سيدار ليست مدينة.
سيدار صفقةٌ قذرةٌ تم توقيعها في منتصف الليل، ثم نسي الشيطان أن يمزق العقد. وذاتُ الشيطان سيقع مغرماً رغم انهُ ينكر هذا حتى لنفسهِ لكن لديه صديق لا يخفى عليه ذالك البريق في عيني زعيم سيدار .صحفية ستغرقه بطبيعة لم يراها بإناث الثراء اللواتي خطٍ في عالمه فما القادم
من بعيد، تلمع. أبراجٌ من زجاجٍ تخترق السماء، أضواءٌ لا تنام، شوارعٌ تُغسل كل فجرٍ بماءٍ وعطر. يظنها الغريب جنةً على الأرض. لكن من يقترب، يشم رائحة العفن تحت العطر. من يعش فيها، يعلم أن اللمعان ليس نوراً، بل انعكاس دمٍ لم يجف بعد.
هنا، الفقراء لا يموتون جوعاً، بل يموتون نسياناً. أما الأثرياء.. فهنا يكمن الرعب الحقيقي.
أثرياء سيدار ليسوا رجال أعمال. إنهم قطيعٌ من الذئاب يلبس ربطات عنقٍ من حرير.
يبتسمون في الكاميرات بأسنانٍ بيضاء مصقولة، ويتصافحون بأيدٍ ناعمة، لكن تحت الطاولة، مخالبهم مغروسة في لحم بعضهم البعض. يتبادلون الأنخاب في الحفلات الفاخرة، ويتبادلون الجثث في المستودعات الخلفية. كل واحدٍ منهم يملك بنكاً، ومصنعاً، وجريدةً، وقاضياً في جيبه. يشترون كل شيء. الذمم، الأحكام، والضمائر بالجملة.
لا أحد يصبح ثرياً في سيدار بالعمل. تصبح ثرياً بأن تبيع شيئاً لا يُباع. أو بأن تسكت عن شيءٍ لا يُسكت عنه.
والقانون في سيدار أعمى، نعم، لكنه ليس أعمى بالتساوي.
هو أعمى تماماً حين ينظر إلى القصور، وحاد البصر كالصقر حين ينظر إلى الأكواخ. يمر من أمام بوابات الذهب وهو يتمتم: "لم أرَ شيئاً"، ثم يقف عند بابٍ خشبيٍ متهالك ويصرخ: "افتحوا، تفتيش". الشرطة هنا لا تحمي الناس من المجرمين، بل تحمي المجرمين من الناس.
لهذا، تعلم سكان أسيدار قاعدةً واحدة: الاحترام واجب. ليس احترام الأخلاق، بل احترام القوة. تخفض صوتك حين يمر موكبٌ أسود، وتخفض رأسك حين يُذكر اسمٌ كبير، وتدفع ما عليك وأنت تبتسم، لأن البديل هو أن تدفع روحك وأنت تصرخ.
سيدار مدينةٌ ذكية تتظاهر بالإغماء لتعدّ ما في جيوبك وأنت تحاول إسعافها.
تمد لك يدها كمتسولةٍ في النهار، وتسرق عمرك في الليل. تبيعك الحلم في واجهات المحلات، وتسلمك الكابوس في العقد المكتوب بخطٍ صغير. كل حجرٍ فيها مرهون، وكل هواءٍ فيها محسوبٌ عليه فاتورة.
ومن فوق كل هذا، من فوق الأبراج الزجاجية والذئاب الحريرية والقانون الأعمى، هناك من يراقب. لا يظهر، لا يتكلم، لكن الجميع يشعر به. كأن المدينة كلها مربوطةٌ بخيطٍ واحد، وطرف الخيط في يدٍ واحدةٍ لا تراها.
في سيدار، لا أحد يسأل: من يحكم؟
لأن السؤال نفسه.. جريمة.
فإذا كانت هذه هي المدينة.. فكيف سيكون شكل الشيطان الذي يحكمها؟
مكانٌ بعيدٌ عن أسيدار.
بعيدٌ بما يكفي لئلا تصلهم أضواؤها، وقريبٌ بما يكفي لئلا ينسوا رعبها. غرفةٌ حجريةٌ باردة، بلا نوافذ، وطاولةٌ مستديرةٌ من خشبٍ عتيق. حولها يجلس نخبةٌ من الرجال. وجوهٌ تعرفها الصحف، أسماءٌ تتصدر قوائم الأثرياء، أصحاب نفوذٍ يظنون أنفسهم رؤوساً.
كانوا يحدقون ببعضهم البعض.
صمتٌ ثقيل. لا كلام فوق ألسنتهم، ولا فكرةٌ في أدمغتهم يجرؤون على إلقائها على مسامع بعضهم. لأن إسقاط تلك الرؤوس الكبيرة في أسيدار.. غير ممكن. مستحيل. كمن يحاول إسقاط السماء بحجر.
قطع كبيرهم الصمت أخيراً. كان صوته يحاول أن يكون صلباً، لكنه كان يرتجف:
"اجتمعنا اليوم ونحن عازمون على إسقاطهم. انتهى زمن الصمت."
رد آخر، هز رأسه ببطء، وعيناه تائهتان:
"أجل.. عازمون. ولكن كلما فكرت، أشعر أنني ألقي بحجرٍ في لعبةٍ يملكها هو في أسيدار. سيحطمون الحجر قبل أن يلمس الأرض، وسيحطمون اليد التي ألقته."
صاح ثالثٌ بغضبٍ مصطنع ليخفي خوفه:
"ولمَ كل هذا الخوف والتراجع؟! نحن أكثر عدداً ومالاً!"
ابتسم كبيرهم ابتسامةً بلا روح، ابتسامة رجلٍ رأى حتفه من قبل:
"أتستهين؟ نحن نريد إسقاط الزعيم نفسه. ولكن إن وصلنا إليه، ستجد أمامه عزرائيل أسيدار. ستجد مارك."
ساد صمتٌ آخر، أثقل من الأول. مجرد ذكر الاسم جعل الهواء بارداً.
قال أحدهم بصوتٍ خافتٍ يكاد لا يُسمع:
"لمَ كل هذا الخوف من مارك؟ إنه رجلٌ واحد."
نظر إليه كبيرهم طويلاً، ثم قال ببطء، وكأنه يلقي عليه حكم إعدام:
"لو اطلعت عليه بنفسك لفهمت. لو وقفت أمامه مرةً واحدة في حياتك، لفهمت أنك لن ترى من مستقبلك شيئاً بعدها."
اقترب بوجهه من الطاولة، وعيناه تقدحان رعباً قديماً:
"مارك لا يتفاوض. التفاوض كلمةٌ شطبت من قاموسه. مارك لا يهدد، ولا يحذر، ولا يعد. هو ينفذ. حله الوحيد دائماً هو الرصاص. حركةٌ واحدةٌ من يده، إشارةٌ واحدةٌ لا تُرى، ويتحول جسدك إلى لوحةٍ رسمها الرصاص. لا رحمة، لا شفقة، لا حديث."
"إنه ليس حارساً للزعيم، افهموا هذا. الحراس يُستأجرون. مارك صديق. والصديق الذي يصنعه الزعيم لا يُشترى ولا يُباع. ولاؤه ليس بالمال، بل بالدم. وهذا ما يجعله أخطر من جيشٍ كامل."
"تظنون أنكم ستصلون للزعيم؟ الزعيم لا يُرى. الزعيم فكرةٌ، ظلٌ، قرارٌ يُتخذ في غرفةٍ مظلمة. أما مارك.. فهو اليد التي تخرج من الظلام لتقبض أرواحكم. هو العاصفة التي لا تطرق الباب، بل تخلعه بمن في داخله."
كانوا يبتلعون ريقهم بصعوبة. أحدهم مسح عرقه رغم برودة الغرفة.
"في أسيدار، هناك قاعدةٌ واحدةٌ تعلمها حتى الكلاب الضالة: يمكنك أن تسرق، أن تكذب، أن تخون الجميع.. إلا أن تخون طاولة الزعيم. لأن مارك لا يبحث عن دليل إدانة. هو الدليل، وهو القاضي، وهو التنفيذ في نفس اللحظة."
عاد الصمت ليخيم مرة أخرى، لكنه هذه المرة كان صمت جنازة.
طاولةٌ اجتمعت لتسقط إمبراطورية، فاكتشفت أنها مجرد فئرانٍ تجتمع في جحرٍ بعيدٍ لتسب الأسد.
وفجأة.. انطفأ المصباح الوحيد في الغرفة.
فمن الذي أطفأ النور، إذا كانوا قد أحكموا إغلاق الباب من الداخل بالمفتاح؟
فجأة.. اشتعل الضوء.
انتفضوا من أماكنهم كمن مسته نار. كراسٍ سقطت، أكوابٌ تحطمت، قلوبٌ قفزت إلى الحناجر. غير مستوعبين. كانوا قد أحكموا إغلاق الباب من الداخل، كانوا قد تأكدوا أن المكان بعيدٌ عن أسيدار، آمنٌ عن عيونها.
وإذ بالذي أمامهم يسحب كرسياً فارغاً ببطءٍ شديد.. ليجلس.
هو.
مارك.
لم يدخل من الباب. لم يأتِ من نافذة. كان هناك. كأنه كان جالساً معهم منذ البداية، يسمع صمتهم وجبنهم. أو كأن الظلام نفسه قد تجسد رجلاً.
كان يرتدي أسوداً كاملاً، وجهه هادئٌ حد الموت، وعيناه لا تلمعان، بل تمتصان الضوء. نظر إليهم نظرةً سريعة، باردة، نظرة رجلٍ يعدّ جثثاً لا رؤوساً.
ثم قال بصوتٍ منخفض، مسترخٍ، كأنه يلتقي بأصدقاء قدامى تأخر عليهم:
"تأخرت، أليس كذلك؟"
جلس على الكرسي. وضع ساقاً على ساق. وهم واقفون بصدمة. مشلولون. حتى أيديهم لم يقدروا على تحريكها نحو أسلحتهم التي تلمع على الطاولة. الرعب ليس أن ترى السلاح، الرعب أن ترى رجلاً يجعلك تنسى أنك تحمل سلاحاً.
مد يده ببطء، بلا استئذان، وسحب الخريطة الممددة على الطاولة. خريطة أسيدار. عليها دوائر حمراء، أسهم، وأسماء. خطة موت الزعيم. خطة إسقاط الإمبراطورية.
أخذ يقرأ بصمت. إصبعه القوي يتتبع الخطوط التي رسموها بعرقهم وخوفهم. ثم رفع حاجبه قليلاً.
قال وهو ينظر للخريطة وبعض الكلمات المكتوبة بخطٍ مرتجف:
"هممم.."
صمتٌ قصير، لكنه كان أطول من عمرهم كله.
"أهذه.. خطة موتي؟"
رفع عينيه إليهم أخيراً. وفي تلك اللحظة، فهموا معنى عبارتهم: "لو وقفت أمامه، لن ترى من مستقبلك شيئاً."
لم يكن غاضباً. لم يكن يصرخ. كان هادئاً، وهذا ما قتلهم.
"خطٌ رديء. خطةٌ أردأ."
قام بطي الخريطة بعناية، كأنه يطوي رسالة حب، ثم وضعها في جيب سترته.
"في أسيدار، هناك قانونٌ واحدٌ لا يُكتب. لا تجتمعوا باسمي. لا ترسموا موتي على ورقٍ رخيص."
وقف. لم يكن طويلاً فحسب، بل كان جداراً. ظله غطى الطاولة كلها.
"الزعيم لا يقتلكم لأنكم أعداؤه. بل لأنكم مملون. فاشلون حتى في الخيانة."
وضع يديه في جيبيه، واستدار نحو الباب المغلق، كأنه لم يعد يراهم. كأن الحكم قد صدر وانتهى الأمر.
"سأعطيكم دقيقة. دقيقةٌ واحدةٌ لتقرروا كيف تريدون أن تُذكروا في صحف الغد. كرجال أعمالٍ انتحروا من العار.. أم كخونةٍ لم يجدوا من يدفنهم."
لم يفتح الباب. الباب كان لا يزال مقفلاً من الداخل.
لكنه خرج.
وتركهم في الغرفة.. مع قنبلةٍ صغيرةٍ سوداء على الطاولة، ساعة توقيتها بدأت تعد تنازلياً من ستين.