ثلاثية طائر الفينيق. السوس

1870 Words
سارية من بورتسودان، سارية العزيزة هكذا تناديها سماح، ببنطالها الجينز وقميصها الرمادي، شعرها القصير الممشط كثمرة تبلدية متوسطة الحجم، وعيناها النافذتان إلى الأعماق بلا استئذان، قامتها المديدة الممتلئة، تذكرني بالأختين (وليمز) لاعبتي التنس الأمريكيَّتيْن السوداوين، اللتيْن حرمهما والدهما من المدرسة، لأنهما هزمتا في إحدى مباريات التنس، لونها أ**د براق، قلبها نابض مشع، تجذب الحب الذي تهزأ به من الجميع، يحفظه سوادها في قلبها المشع الكبير، تخاف عليه من أي شيء... ودوماً تردد: "قليبي خفيف وما بقدر على الهبباي في عز الصيف"،–سارية- -كيفك كويسة؟ -الحمد لله. -نحن عايزين منك خدمة، ممكن؟ -خدمة شنو؟ -ح نخليك تقرِّبي منها وتفهمي الحاصل بالضبط، وتطلعينا أول بأول. -لكن سعادتك؟ -ما تخافي ح نكون جنبك. -انت بت واحد مننا، أكيد والدك ماح يعرضك للخطر. أنا استشرتو قبل أسألك. موافقة؟ موافقة سارية ستساعدني كثيراً في متابعة الأحداث، وربطكم بها.في قضية الم**رات المتسربة للجامعة إبتسمتْ لتذكرها ذلك الحوار الأن، مضت السنوات سريعا، كم مضي من الوقت، علي هذة الأحداث نقلت من كليتي إلى الكلية التي فقد فيها طارق الوعي، لتناوله جرعة كبيرة من الم**ر الذي بدأ بإستحدامه حديثاً، دون أن تلحظ جيجي ذلك، جيجي التي عادت إلى الجامعة بعد عدة أيام من الحادث، الذي نُسي تقريباً بين العامة، وأنسته الشرطة لطارق ورفاقه، عداي حتى تمضي الأمور بالشكل المرسوم لها جيجي كانت اليد اليمني، لسهام عمر الإمام في توزيع الم**رات، بين زملاءها الطلاب في الجامعة، رافقتهاوساعدت الشرطة، تم القبض علي سهام في وكرها في جزيرة التمساح، وتم الحكم عليها بالسجن المؤبد، ومكثت فيه الي أن إندلعت الثورة، التي كنا نروم أن تقضي علي أدران السلطة والمجتمع، لتعود سماح، قامت الثورة، مازالت السلطة والمجتمع بادرانهما، لم تعد سماح، واصلتواصدقاءئي البحث عنها وسنواصل... 2 سماح ذات الموكب المهيب، الذي دعونا له كل أشجار الشارع، لتقف بجانبي الطريق، ظللنا نصفق لها بحرارة ونهتف باسمها، أُعجب منتزه المقرن بموكبنا، وقف هو وأشجاره الضخمة وأل**به المثيرة لعجب الأطفال، الساقية التي يسرق على متنها العشاق القُبل، عياناً بياناً دون أن يعترض أحد، ربما بدورانها هذا ينفلتون من المدار أو الرقيب، وغرفة الأشباح، أخرجت أشباحها التي اصطفت بأخلاق ملائكية، تستقبل سماح لحظة دخولها للخرطوم، استحالت الحافلة إلى حنطور ملكي يقوده سائق الحافلة، نزل جميع الركاب، صارت النساء منهن وصيفات، انضم الرجال إلى فرقة الحرس، تمدد شعرها من كتفيْها حتى آخر ظهرها، تمطت الطرحة الصغيرة لتكون وشاحاً مغربياً مُهدى من ملوك الجن هناك، إلى مليكة الإنس في أرض السودان، تغطت البلوزة والإسكيرت، بعباءة خليجية ضيقة عند الص*ر، مخصرة الوسط، ذات ذ*ل من الذهب الخالص، بعثت بها لها إحدى أميرات الكتابة الخليجيات، لما قرأت نصاً من نصوص سماح العجيبة، أخرج المتحف القومي كل ملكات النوبة القديمات، أهدينها من حليهن النفيسة، حتى الكنداكة أهدتها وعاء العطر المروي المُخَصِّب على شكل زهرة اللوتس، باركتها أماني شخيتو التي تحارب سرقة الآثار التاريخية الحاكية عنا وعن ثقافاتنا القديمة، أنا شخصياً لا أدري كيف تحورت شخصية سماح لملكة بين سطر وآخر، لا أستطيع إسماعكم صوتي لأن موسيقى القِرب تقترب، تتنافس مع أصحاب الكيتة على من يستحوذ على أكبر عدد من السامعين، بنات الأمبررو بنهودهن العارية وأعناقهن المشرئبة، تحتضن السماء تنزل منها عقود الس**ك، كحبات مطر، يرقصن، تطير الأجساد عالياً، تضرب الأقدام الأرض، ترسم الرحوط لوحة سريالية، تتخذ من الأشجار بظلالها ورقراقها خلفية مذهلة، الموكب يكبر، تنضم إليه كل فئات الشعب، عبد الدائم صاحب الدكان يسقي الناس اللِّويزو، حاجة خديجة تطعمهم الزلابية، الشماسة، الشعراء والجوعى وأبناء السبيل، تضمضمت الحقيبة اليدوية، صارت اسطوانية، تصولجت حتى تحملها سماح في يمناها لتحيي بها الشعب المنصور بمليكته، عفت عن المجرمين الذين في السجون، أمرت أن لا يكون بمملكتها جائع، فتحت كل المخازن والصوامع والمطامير، وزعت الأموال من بيت مال السودانيين، بعد أن أخذه خزنتها من اللصوص السارقين، قدمت صديقتها اليمامة فاصلاً موسيقياً بمسرحِ قاعة الصداقة، أبطال الأفلام الهندية اصطفوا ضمن الجاليات المحبة والصديقة، فُتحت بوابة القصر الجمهوري للموكب الملكي، عبر به عبور الذي لا يرى ما يلفت انتباهه، اهتزت أرضه تحت من يقطنونه والقائمين على أمره، انتفخت بطن الغول وداعب أنفه عطر سماح السمحة، لكنه فقد العجوز المنحوس أم منخاراً زيَّ الكوز، يوماً ما ستنفجر بطنه الكبيرة بعد أن تتقيح جروحه وتضحك عليه مندى بنت السلطان، الموكب يقصد جامعة الخرطوم العتيقة، ليشارك سماح فرحة نجاحها الميمون، وقفت والدتها يمينها على بعد شخص، تركت بينهما فراغاً. عينان في مكان ما كانتا ترقبان هذا الفراغ، والدها يسارها مباشرةً، هذا الطريق الذي سلكة موكبها. أما شارعنا اليومي فينتهي بالسوق العربي موقف أبو جنزير غرب الجامع الكبير، في الشمال الشرقي أراك هوتيل، الجنوب الشرقي مجمع الأوقاف، مكان طباعة البحوث وتصوير المذكرات، مراكز خدمات تقدم كل ما يحتاجه الطالب الجامعي، إلى الشرق المباشر للجامع، موقف مواصلات بحري، كافتريات تقدم الوجبات السريعة، كانت لنا مؤتنساً ومجلساً، نستقلها وبشارع الجمهورية نمضي إلى الشرق حتى نصل إلى الطريق المؤدي إلى الجامعة، نعبر أمام داخلية الأولاد التي تقفل شارع كلية الدراسات الإنمائية، هكذا يسميه الطلبة لست طالباً لكني أرافق سماح، دخلنا من البوابة الجنوبية المقابلة للشارع، سبقنا الموكب كنا في انتظاره مع المنتظرين، وقفت مسلة عبد الفضيل ألماظ تنظم الناس حتى تتمكن الملكة سماح من العبور بحنطورها الملكي المسحوب بخيوله العربية الأصيلة، استأذنت الملكة، وقف الموكب، أسرت لسائق الحنطور في أذنه، أن عليه الاتجاه جنوباً حتى يقاطع شارع الجمهورية، ثم شرقاً ثم شمالاً، لأن شارع الجامعة أحادي الاتجاه، وصلنا الموكب، والتقت السماح الملكة بسماح الطالبة اندغمتا، لا حول ولا قوة إلا بالله، لكم أتعبتاني... ضاعت سماح وتغيرت معالم شارعها الذي كانت تسلكه 3 قالت لي سماح ذات مسامرة، لماكنا عائدتين الي منزلهم بعد نهاية يوم دراسي، تلبية لدعوتها لقضاء ايام الإمتحانات معها بدلا عن ضجيج الداخلية، أن سامي هو أخوها الأكبر كان ييامن والده منذ صغره حتى أتت هي، أزاحته من مكانه الذي يحب، وصفته بانه قليل الكلام متعجرف، يفكر في نفسه فقط، يبغض سماح، ينتظر تخرجها حتى يكمل مراسم زواجه، هكذا قرر والداه... علمتُ بعدها أنه تزوج من مخطوبته، وسكن في إحدي ضواحي الخرطوم الجديدة الأرستقراطية، نسي أهله لم يكن له أصدقاء منذ وُلد، لم يعمل بشهادته في القانون كما أقفل مكتب المحاماة الذي أوكل له والده مهمة الإهتمام به والمواصلة في سيرة أبيه الثرة في المجال القانوني، رأي في ذلك إضاعة للوقت، دون جدوي، إذ انه لا يجعلك في الواجهة الإجتماعية مع وجهاء المدينة، ولا يوفر لك الدولارات الخضراء ذات الألق المميز، هذا هو تفكيره منذ صغره، لم يري والده أحمد عبد الرحمن فيه غير الأناني والإنتهازي، لم يتفاءل به خيراً، كان عندما يتذكره تدمع عيناه، يتمني لو يستطيع الرجوع بالتاريخ للوراء ليعيد صياغة المعاني في فهمه وتفكيره، وأن يعلمه ان الحياة ليست مادة فقط، وان بها من الأحاسيس والمشاعر الإنسانية مايغني عن المال، وأن المال وسيلة من وسائل الحياة المختلفة، وليس غايتها، تحت شجرة النيم العتيقة التي هرمت يتذكرهم جميعاً، السماح التي ضاعت ، سامي الذي نسيهم... سامي هو ذاته الذي انتهرني في إجتماع الصحيفة اليوم، بصوته المستفز أمرني أن أغلق الباب؛ وان اجلس في أقرب مقعد، جلست؛ تحدثوا كثيراً، لم أسمعهم ؛كات أفكر في كلام أستاذها عن إنصهار المعادن؛ وضرورة حصوله لحدوث تشكل جديد ي**ر جمود المتعود، لتاخذ الحياة شكلاً مغايراً يتماشي مع الآني الجديد والحديث من مفاهيم، عن الحياة، الجمال، الحب، الموت... الأمركان كانوا مرعوبون من الموت،عيونهم بها هلع كل العالمين، وهم يتابعون السقوط الرأسي لبرجيهم، كأنهما مخلدين أو من الثوابت التي يستحيل تغيرها وهي لذلك كانت، للديمومة يخلدان وتخلد دولتهم، الي الابد ولكن للأيام نبؤة أخري تحملها علي طيات أوراق البردي... إنتهي إجتماع اليوم، دون أن نسمع صوت الأستاذة هناك، قرب الباب أخر الحاضرين أخرجني صوته من شرودي، عدت مشدوهة بينما القاعة كلها تنظر الي.. أنا نعم؛ لاجديد عندي؛ فقط أجمع المعلومات عن تحقيق 11 سبتمبر إعملي إذن، ودعينا نتابع معك ما تتحصلي عليه من معلومات حاضر... 4 سمير يحب سماح، يري انها جزء أصيل من أسرتهم، لم تغير حقيقة انها لقيطة، من شعوره إتجاهها، الذي مازال يبحث عن ذاته هناك في بلاد الصقيع... 5 سامح صغيرهم المدلل الذي خيب أمل والدته في فشله وصار ناجحاً، وهو من يحمل مسئوليتهم الأن ويعمل علي أن يكون هو كل الذين فُقدوا، ويشغل كل الفراغات التي تركوها ، سامي بانشغاله، سمير بهجرته، ثم أخيراً كيف يشغل الفراغ الذي خلفته سماح في نفسه هو أولاً، ثم في نفس والديه، يتذكرها يأتيه صوتها، وهي تعبر الفراغ تحت شجرة النيم قاصدة الباب خارجة ( أنا شلت مصاريفك، دبر حالك) يركض خلفها شاتماً، تناديه والدتهما الأستاذة عواطف من العريشة التي أمام المطبخ (خليها بد*ك مصاريف تاني) يتمتم متوعداً، تزجره أستاذة عواطف، تطفر دمعة في عينيه، تترقرقان، يعود من ذكرياته وكله أسي أين انت ياسماح؟ هل فعلاً صرت ذكري مقسمة في نفوس من عرفوك وأحبوك، أم عمي النيل ورفاقه ملوا البحث عنك فإنفضوا كل الي حياته؛ كما فعلت أنا تخاذلت عن البحث عنك، نحن نعلم انك انت الحياة ولا حياة دونك ولكن ما الذي يمنعنا من البحث عنك؟ هنا ضحك المالعنو هو الآن ساهم سارح بعد أن غادرته تلميذته التي فتحت عليه نيراناً من الأسئلة وذهبت لحال تحقيقها،سامح اخ سماح الذي يكبرها مباشرة، حمل هم والديه وغلبه الحزن علي ضياع سماح ففضل أن يحب ماكانت تحب من القراءة والإستذكار ودفن رأسه في الكتب تدرج الي أن حضر الدكتوراة في العلوم السياسية وهو الآن يشرف علي بحث سارية لنيل درجة الماجستير هو أستاذي في الجامعة والمشرف علي رسالة الماجستير التي أُعدها، حتي أناله، أول ماقصدني رئيسي في قسم التحقيقات بصحيفة الخبر التي أعمل بها، بهذا التحقيق الممل والصعب، خططت لإستطلاعه، ومازال يساعدني في بحث الماجستير ويتابع معي تفاصيل التحقيق... 5 زارت استاذة عواطف سامح في مكتبه في الجامعة، ليذهبا معا لإتمام بعض الإجراءات التي تخص أمر معاشها بعد نهاية خدمتها في مصلحة السجون، وبينما هي تحتسي فنجان قهوتها ، دخلتُ المكتب نظرت اليها، تفرست في ملامحي،لم أتواني لحظة في ان أرمي بشوقي لسماح، في حجر الأستاذة عواطف التي لم تستطع أن تضبط مشاعرها، وهي تحتويني تشمني،كام تبحث عن عرق مولودها الخديج، بين ثنايا الروح التي تضمها، تقبلني تبعدني عن حجرها تنظر ملياً في عيني وتعيد الكرة ، تحضنني تستنشق عطري، عساها تجد رائحة إبنتها عالقة بملابسي، تهدآ تسلم عليّ، تتذكر أياما خلت لي في منزلهم، لم اكن أتردد كثيرا علي منزلهم نسبة لأنني من بورتسودان، لكن حتي المرات القليلة التي قابلت فيها استاذة عواطف كانت كفيلة بان تخلق جسرا متينا من المودة والإلفة وبعض الذكريات... حضر سامح الي مكتبه، وجده مغموراً بالحب والأنس والأسي، كانت روحها حوله مذ خروجه من المنزل صباحاً، دخل سلم علي سارية طالبته المتميزة ذات الأسئلة العميقة، ظن ان الألفة بين والدته وسارية وليدة لحظة التعارف الحالية، جلس خلف منضدته اراد ان يعرفهن علي بعضهن بشكل رسمي، وجدهن يتجاذبن أطراف الحديث، فعرفته والدته بسارية بشكل مختلف انت ما تذكرتها ياسامح نظر الي سارية ملياً هز رأسه نافياً دي سارية بت بورتسودان الاستضافت ناس سماح هناك ونسقت ليهم الرحلة بتاعت التخرج... صمتوا جميعا سالت الدموع خلسة سارية ياخالتي عواطف وصيهوا علي عليك الله، يلا ربنا يسهل عليكم مشواركم يا استاذ سامح بمر عليك بكرة خطواتها تبتعد خارجة يلحقها صوت استاذة عواطف ماتتقطعي مني، تعالي أشربي معاي القهوة في البيت ترد بصوت مبحوح إن شاء الله 5 اتسعت ابتسامتها، ظهرت أسنانها ذات الناب الأيسر المردوف، خلبت لبه، أسكرته الشفاه القرنفلية الممتلئة، قبل أن يقول: أنا أحمد من بحري. فكت يديها عن بعضهما، هوت بكفها الناعم على كفه الرجولي، سرب كهربائياته إليها... قالت:مزن من **لا. هو ما يزال في التلة، هي في الحافلة التي تقلها من بحري، حيث داخلية إبراهيم طلب الشهيرة بدار شوشو.. والأسئلة تطاردها ماذا يريد في هذا الوقت؟ كنت معه حتى عصر الأمس لماذا لم يقل ما يريده؟ أنا لا أحب الخروج في العطلات، هو يعلم ذلك لقد جن، تردد هذا داخلها. ينظر إلى ساعته، تنزل الحافلة راكباً وتقل آخر، إلى أن فارقها عصراً، لم يكن يعلم أن حملة من الاعتقالات، استشاطت وأن الخرطوم محتقنة حد الانفجار، أنه يتعين عليه الاختفاء من حياتها نهائياً، وإلا فإنها ستؤذى أذىً مستطيراً، علم بكل هذا في اجتماع الأمس منتصف الليل بمنزل الدكتور بحلة حمد، أتى بعد الفجر، ترك لها مكتوباً، مع المشرفة على الداخلية، لتقابله ظهر اليوم، شرع في ترتيب أمر هربه إلى أن تهدأ الأوضاع قليلاً...
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD