بدأ شهر جديد في هذا العالم الغريب، وتعلمتُ فيه الكثير بالطبع.
نبات إيثيرومورفيا.. سام..
زهرة ثيوفيسيا-كرومس.. قاتلة..
نبات زيلوكوريس الشائك.. دواء لآلام المعدة وتخفيف تقلصات الولادة..
أعشاب فالناريكس.. شافية لسم الأفاعي الفتاك والح*****ت السامة الأخرى.
هذه الفاكهة عجيبة المظهر تُؤكل.. وهذه لا تُؤكل.
هذه إذا أكلتها تموت.. وهذه إذا أكلتها تشفيك إذا كنت مسموماً.
أعشاب مختلفة عما عهدته يوماً في حياتي، أسماء عجيبة وأشكال لا تطابق خاصة عالمي.
تعلمت في هذا الشهر تسلق الشجر، مباغتة الح*****ت الصائدة، تشتيت المفترس، وكيفية التغلب على ح*****ت "التيريرا" التي تشبه الأرانب واصطيادها.
تعلمت في هذا الشهر الكثير.. ورأيت الكثير. وانتهت جميع محاولاتي للهرب بأمور تفوق خيالي، وتأكدت أنني لست في كابوس، بل إن هناك لعنة نقلتني إلى هنا؛ ذلك بلا شك هو ما حدث.
العجوز ترفض إخباري كيف أصبحت هنا، وكيف أخذتني، وكيف وجدتني، وما تكرره باستمرار مراراً وتكراراً:
-إذا أردتِ العودة إلى موطنكِ، عليكِ اتباع ما أقوله.
فأجد نفسي أتبع ما تقوله مجبرة.
كنت أقف أمام المرآة المتشققة المعلقة على الجدار في غرفتي التي اهتممت بها طيلة الشهر، بما أنها كانت المكان الذي يأويني طوال الليل.
كنت أنتظر بملابسي الداخلية أن تجفف العجوز فستاني الرث بعد أن قمت بغسله، حيث أخبرتني أنها تستطيع تجفيفه بطريقتها الخاصة، ولم أتساءل أكثر عن كيفية ذلك. وعلى ما يبدو أنها لا تمتلك ملابس أخرى غيره في منزلها.
شعرت بحركة عند ساقي، ابتسمت بخفوت عندما وجدته بروس.. العقرب الصغير الذي رافقني طوال هذا الشهر، أطلقت عليه اسم بروس ولم يبدِ أي اعتراض على ذلك.
بروس وسيلفستر كانا صديقاي الجيدين هنا، رغم أن سيلفستر لا يزال حاد التصرفات معي، ودائم النظر إليَّ باستعلاء وغضب، ولكنه صديق جيد وقد حماني جيداً طوال هذا الشهر المقيت.
اليوم، أنا أستعد للذهاب.
العجوز أخبرتني أن لدي ستة أشهر أخرى فقط للبحث خلالها عن..
..المملكة المنفية..
والوصول إليها، لأنها الطريقة الوحيدة لإعادتي إلى منزلي، وأملي الوحيد للعودة إلى أحضان والدي العزيز.
لقد انقضى الشهر تماماً والشتاء بدأ بالرحيل، لقد ذاب معظم الثلج من على الأشجار، وبدأت الشمس تكون أكثر دفئاً، رغم أن البرد لا يؤثر بي ولا أزال لم أكتشف السبب خلف ذلك أيضاً، إلا أنني لا زلت أظن أن الملابس، خاصة العجوز، هي ما تمدني بكل هذا الدفء.
سمعت خطواتها البطيئة في الرواق، فابتسمت بخفوت. لا أنكر أنها عجوز غريبة الأطوار، مريبة وقبيحة، ولا أعلم اسمها حتى اللحظة، إلا أنها طيبة. أجل، لقد كانت لطيفة معي طوال فترة إقامتي هنا، وأقصد داخل المنزل فقط.
