أما الدموع فلا

3464 Words
كانت حقيبة كتف صغيرة هي كل ما قرر "عثمان" إصطحابه معه في تلك الرحلة القصيرة، حيث وضع بها القليل من أغراضه الشخصية تحسبًا لأيّ طارئ أغلق باب غرفته و هو يخرج متجهًا للأسفل بخطواته المهرولة، بينما يمسك بالهاتف بيده الأخرى مخاطبًا إبن عمه و زوج أخته : -قلت ماتجيش يا صالح إنت مابتفهمش ! .. كان لهجته ملؤها الحزم و الضيق -مش لسا قايلك إني نازل من البيت أهو و جاي لحد عندكوا ؟ .. و بعدين مافيش حاجة تيجي عشانها هنا.. مراد عندك في القاهرة و أنا كمان ساعتين تلاتة هاكون وصلت هاخدك و نروحله.. تمام.. أوك.. باي و أقفل معه، ثم أعاد الهاتف إلى جيبه ... لم يكد يجتاز الردهة المؤدية لباب المنزل، ليستوقفه صوت عمه الجهوري : -عثمـــان ! جمد "عثمان" بمكانه للحظة، ثم إلتفت نحو صوت "رفعت" قائلًا : -أيوة يا عمي ! رمقه "رفعت" بنظرة متفحصة و إقترب منه و هو يتساءل بلهجة لا تخفي إنزعاجه : -إنت رايح فين كده يابني ؟ أنا كنت طالعلك دلوقتي عشان أتكلم معاك بخصوص المصايب إللي بتحصلَّنا دي عثمان بفتور : عمي أنا عايزك ماتقلقش خالص و ماتشلش هم. سيبني أنا أتصرف و إن شاء الله كل إللي إت**ر هايتصلح في أقرب وقت رفعت بإستنكار : يتصلح إزاي يابني ؟ إنت ماعرفتش إن صاحبك طلق بنتي بالتلاتة رسمي ؟ خلاص مالهمش رجعة بدأ السأم ينال من "عثمان" أمام حديث عمه العبثي، أطلق ن*دة مطوّلة من عمق ص*ره ثم نظر إليه مستوضحًا بصبر : -طيب يا عمي.. لما حضرتك عارف حاجة زي كده المطلوب مني أنا إيه دلوقتي ؟! دهش "رفعت" من رده لوهلة، ثم قال بتوتر واضح : -يا عثمان أكيد الحل عندك إنت. أكيد إنت عارف كلام الناس و آ ا ... -خلاص يا عمي ! .. قاطعه "عثمان" بتفاذ صبر تمالك أعصابه من جديد و قال بلهجة أكثر هدوءًا : -قلتلك إطمن.. أنا هاتصرف و كله هايبقى كويس. عن إذنك بقى لازم أمشي دلوقتي و إستدار موليًا إلى الخارج يراقبه "رفعت" بنظراته القلقة ... ترى علام ينوي "عثمان" ؟ الوضع لا يطمئن البتة !!! _________________ غرفت "سمر" طبق العشاء الأخير و ناولت "ملك" إياه، فسبقتها الصغيرة إلى الصالة حيث طاولة الطعام.. فأحضرت هي الكؤوس و أبريق المياه، ثم ذهبت لتنضم إلى أخويها كان "فادي" يجلس كعادته مترأسًا السفرة الجديدة التي أوردتها "سمر" إلى المنزل منذ عودتها إليه، كان واجمًا و كئيبًا مثل المعتاد أيضًا، إلا إن وجهه الآن يعلوه تعبير إستغراب و إهتمام.. عندما لاحظ بأن أخته الكبيرة تتحاشى النظر إليه إنتظر حتى جلست أمامه و تحدث إليها بلهجته الباردة التي إكتسبها مؤخرًا : -إنتي كويسة يا سمر ! تجبر "سمر" على التطلع إلى وجهه الآن، تقسر نفسها على الإبتسام و هي تقول برقة : -آه كويسة يا حبيبي.. تسلملي يارب رمقها "فادي" بنظرة مشككة و قال بثقة : -لأ إنتي مش كويسة. إنتي فيكي حاجة متغيرة إنهاردة. من ساعة ما رجعتي من عند جوزك ! .. ثم سألها بقلق حقيقي : -يحيى تعبان و لا إيه ؟!!! هزت "سمر" رأسها نفيًا و قالت : -لأ يا حبيبي يحيى بخير الحمدلله. هي بس حقنة التطعيم إللي أخدها مأثرة عليه شوية زي كل الأطفال. بس بسيطة يعني مش لدرجة تتعبه يتنفس "فادي" براحة عندما طمئنته أخته على طفلها و يقول : -ربنا يديم عليه الصحة و العافية و يكون سند و ضهر ليكي في الدنيا يا حبيبتي سمر بلهجة عطوفة : -و يديمك في حياتي يا غالي. إنت بردو سندي و ضهري في الدنيا يا فادي دلوقتي و حتى من قبل ما أشوف إبني إلتوى ثغر "فادي" بإبتسامة ساخرة و هو يقول رابتًا على رأس "ملك" بحنان : -كنت يا سمر. إنتي مش شايفاني بقيت عامل إزاي و لا إيه ؟! .. و أشار نحو ذراعه المبتورة سمر بجدية : مالك ؟ ما أنت زي الفل أهو. مافكش حاجة فادي بتهكم مرير : -مافياش حاجة ؟ إحنا هانضحك على بعض يا سمر ؟ أومال عجزي ده تسميه إيه ؟! -ماتقولش كده إنت مش عاجز ! .. قالتها "سمر" بإحتجاج منفعل -ياما ناس كتير بيجرالهم أكتر من كده و بيعيشوا و يكملوا عادي جدًا **ت قصير..ثم قال "فادي" بلهجته اليائسة و هو يحدق أمامه في اللا شيء : -بس أنا غير يا سمر.. أنا كان عندي حسابات تانية خالص لحياتي و مستقبلي. كنت مخطط لكل هدف حتى لو كان هاياخد سنين.. كنت مكمل و أنا مرتاح. و فجأة كله إتهد.. في ثانية كل حاجة ضاعت. و خسرت سمر بإعتراض : لأ يا فادي. ماخسرتش و مافيش حاجة ضاعت .. ثم لانت نبرتها و هي تستطرد : -إنت بس إللي لسا مصدوم.. لما تفوق يا حبيبي هاتقدر تبني أحلامك و تحقق طموحك من تاني.. صدقني أنا متأكدة إنك تقدر يكبت "فادي" إنفعالًا سببته كلماتها، ليرد عليها بخشونة ملحوظة أجفلت أختهما الصغيرة : -بطلي تعيدي الكلام إللي مالوش أي لازمة ده يا سمر. مش لازم كل مرة أفهمك إني إنتهيت. إني إتفصلت من شغلي و عمري إللي ضيعته في الدراسة أصبح مالوش قيمة. و حتى لو حبيت أشتغل في حاجة مش في مجالي. مش هلاقي فرصة بحالتي دي.. يعني دلوقتي إنتي رجعتي راجل البيت ده يا سمر. رجعتي تصرفي عليه و عليا زي ما بتعملي طول عمرك. و أنا إللي بقيت راجل لكن في البطاقة بس ! كانت تشد بقبضتيها على شرشف الطاولة من الأسفل و هي تستمع إليه بقلب مثقل بالحزن عليه و عليها في آن.. حتى إنتهى، لتقول له بصوت به حشرجة خفيفة : -إنت أحسن راجل في الدنيا كلها. و بكرة هاتبقى كويس أنا مش هاسيبك إلا لما تبقى كويس فادي بسخط : يبقى عمرك ما هاتسبيني ! أرهبتها عبارته و بدا عليها الإرتباك للحظة، إلا أنها ما لبثت أن وارته بإبتسامة متوترة و هي تقول : -أنا في كل الحالات عمري ما هاسيبك طبعًا. بس أكيد في حاجات هاتفرق بينا شوية و دي سنة الحياة يا حبيبي عقد "فادي" حاجبيه متسائلًا بإقتضاب : -إيه إللي ممكن يفرق بينا مش فاهم ؟! تنحنحت "سمر" و تركت أدوات الطعام من يدها تمامًا، نظرت بعينيه قائلة بشجاعة : -أصلي بصراحة بفكر أخطبلك. أظن آن الأوان بقى ترتبط.. و لا إيه رأيك ؟ يتجهم وجه "فادي" و هو يرنو إليها **ت مريب ... إزدادت "سمر" إرتيابًا من ردة فعله الغامضة تلك، بينما يقول فجأة بمنتهى الثبات : -إنتي فكرتي في الموضوع ده عشان نفسك تخلصي من مسؤوليتي صح يا سمر ؟ توترت "سمر" بشدة عندما قال ذلك و ردت بسرعة : -لأ طبعًا إيه إللي إنت بتقوله ده ؟ معقول أنا هابقى عايزة أخلص منك يعني ؟ أنا كنت بفكر في مصلحتك يا فادي و قلت جايز الإرتباط يخفف عنك مشاعر السلبية إللي بتحس بيها و آ ا .. أسكتها "فادي" بإشارة من يده و لبث صامتًا لدقيقة ... إنتظرت "سمر" أن يرد عليها، لكنه لم يفعل.. إنما فقط أزاح الكرسي للخلف، و قام من مكانه و أدبر عائدًا إلى غرفته في هدوء شديد حدقت "سمر" في إثره و هي تشعر بالصدمة من نفسها.. إكتسحها الشعور بالذنب و جعل الدموع تقفز إلى عينيها من جديد.. كيف إستطاعت أن تقول لأخيها هذا الكلام ؟ كيف لم تنتبه ؟ منذ متى كان "فادي" غ*يًا كي لا يفهم قصدها ؟؟؟؟ رباه... أي جرح نكأت من جراح أخيها الآن !!! ___________________ بضاحية ما بمدينة القاهرة ... يصل "عثمان" إلى العنوان الذي بعثه إليه صديقه برسالة مقتضبة، يجد "صالح" ينتظره أسفل البناية المتواضعة ما إن رآه يترجل من سيارته حتى مضى صوبه مسرعًا و هو يهتف : -أخيرًا وصلت.. أنا واقف ملطوع هنا بقالي ساعتين و شوفت الزفت مراد و هو طالع. كنت هارتكب جريمة لولا مسكت نفسي يغلق "عثمان" سيارته وهو يرد عليه ببروده المعهود : -ياريت بقى تمسك أعصابك أكتر عشان لسا التقبل جاي. أنا ماكنتش عايزك في القاعدة دي أصلًا. ف ماتخلنيش أندم .. و مشى نحو بوابة البناية تبعه "صالح" مغمغمًا بغيظ : -إنت شايفني عيل صغير ؟ ماشي هاسيبك إنت تتكلم و أما نشوف أخرتها ! عثمان بضجر : شاطر. ورايا بقى من سكات ! دقيقتان و كانا قد وصلا إلى الطابق الأخير، حيث صارا أمام غرفة مشيدة بالطوب و الحجارة ي**وها طلاء مريح للبصر و يتوسطها باب خشبي مصقول غامق لونه كان الباب مفتوحًا عن آخره، لكن "عثمان" لم يرى شيئًا خلفه، مجرد ضوء أصفر مشع بالداخل، فسار للأمام يجاوره "صالح"، حتى صارا عند الباب تمامًا ... دق "عثمان" عليه و هو يمد رأسه مستطلعًا ... -سلام عليكوا ! .. صاح "عثمان" بصوته القوي آتاه صوت رجولي أجش على الفور : -و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته.. إتفضلوا ! مد "عثمان" ساقه و ولج و هو يحث "صالح" على إتباعه، رفع نظراته مستكشفًا، ليرى صديقه و رجلًا آخر وجهه غريب عليه، لا يعرفه إطلاقًا لكنه بدا سمحًا و إمارات الورع تتجلى على ملامحه العذبة الهادئة.. كانا يجل**ن أمامه فوق آريكة صغيرة بنهاية الغرفة الأشبه بغرفة مكتب أنيق و قديم الطراز، فتوقف "عثمان" عند نقطة معينة و أشار لـ"صالح" ليقف هو الآخر تطلع "عثمان" إلى صديقه الجالس هناك على بعد خطوات منه عابس الوجه متوترًا، و تساءل بجمود و هو يشير لذلك الشخص الغريب الذي يجلس إلى جواره : -مراد باشا ! ممكن أعرف مين الأستاذ ؟ و هنا يرد الرجل ذو الوقار و الرصانة المثيرة للإعجاب نيابة عن "مراد" المتأهب للإنفجار كبركان بأيّ لحظة : -أنا الشيخ أدهم عمران.. إتفضل يا أخي لو سمحت. كنا في إنتظارك ! في هذه اللحظة تبادل كلًا من "عثمان" و "صالح" النظرات و قالا في صوتٍ واحد : -شيخ !!! ............................. !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!! لم تنقطع "سمر" عن البكاء لحظة، بعد أن قام أخيها عن طاولة العشاء و إنسحب غاضبًا إلى غرفته.. أبت هي الأخرى أن تضع لقمة واحدة بفمها، و هربت إلى غرفتها أيضًا كانت "ملك" تجلس إلى جوارها على السرير الوثير الجديد الذي إشترته منذ عودتها إلى المنزل، لم تكن تعرف سبب حزن أختها أو ماهية الخلاف الذي دب بينها و بين "فادي" قبل قليل لكنها إستمرت في محاولاتها البريئة للتخفيف عنها، و لم تنفك تحتضنها من حينٍ لآخر و تمسح لها دموعها بأناملها الصغيرة.. ظلتا على هذا الوضع، حتى دق باب الغرفة فجأة ... إرتعدت "سمر" مكفكفة دموعها في كميها بسرعة، و صاحت و هي تحاول إزالة آثار بكائها كلها : -إدخل ! لحظة أخرى و ظهر "فادي" من وراء الباب ... -صاحية يا سمر ؟ .. قالها "فادي" بلهجة محايدة لم تجسر "سمر" على التطلع إليه و هي بهذه الحالة المزرية، خشت لو تنهار من جديد أمامه فتسوء نفسيته أكثر بسببها، فقالت بصوت شبه طبيعي و هي تتظاهر بالإهتمام بشقيقتها : -آه يا حبيبي. كنت هاسرح لملك عشان تنام.. إنت إيه جوعت أحضرلك عشا تاني ؟ **ت "فادي" و لم يرد عليها.. فتح الباب عن آخره و نظر نحو "ملك" و هو يقول آمرًا بلطف : -ملك لو سمحتي إطلعي إتف*جي على الكارتون بتاعك برا شوية.. عايز أتكلم مع أختك حملقت "ملك" فيه ملء عيناها، ثم نظرت إلى "سمر" التي إبتسمت لها ببساطة ثم أومأت لها بمعنى أن تذعن لطلب أخيها ... فعلت "ملك" ما قاله "فادي" و سرعان ما ركضت إلى الخارج بحماسة كي تشاهد أفلام الرسوم المتحركة الجديدة التي إشترتها لها أختها ... يغلق "فادي" الباب من ورائها، ثم يمشي ناحية "سمر" بثبات.. كانت لا تزال مشيحة عنه بوجهها، فجلس على طرف الفراش إلى جوارها و إنتظر لثوانٍ، ثم قال مباغتًا : -إنتي كنتي بتعيطي يا سمر ؟ هزت "سمر" رأسها نفيًا و غالبت توترها قائلة بصوت مختلج : -لأ أبدًا. أعيط ليه بس ؟ ربنا ما يجيب عياط و لا زعل يا حبيبي و شعرت بيده باللحظة التالية تمسك بذقنها، حبست أنفاسها عندما رفع وجهها ليقبض على نظراتها الدامعة بنظراته الثاقبة ... فادي بنصف إبتسامة : -عمرك ما عرفتي تكدبي عليا.. و لا هاتعرفي يا سمر تسيل الدموع من عينيها في هذه اللحظة لا إراديًا، فيفقد "فادي" تماسكه و يجتذبها إلى ص*ره بيده السليمة و يضمها بقوة، بينما أخذت تجهش بالبكاء المر بشدة، و كأنها تفرغ كل الحزن اللا نهائي بداخلها و لا تفلح بالتخلص منه.. أبدًا مهما حاولت ... -أنا السبب في كل ده ! .. تمتم "فادي" بصوت ملؤه الغضب و النقمة على نفسه -أنا السبب في كل إللي حصل من البداية. من يوم ما لومتك و إنتي مالكيش ذنب على ظروفنا و خليتك تروحي برجليكي للنار.. و لما ربنا سترها عليكي و بدأت حياتك تبقى طبيعية طلعت أنا في وشك تاني و بوظتهالك للمرة التانية بحجة عجزي. أنا مش عايش إلا عشان أخرب حياتك يا سمر. أنا بقيت متأكد أكتر من الأول إن حياتي مالهاش أي لازمة و لا وجودي له قيمة في حياتك أو حياة ملك غمغمت "سمر" منتحبة دون أن تفلت من بين أحضانه : -ماتقولش كده. أنا فداك.. فداكوا إنتوا الإتنين. أنا عملت كل حاجة عشانكوا. أنا ليا مين في الدنيا غيركوا بس ؟!! فادي بجمود : إبنك ! إبنك و جوزك يا سمر.. أنا آسف إني سرقتك منهم كل المدة دي. آسف إني كنت أناني و إستغليت الفرصة عشان أعاقب جوزك بيكي و نسيت إن إبنك هو إللي هايتظلم في النص. آسف يا سمر.. سامحيني على كل حاجة وحشة حصلتلك بسببي. جايز إللي جرالي ده عقاب من ربنا عشان أنا إللي جنيت عليكي و علينا كلنا ! -لأ يا فادي ! .. هتفت "سمر" من بين أسنانها معترضة إرتدت للخلف ممسكة بكفه بكلتا يداها و هي تستطرد : -إوعى تفكر في كده. إللي حصلك ده مقدر و مكتوب. مالوش علاقة بإللي حصل.. و بعدين أنا إللي غلطت. أنا إللي إتصرفت بغباء و ضيعت نفسي أول مرة. إنت مالكش دعوة بحاجة ! و تابعت بلهجة خاضعة : -و لو على إبني فهو مش لوحده يعني.. معاه أيوه و جدته. عايش وسط أهله أحسن عيشة. هاعوزله إيه أكتر من كده ؟ أنا مقدرش أتخلى عن حد فيكوا. لا عنه و لا عنك. عشان كده بحاول أكون معاه بإستمرار منغير ما أقصر في حقك يا حبيبي. أنا أشيلك في عنيا و في قلبي عمري كله إبتسم "فادي" لها، ثم قال و هو يحيط جانب وجهها بكفه : -أنا طبعًا مهما أقول مش هاعرف أوفيكي فضلك. متشكر أوي يا سمر.. أنا تعبتك معايا كتير و عذبتك كادت تفتح فمها لتحتج على كلامه من جديد، فوضع إصبعه فوق شفاهها قائلًا بصرامة : -إنتي لازم تسيبيني و ترجعي لجوزك و إبنك و تكملي حياتك إللي وقفت بسببي.. و قبل ما تردي على كلامي و تعترضي على أي حاجة قولتها. أنا موافق على حوار الجواز ده حملقت فيه مشدوهة، فأردف مؤكدًا إنما بلهجة لا تخلو من التهكم المرير : -شوفي كده مين دي إللي ممكن تقبل ب*روف واحد زيي. لو لاقتيها مش هاخبطها زي ما قولتي.. هاتجوزها فورًا ! ________________ جلس كلًا من "عثمان" و "صالح" إلى مقعدين متجاورين، بينما يجلس مقا**هما ذلك الرجل المهيب ذو اللحية السوداء الكثة المشذبة بعناية، و "مراد" الذي ما زال صامتًا حتى الآن و لم ينطق بحرف ... هذا السكون الثقيل قد بدأ يوتر الأجواء، حتى أن بعض تململ أصاب "صالح" و شعر بأنه قاب قوسين أو أدنى من فقدان سيطرته على نفسه.. إلا أن صوت المدعو "أدهم" سرعان ما برز قالبًا موازين الجلسة إلى صالحه فقط ... -منورين مكاني المتواضع يا سادة ! .. قالها "أدهم" بصوته القوي مزيدًا الترحيب بضيوفه رد "عثمان" التحية بنفسه و نيابة عن إبن عمه الغضوب : -بنورك يا دكتور أدهم. متشكرين أوي على حسن إستقبالك لينا و خاصةً إننا أغراب عنك أدهم معاتبًا بحليمية : -عيب تقول كده يا أستاذ عثمان. مراد ده يبقى إبن عمي حتى لو مش بنشوفه إلا كل كام سنة مرة .. و ضحك مكملًا : -و حضرتك تبقى صاحبه و صديق عمره زي ما حكالي. يعني تقريبًا بقيت مننا و علينا زي ما بيقولوا -صحح كلامك يا أدهم من فضلك ! .. صاح "مراد" بحدة فجأة تركزت الأنظار عليه، ليتابع بنفس الإسلوب : -الصداقة دي كانت في الماضي و خلاص خلصت.. أنا صحابي رجالة. مش زبالة و أنجاس زيه ! يتمالك "عثمان" أعصابه بصعوبة عندما سمع هذا الكلام يخرج من فم صديقه المقرب لأول مرة، بينما يلتفت "أدهم" نحو "مراد" موبخًا : -مراد ! إحنا قولنا إيه ؟ القاعدة دي إتعملت عشان نحل الموضوع مش نعقده و نجرح في الناس كده منغير ما نفهم كل حاجة كويس مراد بسخرية : إنت فاكر إن ده بيتجرح ؟ ده أبرد من لوح التلج. ده يجيبلك شلل و إنت قاعد صلى عالنبي يا أدهم إنت ماتعرفوش أدي أدهم بهدوء : عليه الصلاة و السلام.. يا سيدي طبيعي ماعرفوش و إنت تعرفه أكتر مني عشان صاحبك. بس لازم نتكلم و نتناقش بالمعروف. دي مش طريقة يا مراد إهدا عشان تفهم يقطب "مراد" جبينه بشدة مغمغمًا : -أنا مش طايقه. مش طايق أي حاجة تيجي من ناحيته. و مش عارف يا أدهم إنت **مت على القاعدة دي ليه ؟ ده واحد قذر عايش طول عمره في نجاسة و ق*ف و ماستبعدش أبدًا إنه يكون غوى بنت عمه و إنهم إستغفلوني هما الإتنين في هذه اللحظة لم يستطع "صالح" كبح نفسه أكثر، فقفز واقفًا لينقض على "مراد" بلمح البصر، فيكيل له الض*ب و اللكمات العنيفة ... يهب على الفور كلًا من "عثمان" و "أدهم" للحؤول بينهما، و رغم أن ذلك كان صعبًا بادئ الأمر خاصةً و أن "مراد" إستطاع أن يتغلب على "صالح" في لحظة و كاد ينال منه.. ألا أن "عثمان" حال دون ذلك و أمسك بتلابيب إبن عمه و إجتذبه بعنف صائحًا : -تعالى هنـــا ! إنت إتجننت ؟ إثبت. إرجع مكانك و إوعى تتحرك سامعنـــي ؟ يا إما تنزل تستناني تحت ! يتراجع "صالح" مذعنًا لأمر "عثمان".. لكن ما زال غضبه يتفاقم، فيدس يده يجيب سترته و يخرج قارورة الكحول الفضية التي يحملها دائمًا و بدون مقدمات يفتحها و يفرغ منها بقوة داخل جوفه ... بنفس اللحظة "أدهم" يترك "مراد" بعد أن ضمن سيطرته على نفسه، يلتفت فيرى "صالح" يتجرع هذا الشيء، فتجحظ عيناه و هو يصيح بلهجة مهددة : -إنت بتشرب إيه يا بيـه ؟؟؟ أبعد "صالح" القارورة عن فمه، لينقل نظراته بينها و بين ذاك الذي أطلق سؤاله الساذج بالنسبة إليه، ثم يرد بمنتهى البساطة : -تيكيلا ! -خمـــرة !!! .. هدر "أدهم" بغضب شديد -بـــراااااا. إطلعوا بـــراااااااا كلكوا !!! حاول "عثمان" أن يهدئ "أدهم" عبثًا لم يستطع التفاهم معه، إذ كان م**مًا على طردهم و بدا أن لا نقاش سيجدي معه.. ورغم شدة إضطراب "عثمان" إلا أنه أصر ألا يخرج من هنا إلا بالحل النهائي، فهداه عقله إلى تصرف يرضي مضيفهم ليلتفت نحو إبن عمه بوجهه المحتقن غضبًا، يدفع به إلى خارج الغرفة بطريقته الهمجية ليخفف من غضب "أدهم" عليهم.. و هكذا طرد "صالح" و أمره بالبقاء في الأسفل ريثما يهبط إليه، ثم عاد إلى المجلس الصغير و قال و هو يعدل هندامه الذي تشعث كليًا إثر هذه الفوضى : -إللي إنت عايزه ياكتور أدهم.. ماتزعلش نفسك. صالح مشي خالص. ممكن بقى نتكلم في المفيد ؟ أنا سامع ! أغمض "أدهم" عيناه مطلقًا زفيرًا مشحونًا و قال بجفاف شديد : -أستغفر الله.. بص يا أستاذ عثمان. إنتوا بصراحة ماتشجعوش على أي نقاش. لسا ردود أفعالكوا هوجاء و طايشين و ده ماينفعش. إذا كنت إنت و لا إبن عمي إنتوا الإتنين غلطانين ! عثمان بصلابة : أنا مش جاي أسأل مين الغلطان يا دكتور. أنا جيت عشان حضرتك كلمتني و قولتلي جايز الموضوع يتحل.. أنا عايز أعرف بقى هايتحل إزاي ؟؟؟ **ت "أدهم" قليلًا يستجمع عقلانيته كاملةً، ثم أشار نحو "مراد" قائلًا : -البيه ده لسا بيحب بنت عم حضرتك و عايزها و ندمان على إللي عمله. سيبك من كلامه ده. أنا متأكد من إللي بقوله هو بس كان رافض يصارحني عشان رجولته ناقحة عليه أوي ! عقد "عثمان" حاجبيه ممعنًا النظر بكلماته، تطلع إلى صديقه فوجده يجلس نفس الجلسة المتوترة و منكمشًا على نفسه بطريقة مضطربة ... بعد تأمله لبرهة بدأ يقتنع بأقوال "أدهم" نوعًا ما، لكنه عاد يقول له بجدية : -الكلام ده جميل. و من ناحيتي أقسملك بالله إن مافيش حاجة حصلت بيني و بين بنت عمي و إنها طول عمرها زي أختي. و طبعًا رجوعها لمراد شيء هايبسطنا و يريحنا كلنا.. بس إزاي يا دكتور ؟!! أدهم بجدية مماثلة : -ده إللي كنت عاوزك فيه.. مراد زي ما قولتلك رافض يصارحني. هو قالي إنه طلقها أكتر من مرة. بس بيلف و يدور عليا مش عايز يقولي كام مرة بالظبط -3 مرات يا دكتور ! .. أجابه "عثمان" بصرامة عبس "أدهم" قائلًا بلهجة متشددة : -متأكد ؟! أومأ "عثمان" : متأكد و هنا ساد **ت مريب، فتململ "مراد" قلقًا و رغمًا عنه تطلع نحو "أدهم" منتظرًا رده.. فلم يجعله ينتظر طويلًا ... -كده يبقى الموضوع منتهي ! مراد بتوتر : يعني إيه منتهي يا أدهم ؟!! نظر "أدهم" له و قال بصوته القوي : -يعني خلاص متحرمة عليك يا مراد. لازم محلل.. و المحلل عندنا في الدين لو بغرض الرجوع للزوج الأولاني محرم لقول النبي صلى الله عليه و سلم: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ»، -طيب ما هو زواج المحلل مش محرم يا دكتور ! .. قالها "عثمان" مستفهمًا إلتفت "أدهم" إليه، ليكمل موضحًا : -في ناس كتير بتعمل كده. أعتقد إنه شيء مكروه في الدين لكن مش محرم ! رفع "أدهم" حاجبيه مدهوشًا من تفكيره و جداله حتى بعد أن آتاه بالبينة ... أراد أن يبرهن له أكثر على صحة كلامه، لكنه أمسك بآخر لحظة و عوض ذلك قال بغلظة : -حتى لو ده ينفع.. أعتقد مافيش راجل يقبلها على نفسه ! عثمان بتساؤل : يقبل إيه بالظبط ؟ الجواز ؟ و مين الزوج و لا المحلل ؟!! أدهم بحدة : الإتنين. و بعدين ده مش مجرد جواز على ورق.. شروط المحلل عشان ترجع للزوج الأول ماتطلقش "حتى يذوق عُسيلتها و تذوق عُسيلته".. ده حديث عن النبي بردو مراد بقلق أكبر: -يعني إيه الكلام ده يا أدهم ؟؟!!! نظر "أدهم" إليه من جديد و فسر له بمنتهى الصراحة : -يعني المحلل ده لازم يدخل عليها يا رايق عشان ترجعلك ! جحظت عيني "مراد" بصدمة و ما لبث أن نقل ناظريه نحو "عثمان" و كأنه أخيرًا يناشده الحل و المساعدة ... إلا أن "عثمان" لم يكن هنا أبدًا، كان يفكر بعمق... بمسألة حساسة جدًا للغاية !!!!!!! .................... !!!!!!!!!!! يتبع ...
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD