كانت ظهيرةً غارقة في السواد، حيث امتزج انهمار المطر بمرارة الخذلان.
وسط الغابة الشائكة، كانت تصارع بجسدها الضئيل قسوة رجلين يفوقانها ضخامة، وقد نال منها الإعياء بعد مطاردة مريرة تركت آثارها دماً على شفتيها وجروحاً غائرة في ساقيها.
لم تكن الغابة ملاذاً، بل كانت فخاً قادها في النهاية إلى حافة الهاوية؛ حيث رُسمت خطة الخلاص منها لتبدو كحادثة انتحار بائسة.
"هيا، خذوها."
ص*ر الأمر ببرود من تلك السيدة التي تناقضت ثيابها الراقية مع وحشية ملامحها.
ومع كل خطوة يقتربون بها من الجرف الشاهق، كانت تتشبث بالأرض بأظافرها، تصرخ بتوسلات يائسة:
"-أرجوكِ عمتي.. اتركيني وشأني، أرجوكِ!"
أشارت السيدة للرجال بالتوقف، فلاح بريق أمل كاذب في عيني الفتاة.
زحفت الفتاة بسرعة نحو قدمي عمتها، متشبثة بطرف ثوبها وهي تعدها بالصمت والنسيان.
إنه رجاء الموت؛ تلك اللحظة التي تذوب فيها الكرامة أمام غريزة النجاة، تماماً كمن يحاول استعطاف صاحب مفتاح قفصٍ مليء بالضباع الجائعة.
انحنت السيدة نحوها، ووضعت يدها على وجنتها بحنوٍّ زائف، سائلة بفحيح مريب:
"-لا تريدين الموت، صحيح؟."
قبل أن تجيب الفتاة، تبدلت الملامح إلى قسوة مميتة:
"-لقد فات الأوان عزيزتي.. لم يتوجب عليكِ رؤية ما رأيتِه. أنتِ من اخترتِ هذه النهاية لنفسكِ."
بإشارة واحدة، رُفعت لتتدلى فوق الحافة.
تشبثت بالصخور المبتلة بأصابع دامية وأظافر م**ورة، بينما غطى صوت الرعد والبرق على صرخاتها المذعورة، وكأن السماء تشتعل غضباً لشهودها على هذه الجريمة.
وبدم بارد، ضغطت السيدة بحذائها الصلب على أصابعها المرتجفة. صرخة أخيرة مزقت حنجرة الفتاة قبل أن تفقد آخر أمل لها بالنجاة، ويتهاوى جسدها مرتطماً بالصخور قبل أن يغرق في المياه الهائجة بالأسفل.
نظرت السيدة من أعلى الجرف بابتسامة خبيثة، متمتمة بحقد:
"-أخيراً تخلصتُ منكِ."
ثم استدارت عائدة نحو سيارتها، منشغلة بالتفكير في الثروة التي ستجنيها في اجتماع المحامين الليلة، وكأنها لم تنهِ حياة فتاة يافعة منذ لحظات.
في الأسفل، وحين خمدت ثورة المطر، طفا جسدها المحطم بسلام زائف فوق المياه الراكدة.
شعرها الأ**د يسبح حول وجهها الشاحب، وجفناها المطبقان يعلنان نهاية الحياة... أو هكذا بدا الأمر.
فجأة، ومن أعماق المياه المجهولة، امتدت يدان سحبتا الجسد بقوة غير اعتيادية نحو الظلام.
لم تكن عودة طبيعية للحياة؛ فلم يخفق قلب ولم تتحرك رئة، بل انتفض الجسد بقوة غامضة جعلت المياه تندفع من جوفه نحو الأعلى. انفتح الجفنان على وسعهما، لتكشفا عن حدقتين مريبتين..
إحداهما طبيعية، والأخرى سوداء كغسق الغابة، بينما تحولت خصلة من شعرها الأ**د إلى بياض حليبي صارخ، معلنةً ولادة شيء جديد من رحم الموت.
.......................................................................................
ليليانا:
همسات.. همسات وضجيج خافت اخترق مسامعي. فتحت عيناي بخمول، لأجد نفسي أحدق في سقف غرفة مهترئ، وما إن بدأت الوعي حتى تلاشت الأصوات فجأة وكأنها لم تكن.
شعرت بألم يفتك بكل خلية في جسدي. حاولت الاعتدال في جلوسي، فانطلقت مني آهة متوجعة؛ كان ظهري يتصلب كأنني كنت مسجاة لدهر من الزمن.
رمشت عدة مرات أقاوم دواراً عنيفاً داهم رأسي، محاولةً استجماع شتات ذاكرتي..اين انا..
كنت أجلس على سرير ضيق لفرد واحد، في غرفة غارقة في الفوضى والأدوات القديمة.
الجدران م**وة بالأتربة وخيوط العناكب التي نسجت بيوتاً ضخمة في الزوايا.
دلكت عنقي وأزحت الغطاء عني، وعلى ع** الغرفة الموحشة، كان السرير نظيفاً ومريحاً بشكل يثير الريبة.
نهضت متغلبة على وهن ساقي، مدفوعة برغبة عارمة لاكتشاف هذا المكان.. ولماذا غابت عني ذاكرتي فجأة؟
أثناء سيري، لمحت مرآة متوسطة الحجم، مشققة يغطيها الغبار على الجدار المجاور للباب. رفعت كفي لمسحها، فظهر وجهي الشاحب كالشبح.
وفجأة، ارتفعت يدي دون إدراك نحو خصلة من شعري بجوار وجهي.. كانت بيضاء ناصعة!
تسمرت مكاني.
لا أتذكر أنني لونت شعري يوماً، بل كان ذلك محرماً قطعاً في منزلنا!.
هل فعلتها وفقدت الذاكرة؟ اتسعت عيناي بصدمة.. عمتي لن تغفر لي هذا! ستغضب.. ستغضب لدرجة أنني لن أنجو منها هذه المرة.
حاولت بعبث دثر الخصلة البيضاء أسفل شعري الأ**د، وبحثت حولي عن مقص أو أي أداة لإزالتها، فلم أجد سوى الغبار وصراصير تفر في كل اتجاه.
اجتاحتني رغبة في البكاء، وداهمت جسدي حرارة مفاجئة. هل تخلصت مني عمتي؟ لا شك أنها فعلت!
فتحت الباب بيدين مرتجفتين؛ كان باباً حديدياً صدئاً أطلق صريراً موحشاً، وكان بارداً كالصقيع رغم حرارة الجو. هل باعتني لأحدهم؟ هل أنا في قبضة مجرم؟ أم اختطفت؟
خرجت إلى ممر طويل لا يقل سوءاً عن الغرفة، يبدو كمنزل هُجر منذ عقود.
اتجهت يساراً نحو ضوء ينبثق في نهاية الممر. وقفت هناك، وقد علقت الأتربة بقدمي الحافيتين، وجسدي يرتجف خوفاً لا برداً. الجو هنا خانق، كأنني على وشك الاحتراق.
"-هل هناك أحد؟"
سألت بالإنجليزية، لغتي الأم التي حافظت عليها أنا ووالدي رغم سنواتنا في أستراليا. لم أتلقَّ رداً، لكن الأضواء الحمراء الغريبة المنبعثة من الجدران جعلتني أوقن أنني لست وحدي.
"-هل من أحد هنا؟ أرجوكم.. أجيبوني!"
كنت على وشك الانهيار وأنا أتأمل ما يبدو أنها غرفة معيشة صغيرة جداً، لكنها بخلاف الممر، كانت نظيفة تماماً.
لفت نظري الأثاث العادي، لكن التحف واللوحات كانت غريبة.. ومخيفة.
اقتربت من لوحة صغيرة مشعة بألوان براقة وخطوط عشوائية، ورغم ألوانها الزاهية، إلا أنها بثت في نفسي موجة من المشاعر السلبية جعلت دموعي تنهمر بلا سبب.
التفتُّ للوحة الكبرى المجاورة لها، كانت مهيبة ومرعبة في آن واحد؛ رسومات لمخلوقات لم أرها في كتاب أو متحف..
كائنات تشبه البشر لكنها ليست منهم، وح*****ت غريبة، ورجال ونساء بملابس براقة وآخرون بأسمال ممزقة، يلتفون جميعاً في صفوف دائرية متشابكي الأيدي.
وفي منتصف اللوحة، كانت هناك فجوة تقف فيها امرأة بظهرها، يطير شعرها الأبيض حولها، وعلى رأسها تاج مدبب عجيب.
كانت تطفو قليلاً عن الأرض، بينما تحوم فوقها كائنات غريبة في السماء. ورغم رعب المنظر، شعرت براحة غريبة وأنا أنظر إليها.
وقبل أن أنتقل للوحة التالية، تجمدت الدماء في عروقي لسماع حركة خلفي. تصبب العرق من جبيني، واستدرت بصعوبة.. لم أجد أحداً، لكن ما رأيته جعل قلبي يتوقف. الممر الذي أتيت منه.. اختفى!
أمام عيني الآن مجرد جدار مصمت بارد كالثلج، معلق عليه لوحة بيضاء خالية من أي نقوش.
تحسست الجدار بذهول.. أين الممر؟ أين الغرفة؟ هل أنا مصابة بالحمى لدرجة الهلوسة؟ نظرت إلى باطن قدمي؛ كانت ملطخة بالأتربة.. إذن أنا لم أتوهم، لقد كنت هناك حقاً!
"-أين أنا بحق الرب؟"
تمتمت بشحوب.
في هذه الغرفة بابان؛ أحدهما كان مؤصداً بإحكام، فاتجهت للآخر وفتحته بغتة.. قابلني مطبخ صغير مظلم، تضيئه شعلات نارية برتقالية.
وهناك، رأيتها.. امرأة تعطيني ظهرها الأحدب، شعرها أحمر طويل وأشعث، وملابسها سوداء مهترئة. كانت تقف متجمدة تقطع شيئاً ما، وكأنها لم تشعر بوجودي.
"-مرحباً؟"
خرج صوتي بالكاد، وتشبثت يدي بالباب استعداداً للهرب. استدارت العجوز ببطء مميت، وحين رأيت وجهها، تيبست أوصالي. لم تكن قبيحة فحسب، بل كانت تبدو كمسخ من عالم آخر.. الهالة التي تحيط بها كانت تنضح بالخطر.
بدأت تقترب مني ببطء وهي تحمل فأساً بيدها. أردت الصراخ، الهرب، التحرك.. لكن جسدي خانني.
نطقت بصوت أجش وعميق:
"-نامي."
بمجرد نطقها للكلمة تلك، شعرت بجسدي ينهار، وداهمتني رغبة ساحقة في النوم، قبل أن أفقد الوعي تماماً.
.......................................................................................