عندما نكون بالخارج هي دائمة التصرف بحدة وعدم اكتراث. إذا لم يكن هناك سيلفستر، أعتقد أنني كنت قد مت منذ مدة طويلة تحت أنياب أو مخالب أحد الوحوش المفترسة في الخارج.
ظهر سيلفستر أولاً ولم ينظر إليَّ حتى سار باتجاه سريري، أتت العجوز خلفه وبيدها فستاني. تناولته منها أشكرها بابتسامة خفيفة، رغم أنها لن تراها، ولكن بشكل ما شعرت أنها أحست بابتسامتي من تعابيرها الهادئة. ارتديته بسرعة وشعرت أنه دافئ جداً. رفعت شعري المسدول إلى أعلى، وتناولت منها الرداء الذي من المفترض أن يغطي رأسي.
-أعتقد أنني مستعدة.
تناولت بروس ووضعته على كتفي من أسفل الرداء.
-ليس بعد!
قالت، وأنا نظرت إليها مستغربة.
لقد جمعت كل الأعشاب والفواكه التي قد أحتاجها أثناء رحلتي داخل حقيبة صغيرة كانت تخص العجوز في وقت من الأوقات، كما أنها هي من قدمتها لي.
-إنها تميمة.. لا تنزعيها من عنقكِ مطلقاً ومهما حدث!
كانت تمسك بيدها قلادة سوداء توجهها نحوي.
-ماذا سيحدث إذا نزعتها.. أو انتزعت عن طريق الخطأ؟
كنت أنظر إلى الجوهرة الصغيرة المشعة في طرف القلادة.
نظرت إلى العجوز ووجدتها تبتسم بريبة:
-توقعي الأسوأ.
ابتسامتها تلك كلما وضعتها في وجهها يحدث أمر سيئ، لذا وضعت القلادة في عنقي وابتلعت ريقي بصمت.
انتهيت من وضعها وأنظر إلى الجوهرة التي كانت تشع بضوء أحمر سابقاً، قد خفتت وأصبحت جوهرة عادية حمراء مائلة للسواد.
-سيلفستر سيرافقكِ حتى تصلين.. لن يفارقكِ إطلاقاً، هو قادر على حمايتكِ.. كل ما رأيتِه في هذا المكان لا شيء مقارنة بما يوجد خارجاً!
نظرت نحو سيلفستر الذي نظر بدوره إلى الجهة الموالية.. هو يبدو غير سعيد إطلاقاً بذلك!
-جدي مكاناً للمكوث به قبل حلول الظلام.. مخلوقات الليل هي الأسوأ.
سارت نحو المخرج، وأنا نظرت إلى الرواق الذي بمجرد خروج سيلفستر خلفنا -والذي كان يبدو بمزاج سيئ- ردم الجدار بطريقة مجهولة، وعلقت مكان الباب لوحة صغيرة ظهرت من العدم.
لم أتفاجأ، ربما لأنني اعتدت على ذلك، ولم أسأل العجوز عن سببه، ولم أجرؤ أيضاً.
فتحت باب المخرج تخرج أولاً، وأنا نظرت إلى المكان الذي لن أعود إليه مجدداً حتى آخر نفس بحياتي، ثم تشتت أفكاري أنظر إلى مكان اللوحة الكبيرة مردفة:
-هل تخلصتِ منها؟.
أدارت جسدها نحوي بتساؤل فأجبت:
-اللوحة، لم تعد على الجدار.. هل تخلصتِ منها؟ رغم أنها كانت هنا البارحة، ولكن لماذا تخلصتِ منها.. إنها جميلة ومريحة للعينين.
-هل استطعتِ رؤيتها؟.
كان هناك ابتسامة أخرى قبيحة ومريبة على وجهها.
-بالطبع رأيتها.. أنا لست عمياء!.
تذكرت أنها عمياء، وشعرت بالذنب لقول ذلك.
ولكن ابتسامتها المريبة استمرت كأنها لم تسمعني متجهة نحو الخارج هذه المرة:
-أنا لا أحب اللوحات.
تيقنت أنها ربما رمتها بعد أن أردفت بهذا. لماذا قد تحتفظ بلوحات في منزلها وهي عمياء؟ وقفت أمامها أنظر حولنا، حيث ذاب معظم الثلج، وأشعة الشمس التي لا تزال في بدايتها أصبحت حارقة.
-تذكري.. أمامكِ ستة أشهر بتمامها.. إذا انقضت لن تعودي إلى منزلكِ حتى الممات.
رددت كلماتها التي اعتادت قولها لي طوال الشهر، وأنا أومأت كأنها تراني.
-وتذكري.. لا تخلعي التميمة من رقبتكِ مهما حدث.. حتى إذا كانت حياتكِ تعتمد على ذلك. وأمر أخير أيضاً.. إذا تتذكرين أخبرتكِ أنني أمتلك شرطاً مقابل مساعدتكِ لتعودي إلى منزلكِ.. شرطي الوحيد هو ألا تخبري أحداً عن أي شيء.. عني، أو عنكِ.. أو حتى عن عالمكِ الذي أتيتِ منه.. والأهم.. لا تثقي بأحد.
شددت على آخر كلمة بشكل اقشعر له بدني. هل تعني أن هناك أناساً آخرين يعيشون هنا غيرها؟ أعني.. أناساً مثلها؟
-هل تريدينني أن أدعي أنني فاقدة للذاكرة؟.
سخرت.
ثم تلاشت سخريتي عندما رأيت جديتها:
-أجل.. افعلي ذلك، لأنه وبمجرد أن تبوحي لأحد عن أي أمر حذرتكِ منه.. سين**ر وعدي، وحينها لن أرشدكِ للطريق مهما حدث.. ولن تعودي إلى منزلكِ حتى الفناء.
شعرت بالغيظ من تهديداتها المستمرة، وإخباري أنني لن أعود إلى منزلي مطلقاً ومن ذلك الهراء. أنا لم أختر أن أكون هنا.
-كيف سترشديني إلى وجهتي وأنتِ هنا؟
تساءلت أحاول كبت غيظي.
-لن أفعل.. سيلفستر سيرشدكِ حتى وصولكِ، لا تزعجيه.. حاولي بقدر الإمكان أيضاً.
نظرت نحو سيلفستر رافعة الحاجبين، وهو واجهني بظهره بنفاد صبر. وجدت نفسي أضحك بخفة بسبب حركته تلك.
-رافقتكم السلامة.
عن أي سلامة تتحدث؟ أنا ذاهبة إلى المجهول بمفردي.. ربما ما يجعلني أشعر ببعض الاطمئنان هو وجود سيلفستر معي.. أخشى أن أفشل.. ماذا إذا مت بطريق العودة إلى موطني؟
-بالمناسبة..
اقتربت بتردد ثم عانقتها، وشعرت أن جسدها تصلب بسبب ذلك.
ابتعدت مردفة بابتسامة واسعة:
-رغم أنني لا أعلم اسمكِ حتى هذه اللحظة.. ولكنكِ اعتنيتِ بي وعلمتِني الكثير خلال هذا الشهر.. كما أنني أشعر أن كل ما تعلمته هنا سيفيدني بطريقة ما بلا شك.. لذا شكراً لكِ.
رأيت كيف تشتت حدقتاها وعلمت أنها لن تجيب بشيء، لذا ابتعدت أنظر إلى سيلفستر الذي اقترب يمسح فراءه على ملابس العجوز ثم نظر إليها قليلاً وكأنه يودعها بنظراته قبل أن يلحق بي.
سرنا مبتعدين بضعة أمتار قبل أن يوقفنا صوتها الأجش:
-دروزيليا.. اسمي هو دروزيليا.
نظرت إلى مكان وقوفها كانت قد اختفت رفقة المنزل، ووجدت ابتسامتي تتسع أنظر إلى سيلفستر الذي كان ينظر إليَّ بدوره.
دروزيليا..
أشعر أنني سأتذكر هذا الاسم طويلاً.