الفصل الخامس: الغابه والمخلوق المريب

1492 Words
بعد ان سرنا كثيرًا..​توقفنا عند مدخل غابة شاسعة.. وغريبة. العديد من الأشجار المتشابكة.. وأعماقها تبدو مظلمة وموحشة. كان سيلفستر ينظر إلى داخلها بريبة.. وشعرتُ أنه يحاول رصد أي حركة مريبة في الأعماق قبل الدخول..ابتلعتُ ريقي أتنفس بعمق. ​أنا لا أخاف التوغل بين الأشجار..أو حتى السير في الغابات، لقد اعتدتُ على التجول بين الأشجار العالية عندما كنتُ أمكث مع جدي في العطل الصيفية. ولكن شعوراً بأن شيئاً سيئاً يجوب أعماق هذه الغابة المريبة والشاسعة.. لم يفارقني منذ وقوفنا هنا. ​-ألا يوجد طريق آخر؟.. أعني، ربما لن نستطيع الخروج من هنا إذا دخلنا! ابتلعتُ ريقي مرة أخرى،ثم نظرتُ نحو سيلفستر الذي تجاهلني وتوغل بين عشبها الطويل. إلهي.. أفضل السير في الخلاء بين الظلام، على السير في هذا المكان! ​رغم ذلك تبعتُه، وشعرتُ بـ بروس يحتمي خلف شعري متشبثاً بملابسي من المجهول.. لا شك بكونه متوتراً كما هو الحال معي! ​هي بضع دقائق فقط سرنا بها، حتى شعرتُ بحركة ما بين الشجيرات العالية..سيلفستر أيضاً توقف عن الحركة، بينما أذناه الشبيهتان بأذني الدب تتحركان لرصد أي حركة مباغتة من حيوان ما. ​تعرق باطن يديَّ وأنا أنظر بالأرجاء، كانت الشجيرات العالية متشابكة ولا تسمح بدخول الكثير من النور للأرض أسفلها، إضافة إلى ذلك.. الشمس توشك على الغروب، وأنا لا أرى نهاية لهذا المكان من هنا. وعندما استدرتُ، كانت جميع الطرقات متشابهة.. وكأننا لم نأتِ من أي طريق منها! ​-هل نحن تائهون؟.. بشفتين مرتعشتين تمتمتُ، ورأيتُ سيلفستر يتابع السير بعد دقائق طويلة من الجمود.. ووجدتُ أنه من الأفضل لي البقاء على مقربة منه.. لا أعلم أي مخلوق قد يظهر أمامنا هنا..ما أعلمه هو أن جميعها متعطشة للدم! ​لا يزال يراودني شعور غريب..شعور قريب بالخطر المحدق، رغم كوننا نسير هنا منذ نصف ساعة، ورغم أنني بدأتُ أشعر بالتعب، ولكن لم أجرؤ على الجلوس وأخذ استراحة.. علينا أن نجد مكاناً لنمكث به، ربما فقط بضع دقائق وسيختفي نور الشمس من السماء نهائياً. وأنا لا أرى أنني سأنجو في هذا المكان.. وفي الظلام.. أبداً. ​'مخلوقات الليل هي الأسوأ' تكرر صوت العجوز في رأسي، وبدأ جبيني بالتعرق.. أنا أشعر بالخوف الحقيقي الآن، لا أشعر بالاطمئنان أبداً! ​حركة غريبة حدثت بين الأشجار العالية.. حركة قوية وسريعة، لدرجة أن بعض الأوراق والشوك قد سقطت على ملابسي وفرو سيلفستر! رفعتُ رأسي أحدق عالياً، وكل ما رأيته هو بعض البقع الصغيرة التي توضح السماء شبه البرتقالية من بين غصونها، والظلام بدأ يصبح كثيفاً.. وأنا لا أرى أي حياة بالجوار. ​-غرباء.. صوت غريب صدح فجأة.. صوت أجش غريب بالأرجاء جمد خطواتي، سيلفستر يتابع السير كأنه لم يسمع شيئاً، نظرتُ حولي... لم يكن هناك شيء غريب، سوى أن المناطق التي تبعدني بضعة أمتار بدأت تصبح مظلمة جداً.. مظلمة بشكل يقشعر له الأبدان. ​تابعتُ الركض خلف سيلفستر حتى أصبحتُ على مقربة منه، كان هذه المرة يسير بخطوات أسرع.. وبدا شكله ظريفاً وهو يسير بتلك الطريقة أسفل فروه الأبيض الكثيف، إلا أنني تناسيتُ كل ذلك عندما عادت تلك الحركة السريعة المباغتة..ولكن بالقرب منا هذه المرة. ​توقف سيلفستر عن السير ينظر نحوي، ووجدتُ نفسي أستدير وأنظر إلى أكثر الأمور غرابة شهدتها طوال حياتي..كانت الأشجار تتحرك..وتنتقل بسرعة رهيبة من أماكنها أسفل التربة، كانت تسد طريقاً وتفتح آخر، وهذه المرة أنا لا أتوهم.. الكثير من الورق والشوك سقطوا على ردائي، والأشجار خلفي أيضاً تحركت. ​كانت السماء قد أسقطت الشمس في الأفق أخيراً..والمكان بات مظلماً للغاية! ​-اركضي.. صوت صدح في رأسي وسمعتُ خطوات سيلفستر السريعة أمامي.. ثم وجدتُ نفسي أركض دون أن أرى أي شيء أمامي، وأسوأ أفكاري تمحورت حول الارتطام بشجرة ما وفقدان الوعي..أو الموت كفريسة شهية لأحد تلك المخلوقات المتوحشة التي تحوم بالأرجاء..إلا أنني اتبعتُ حدسي واتبعتُ خطوات سيلفستر التي جعل صوتها واضحاً أمامي ولأجلي. ​-غرباء.. الصوت الأجش صدح مجدداً بطريقة أكثر قسوة أقشعرت بدني، وجعلني أسرع بركضي خلف سيلفستر بكل قوة أمتلكها. وبشكل عجيب شعرتُ أن ليست الأشجار فقط من تتحرك حولنا الآن..هناك شيء يركض خلفنا..تحديداً هناك شيء يركض خلفي مباشرة! ​كنتُ على وشك البكاء أركض بدون حرص أو إدراك، وفقدتُ أثر صوت خطوات سيلفستر بسبب النبض الذي صعد إلى أذنيَّ..أنا الآن لا أعلم أين أركض..ما أعلمه هو شعوري بذلك الشيء الصلب القاسي الذي ارتطم بجبيني وجعل جسدي يتأرجح ودوار كثيف داهم رأسي مع شعوري بالدماء تنزلق من أنفي ببطء، وقعتُ أرضاً، والأشجار تحركت تحيط بي بأغصانها وجذوعها الشائكة. ​-دماء.. كان الصوت المرعب قريباً جداً هذه المرة.. وحركته المريبة تفوق حركة الأشجار هنا وهناك غرابة. هي ثوانٍ فقط تعرقتُ توتراً خلالها بينما أضع ردائي على أنفي أمنع الدم من النزول، وبدأ الغثيان يعتصر معدتي بسبب التوتر والدوار الذي أشعر به.. وهناك سائل دافئ بدأ يتسلل من جبيني بخط مستقيم إلى ذقني! ​-استخدمي عقلكِ للرؤية.. صوت مألوف تحدث في رأسي.. تلفتُّ برأسي أنظر حولي، لا أستطيع رؤية شيء سوى الظلام.. وسماع تخبطات الأشجار.. وصوت تنفس أجش قوي بعيد وصرخات مفزعة. ​-عليكِ الهرب!.. صرخ الصوت في رأسي مؤنباً.. ووجدتُ نفسي أبكي بخفوت هامسة للصوت الذي لا أعلم مص*ره: -كيف؟.. ​-أغمضي عينيكِ.. واستخدمي عقلكِ للرؤية! قال الصوت آمراً.. ووجدتُ نفسي أغمض عينيَّ بينما أكافح ألم رأسي الحاد..حرارتي أصبحت مرتفعة..في الحقيقة أنا أشعر أنني أحترق أسفل هذه الملابس. ​-لا تفكري.. اجعلي ذهنكِ صافياً. كان الصوت مطمئناً هذه المرة..أخذتُ نفساً مختنقاً بصعوبة، وفتحتُ عينيَّ ببطء..وفغرتُ فاهي بدهشة أنزل قماش ردائي عن أنفي النازف، رمشتُ عدة مرات للتأكد أن ما أراه ليس وهماً نسجه عقلي بسبب الارتطام. ​أغمضتُ عينيَّ عدة مرات..وشعرتُ أن ألم رأسي قد تلاشى، كانت الغابة مضيئة.. كانت الأوراق تشع بضوء بنفسجي..الأشجار تمر من خلالها أشياء مستقيمة زرقاء تشبه الأوردة..ولكنها مشعة تسمح للضوء بتغليف المكان حولي. ​أنا أرى الآن كل شيء حولي..وأرى سيلفستر الذي يمسك مخلوقاً غريب الشكل ومفزع المنظر بين مخلبيه الفتاكين على بعد لا بأس به من مكان وجودي..الأشجار تتحرك بقسوة، حتى إن إحداها ارتطمت بسيلفستر تجعله يفقد توازنه، مما سمح لذلك المخلوق الأ**د بقلب الموقف لصالحه. ​صرخات سيلفستر المتألمة صدحت بقوة عندما عضه ذلك المخلوق في ذراعه يحاول اقتلاعها..تمنيتُ أن أستطيع فعل شيء..تمنيتُ أن أتمكن من مساعدته، ولم أفلح حتى في التحرك من مكاني، وكل ما فعلته هو البكاء بصمت أراقب ذلك المخلوق يحاول افتراس سيلفستر الذي يقاتل بكل قوة يمتلكها. رغم أن ذلك المخلوق بحجم سيلفستر تقريباً، إلا أنه يبدو أقوى.. وجائعاً جداً..! ​-سيلفستر.. وقفتُ بصعوبة أصرخ بعلو صوتي عندما رفعه المخلوق يرميه إلى جذع شجرة مدبب، مما سبب له جروحاً عميقة. ثم توقف العالم من حولي..عندما استدار الكائن الدامي ببطء مريب، ينظر نحوي. ​لم أتحرك من مكاني..وبقيتُ واقفة أحدق نحو ذلك الكائن بصدمة، يبدو كإنسان..ولكن بجلد أ**د سميك، وحجم عملاق وبنية نحيلة..ويدين وقدمين مدببة كالأشواك..وأنياب مخيفة وكبيرة في فمه الكبير،وهناك شعره الطويل الذي يغطي معظم جسده. ​أقف منذ ثوانٍ مستسلمة لمصيري، بينما وقف ذلك المخلوق أمامي..ولم يهجم، لم أتمكن من رؤية عينيه أو شيء من وجهه سوى أنيابه الكبيرة بسبب ضوء الغابة الخافت..ما أعلمه هو أنه يبدو.. وكأنه لا يراني! ​رأيتُ بطرف عيني سيلفستر المتألم يحاول النهوض والاعتدال بوقوفه قبل أن يهجم مجدداً.. وعندما نظرتُ إلى المخلوق، كان قد اقترب أكثر.. بينما ينظر باتجاهي! ​تجمدت أطرافي..وشعرتُ أن حرارتي أصبحت أكبر،كانت حدقتاه بيضاء بالكامل..يستخدم أذنيه اللتين لا أراهما لتحديد مكان تنفسي..تنفسي العالي الذي لم أستطع كبحه..ثم فجأة..ودون أن أعلم كيف، تقلصت المسافة بيني وبين المخلوق..وكنتُ أنا من قلصها بينما أحدق داخل عينيه! ​بشكل عجيب..تلاشى الخوف داخلي، وشعرتُ باطمئنان مختلف..من المفترض ألا أشعر به إطلاقاً في موقف كهذا! ​-مألوف.. صوت المخلوق الأجش صدح فجأة.. وأدركتُ أنه لم يحرك فمه لقول ذلك.. بل سمعتُه داخل رأسي! ​-سيلفستر.. تمتمتُ بشفتين جافتين، كان يحمل بيده جذع شجرة كبيراً مدبباً ويركض باتجاه المخلوق الذي يحدق نحوي بجمود. ​-اهرب.. صرختُ فجأة عالياً بخوف، والمخلوق تحرك بسرعة فائقة يتجنب الضربة..وقف على جذع شجرة عالٍ بقفزة سريعة، وألقى نظرة نحوي بخاصتيه البيضاوين تماماً..شعرتُ بسكينة أنه لم يتضرر..سكينة استنكرتُها تماماً، وخصوصاً عندما تحركت الأشجار مجدداً..واختفى ذلك المخلوق كأنه لم يكن هنا قبل ثوانٍ فقط. ​كان سيلفستر في تلك الأثناء يحدق نحوي..بحدة، وشعرتُ أنه يكافح نفسه بصعوبة لسحقي أسفل أنيابه المشهرة في وجهي، لم ينظر إليَّ أكثر وسار مبتعداً يبقي نفسه على هيئته الضخمة ولم يتقلص..ويبدو غاضباً للغاية. ​سرتُ خلفه بعد أن استطعتُ تحريك أقدامي المتجمدة بصدمة..لقد وقفتُ قبل قليل أمام مخلوق غريب..وكان على وشك افتراسي على مهل..كنتُ على وشك الموت رفقة سيلفستر قبل ثوانٍ فقط..والأرعن من ذلك..أنا قد سمعتُ صوت ذلك الشيء في رأسي، ولم أتوهم ذلك كما يحدث عادة..لقد سمعتُه يتحدث داخل رأسي! ​شعرتُ بدوار طفيف في رأسي عندما تحركت شجرة فجأة بالقرب مني وارتطم أحد جذوعها بذراعي بقسوة..تأوهتُ بألم أعتدل بوقوفي، الشكر للرب أنه جذع أملس، وإلا كنتُ سأتعرض لطعنة ربما تفتك بي بأشواكه! ​-مؤلم.. تمتمتُ أسرع بخطواتي خلف سيلفستر الذي لا يزال على هيئته تلك، كان يسير بسرعة بينما يتجنب الأشجار بمهارة، وقد لاحظتُ أيضاً أن جروحه قد تلاشت كالعادة..كلما تعرض لجرح يُشفى سريعاً..وتبقى علامات الدماء فقط فوق فروه الأبيض! ​تحرك بروس خلف عنقي يذكرني بوجوده..أنا حقاً قد نسيتُ أمره، لقد كان يتشبث بملابسي طوال الوقت ولم يتحرك أو يتزحزح من مكانه أيضاً.. وكأنه قد استشعر الخطر الذي يحوم بالأرجاء..! ​-سيلفستر.. نبستُ برجاء، وهو تابع ولم يتوقف كأنه لم يسمعني..إن أمعائي تعتصر بشدة..أنا بحاجة إلى التقيؤ والراحة..إن الغابة غير مطمئنة رغم أنها مشعة وأستطيع النظر أمامي جيداً..رغم ذلك أنا منهكة، وأشعر أن دواراً ساحقاً يطحن رأسي من الداخل..​هي بضع دقائق فقط كافحتُ الدوار خلالها، قبل أن أسقط أرضاً بإنهاك..كان آخر شيء رأيته قبل أن أفقد الوعي بشكل نهائي..هو قدما سيلفستر الذي وقف أمامي.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD