عليها بصديقتها- لما شمت العطر أفاقت، ولما رأت نفسها بين أحضان حسام، أغمي عليها مرة أخرى، ومرة أخرى استعانت أمل بالعطر. أفاقت.
ظن الجميع أنها فرحة بنجاحها ونيلها الدرجة الممتازة، وكان حسام هناك ليبارك لها التفوق و.
إلا أنها.
أنا وأنتم من يعلم لماذا أغمي عليها.
بعد التهاني والتبريكات، وبعدما ذهبوا إلى الكافتريا، دعا حسام الجميع على نخب النجاح في الكافتريا الجديدة الفارهة المطلة على النهر، تفرق الأصدقاء على المناضد وظلا وحدهما، هامت بعيداً، ناداها: سماح سماح. لم تعد من غفوتها تلك، لمس أصابعها بحنوٍّ، في المرة الأولى لم تجبه، أعنته، ناديتها هامساً في أذنها: استيقظي حسام يكلمك.. عادت نعم أنا آسفة.
أين كنتِ؟
لست بعيدة
كنت عند شاطئ عينيك. أهالته إجابتها.. كيف وصلت؟
لا أدري؟ لكني وصلت
بالله عليك خبريني
تسلقت أهدابك القوية المتراصة هذه، سوادها أعانني على التخفي من بؤبؤ عينيك، متلصصة كنت على من يقبع داخل هذه العيون العسلية الآخاذة التي تسلب القلوب، للأمانة كانت المساحة ضيقة لكني تسللت، وجدت رمال بنية تحيط بواحة عسل نقي، كادت أنفاسي تنقطع ويدركني العطش لولا ارتشافي رشفتين من عسل الواحة
غافلتك أليس كذلك؟.
لم تتخفَّ من بؤبؤ عيني، رأيتك ولكني أردتك أن تواصلي المسير، أنا من أذنت لك بذلك.
هل أفلح تلصصك؟
نعم علمت من يسكن في ذاك الشاطئ المخملي - كان يحضن أناملها بين أصابعه، أصابتني بعض الغيرة لكن.
من؟
يكفي أني علمت
والآن ما رأيك؟
الرأي لك.
أنتظر إجراءات تعيينك كزميلة لي في القسم، وعندها تصبحين ذات رأي لدى أهلي وأهلك، لأن للعمل قدسيته، وعندها أتقدم لخطبتك بشكل رسمي، لترتسم لوحة زاهية لمستقبل مشرق.
بعثت بها كلماته إلى عوالم وردية، حسام الشاب الوسيم طوله نخلة باذخة، ثابت كطود، أ**د كعود الأبنوس، ذو صوت عميق يبعث به إلى روحها مباشرة، يزيل حواجز المسافة والأذن وطبلتها والمخ.. ليصل من روحه إلى روحها، تتخاطب نيوترونات الأرواح الخفيفة؛ بلغة ليس كلغتنا اليومية المدركة، تتحدث بلغة الله، لغة الحب، لغة يمثل الحرف فيها ألف معنى ومعنى، تسابيح
تراتيل
ترانيم
ياه.
الآن فقط تنفست الصعداء، هدأت روحها المتعبة من طرح الأسئلة وتوقع الإجابات، لم تعد تتهجس من مقابلته، لن يغمى عليها إن وجدت نفسها بين أحضانه، خرجا ويده تحتضن يدها، دفء بحثت عنه كثيراً، لم تجده إلا الآن، كان موكبها الملكي ينتظرها ليحمل الخبر الأكيد، إلى أهل الديار، إلى أمدرمان، لقصر الشباب والأطفال، بوابة عبد القيوم، الطوابي، المهدي الإمام والأنصار، الأسماك الموردة والعباسية وحي الضباط كلهم، الروح بنسماته الصباحية، اليمامة الهدالة، ميدان الشهداء بشهدائه وسياراته وكمسنجيته، دكان عبد الدائم الذي تركه ليلحق بالموكب، عنقريب حاجة السيدة، النيمة العتيقة الرؤوم، غرفتها الطينية الم**وة بالطوب الأحمر، الستائر وسرير الدبل، الذي ما إن استلقت عليه حتى بارك لها نجاحها، ضمها بحنو ثم بارك لها حبها، كل من مرت عليه، ضمها مثله حتى الفراغ الكائن بينها وأمها الست عواطف فعل ذلك.
ترتبُ الجامعةَ رحلةً سنويةً لطلابها المتميزين، يزورون فيها مدينةً من مُدنِ البلادِ المختلفةِ، في اليومِ المحددِ، تجمعوا عند محطة السكة الحديد بالخرطوم بحري، ركبوا القطارَ المتجةِ إلى الشرقِ، استغرقت الرحلةُ بِضعاً وعشرين ساعةً، مررنا أثناءها بشندي ديار المك نمر، وعطبرة بلد الحديد والنار، ومسمار محطة صغيرة من محطات السكة الحديد، وهيا المينة الموحشة، وجبيت الحامية العسكرية، وهي من أهم مراكز تدريب الجيش في السودان، منها دخلنا مدينة بورتسودان، مر وقت ليس قليلاً بعده، كنا نُنزل متاعنا ونستعد لإقامةِ مؤقتةٍ، ضيوفاً كراماً على مدينة كريمة.
طابَ لهُ المُقامَ بين فخذيها المتباعدين بفجورِ غراء فرعاء مصقول عوارضها، لا تمشي لأن حياتها تنقضي إن غادرته.
منذُ متى وهو مقيمٌ هنا؟
أَظنهُ منذَ أن انشقت الأرضُ واتخذَ الماءُ إلى نفسِه سبيلاً في الأخدودِ، وسمي ببحرِ القلْزم، كانت هي مدينة داعرة، تستقبلُ الذاهبَ والغادي من كلِ بقاعِ الدُنيا، من الهندِ الأقصى إلى أقصى غربِ الصحراء، من فاسِ الما وراها ناس، دون أن تُغفل الشُّوام والأغاريق واليمانية الذين قصدوها عبر البحر، هو من حُراسها وسدنتها، أتوها متاجرين وسائحين، وضعوا بصماتَهم عليها وعلى ساكنيها، اختلفت عن كلِ مُدنِ أرضِ السودِ، تعالت عليهم لأنها الوحيدةُ المطلةَ على البحرِ، الميناءُ الأوحدُ، بانت على قسماتِها ملامحِ المُدنِ الساحلية مدن الشواطئ والحكايات.
ألا ترون أن اليابسة تحنو عليها، حنو الأم المرضعة على رضيعها المدلل في مهده، ترضع لتَشبع هي وتُشبع أمها الأرض الرؤوم، التي تحيطها بسلسلة جبال دائرية، تحبها وتحميها.
أنا أقول إنها طَفلةٌ داعرة بينما سماح تصر على أنها طِفلة مدللة، لا فرق، لأنها في كلتا الحالتين جميلة، لون البحر أزرق يتدرج لونه حتى يكون أ**د، لكن الماء سائل شفاف، ألا يشمل هذا التعريف ماء البحر؟.
بلى، لكن البحر يع** زرقة السماء التي فوقه، وتسهم طبقات الأرض تحته في تدريج زرقة السماء على سطح البحر، لذلك يبدو لكم كما ترونه، بُهرنا به كثيراً.
غاص ماجد في أعماقه وهو يقف على صخرة قرب الماء، تتحطم على سطحها موجات البحر، الشمس تداعب سطحه، تغوص داخله، إلى أن تتلاشى شعاعاتها، تحاول ذرات الماء فعل ذلك، عندما تعلو مع الموجات للحاق بالشعاع والوصول به إلى حيث الشمس لكن هيهات، فتعود خائبة، تضحك عليها الشعاعات، يلتقيان عند قدميه، اللتين أصبحتا صافيتي اللون بفعل ذلك التلاقي، خرج من أعماقه وغاص في أعماق البحر، ثم خرج صوته من عمق جب بعيد سائلاً:
عارفين البحر ده بشبه شنو
أها قمنا لي عينك الحارة دي
مالكم البحر بنشف كمان
ما حينشف، بشبه شنو؟
بشبه توب الشيفون
لا إله إلا الله –كان التعليق السابق لحسام–
أخيراً نطق حسام، خاصمني بالأمس لما جلست مع ياسر، بعد أن هرب منه الجميع من أحاديثه الفارغة، كما أن الجميع تشاءموا منه، مضى برنامج رحلتنا كمت اتفق عليه، حتى لحق بنا، نفقت مؤنتنا، انقطع اتصالنا بالجميع، سادت الفوضى المدينة، من كل ما سبق، تأكدت من أن استبعاده من مجموعة الرحلة لم يكن من فراغ.
حسام يفهمني أكثر من فهمي لنفسي، لكنه من وقت لآخر يدعي عدم فهمي، ويختلق بعض الإشكالات، أنا لا أثنيه عنها ـ ربما احتاج لأن يبعد عني قليلاً.
وصلنا بورتسودان منذ يومين، ومنذها وأنا أحس شيئاً ما يجري في دهاليز روحه، فكرت فيه وتساءلت عنه، قلقت عليه، لكن عند سماعي لصوته مهللاً، بعد سكوت دام طويلاً، معلقاً على تشبيه ماجد، أثلج ص*ري بعض الشيء.
سماح سماح، نادتني أمل صديقتي الحميمة الرزينة، قلما نتفق في الصفات، شعرها خمري مسترسل، متوسطة الطول، تصلِّي بخشوع، وتخاف أن تسأل لمن تخشع ولم، تخاف الأزقة والكلاب، تحب محمد، تشفق عليَّ من عفويتي الشديدة، تحايلنا عليها وعلى ذويها لتنضم إلى مجموعة الرحلة.
مالك سارحة وين؟
لالا بس البحر سرقني
أخاف أن ألتفت يوماً ما فلا أجدها، فهي نسمة مشاغبة حبيبة إلى نفسي، لا تهتم للصغائر لكنها ناصحي الأمين في المواضيع الجسام، تستعين بالله من فترة لأخرى، أظنه يحبها لأنها تحب الناس ويحبونها. سابحتان في تفكيرهما، أمسكت كل منهما كف صديقتها ومددتا الخطى على الشاطئ الرملي، تلمستا جماله بأقدامهما الحافيات، في ذات اللحظة تصاعدت رغبتيْهما في الحديث، وتفوهتا قائلتين:
بتفكري في شنو؟
-أجابت أمل- أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي، اشتقت إليهم.
رغم أنك فارقتِيهم ثلاثة أيام بس.
لكن دي أول مرة.. ما تضحكي فيني، وما تستخفي بي.
عارفاني ما أنا البستخف بالناس.
طيب ليه بتستخفي بمشاعر حسام؟
لم أستخف بمشاعره، كل الذي جرى أني تصدقت على مسلم بصدقة، جالسته لما فر منه الجميع، أهذا يوقف الدنيا ولا يقعدها؟
ربما احتاجك في تلك اللحظة بالذات.
أتظنين ذلك، تداعت تلك الكلمات قاصدة أذن أمل، بينما ركضت هي قاصدة حسام ورفيقه اللذيْن كانا يتجادلان.
دوماً أنت لا تثق بالنساء وتعاملهن كأعداء، مرات عدة، تناقشنا في هذا الموضوع، وفي كل مرة ينغلق باب الحوار بيننا، وأنت لا تغير قناعاتك الخاطئة تلك.
لماذا لا تجيب علي؟
لن يجيب عليك –سماح.
أنت تعلم ذلك وتصر على مضايقته، أتيت حتى أعتذر، أظن أنني أخطات.
أمسكت يده وسارا، في الطريق المعا** من الشاطئ، تركت أمل خلفي دون أن أنذرها بحركتي لا أحتاج لاستئذانها فهي تعلم.
رعشة سرت في قلبي لما أمسكتني، حاولت ردعها وإثناءها عن احتياجها لي، لم تعرني اهتماماً، انسربت عبر أوصالي، خدراً لذيذاً، تراص في صف منتظم، امتد من قلبي حتى أطراف أناملي، تدفعه الرعشة، آمل أن لا تصلها.
عبثا ً كان يحول بيني وبيني داخله، كنت أبعث له بالتحايا والحب، أخبرته عن النعمة والدعة، التي أعيش فيها داخله، وكيف أنه يرعاني، ويعتني بي ولكنه يجتهد في إبداء ع** ما يحدث، تصاعدت رعشته دافعة بالخدر اللذيذ، خارجاً من أنامله منتقلاً إلى أناملي في حركة أيونية، اجتذبتها النواة عندي، وصلت بها إلى مركزها، تكاثف إحساسي بها ومضت، غشا الوميض عيني، غافلني هرب عبرها إليه، هزمني داخلي، هزمته داخله، غفر لي تأبَّطني، تذكر رفيقه الحانق على النساء، التفت إليه، بدا له شبحه سراباً..
عبرنا الجسر الإسمنتي الممتد داخل الماء كلسان، ألفينا أمل ومحمد عند نهاية الجسر، وصلا دون أن ننتبه لهما، كنا نتبادل نخب الغفران.
هذا الجسر نشاز هنا، لأنه مصنوع بيد مخلوق، أرى أن لا يتدخل المخلوق في صنع الخالق مقلداً.
ألم يضايقكن؟ بل يضايقنا فمثلاً، أنا كنت جزيرة مرجانية كبيرة وجميلة، اغتالوني وأزاحوا عني أخوات حميمات، ليحل محلهن هذا الجسر، يقتلون الأحياء ليقيموا جسوراً، تضاءلت وانكمشت إلى قلب البحر، بعيداً عن شعاع الشمس، التي كانت تمدني بلوني البرتقالي المقرمز هذا، ترونه باهتاً لم يكن كذلك لولا تدخلاتهم، حاولت جاهدة الحفاظ على المتبقي منه.
بحثنا عنها لنساعدها ونمدها بما تتحتاجه من ضوء، إلا أن عبورنا للماء حتى ندركها، ي**ر أجزاء كثيرة من درجة لونك الذي تحبين، لكن يمكننا إ**ابك اللون الأخضر تحت الماء، سيكون مشعاً وي**بك بهاءً وليلعن الله المتدخل في صنعته، أرى أن أشاور بقية المرجانيات، حتى يوافقن وإن وافقن سأعلمكن لتمدونا باللون الذي تستطيعون.
تتلاطم الأمواج عند أقدام محمد وأمل، اللذيْن يسندان وجهيهما إلى كفيهما، المسنوديْن إلى رجليهما، يتابعان حوار المرجانيات مع أشعة الشمس، يسمعان أصوات بعضهما بصمت، عند نهاية اللسان، سماح وحسام في بدايته ينظران للشمس بجلال كجلال ال**بد لمعبوده، استحالا إلى تمثال فرعوني قديم، أشرف البائس فاقد الثقة في النساء يبدو من بعيد كهلام، يسارهم ياسر المتشائم، يتلازج على حنان، التي تعاني **اد سوقها هذا الصباح، لذلك لم تجد بُدَّاً من ملاطفته، في البناية الحصيرية، خلف ماجد الواقف عند الصخرة يمتد الشاطئ برماله الناعمة الرطبة، البحر ممتد إلى ما لا نهاية، الشمس تعلو الجميع، فجأة يشق صوت سارية الآفاق، تصرخ وتنادي الجميع وتلوح بورقة ما.
أنا سارية من بورتسودان، كنت أؤَمِّنُ زيارة المجموعة لمنزلنا، أقيم يوماً في الاستراحة، ويوماً في منزلنا، أنا دليلهم السياحي في مدينتي، ناديتهم بصوتي العالي الأجش، ماجد، حنان، ياسر، أشرف هيا اقتربوا، لماذا أنتم بعيدون؟ انزعجت السمكات الصغيرات في الماء، أثرن حركة احتجاجية، وباغتن أمل وعضتها إحداهن في إبهام قدمها الأيمن، صرخت، رفع محمد قدمها مستطلعاً الأمر، وجد احمراراً طفيفاً، واساها، اجتمعنا جوارهما، كنا عشرة شباب وست شابات، لا يمكن التمييز بيننا من ملابسنا، لأننا جميعاً ارتدينا البناطلين الجينز مع التشيرتات القطنية الفضفاضة، لأننا نستقل اللوري في ترحالنا، أتيت وفي جعبتي تصريح الزيارة إلى مدينة أركويت السياحية أعلى العقبة، أنا فرحة بهذا التصريح، أخبرتهم بمحتوى الورقة التي لوحت لهم بها، ساد جو المرح المكان، صفرت أنا في الوقت الذي فرقع فيه محمد أصابعه إيذاناً ببداية دندنة، وورطنا ماجد في أغنيته التي يحب، ولا مفر من أن يغنيها، تمنعت وأنا أرغب في الغناء، لأنه يخرجني خارج المدار يبعث بي لدنيا غريبة للموسيقى، سلطة خامسة وبعد سابع يخلخلني، ويجرجني لكنهم لا يفهمون يصرون على إرسالي إلى هناك.
حبيبي آه
قلبي تاه
في يوم الزيارة
تناولنا منه صوته ورددنا الأغنية في تناغم وحب، صارت الشمس إلى تعامد، تكون عينها وعيني ماجد في خط مستقيم، استجار بكفيه من النظر إليها، لما رفع رأسه عالياً، هرباً منا ومِنْ مَنْ هم حوله، وأتت السمكات الفزعات من صوت سارية عند قدومها، وافقت المرجانيات على اكتسابهن اللون الأخضر، بدلاً من البرتقالي المقرمز، لما علمن أن من بني آدم من هو جميل وغير مؤذٍ، ذو صوت رنان، صفا ماء البحر رقراقاً، بدا ياسر وكأنه ملاك سماوي، تنزلت العذراء على حنان، تنقل صوته بين حدائق الغناء، حديقة حديقة وروضة روضة، إلى أن وصل روضتي الغناء التي أعشقها، غنى القبلة السكري لعثمان حسين، تغافل بصري عن رؤيتهم جميعاً إلا حسام، انساب صوت محمد انسياباً، كوسوسة الحية لحواء وآدمها في الجنة، سمونا عنهم تأبطت ذراعه ثم اندسست فيه، تخللته خلية خلية، تشربتني خلاياه قطرة قطرة، كدت أذوب فيه، لولا سارية التي صفعتني بصوتها المزعج، فرأيتهم جميعاً حولي، كدت أضربها إلا أن احتفاظي بمشاهد من تلك اللحظة كان أجدى.
الحب أخرج ماجد من الدنيا، لأن محبوبته تركته، جعل سماح وحسام في هيام دائم، بينما تمطيه أمل كبساط ريح يوصلها إلى جنتها الشرعية بسلام، حنان تبحث عنه بين أفخاذ الرجال.
هل أصابكم الحب أم المس حتى نسيتم الأكل؟ هيا للفطور.. وتراكضنا نحو العريشة الحصيرية، على مسافات متباعدة، جهزنا الإفطار، تناولناه بصخب، هذا يخطف من ذاك، طعمه مختلف من العدس المتعارف عليه، فهو عدس بقدحة الحب، كان طيباً ازدردناه برضا تام، كأنه لحم أو ثريد من شدة الجوع، ولولا سارية العزيزة ما تذكرناه، بنطالها الجينز وقميصها الرمادي، شعرها القصير الممشط كثمرة تبلدية متوسطة الحجم، وعيناها النافذتان إلى الأعماق بلا استئذان، قامتها المديدة الممتلئة، تذكرني بالأختين (وليمز) لاعبتي التنس الأمريكيَّتيْن السوداوين، اللتيْن حرمهما والدهما من المدرسة، لأنهما هزمتا في إحدى مباريات التنس، لونها أ**د براق، قلبها أبيض ناصع مشع، تجذب الحب الذي تهزأ به من الجميع، يحفظه سوادها في قلبها الأبيض الكبير، تخاف عليه من أي شيء، ودوماً تردد: "قليبي خفيف وما بقدر على الهبباي في عز الصيف"، بعدت عنهم دون قصد، أردت أن أغسل يدي بعد الأكل، رمقت اليمامة الهدالة التي تركتها في أمدرمان، لا بل تذكرت أني رأيتها في هيا، تلك المدينة المقيتة التي تصدِّر الغربة إلى زائريها، حتى قبل أن يحطوا رحالهم فيها، تتبعني إلى هنا، ذات يوم حطت على النيمة التي تتوسط منزلنا بأمدرمان، كان الوقت ضحى وحبوبة السرة، تقلب حبات البن الحبشي على قلايتها النحاس، بإيقاع ودوزنة، حطت وصارت تردد هديلها، رشقتها ببعض الماء، طارت وشردت حبوبة السرة بعيداً، ولما أتت والدتي الست كما يحلو لها منادتها، وشوشتها ببعض كلام، أظنه تفسيراً لهديل اليمامة، لكن أمي هزت رأسها نافية توقعات حبوبة السرة، ومطمئنة لذاتها، ماتت حبوبة السرة وما زالت اليمامة الهدالة تتبعني دون كلل أو ملل، تثاقلت خطى الجميع، بعد تناولهم وجبة الفطور الدسمة بوجودهم، وصلنا إلى مكان مجلس مناسب سبقنا إليه الأولاد وزعوا أوراق اللعب، كذلك تقدمتا حنان وأمل، تشاغلتا بحديث عام عن المدينة، بعد أن اتخذتا لهن متكأً على مبعدة من الأولاد، لكنهم لم يسلموا من تغزل حنان واستجدائها لرجولة أحدهم، بحركاتها التي تبدو بريئة، تتمطى فيبرز ص*رها، أو تنثني ليتكور كفلها خلفها مسافة ليست بالهينة، يتابعها أشرف الشهواني الذي لا يثق بالنساء، تابعت وسارية ما تفعل حنان وضحكنا عليهم لسذاجتهم، وعليها لبساطتها واعتقادها أن ما تقوم به يمكنها من حل إشكالاتها، اقتربنا منهما ببطء، صحنا خلفهما عالياً، هربت أمل وبكت بينما تسمرت حنان مدعية الخوف والرهبة، اعتذرنا منهما وجلسنا جوارهما نتجاذب أطراف الحديث، بدأت ذنوب الآدميين تتعلق بالشمس الذهبية الصافية، مما كدر لونها وناء بها الحمل مما جعلها تختار سبيل الهبوط، معلنة نهاية يوم مميز من أيام الرحلة، أخذتنا الأحاديث وأخذهم اللعب، إلى أن حان أوان مغادرتنا لمنطقة حلوت الرملية الساحرة، إلى منزل سارية حيث العشاء والدار المعدَّيْن لاستقبالنا، براحلة أكثر تحضراً من اللوري سابق الذكر، وأقل ارتفاعاً بكنبتين متقابلتين وسقف، نقلتنا إلى قلب المدينة إلى حي سلالاب، جاورتني أمل كالعادة، وضعت رأسها في رجلي من الإرهاق، واستخدمتهما كوسادة، تفرس ماجد في جلستنا وهمهم همهمة، مما أفقدني طعم العشاء والمؤانسة مع ذوي سارية، بسبب الحمَّى والهذيان، بينما تصلَّبت أعصاب ساق أمل تماماً، ورجعنا إلى الاستراحة في حالة يرثى لها، ونمنا جميعاً كالمغشي علينا.
صوت صراخ يصُمُّ الآذان، بادئ الأمر ظننتني أحلم، إلا أن الأمر حقيقة، تبينتُ صوتَ حنان من بين الصراخ، إنها هي التي تصرخ من داخل الغرفة، هي وأربع من البنات، بينما أنا وأمل ننام في البرندة، تقاعست أمل عن الصحيان، لكني أيقظتها من الخوف مما يدور قرب البوابة الكبيرة، كان الوافر الذي يحرسنا يأتي بعد أن ننام ولا يتعدى مكانه، فتحت باب البرندة منادية إياه، لم أنتبه لأني بجلباب منزلي عادي فضفاض وشعري الممشط، شعيرات صغيرات يبدو أكثر تناثراً من المعتاد، دون ثوب أو ستار أو خمار، لحقتني أمل في ساحة الاستراحة، كان القمر لامعاً ومدهشاً، لكن لا وقت للتأمل والصراخ يتحول ما بين الأنين والعويل، أيقظته صحا مذعوراً مخلوع القلب، دعك عينيه حتى استحضر المكان والزمان، أوشك أن يسألني عمن أنا؟.
ومن هو؟
وأين نحن؟
لكن صراخ الفتيات لم يجعل له بُدَّاً من لحاقهن، ذهبنا جميعاً لنرى ما الأمر. كانت حنان تصرخ وترفس وتشير إلى اتجاه ما، هرعت جاراتها من جوارها، ينظرن إلى حيث تشير مرددة: البعاعيت، عيونهم حمراء وشعرهم أبيض، رؤوسهم سود، رجولهم قرود، جمعت أمل كل مروءتها، وتذكرت ما تحفظ من آيات السحر والخضة، بدأت تتلو بأنفاس متقطعة، وشفاه راجفة، وكل قلوبنا واجفة، سكنت الرعب الذي دخلنا وأصبحنا نردد معها ما نحفظه من قرآن، هدأنا قليلاً، لحق بنا البقية من استراحة الأولاد، أوقدنا المصابيح، كانت حنان نائمة تحلم.
رشَّ محمد حنان بكوب ماء مثلج، صحيت من حلمها مفزوعة، وجدتنا متحلقين حولها، سألت عما يجري بالغرفة، سبَّها ماجد بصوت عالٍ لأنها خربت مزاجه الذي عمره بعناء، ضحك الأولاد على أشكالنا ونحن نائمات مفزوعات منكوشات، سرق محمد الدقائق، وهو يتفرس في قسمات أمل التي لم يَرَهَا في حياته، قال حسام إني أشبه القط الم*****ج، تنابذنا بالألقاب، وساد جو المرح والأمن بعد صراخ حنان وعويلها، في الصباح وعند الشاي روت أنه وعندما كنا ننزل متاعنا بالاستراحة، دفن رهط من الرجال ميتاً لهم بالمقابر المقابلة لاستراحتنا، وسمعت بعض الصبية يرددون، أن من مات في هذا الوقت من العام، ينتظر إكمال إجراءات دفنه، ثم يعود بعاتياً، ربطت بين حديثهم والجنازة المسجاة أمامها يوم وصولنا، وثالث الأثافي التعب وكان ما كان، اعتذرت منَّا وقبلنا عذرها، لم أكمل الرحلة مع المجموعة، لاستدعائي بشكل شخصي في الجامعة، عدت وعاد معي حسام بالطيران الداخلي، وبعد سويعات كنا في الخرطوم.
الفضول أصل الخيانة.
*المقولة تخصني
ما أصاب الإنسان الأول قد أصابني
والسيف الناري الذي طرده من الفردوس
هو كالسيف الذي أخافني بلمعان حدِّه
وأبعدني كرهاً عن جنة المحبة
قبل أن أخالف الوصية
وقبل أن أذوق طعم ثمار الخير والشر
*جبران خليل جبران
ثمة الكثير الجديد الذي أدركه
وكان، قبل، حماقة في بصيرتي
الكونُ مظلمٌ، الضُوءُ ينبعثُ من كوةٍ بعيدةٍ، اقتربْ لِترى مص*رهُ، اقتربْ أكثر، لا يُوُجدُ ما يدعو للخوف، ا**ر حاجز الرهبة هذا، ا**ره وتقدم.. تقدم.
هيّا هيّا هيّا.
الضُوءُ يَأتي من الجنوبِ، أنت عبرت البحر بسلام، مصمماً على الوصولِ، لم يتبقَّ لك من الرحلةِ إلا الصحراءُ الخاويةُ هذه، وقد عبرت منتصفَ المسافةَ التي تُغطيها، لا مشكلة؛ تقدمْ هيّا بِشوِيش.
هل تسمعُ صوتَ المُوسيقى الهادئة المنسابة تِلك؟
تعزِفُها موجاتُ الرُّوحُ مرحبةً بك، عند التقاء قيشون بجيجونِ، عند المُقرّن هيا تقدم، اعبر الجِدار الذي لا وجود له إلا داخلك، اخترقه، اخترفه وتسلل، من بين عراميسه المخلخلة.
ت،س، ل، ل.
ه،يَّ،ا.
أرأيت، الأمرُ بسيطٌ، هو لم يَرَ؛ لأنه كان مندهشاً، لجمالِ الأقدامِ، الراقصة السمراء، اللّدنة لُدونة بنت اللّيون التي تستعصي على الوصف، السُلم الذي ترقصُ عليه، من المرمرِ الأبيضِ، المزيّن بألوان الزهور، فإن أهل هذه المنطقة عارفون بالمعمارِ، هم أبناءُ المرويين، الرقصُ مستمرٌ، بنعومةٍ ولدونةٍ، اللّحنُ ينسابُ كاللص الذي يتلمس خطواته بين حنايا روحك، يتسحّب حتى يجد باب قلبك وينسرب، يفتحه أو ربما لا يفتحه ليكون متسللاً مثلك، يدخل كما دخلت لكنه لا يندهش.
اللحنُ والموسيقى لم يكونا مرحبين بهِ، لكنهما يُسمعان هنا منذ أمد بعيد، لا يأبهان بمن أتى أو ذهب، المكانُ موحشٌ، موحشٌ جداً، والأقدامُ مخيفة الشفافية وسمراء، الأقدامُ ذات أربع أصابع، تنزف دماً أسمر، ربما كانت لشبح راقصة من العصر العباسي، أو لراقصة تجيد مهنتها على إيقاع الدليب. المُوسيقى حديثةٌ وجنائزيةٌ رُغم جمالها، الوحشة تقتلك، الوحشة تقتلني، أنا الذي دفعتك إلى هذا المكان، كنتُ أودُّ اكتشافه لكن ليس وحدي، لذلك أرشدتك إليه، يا ليتني أستطيع إرجاعنا، يا ليتني أستطيع إخبارك بالأمر، يا ليتني أستطيع أن أُعرفك عليّ، فات أوان كل ذلك، نحن الآن أمام الأمر الواقع، المعرفة مدعاة للسؤال، ما سنعرفه رقص على _. _. _. _
لا أتوقع أن تكون النتائج طيبة
إن عدنا.
آآآآآخ آآآآآه وآآآآآي
صه
اسمع من أين يأتي هذا الصوت؟
إنه يأتي من الزاويةِ المقابلةِ للسلمِ، بعد العتمةِ تلكْ
أين؟
لا أرى المكان الذي تشير إليه
إنه هناك إلى أقصى اليمين، اُنظرْ مص*رَ الصوتِ.
هذا آخر صوتٍ أَص*رته، صرخت؛ صرخت إثر صرختها كلُ المدائنِ والفرقان، ناحت الحمامات ولبست الغربان السواد حداداً دائماً عليها، بكت عليها الغابات، الصحاري والسهول، قيشون وجيجون فاضا وأغرقا الدنيا حزنا عليها تعطنت الجروف ولم تطرح محصولاً، توارات الشمسُ خلفَ الغيومِ التي أرسلت تعازيها للأرض سيولاً، وانخسف القمر ولم يعاود الطلوع، الأرض تزلزلت وأرسلت الحمم عبر بُركان شمال أمدرمان، فما كان من الناس إلا أن قالوا إن شيخاً قد بيّن، أقسموا جميعاً على أن يقتصوا لها، وأنذروا الناس بشتاءٍ قارصٍ مضني وريحٍ صرصرٍ تأكل الخضرة واليباس.
رُميت المنضدةَ التي أسندوا عليها رآسها، وأرغمتها الآلة المسماة المشنقة؛ على أن تُسبح نيوتروناتها الخفيفة تسبيحها الخاص، تنتقل وتَسبح عبره إلى زمان النقاء، فعلت بها ذلك بعد أن فصلت جسدها عن الرأس، لأن القاضي قرر أن تُشنق، رأسها إلى أسفل وجسدها إلى أعلى، في وضعٍ مقلوبٍ بحيث يكون رأسها بين ثدييها المتدليين، وتكون جميعاً بين ذراع معلقة وأخرى موثوقة إلى جسدها بحبل من مسد، وينفتح ساقاها كزاوية منف*جة، عارية بلا ثياب عدا الوثاق، يسقطُ الضوءُ من زاويةٍ ما، يصطدمُ بالجسدِ المشنوقِ، ينع**ُ ظِلهُ خلفه وقد شهد شنقها مؤمنون، هكذا قرر القاضي.
جدرانُ المشنقةُ الأربعة مدهونةٌ بالدمِ، في المنتصفِ تماماً، نعم المنتصف تماماً من كل جدارٍ، فراغ أبيض يتشكلُ حروفاً تلتئم، لتكتبَ العبارةَ التاليةَ:
أنا مظلومة
حتى الفراغات البيضاء كانت مظللة بالدم.
ضياع
قاطع موكب سماح، موكبٌ آخر مُضاد، رجالٌ أشداءٌ حتى على أنفسهم، يفعلون ما يؤمرون، يلبسون أحذية ضخمة تُغطي السّيُقان والأقدام، يحملون هراواتٍ وعصيَّاً كهربائيةً، علب غازٍ مُسيلٍ للدموعِ وبنادق، أصواتهم فحيح، أبواقهم تثقبُ الآذانَ، أجهزةُ الاتصال اللاسلكي تربطهم بآمريهم، هم لا يفقهون شيئاً، هم فقط ببغاوات، يرددون ما يسمعون، ينتشرون في نقاط مختلفة على طول شارع الجامعة.
لا أظن أن من يملك عقلاً يصير يوماً عسكرياً _ هذه المقولة تخصني _
_ سأعتذرمن سعادتو عواطف في وقت لاحق _
الآن سأتحقق من الأمر، مجموعة من الشاحنات الكبيرة محملة بالعساكر سابقي الوصف، هجموا على الجامعة، دنسوا الحرم الجامعي، ضربوا كل من اعترضهم، نهبوا ممتلكات كل من قابلهم، حتى وصلوا إلى المكان الذي يريدون، بشكل عشوائي، اعتقلوا بعض الطلاب والطالبات لأغراض أمنية لم يفصحوا عنها.
هي ذات قامة طويلة ومعتدلة، حليقة شعر الرأس، ترتدي بنطالاً وقميصاً رجالياً؛ تحت عباءة سوداء مفتوحة، تضع شالاً فلسطينياً يُغطي رأسها وينسدل على كتفها.
هل هي بينهم؟
سأل الضابط العسكري
الذي أجابه
لا
جُن جُنون الضابط، سبَّ العسكري وسبَّ أمه القحبة التي أتت به إلى الدنيا. العسكري بدوره سبَّ الطلاب المعتقلين بنفس اللفظة الب**ئة التي سبَّها به الضابط، أنزلت البنات رؤوسهن حياءً، بينما همهم الطلاب بكلمات مبهمة، غالباً ما تكون أبذأ مما سبَّهم بها.
لا فائدة مما فعلتم، إن لم تكن معهم.
هم يبحثون عنك
أعرف
لماذا؟
هذه أشياء لا تعنيك، يكفي أنك من وضعتني هنا.
ألا يعجبك ما أنت فيه؟
لا دخل لك
اذهب لشأنك.
لا تغضبوا منها هي دوماً هكذا، ألا ترون ما تفعله بهذا الحجر المسكين، تقذفه من هنا حتى تصل إلى المكان الذي تريد، عندما كنا نتحاور كنا بشارع موازٍ لشارع الجامعة، قريبين جداً من مكان الجلبة والعسكر، لكنها تملك سراً خارقاً، إذ أنها ولحظة دخولهم كانت وسط المجموعة المعتقلة قبل قليل لكن؛
كيف هربت؟.
لم أهرب لكنهم أغ*ياء.
دوماً تقذف حجراً أمامها، هو ذات الحجر الذي اعتصرت به قلبها، ذات ليلةٍ مشؤومةٍ، لا يفارقها أبداً، عزيزٌ عليها، تُهينه وتُذله وتَضمه، تضعه نُصب عينيها، المسافةُ بينهُ وبينها قامتها المديدة، هو م**بها الأول من ذلك اليوم، وم**بها الثاني هو قدرتها الباهرة على التخفي متى أرادت ذلك، اليوم الذي تمنت لو ماتت قبل أن تعيش لحظاته ودقائقه، خافت حتى تكثفت في الهواء فلم يرها أي منهما، أو هكذا تراءى لها، لكن منذ ذلك اليوم تختفي متى تريد، ممن تريد وفي المكان الذي تريد أو في اللامكان، لهذا غضبت مني لما وصمتها بالهرب.
قذفته جنوباً، ثم شرقاً، فشمالاً، قصدت كبري النيل الأزرق، الرابط بين مدينتي بحري والخرطوم، كان النهار قد انتصف، نهار الشتاء يمر سريعاً.
رائحتي هنا مختلفة بعض الشيء، كنت أُحيي سماح تحيات صباحية، وأرسل لها ابتسامة الشمس التي ترسمها على وجهي، لكني الآن وبعد أن جلست الشمس على عرشها الملكي في كبد السماء، أسألها أن تَهْدِي من تقف تحت أشعتها هذه وتستدفئ بها، وتدعوها لترك ما يدور في رأسها، أنا لم أستطع ذلك، ولا حجرها العزيز، لا حتى قدرتها على التخفي، كلنا لا نملك إلا أن نتبعها بأعيننا فقط، حتى أنت كذلك، لا يمكنك إلا اتباعها، استأنفت مسيرها في الكبري، قطعت منتصف المسافة تقريباً، لم نجد كازينو النيل الأزرق ولا النقل الميكانيكي، الذي عمل به والد عبد الدائم صاحب الدكان، استيسرت، وبشارع ضيق لا يعرفه إلا قليل مشت وحجرها أمامها، تراقبه، تقذفه وتلحق به، النسمات الشتوية باردة وجافة كقلبها، النيمات العتيقات متشابكات الأغصان، المظللات للمكان اللائي وقفت تحتهن، استعذن بالله منها ومن شرها المستطير البائن من تهدج أنفاسها.
وقفت تحت إحداهن، اتكأت عليها، وقفت عربة فارهة، أنزلَ من بداخلها الزجاج بحذر، بعد أن تأكد من خلو الشارع إلا منهما، نظرت يمناها ويسراها تخفت، صارت العربة وحدها في الشارع، تبادلا بعض العبارات، وبسرعة البرق اختفت العربة، وبانت هي تقذف حجرها، وتمضي وتتحسس شيئاً ما بجيبها.
هي والشمس تتخذان من الغروب سبيلاً أو الهروب، الظهيرة تجرجر أذيالها، المساء محتفلاً، يحضر لإياب الليل، وصلت الفيلا الفاخرة المطلة على ضفاف نهر قيشون الشمالية، قبل أن ينحرف يميناً ويقترن بجيجون عن المقرن، المجاورة لفندق قصر الصداقة، خلفها بعض الجروف المزروعة بالخضروات المملوكة لبعض الأهالي، بدأت أنوار الخرطوم تتلألأ، بدت كراقصة غجرية في ليلة ظلماء، وتوتي أمامها كمنضدة ممتلئة بثمار الجنة، عليها شمعدانات كثريات الذهب، مضت الدقائق وأنا أتغزل بينما دخلت هي إلى باحة الفيلا، لم تجد أحداً، ولم تسأل من أحد، دخلنا غرفتها، أخرجت ما في جيبها، أفرغت اللفافة في صينية نحاسية وضعتها أمها كأنتيكة، بللت سبابتها ببعض ل**بها، صارت تلصقه بالبذور كيفما ترى، فعلت ذلك سريعاً، أخرجت من جيب بنطالها ورقة البرنسيس الذي يبيعه عبد الدائم في دكانه، فردت الورقة، وضعت البذور عليها، لفتها جيداً، أعادتها إلى جيب البنطال، تأوهت آهة هزت كل جبال السودان، تلقتها جبال البحر الأحمر، ردَّد صداها جبل البركل، وزَّعه لكل من جبل المرة والأماتونج، ارتج داخلها أثر الصرخة، تراجعت أنا من قوتها، قبعت في ركن قصي من الغرفة، هذه مجنونة ليست **ماح المسالمة البريئة، غرفتها فخمة كبيرة وواسعة، لا تشبه كل البيوت التي نألفها وتألفنا، نحن هنا في مهمة نسأل الله أن تتم بسلام، دخلت الحمام الملحق بالغرفة، صوت الماء يندفع بقوة يفور فوراناً، هنا المياه تُدفَّأ بالسخان قبل الحمام، غابت هناك ما يقارب الساعة، خرجت عارية تماماً عضلاتها مفتولة كرجل، ن*داها هرمان، خصرها نحيل، تخلصت من مؤخرتها السودانية بالتمارين الرياضية التي تمارسها، بشرتها قمحية فاتحة تلمع ذرات الماء أعلى ساعديها، جففتها بالمنشفة، كذلك جففت شعرها الحليق، ارتدت سروالاً رجالياً أبيض اللون، وستياناً ضاغطاً، بدت كرجل، ثم الفانيلة الداخلية البيضاء، بعده البنطال الجينز الأ**د والقميص الصوفي الأ**د أيضاً، استعملت بعض عطر رجالي، لمست كفيها الضخمين بكريم مرطب، نظرت للمرآة نظرة خاطفة لما فتحت درج التوليت، أخرجت مسدساً صغيراً، وضعته بالجيب الخلفي للبنطال، مطواة، بعض أغراض لملمتها سريعاً لم أعرفها، نزلت راجلة أمام الجميع الذين اجتمعوا للتو، بلا غرابة، لم يَرَهَا أحد، أنا تأخرت قليلاً، كنت أتسلل حتى لا يحس بي أحد، ركبت السيارة اللاندكروزر، التي كانت تقف أمام الباب الرئيسي للفيلا، وضعت حجرها العزيز نصب عينيها في الطبلون، وصلت مبنى ضخماً وفخماً به حرس وخدم بلباس رسمي، وآخر غير رسمي كالعادة، لم يرها أحد حتى فتحت الباب ودخلت، انتصب واقفاً لما رآها، تسمّر خلف تربيزته الكبيرة، بصقت على الصورة الكبيرة التي خلفه، نظرت إليه بعيداً عند ظلام روحه.
ارتعد
قالت الآتي:
أخرج الطلاب والطالبات الذين اعتقلتهم صباحاً الآن، إن أردت الحديث معي اعتقلني أنا.
الرعب يملؤني من رهبة المكان الذي أنا فيه.
لم تنتظر رده، خرجت، لم يعترضها أحد، ركبت العربة الفارهة، وهي تديرها، رَنَّ هاتفها النقال.
أجابت
الوِسِخ ده طلعهم؟
خلاص أقطع وشك –يبدو أن من في الخط المقابل أجابها بالإيجاب-
حتى مفرداتها غريبة، البرد يزداد، الشوارع التي تسلكها كلها خالية، استقلت شارع **لا من كوبر، واتجهت شرقاً، كانت الساعة التاسعة، انحرفت من الشارع الرئيسي، بشارعٍ فرعيٍ مظلمٍ، أضاءت فوانيس العربة وأطفأتها ثلاث مرات، بادلتها عربة أخرى نفس الإضاءات والإطفاءات، بسرعة جنونية قفزت عربتها وقفت بقرب العربة الأخرى التي تشبهها تماماً، أخرجت امرأة خمسينية رأسها من باب العربة الأمامي تجاه المقود، ترتدي رداءً يشبه رداء سهام، حليقة الرأس أيضاً، أمر تأخري بالنزول سريعاً، داعبتها.
الليلة ليلتك.
ركبت سريعاً.
كانت ترتعش، عشرينية ساحرة، لكنها لا تماثل جمال سماح، ضحكت ثم تفلت خارج العربة، مدت يمناها، مسدت شعر الفتاة المصفف والمسدل على كتفها، دون أسر، ضمتها إلى ص*رها، رفعت رأسها بحنان، قبَّلتها بتلذذ، فصفصت شفتيْها، رمتها بعنف، اصطدم رأسها بطبلون السيارة اللاندكروزر، وبذات الجنون عادت أدراجها إلى الشارع الرئيسي، عبرته حتى اختفت معالم المُدن والحلّال، يبدو أنها تاخمت أرض البطانة.
انقطع كل ارتباطنا بحي، لا صوت إلا صوت محرك العربة، ولا حركة غير السرعة الجنونية التي تسير بها، ولا صورة سوى صورة الفتاة العشرينية المجردة من ملابسها العلوية تماماً، تقود العربة بيد وتجوس بالأخرى بين ن*دي الفتاة تمسدهما، تعتصرهما، تمزقهما بكفها الضخمة هذه، أُهم بأن أنزل وأتركها، لكني لو تركتهما ستقتل الفتاة، لا بد من أن أكون موجوداً لأتحكم بسير الأحداث، ثم من أين أتت هذه الفتاة ومجموعة من الأسئلة التي تحتاج إلى أجوبة، أسئلة تجتاحني، الفتاة تئن، تهتز، تنتفض، هي تضحك بهستيرية تضغط على دافع العربة بقوتها، تطير السيارة، انتصف الليل لما وصلنا تلك المزرعة المضيئة، وسط بحر الظلمة ذاك، ما إن وصلت العربة حتى ظهر بعض الرجال الأشداء، فتحوا البوابة على مصراعيها، نبحت الكلاب نباحاً شديداً، مرحبين لا أدري أو منذرين، فوانيس العربة أضاءت كل المساحة أمامها، ظهرت حديقة مهيبة، بها أشجار وثمار مثل البرتقال والجوافة ميّزتُها برائحتها التي تملأ المكان، عدد من العربات الواقفة بنظام في أماكنها المخصصة لها، رمت الفتاة جانباً أنزلت الزجاج ببطء، أشارت بيدها؛ أتاها أحد الذين فتحوا البوابة، لم تتحدث، اقترب منها، حدثها بصوت خفيض، مردداً بعض الأسماء، رمت للفتاة ما كانت ترتديه من ملابس لبستها، نزلنا تبعناها.
ظننت أن الرحلة قد انتهت لكن خاب ظني، اقتادنا الرجال إلى شاطئ النيل الأزرق، المقابل لجزيرة التمساح، وجدنا المركب الشراعي قديم الطراز ينتظرنا، ركبناه، بعد مسافة قصيرة بين أمواج النيل وصلنا شاطئ جزيرة التمساح، نزلنا، اُستقبلنا، وجدنا صورة مكررة للرجال والحرس، دلفنا داخل قلعة مضاءة بالفوانيس، مجلسها عامر، أحدهم يغني ويعزف على آلة العود، يتحلق حوله بعض الهائمين بما يدندن، يحملون كؤوساً، تتوسطهم المنضدة الكبيرة، تشبه جزيرة توتي ممتلئة بثمار الجنة وخمور الدنيا، من بينهم ناصر ابن حاجة خديجة بائعة اللقيمات، فتيات متثنيات يرقدن على أفخاذ رجال كبار يقهقهون ويتجاذبون أطراف حديث متقطع، في دائرة أخرى شباب وشابات تبدو عليهم الحكمة والرزانة، يديرون أمراً مُهمَّاً، يستعملون كلمات صعبة بلغة غير العربية، يتوشوشون، لا تستطيع سماع ما يقولون، من بينهم زملاؤها في الجامعة، مجموعة ثالثة تدير سجائر كالتي كانت عندها في منزلهم قبل أن نخرج، الشيشة لمن يريد، صبيان يتثنون وصبيات بأصوات رجالية مبحوحة، رفعت يدها إلى الجميع دون أن تنبس ببنت شفة، رفع الجميع أكفهم محيِّين، وقف البعض، أشارت بأن اجلسوا؛ جلسوا، في منتصف هذا الصالون الواسع، سُلم يرفعك إلى الطابق العلوي صعدت وصعدنا، بعثوا لهما بالأكل والشراب، أكلت وشربت ولم تأكل الفتاة، كانت ترتجف، تنتظر مصيراً مجهولاً مع هذه المعتوهة، أتت حنان متغنجة، لتحمل الأواني، طرقت الباب، تمايلت، تمايست، وقعت تحت قدمي سهام، ضغطت على فخذها الأيسر، وهي تعض شفتها السفلى بأنوثة ودلال، ركلتها بقوة، ترنحت بفعلها حتى نهاية الغرفة، قالت لها بصوت مبحوح: "اغربي عن وجهي"، خافت الفتاة العشرينية، بينما قسا قلبي من طول صحبتها، لم أخف، صاحت فيها: "أنت خائنة"، أمرتها أن تذهب وتأتي بكل الحلو من عطور وبخور، وأن تنادي محاسن، محاسن خالة حنان، وأستاذتها في هذا الدرب.
ذهبت حنان، أتت محاسن التي ربتت على كتف الفتاة، وهنأتها على قضائها الليلة مع السيد، استغربت، أوقدت نار حطب الطلح بالرّحالة، وأعانت الفتاة على أخذ حمام منعش، أجلستها في نار حطب الطلح برهة، تشربته بشرتها، ضاقت مداخل مملكتها، هي تنظر إليهم بمتعة تصعب على الوصف، تركتهما محاسن بعد أن ألبستها فستان النوم الشفاف، وأعدَّتها لها كعروس ليلة زفافها، لم تنسَ الشيشة والسجائر وزجاجة الكرفوازير الفرنسي المعتق وكأسها المفضل الوحيد، الذي إن لم تجده تُقيم قيامة كل من في الجزيرة، هو عزيز عليها كالحجر الموضوع دوماً نصب عينيها، حتى وهي تساحق الفتاة التي أتينا بها من المدينة، يقبع الحجر تحت وسادتها.