة بزهور بيضاء جميلة. توقف سيلفستر عن السير، ونظر باتجاهي بحدة.. ولو لم يذهب للجلوس أسفل شجرة بعيدة نسبيًا من مكان جلوسي محتميًا بظلها من أشعة الشمس.. لظننتُ أنه سيتضخم ليفتك بي. ​تنفستُ براحة أنعم بالهدوء، وأنظم أنفاسي المتعبة. أغمضتُ عينيَّ وشعرت بـ بروس ينزل من كتفي باتجاه الأرض، بلا شك هو أيضًا قد أهلكته الحرارة هذه. نظرتُ إليه، كان يراقب حشرة ما.. غريبة الشكل وصغيرة الحجم تسير فوق العشب بجانب قدميَّ. ​جائع.. بلا شك هو كذلك. ​تسلل باتجاهها وهي ربما شعرت به لذا زادت من سرعة خطواتها، ولكنه تلافاها قابضًا عليها بمقبضيه الحادين.. غرس شوكة ذ*له في منتصف فريسته لقتلها، وجلس يتناولها بهدوء.. وأشك حتى أنها قد تكفيه. ​إنه لا يشبع من بضع قطع لحم.. تجعلني أشعر بالتخمة حشرة صغيرة ربما ليست سوى تحلية بالنسبة له! ​لم أحضر معي سوى بعض الفواكه النادرة التي وجدناها أثناء ذهابنا للصيد، وأخبرتني العجوز أن عليَّ توفيرها وعدم إهدارها.. واحدة فقط قد تجعلني أشعر بالشبع ليوم كامل. إنها فواكه فصل الشتاء.. وعلى ما يبدو أنها مميزة جدًا في هذه الأماكن.. أو هذه البلاد التي لا أعلم كيف وصلتُ إليها! ​إضافة إلى بعض الأعشاب والنباتات التي كانت حريصة العجوز على تخزينها والبحث عنها قبل قدوم الشتاء. لقد علمتني الكثير عن هذه النباتات وما هي قادرة على فعله.. الجيدة منها والسيئة. ​وبالطبع لم آخذ معي إلا ما سيفيدني حقًا. ​-هل سنستغرق ستة أشهر حتى نصل يا سيلفستر؟.. أليست مدة طويلة؟ أعني هل المملكة المنفية تلك بذلك البعد؟ رفعتُ صوتي كي يسمعني.. ولكنه تجاهلني كأنني لم أقل شيئًا. ​وماذا توقعتُ؟.. أن يتحدث؟.. نحن لسنا في أحد أفلام ديزني! ​-أتمنى لو كان بإمكان أحدكم الحديث.. سأصاب بالجنون إذا بقيتُ ستة أشهر أتواصل معكم بالنظرات! كنتُ أحدث نفسي بالطبع.. لا أحد منهم اكترث إلى ما أقوله. ​مرت دقائق من الهدوء الجميل ثم استمعتُ إلى همهمة أص*رها سيلفستر... -​ماذا؟ رأيتُ سيلفستر متأهبًا يهز ذ*له الصغير الذي يشبه ذ*ل الدببة القطبية، بينما ينظر إلى خلف الشجرة التي يستكن أسفلها.. هل هي فريسة؟ هو لا يصنع هذه التصرفات اللطيفة إلا عندما يصطاد فريسة تصغره حجمًا كح*****ت التيريرا التي تشبه الأرانب بذ*ل مشع مثلاً ​هو لا يتضخم ويصبح بشكله الوحشي ذاك، إلا إذا استشعر الخطر.. أو التهديد. ​رأيتُ حيوانًا صغيرًا يتسلق الشجرة التي يقف أسفلها سيلفستر، أشبه بسحلية صغيرة.. ولكن ليست صغيرة كما توقعت، كانت بحجم د*ك من حيث أتيتُ.. سحلية ولكن لديها ريش.. أو طائر كالسحلية؟ ​إنها أول مرة أشهد فيها شكل مخلوق مماثل لهذا، ​حتى أنني لا أستطيع التمييز ما هو حقًا! ​انقض عليها سيلفستر بأنيابه ومخالبه الحادة، قاتلت تلك السحلية ذات الريش بشراسة للدفاع عن نفسها بدون جدوى، عندما دق عنقها سيلفستر وقتلها. ​إنه صياد ماهر، حتى إنه لا يضطر إلى تضخيم حجمه قليلاً للإمساك بالفرائس الصغيرة. لديه طرقه الخاصة. ​ثم حمله بين فكيه ونظر نحوي. اقترب بتردد تجاهي، ثم وضع فريسته أمامي ينظر إليَّ بعينيه الثاقبتين وكأنه يحذرني ألا أرفض أخذها. ​-هل تمزح؟ ضحكتُ بخفة لحركته اللطيفة.. هو قدم لي فريسته. أم أنه اصطادها لأجلي؟ ​استدار عائدًا أدراجه بعدم اكتراث، وأنا نظرتُ نحو تلك السحلية المسكينة.. وإلى ريشها الأ**د والأخضر اللامع تحت أشعة الشمس. كانت كأي سحلية عادية، ولكن أضخم حجمًا ولديها ريش. ​أنا لن آكل سحلية.. حتى إذا كانت تشبه الدجاج! ​طوال الشهر الفائت كنا نتغذى على لحم ح*****ت التيريرا فقط.. مذاقه يشبه لحم الماعز. وكما أنني لم أسمح للعجوز بطهوه لي بطريقتها المريبة، وجعله سيئ الطعم والنكهة وغير قابل للأكل.. لقد كنتُ أحمصه فوق النيران أو أطهوه جيدًا معتمدة على خبرتي من مشاهدة والدي أثناء إعداده اللحم المشوي لي. ​-كلا يا بروس.. لن نأكل لحمًا نيئًا.. عليَّ أن أشعل النار أولاً لشويها. رفعتها من ذ*لها باشمئزاز عندما تدلى لسانها الطويل من فاهها المفتوح. كان بروس يتسلقها بنية أكلها ولكني منعته. ​سنتقاسم هذه الفريسة الصغيرة بالتساوي.. رغم أنني قد أعطي حصتي الخاصة لأحدهما، على كل حال لا أشعر بأي جوع. ​لقد تأقلمتُ مع ذلك الشعور جيدًا! ​كما أنني لن آكل سحلية! ​نهضتُ لجمع بعض الأشواك المتيبسة في الأشجار حولنا.. كنتُ أنتقي المجففة منها، جمعتُ كومة صغيرة من هذه العيدان.. ثم أتت الخطوة الأصعب.. إشعال النار! ​لقد كنتُ أتمرن على ذلك بمفردي طوال الشهر، ولم أستطع إتقان ذلك جيدًا.. رغم أنها نجحت معي بضع مرات بشق الأنفس، حتى إنني لم أسأل العجوز.. أعني دروزيليا، عن كيفية إشعالها للحطب.. وهي لم تعلمني كيف أفعل ذلك. ​اعتمدتُ على معلوماتي بسبب متابعتي السرية للأفلام الوثائقية الخاصة بالغابات والمغامرين، وكيفية البقاء على قيد الحياة في البيئات الصعبة والنجاة في الغابات.. وبسبب حبي للطبيعة، كنتُ أشاهد هذه الأمور بشكل سري عن عمتي.. التي لا أستطيع توقع ماذا ستفعل بي لو اكتشفت أمري ذات يوم! ​-بروس.. أنا لم أنجح في ذلك!.. سن*در الكثير من وقتنا عبثًا! كنتُ على وشك البكاء أحاول مرارًا وتكرارًا بدون جدوى.. وضعتُ أحد العيدان المثقوبة بالأسفل مع وضع بعض الأوراق المتيبسة عليه، وأسفل أحد العيدان المدببة في يدي، وأفركهما معًا لإشعال النار. ​كان بروس يراقب من بعيد.. وشعرتُ أنه يشجعني كي لا أستسلم، بينما سيلفستر كان ينظر نحوي بملل وهو يجلس بسكون بعيدًا. تن*دتُ بتعب وأبعدتُ العيدان من أمامي بنفاذ صبر.. أكره شعور العجز هذا. ​ربما الآن لا أشعر بالجوع، ولكنها ستة أشهر طويلة.. وإذا لم أستطع إشعال النار سأموت جوعًا. ​اقترب سيلفستر من مكان جلوسي، أمسك العيدان ودفعها باتجاهي من أماكنها التي بعثرتُها بنفاذ صبر. كان يحثني بنظراته على المحاولة مجددًا.. تن*دتُ بعمق، ونهضتُ، كنتُ أشعر بأن حرارتي ارتفعت.. ربما إحراجًا.. أو ربما بسبب شعور العجز هذا. ​أمسكتُ العود وثبتُّه أرضًا ثم الآخر بحنق.. وقبل حتى أن أفركه، كان قد اشتعل كلاهما نارًا.. تراجعتُ بصدمة أنظر إلى يديَّ.. كيف ذلك! ​-ما هذا؟ كانت النار تأكل العيدان ولم تنطفئ. نظرتُ إلى سيلفستر الذي ينظر باتجاهي أيضًا بهدوء. ​-ماذا وضعتَ على الحطب.. كيف اشتعل فجأة؟ كنتُ مصدومة.. ثم تناسيتُ صدمتي واقتربتُ لوضع المزيد من الأشواك على النار عندما أوشكت على الانطفاء حين حولت العيدان إلى رماد! ​-عالم عجيب لعين.. أتمنى العودة إلى منزلي! وضعتُ السحلية فوق النيران المشتعلة.. صعد بروس ساقي، وبقي يشاهد السحلية التي تتعرض للقلي فوق النار بحماس.. هو لا يفكر إلا بمعدته! ​كنتُ أنظر إلى سيلفستر بغموض.. وهو تجاهلني ينظر إلى الجهة الموالية. ​تُرى ماذا رمى على الحطب بفمه؟.. لا شك أنه كان يملك شيئًا لم ألاحظه في فمه ووضعه على الحطب لجعله يشتعل فجأة. ​على كل حال.. علينا الانتهاء سريعًا والتحرك قبل حلول الظلام.. علينا إيجاد مكان لنمكث به كما قالت دروزيليا المريبة. ​أحببتُ ذلك.. سأطلق عليها اسم دروزيليا المريبة.. ذلك أفضل من العجوز القبيحة!
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD