الفصل السادس: عائلة فالكون

1619 Words
لا أعلم أين أنا..كان مكاناً مظلماً تماماً لا أستطيع أن أرى خلاله شيئاً..المكان بارد..والبرد كان ينخر عظمي بشدة..حدقتُ حولي بفزع..شعور بالخوف والقلق كان يهاجمني..أشعر أن الظلام يحدق إليَّ..أن الظلام يراني..أن هناك كياناً حولي ينظر إلى أعماق روحي! ​-ماذا تكونين؟.. صدى صوتٍ بعيد جداً بالكاد سمعته.. أردتُ النطق ولم أستطع، أردتُ الحركة من مكاني.. ولم أستطع أيضاً..أشعر أنني مستلقية..ولكن لا أشعر بأي شيء أسفلي..كنتُ معلقة! ورغم ذلك لم أشعر بشيء يعلقني! ​-لماذا لا أستطيع؟.. تكرر الصوت البعيد مجدداً..وأردتُ فتح فمي للصراخ ولم أستطع، كنتُ فقط أحرك عينيَّ المفتوحتين أحدق بالظلام حولي.. والبرد ينخر عظمي بشدة! ​-لماذا لا أستطيع قراءتكِ؟! كان الصوت البعيد غير المألوف.. حانقاً! ​صوت آخر مألوف للغاية صدح عالياً في رأسي فجأة: -استيقظي حالاً! ووجدتُ نفسي آخذ نفساً قوياً رغماً عني بينما أحرك جسدي المتخشب بقوة..وعندما اعتدل جسدي..كان المكان مضيئاً للغاية، لدرجة أنني واجهتُ صعوبة في الاعتياد على ذلك الضوء.. ضوء الشمس القوي من النوافذ المفتوحة! ​-كابوس.. كنتُ أتصبب عرقاً رغم البرد الذي شعرتُ به..نظرتُ حولي إلى..الغرفة كنتُ أجلس فوق سرير نظيف بأغطية ثقيلة..غرفة دافئة ذات جدران برتقالية مخططة..الغرفة تفوح منها رائحة الصابون اللطيفة..وهذا ما جعلني أتأكد أن هذه الغرفة النظيفة..لا تخص العجوز! ​إذًا أين أنا؟ وما هذا المكان! وكيف وصلتُ إلى هنا؟ سيلفستر..وكذلك بروس!! ​نهضتُ من فوق السرير بصعوبة..كان جسدي متخشباً، رأسي يؤلمني بشدة..وصداع جعلني أغمض عينيَّ بألم، وعندما رفعتُ يدي إلى رأسي وجدته مغطى بضمادة! أما عن ملابسي.. فلم أكن أرتدي الفستان الأ**د الذي رافقني شهراً! كانت ملابس أخرى نسائية.. فاتحة ومشرقة ونظيفة..وتفوح منها رائحة الصابون ذاتها..رائحة لطيفة! ​-أين أنا؟.. شعرتُ برغبة ملحة بالبكاء..وقاومتها أعتدل بوقوفي أنوي الاستكشاف.. كانت الرياح خفيفة تدخل من نوافذ الغرفة المفتوحة بينما تحرك ستائرها البيضاء الشفافة..كان منظراً لطيفاً.. ولكن ليس في هذا المكان! إلا إذا كان كابوساً آخر..​اقتربتُ باتجاه الباب بتردد.. أخشى فتحه فتواجهني وجوه لا أرغب برؤيتها طوال حياتي! كان باباً خشبياً بسيطاً، ولا يبدو حديثاً ألبتة..أمسكتُ مقبضه الدافئ وفتحته..فوراً اقتحمت أذنيَّ أصوات متشابكة من الخارج..أصوات أطفال، وسيدة مسنة..وامرأة تتحدث عالياً بأشياء عدة بينما رائحة طعام..رائحة طعام شهية اقتحمت أنفي! ​هل عدتُ إلى موطني أخيراً؟ هل انتهى الكابوس بالفعل..​خرجتُ من الغرفة متلهفة..قابلني درج ملتولٍ يمتد إلى الأسفل..لم أدقق بالتفاصيل ونزلتُ الدرج مسرعة..أتمنى أن أكون قد استيقظتُ أخيراً من ذلك الكابوس المزعج..أتمنى! كنتُ مسرعة في النزول عبر ذلك الدرج الذي قرر أن يصبح طويلاً..وحتى تناسيتُ ألم رأسي كلياً وأشرق وجهي فرحاً لتخيلي ذاك. ولم أنتبه للشيء الذي ارتطمتُ به وأوشكتُ على السقوط على وجهي عبر الدرجات المتبقية..لو لم يمسكني ذلك الشيء.. وذلك الشيء كان جسداً! ​عندما فتحتُ عينيَّ، قابلتني عينان بنيتان جميلتان.. رائحة الصابون ذاتها اقتحمت أنفي، ولكن هذه المرة كانت أقوى. -إنسان.. همستُ بصدمة.. تلمستُ وجهه أمام نظراته المصدومة، كان شاباً يقارب عمري..شاباً طبيعياً، ولا يشبه تلك العجوز القبيحة.. أقصد دروزيليا! ​-إنسان طبيعي!.. ومجدداً قفزتُ لمعانقته بسعادة بطريقة أظهرتني كالمختلين تماماً..وحركتي تلك سببت انعدام توازنه وسقوط كلانا عبر الدرجتين المتبقيتين. ​-تباً.. تأوه الشاب بألم.. وأنا شعرتُ أنني عدتُ لوعيي واستوعبتُ ما صنعته تواً عندما تلوى الشاب أسفلي ألماً بسبب السقوط.. أنا لم أتضرر، كان الضرر كاملاً على ظهره هو! ​-أعتذر.. لقد تجمدتُ بسبب الحرج.. ولم أجرؤ على الارتفاع والنهوض حتى! لماذا لا أفقد الوعي الآن أيضاً.. جدياً! ​-إيزاك.. صوت امرأة مسنة تحدث من مكان ما خلفنا.. وشعرتُ بإحراج شديد حتى للنظر إلى وجه الشاب الغاضب الآن.. لا سيما بوضعية كهذه! ​-هل يمكنكم إزاحة هذه القردة من عليَّ رجاءً؟ قال بحدة عاقداً الحاجبين.. وشعرتُ بالانزعاج ممزوجاً بالكثير من الإحراج! من ينعتُ بالقردة؟! ​-أعتذر.. زمجرتُ بإحراج.. ونهضتُ أعتدل بوقوفي رغم ارتجاف يديَّ بسبب الموقف السخيف الذي أوقعتُ نفسي به! ​-لقد استيقظتِ إذاً!.. استدرتُ إلى مص*ر الصوت أزيح عينيَّ عن ملامح الشاب الحادة.. كان يتجنب النظر نحوي بانزعاج بينما يعتدل بوقوفه ويعدل ملابسه التي تجعدت.. ملابسه الأنيقة! ​-مرحباً؟.. نظرتُ نحو السيدة المسنة..مشرقة الوجه والتي تبتسم نحوي بلطف، كانت ترتدي ملابس أرجوانية أنيقة ومن قماش لامع وجميل، شعرها كان قصيراً أبيض اللون وذلك هو لونه الطبيعي بالتأكيد نظراً لعمرها.. ولكن لماذا تبتسم لي بذلك الشكل الحنون والجميل الآن كأنها تعرفني منذ زمن؟ ​-ألا تتذكرين شيئاً؟ اقتربت مني العجوز ببطء تتفقد جبيني، وبشكل تلقائي تراجعتُ للخلف متمتمة: -أتذكر؟.. ​-تتذكرين قدومكِ إلى هنا.. كانت الضربة قوية على رأسكِ يا ابنتي! كنتُ حائرة أنظر إلى وجهها البشوش ثم إلى الشاب الذي يدعى إيزاك بضياع.. والذي كان يبدو مرغماً على الوقوف هنا والإنصات! ​-لا أفهم أين أنا؟.. تمتمتُ بضياع وتجنبتُ النظر نحو إيزاك المنزعج.. على ما يبدو وجودي يضايقه بشكل ما.. ربما تصرفي قبل دقائق كان السبب! -أنتِ في منزلنا.. في منزل عائلة فالكون..لقد وجدكِ إيزاك البارحة صباحاً على أطراف الغابة السحرية رفقة مخلوقكِ الأليف.. ثم جلبكِ إلى هنا. إذاً كيف تشعرين الآن يا صغيرتي؟. كنتُ أحدق نحوها ثم نحو إيزاك بضياع.. الغابة السحرية؟ هل ذلك الجحيم يدعى غابة سحرية حقاً! لماذا كان عليَّ تصديق أفلام ديزني فحسب؟ ​-سيلفستر.. تذكرته وتمتمتُ فجأة.. هل هو بخير؟ هل أصابه مكروه! ​-اذا كنتِ تقصدين مخلوقكِ ذو الفراء الأبيض..إنه بخير.. هو في الحديقة مع بقية مخلوقاتنا. طمأنتني العجوز وكأنها قرأت تعابير وجهي الهلعة.. رغم ذلك لم أشعر بالراحة، أنا لا أعرفها.. لا أعرفهم، أنا فقط عليَّ الاطمئنان على سيلفستر سريعاً.. ثم الرحيل عن هنا! ​-أمي.. لماذا لا تتركين الفتاة ترتاح قليلاً؟ لقد استيقظت للتو، كذلك تبدو متعبة.. انظري إلى شحوب وجهها، تعالي يا صغيرة اجلسي هنا! أتت سيدة أخرى..بطبيعة الحال..عندما ترى سيدة بهذا الجمال، شيء ما يجبركِ على التحديق! كانت سيدة لا يبدو العمر على ملامحها الجميلة.. كانت جميلة جداً بصدق! ووجدتُ ملامحها قريبة لملامح إيزاك.. ربما تكون والدته؟! ​-هل أنتِ بخير؟.. ناولتني كوب ماء بعد أن اجترتني خلفها إلى أريكة في غرفة المعيشة خاصتهم.. مكان صغير ودافئ.. جعلني أشعر بالحنين إلى منزلي وإلى والدي..اقتربت السيدة بابتسامة مطمئنة تجلس بجواري ونظرتُ إلى العجوز التي سارت بنشاط إلى الأريكة المقابلة. وتابعت ما تقوم به.. حياكة الصوف.. وعلى ما يبدو الفوضى التي افتعلتُها بالدرج هي ما قاطعتها. ​نظرتُ حولنا، كان إيزاك قد اختفى.. ربما صعد أو ذهب إلى مكان ما.. وكلما تذكرتُ ما حدث قبل دقائق أدخل في نوبة إحراج أخرى! ​-تعلمين أنه من الخطير جداً عبور تلك الغابة السحرية يا صغيرتي.. قد تكون عائلتكِ قلقة للغاية عليكِ الآن، إذاً من أي مملكة تنحدرين؟. -عائلتي؟ مملكة؟.. هل تحدثت للتو عن ممالك أو ما شابه؟ ​-ألا تتذكرين شيئاً؟ اصفر وجه المرأة فجأة، ووجدتُ رأسي بشكل تلقائي ينفي ما قالته سابقاً! جدياً.. عائلة وممالك، أي هراء هو هذا! كنتُ على وشك التبرير..ثم صدحت كلمات دروزيليا برأسي فجأة، لقد أخبرتني أن عليَّ تزييف أمر فقداني للذاكرة إذا اضطررت ل​ذلك: -لقد كانت ضربة قوية للغاية إذاً.. شعرتُ أن السيدة على وشك البكاء تتلمس الضمادات على رأسي.. وشعرتُ بالذنب، تبدو سيدة لطيفة للغاية! ​-أنا فقط.. أردتُ إخبارها أنني لستُ من هنا، ولكن كلمات دروزيليا صدحت داخل رأسي مجدداً.. 'بمجرد أن تبوحي لأحد عن أي أمر حذرتكِ منه.. سين**ر وعدي، وحينها لن أرشدكِ للطريق مهما حدث.. ولن تعودي إلى منزلكِ حتى الفناء.' ​-لا أتذكر شيئاً.. كذبتُ..واشتد اصفرار وجه السيدة أمامي..وشعرتُ بالذنب لأجل ذلك..كانت السيدة العجوز قد توقفت عن الحياكة تحدق نحوي..بنظرات مشفقة، وابتلعتُ ريقي أوزع نظراتي بينهما. ​-أخبرتكِ يا نيرلين.. فقدانها للذاكرة احتمال وارد، كانت ضربة قوية، وقد فقدت الكثير من الدماء.. صوت رجل رزين أتى من خلفي واستدرتُ فجأة أحدق نحوه.. كان رجلاً في منتصف العمر.. يقارب عمر والدي. والدي.. اشتقتُ إليه بشدة! ​-ألا تتذكرين أي شيء يا صغيرتي.. حتى اسمكِ؟ حاولت السيدة بيأس.. أتذكر أن اسمي هو ليليانا.. ولكن إذا أخبرتهم الآن سيشكون أنني أكذب! ​-لا أتذكر.. ابتلعتُ ريقي أرطب حلقي الذي جف من نظرات ثلاثتهم تجاهي.. يشعرون بالشفقة نحوي.. وأنا أشعر أني كاذبة مخادعة! ولكني مضطرة! ​-لا بأس.. لا تضغطي على نفسكِ كثيراً.. ربما هي فترة مؤقتة فقط وستعود لكِ ذاكرتكِ بالطبع! اقترب الرجل يتفحص ضمادتي.. وبدا وكأنه طبيب من طريقته الرزينة بالحديث، وكأنه واثق أن ذلك ما سيحدث. لو كنتُ فاقدة للذاكرة طبعاً! ​-أريد الذهاب.. سآخذ سيلفستر وبروس وأرحل.. شكراً على عنايتكم بي ومساعدتي أيضاً.. ولكني مضطرة للرحيل! نهضتُ بعجلة ونسيتُ أمر ألم رأسي.. ثم فجأة دوار طفيف هاجم رأسي جعلني أترنح بوقوفي قليلاً لو لم يساعدني الرجل للجلوس مجدداً.. شكرته بإيماءة خفيفة وهو اتجه للجلوس بجانب المرأة الجميلة..وهنا تيقنتُ أنها لربما زوجته.. إنهم عائلة لطيفة، وأشعر بالذنب لكذبي الصريح ذاك عليهم رغم مساعدتهم لي وإنقاذي! ​-إلى أين ستذهبين يا ابنتي؟ أنتِ لا تتذكرين من أين أنتِ، أو ما هو اسمكِ حتى.. ربما عليكِ المكوث معنا ريثما تعود لكِ ذاكرتكِ. الإجابة طبعاً كانت مستحيل! لا أعلم كم من الوقت قد أهدرته بالفعل.. بينما أمامي فقط ستة أشهر للبحث عن المملكة المنفية والعودة إلى منزلي. ​-على الأقل بضعة أيام.. قالت السيدة الجميلة والتي تدعى نيرلين كما نادتها السيدة المسنة قبل دقائق، وعلى ما يبدو أنها قرأت الرفض على ملامح وجهي بوضوح! ​-حسناً.. تحدث لساني تلقائياً عند رؤية ملامحها الحزينة، هي تنفست بعمق وشبح ابتسامة زين وجهها. أنا أكره أن يشفق عليَّ أحدهم.. وكرهتُ أيضاً أن أجعل أحدهم يحزن بسببي، رغم كوني لا أعرف أسماءهم حتى الآن!.. عدا السيدة نيرلين.. وذلك الشاب إيزاك. ​-لقد سمعتكِ تقولين سيلفستر والآخر بروس.. هل هما صديقاكِ؟ هل رافقكِ شخص آخر إلى الغابة السحرية؟. تحدث الرجل ببديهية، زلة لسان ربما ستكشفني؛ كيف أتذكر أسماء مخلوقاتي الأليفة بينما لا أتذكر اسمي حتى؟ كان عليَّ التفكير جيداً قبل الهراء الذي تفوهتُ به! ​-إنهما ح*****تي الأليفان.. أخبرتني السيدة أن سيلفستر بحديقتكم.. ولكن ماذا بشأن بروس، هل هو هناك أيضاً؟ عليَّ تفقدهما! أشرتُ نحو السيدة المسنة.. عاقدة الحاجبين، وابتلعتُ ل**بي برعب عندما تشابهت نظراتهم نحوي! ​-هل قلتِ ح*****تكِ الأليفة؟ سألت العجوز وجعلتني أشعر أن ما قلته غير أخلاقي بتاتاً. ​-ربما ذلك بسبب فقدانها للذاكرة يا أمي.. تستطيعين دعوتهما بمخلوقاتكِ الأليفة، دعوتهما بالح*****ت قد تبدو مسيئة لهما كمخلوقات لا تتقبل الإهانة أبداً! تحدث الرجل وركزتُ في قوله جيداً.. مخلوقات؟ أليسوا ح*****ت أيضاً؟ ​-الأمر الآخر هو أن إيزاك لم يجد سواكِ.. ومخلوقكِ الغريب ذا الفرو الأبيض على أطراف الغابة، هل لد*كِ واحد آخر؟ مهلاً.. إنه يتحدث عن سيلفستر، ولكن ماذا عن بروس؟ -بروس.. ألم تروه معي؟ لقد كان يتشبث بملابسي طوال الوقت، هو لم يفلتني إطلاقاً! نهضتُ هلعة وشعور الذنب قد غلف صوتي، وشعرتُ أن شيئاً سيئاً قد حدث له!
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD