استيقظتُ للمرة الثانية على ذات الهمس المزعج، وبمجرد أن فتحتُ عينيَّ، تلاشى كل شيء وحلّ صمتٌ قتيل.
وجدتُ نفسي ملقاةً بفوضوية فوق إحدى الأرائك في غرفة المعيشة غريبة الأطوار.
كان المكان خالياً، لكنني شعرت بحركة تلك العجوز داخل المطبخ.
مسحتُ العرق عن جبيني؛ فالجو صار خانقاً فجأة.
ولأن غريزة الدفاع تملكتني، قبضتُ على تمثال صغير وجدته أمامي، كان ثقيلاً رغم حجمه، وتوجهتُ نحو المطبخ.
تسمرتُ مكاني حين رأيت العجوز تقف أمام كائن غريب الشكل، صغير الحجم، معلقٍ من سقف المطبخ بحبل.. كان ميتاً.
كانت تقطع اللحم منه وتلقيه في قدر يغلي فوق نار مستعرة، بينما دمه يملأ سطلاً صدئاً بالأسفل.
اجتاحني الغثيان؛ هل سينتهي بي الأمر مثل هذا الحيوان؟ هل ستأكل لحمي؟ نظرتُ إلى ثيابي واكتشفتُ أنني أرتدي فستاناً أ**د يشبه فستانها تماماً، لكنه أنظف وأثقل، وهذا ما يفسر الحرارة التي تفتك بجسدي.
-من أنتِ؟ وأين أنا؟
صرختُ بها محاولةً استعادة شجاعتي، ورفعتُ التمثال عالياً.
-ماذا تريدين مني؟ وكيف وصلتُ إلى هنا؟
لم تستدر، بل سألت بصوتها المرعب:
-كيف استيقظتِ؟
تجاهلتْ صراخي وتابعت عملها ببرود حتى جردت الحيوان من لحمه تماماً. اقتربتْ من القدر تحركه بملعقة خشبية ضخمة، ثم التفتت إليَّ بابتسامة بشعة أظهرت فمها الخالي من الأسنان ول**بها اللزج، ولأول مرة أدركتُ الحقيقة.. إنها عمياء!
فحدقتاها البيضاوان لا تنظران إليّ، بل إلى مص*ر صوتي.
-اذهبي واجلسي.. الطعام سيكون جاهزاً بعد دقائق.
قالتها ببرود دفعني للجلوس مرغمةً بطريقه مثيره للتعجب.
وضعت أمامي طبقاً من اللحم المطهو الذي تفوح منه رائحة منفرة، بينما وضعت أمامها طبقاً من اللحم النيئ الملطخ بالدماء.
حاولتُ تذوق قطعة صغيرة تحت نظراتها المريبة، لكن مذاقه كان أبشع من أن يُحتمل، فجثوتُ أرضاً أتقيأ بمرارة.
-ستعتادين عليه.. كما فعلتُ أنا.
قالتها وهي تلوك اللحم النيئ بقسوة.
صرختُ بانهيار:
-أريد العودة لمنزلي! أريد والدي! لا أريد طعامكِ المتعفن ولا وجهكِ القبيح، ا****ة عليكِ!
وفجأة، وقبل أن أدرك ما يحدث، ارتفع جسدي في الهواء بقوة جبارة وارتطم بظهري بالجدار حتى شعرتُ بعظامي تتحطم. خرج الدم من أنفي وفمي، وغبتُ عن الوعي متمنيةً أن يكون كل هذا كابوساً لعيناً.
......................................................................................
فتحتُ عينيَّ مجدداً في الغرفة المهترئة ذاتها، لأجد عقرباً أ**د كبيراً يستلقي بسلام فوق ساقي ويبدوا نائمًا. لم أشعر بالخوف؛ فمنذ صغري كانت لديّ ألفة غريبة مع الحشرات.
مسحتُ على ظهره القاسي برفق، وشعرتُ وكأنه يؤنس وحدتي في هذا السجن.
انفتح الباب فجأة، وظهرت العجوز وهي تهدر بغضب
-كفاكِ دلالاً، الوقت يداهمنا.. لقد أهدرنا شهرين بالفعل!
-شهرين؟!
قفزتُ من مكاني بصدمة:
-أنا هنا منذ شهرين؟
نظرتُ في المرآة اثناء سيري ولمحت وجهي الشاحب الذي أصبح نحيلاً جداً. تبعتها إلى غرفة المعيشة، وكان العقرب يسير خلفي وكأنه يحتمي بي.
-من تكونين؟
هتفتُ بحِدة.
التفتت إليَّ بابتسامتها المقيتة وقالت:
-معرفة من أكون لا تهمكِ، لكنني أعلم الطريقة التي ستعيدكِ لمنزلكِ. سأخبركِ بكل شيء، لكن بشرط واحد.
جلستُ مرغمةً وكأن قوة خفية تدفعني للإنصياع لأوامرها. تابعت العجوز:
-أنتِ لستِ في موطنكِ.. أنتِ في مكان آخر تماماً. ستحتاجين لقضاء هذا الشهر معي للتدرب على بعض الأشياء، فليس لدينا سوى سبعة أشهر؛ إن انقضت وما زلتِ هنا، فلن تعودي أبداً.
ضحكتُ بسخرية:
-والدي سيجدني حتماً، منزلكِ هذا لن يبقى مخفياً للأبد.
اتسعت ابتسامتها:
-والدكِ كان سيجدكِ يقيناً.. لكن ليس هنا.
نهضتُ غاضبةً بنية الأنقضاض عليها، لكنها تمتمت بكلمة واحدة:
-اجمُدي.
وتصلب جسدي في مكانه كأنني صرت قطعة خشب؛ لم أستطع تحريك لساني أو حتى إغماض عيني المحترقتين.
وقفت أمامي وقالت بفحيح:
-عليكِ الاستعداد.. سنخرج للصيد بعد قليل.
ابتعدت نحو الرواق، وحينها فقط عاد جسدي للحركة، فسقطتُ أرضاً أرتجف بصدمة.
شعرتُ بالعقرب يتسلق ظهري، ولم أحاول إزاحته؛ فقد أدركتُ أن هذه الشمطاء تمتلك قوىً لا أفهمها، وأن رحلة العودة لوالدي لن تكون بالسهولة التي تخيلتها!.
.......................................................................................
كنتُ أقف خلفها عندما فتحت الباب المجاور للمطبخ.. تأكدتُ الآن أنه كان باب الخروج طوال الوقت.
وقبل أن تفتحه تماماً، استدارت تنظر إليَّ من أسفل غطاء رأسها بتحذير:
-إياكِ والتفكير بمباغتتي بحركة سخيفة تودي بحياتكِ.. لا تعلمين ما ينتظرنا هناك؛ فمخلوقات الشتاء لا يُستهان بها.
هسهست بصوتها المرعب، فابتلعتُ ريقي، وراودتني أفكار الهرب بمجرد أن لفحتني الرياح العاتية من الخارج.. أخيراً سأتمكن من العودة إلى منزلي وإلى عائلتي.
لم تعطني حتى غطاءً لتدفئة جسدي، وهي أيضاً اكتفت بغطاء رأس يغطي وجهها فقط؛ ألم تقل إنه الشتاء؟ قد يقتلنا البرد قبل الذئاب والدببة القطبية حتى.
-اتبعيني.
قالت بأمر و أكملت فتح الباب وخرجت ببطء، ونبض قلبي بعنف؛ إنها عجوز خرقاء وقبيحة، ولن تتمكن من اللحاق بي أو إمساكي.. إنها فرصتي الوحيدة للهرب!
شعرتُ بالعقرب يتسلق كتفي، فنظرتُ إليه وهو يحتمي بشعري من الرياح الباردة.
أخذتُ نفساً عميقاً قبل الخروج خلفها.. ثم نظرتُ حولي بريبة؛ بقعة ثلجية بلا نهاية، والكثير من الجليد يغطي المكان.
تبعتُ خطواتها بذهول؛ لم يكن هناك أي منزل بالجوار، والثلج يتساقط من سماء صافية، وفي كل مكان أنظر إليه لا أجد سوى الثلج.
الغريب أنني لا أشعر بالبرد، بل الع**، كنتُ أشعر بالحرارة رغم كل شيء؛ هل هي الملابس؟ كانت خطوات العجوز بطيئة، وأردتُ اتباعها حتى نصل إلى طريق ما أو ألمح أحد المارة، ولكن لا طريق ولا حياة هنا.. المكان خالٍ تماماً.
عندما وصلنا إلى مسافة لا بأس بها، استدرتُ لأرى المنزل الذي خرجنا منه للتو.. أين هو؟! لم نسر سوى بضعة أمتار، وخطواتنا واضحة فوق الثلج الأبيض، ولكن لا أثر للمنزل! شعرتُ بدوار شديد؛ هذه العجوز الشمطاء تخفي أمراً..
هل هي ساحرة حقاً؟
-حاولي التخفيف من ضجيج أفكاركِ.. أنتِ لا تحملين تميمة بعد، وقد تجذبين الأرواح الضالة.
الأرواح الضالة؟ هل قالت الأرواح الضالة؟ لا بد أنها تسخر مني. ولكن مهلاً، كيف علمت أنني أفكر؟! ما أفكر به ليس صحيحاً.. لا وجود للساحرات في العالم الحقيقي، إنها مجرد أساطير!
تلاشت دمائي عندما ظهر حيوان ضخم يفوقني حجماً بأضعاف. و تجمد جسدي وتوقفت العجوز، بينما اقترب العقرب للاحتماء خلف عنقي.
هذا ليس دباً قطبياً؛ تقسيمة جسده مرعبة. ولحظات حتى نهض واقفاً على قدمين اثنتين مثلي تماماً، وزاد حجمه أضعافاً أخرى! كانت عيناه الكبيرتان تنظران إليَّ مباشرة، ول**به يسيل وهو يظهر أنيابه الحادة، ثم أطلق عواءً مرعباً وأوشك على الانقضاض عليَّ!
أردتُ الركض، لكن العجوز رفعت يدها له، فتوقف تماماً كأنه جمد في مكانه!
-سيقتلنا..
همستُ بدموع تتساقط.
-إنها معي يا سيلفستر.. تقلص.
هل تتحدث إلى هذا الكائن بهذا البرود؟.
والأسوأ أنها دعته "سيلفستر" والأغرب هو ما حدث بعدها؛ ارتخت تعابير الوحش ووقف على أقدامه الأربع، ثم تقلص حجمه حتى أصبح بحجم جرو صغير بفراء أبيض!
-لنتابع.. لا نريد أن تغرب الشمس ونحن في الخارج.
تابعت العجوز المشي، فأسرعتُ للوقوف خلفها مباشرة، وعيناي لا تفارقان ذلك المخلوق الذي بدأ يسير بمحاذاة العجوز كحيوان أليف.
ابتلعتُ ريقي وتلاشت أفكار الهرب؛ هذا المخلوق قد يفتك بي في لمحة بصر. إنها محقة، هذا ليس موطني حتماً!
-توقفوا.. هناك حركة بالجوار.
تمتمت العجوز.
كنتُ شاردة الذهن أراقب "سيلفستر" و ارتطم جسدي بظهر العجوز عندما توقفت فجأة.
نظرتُ حيث ينظر الجرو، ووجدتُ حيواناً ضخماً يشبه الأيل الجبلي، لكنه أضخم بعشر مرات، وله قرون متفرعة كالأشجار.
كان ينطح إحدى الأشجار محاولاً إسقاط كائن رمادي يختبئ أعلاها.
فجأة، رفع سيلفستر رأسه ونظر إليَّ بحدة كأنه يود سحقي.
-اخفضي حدة تنفسكِ.. سوف تلفتين نظره نحونا!.
صدح الصوت في رأسي! لم يكن صوت العجوز، ولا أعلم من أين أتى. راقبتُ "الأيل" وهو يسحق الكائن الرمادي بحوافره، ثم فتح فاهه المليء بالأسنان الحادة وابتلعه بلقمة واحدة! اختل توازني وسقطتُ أرضاً بصدمه ورعب!.
فأدار الأيل رأسه باتجاهنا، ونظرت إليَّ العجوز بحدة زادت وجهها قبحاً.
-أخبرتكِ ألا تلفتي نظره..
تكرر الصوت الصارخ في رأسي!
ركض الأيل باتجاهنا بفم ملطخ بالدماء. حاولتُ النهوض والهرب، لكنني تعثرتُ في الثلج الذي بدأ يذوب أسفلي من شدة حرارة جسدي.
وعندما كاد يدركني، وجدته يكافح للوصول إليَّ؛ لقد كان سيلفستر يمسك بقرنيه ويمنعه باستماتة، حتى غرس الأيل أحد قرونه في ص*ر سيلفستر!
رأيتُ خيطاً من الدماء يسيل من ص*ر سيلفستر، لكنه لم يتوقف، بل غرس مخالبه الحادة في عنق الأيل.
-اهربي..
صرخ الصوت في رأسي.
ركضتُ بصعوبة والثلج يذوب تحت قدمي، ثم توقفتُ عندما قطع طريقي مخلوق رمادي بحجم الفهد، له حراشف كالأسماك وثلاث أعين حمراء وحشية.
كشر عن أنيابه وكان على وشك الانقضاض علي، لكنني عندما نظرتُ في عمق عينيه، سكنت حركته فجأة وشعرتُ بانجذاب غريب نحوه.. أردتُ لمسه، وتلاشى الرعب بداخلي اتجاهه.
ولكن فجأة طار جسده بضعة أمتار، وغصت قرون الأيل المنزوعة والملطخة بالدماء في جسده الرمادي!
أطلقتُ صرخة مدوية وشعرتُ بألم حاد في قلبي وكأنني أنا المصابة. مات الحيوان، وشعرتُ بحزن عميق يمزقني.
سحبتُ نظري منه نحو سيلفستر الذي كان يتنفس بصخب وجرحه يلتئم بسرعة مذهلة قبل أن يتقلص ويعود لحجمه الصغير.
-لنتابع قبل أن يحل الظلام..
قالت العجوز وسارت في الاتجاه الآخر.
عجزتُ عن الوقوف للحظات، متسائلة عن مدى خطورة هذا المكان.
نهضتُ بصعوبة وركضتُ خلفهم متجاهلةً فجوة الثلج التي ذابت في مكان جلوسي.. أدركتُ حينها أنه سيكون شهراً مقيتاً، ولن أنجو منه إلا بشق الأنفس.. ولكن سأعود إلى منزلي بأي ثمن، حتى لو كلفني ذلك حياتي.