في تلك الليلة الباردة والمظلمة..
مستيقظا بسبب صوت الرياح العاتية، فتحت جفوني المرهقة وأزحت عنها طبقة من التراب، ثم قلبت بصري وسط ذلك الظلام دون ان التمس فيه شيء، قلت في نفسي وأنا أحاول ان أتذكر الحلم الذي عشته
: -(ذلك الحلم.. آآه راسي يألمني ولا أستطيع تذكر أي شيء)
كانت اطرافي ترتعش من البرد وأسناني تستك ببعضها
: -(لقد اصبح الطقس باردا فجأة..)
نهضت من السرير دون ان اشعر بذراعي اليسرى كما ان قدماي كانتا تغرسان وسط التراب
: -(أشعر ان جسدي ثقيل جدا.. هل هذا تراب على الأرض؟)
..
وفتحت مصباح غرفتي حتى تفاجأت بمنظرها وقد كان التراب يملئ الأرضية حتى ارتفع على سطحها.. رسمت على ملامحي تلك التعابير المتعجبة
: -(اوي ! اوي ! .. ما الذي حصل هنا ! )
ثم وضعت يدي على راسي في حيرة، متحسسا شعري الذي ازداد طوله هو الآخر..
اخذت اسحبه وانا غير مصدق او مستوعب
: -(شعري.. منذ متى هو بهذا الطول.. سيجن الحلاق حينما يراه)
ثم مررت يدي حول ذقني
: -(ههه أيضا لدي لحية خفيفة.. مـ.. مهلا.. يدي.. لماذا لا استطيع..)
..
ثم نظرت نحو شمالي ولم أرى سوى ذراع قميصي المصفر يتدلى وهو ملطخ بالدماء.. ولم يكن هنالك أي اثر لذراعي اليسرى..
صرخت باعلى صوتي، وقد كان حلقي جافا جدا ما جعل صرخاتي لها صدى غريب.. سقطتُ على الأرض والدموع اخذت تتساقط من عيناي
: -(يـ يدي.. مـ مستحيل !.. كيف يعقل هذا ! )
..
دلفت بسرعة من غرفتي متوجها للحمام وقد كان هو الآخر في حالة من الفوضى، الحشرات تملئ الأرضية المتسخة، والمياه امتزجت مع التراب لتشكل طبقة من الطين كما ان المصباح كان يضيء ويطفئ من تلقاء نفسه..
فتحت صنبور المياه واخذت اغسل وجهي..
ثم حاولت ان افهم ما يجري وانا انظر في المرآة نحو شكلي الذي بدى اكثر سنا واكثر ضعفا بكثير مما اذكره..
حينها بات من الواضح لي انني نمت اكثر من مجرد يوم او حتى عدة أشهر..
: -كيف حصل هذا، هذا بالتأكيد كابوس ...مـ من المستحيل ان يكون منطقيا ! ما الذي جرى لي بحق الجحيم !
نطقت بتلك الكلمات بألم ثم خرجت من الحمام والحزن والارتباك قد اثقل خطواتي
: -انا متعب.. جائع وعطشان جدا.. أي نوع من الاحلام هذه.. هل يعقل انني في عالم آخر، او انني في قبري اتعذب او اواجه احدى الامتحانات..
مشيت في السطح بخطوات متقطعة حيث اصابتني موجات من الصقيع.. ثم حاولت النظر للبلدة من خلال السور و..
: -مـ ما الذي حصل !
كان الحي مظلما تماما وحتى مع النور الضعيف في السماء لم استطع ان اميز منزلا واحدا.. وبعيدا لاحظت أضواء ضعيفة كانت تبعث عن الراحة والأمان..
..
تابعت سيري وانا مشوش التفكير ونزلت عبر الدرج بصعوبة وكان الظلام حالكا..
توجهت للمطبخ، وبعدما انرت المصباح فتحت الثلاجة -والتي كانت تص*ر أصواتا مزعجة- حيث فاحت منها رائحة كريهة بدى مص*رها من علبة الحليب
: -(المطبخ في حالة من الفوضى وكل شيء فاسد في الثلاجة حتى علبة الحليب التي لم تفتح.. ربما الماء هو الشيء الوحيد الصالح هنا)
اخذت قارورة ماء وشربت كأسا.. وبشكل مفاجئ اذهلني طعمه..
كان مذاقه غنيا جدا..
وضعت الكأس جانبا ثم شربت من القارورة مباشرة حتى افرغتها
: -يا إلاهي، كما لو انني أشرب الماء لأول مرة في حياتي !
..
في تلك الاثناء ازداد الصفير في الخارج، وبدأت الرياح تصبح اعتى فأكثر..
ثم فجأة وبدون سابق إنذار ذلك الصوت الذي جعل الدماء تتجمد في عروقي وعضلاتي تتيبس مكانها..
طرقات قوية جعلت باب منزلنا الحديدي يهتز وصداه تردد ليضيف لحنا اكثر رعبا
: -( مـ من يكون هذا ! )
(يتبع)