واقف بشرفة جناحه الفندقى الذى حجزه منذ مجيئه بذلك الفندق الخاص برجال الأعمال الوافدين من اماكن متفرقة من حول العالم ، وذلك لموقعه الإستراتيجى بالقرب من احد المناطق الصناعية التى تحتوى على مجموعة شركات عالمية ومنشأت صناعية تختص فى مجالات عدة من بينهم احد فروع شركات "الكيلانى"
النسمات الأوروبية القارصة تلفح وجهه وذلك الجسد الصلب المنتصب بشدة يشعر وكأنه أصبح كتلة من الجليد ولكن هل سيهدئ ذلك من حدة تلك النيران المستعرة بداخله التى تنهش بقلبه وتحرق روحه ، لمَ لا ترأف به تلك النيران لمَ ذلك الت**يم منها على تهشيم تلك المشاعر التى يحتس بها لأول وهلة بحياته
يعج رأسه بكثير من الذكريات المريرة والأفكار السوداء والتخيلات القابضة لقلبه ، شعوره بالفقد دائما وانه سيُتَرك وحيدا لا محالة يقطعه لأشلاء ، لا يدرى أعليه الفرار من قلبه ومشاعره اللذين لأول مرة يحتجان عليه ويطالبان بأقل حق لهما وهو الحياة بجانب من أختاراها ونيسةً لهما بتلك الظلمة الموحشة التى فُرضت عليهما منذ قديم الأذل
يرفض عقله وبشدة المضى على خطاهما والخضوع لطلبهما ، يحذره من نهاية مأساوية سيلقى حتفه نتيجة لها ، يعنف قلبه على ذلك العشق الذى كنه بداخله وهو الذى لطالما نهاه عن فعلها ، انه لقلب ضال لم يستمع لما أوصاه به مرارا وتكرار وألقاه عليه من تحذيرات عدة ، أخلى به وجعل منه عاشقا بائسا يحيا أياما مريرة محاولا بها أن ينتزع ذلك العشق الذى تربع قلبه آبيا وبشدة مغادرة ذلك القلب الملئ بالسواد الحالك متمسك بطيف النور ذاك آملا أن ينيره ويدله على حياته التى لم يحياها يوما
تحت وطأة بؤسه لم يفكر سوى بها لا يستطيع انتشال صوتها الملئ بال**رة من عقله وهى تنهى معه المكالمة بعدما حطم قلبها وجعلها تتأكد من عدم رغبته بالعيش معها بل فر هاربا مبتعدا عنها لا تعلم ان فراره ذاك لم يكن سوى من مشاعره التى خانته وأصبحت ملكا لها تتحرك فقط لها ، معها ومن أجلها
هل سيتركها -للمرة التى لا يعلم عددها سواهما- فى حزنها ذاك ، لقد التعج قلبه بشدة لصوتها المهزوز ذى النبرة المحببة لسَمْعهِ ولكنه لم يرِد ان تتطرق لأذنه بكل ذلك الشجن الدفين ، من المؤكد أنها مستلقية الآن على فراشهما لم يجافِها النوم مثله تعيد فى ذاكرتها ما قاله لها وما ترجمه لها عقلها فى أمر سفره ، أأذنبت فى عشقها له لكى تلقى كل ذلك الشجى معه وبسببه ، هل هذا خطأها الوحيد أن تعشق رجلا لا يملك سوى مشاعر مهشمة
ابتلع تلك المرارة فى حلقه والتف بجسده ماددا ذراعه ملتقطا هاتفه الموضوع فوق الطاولة بوجه ملئ ببؤس لا يبتعد عنه ، ليس لها ذنب فى كل تلك العتمة بداخله ، سيبعث لها برسالة علّها تهدئ قليلا من حدة أفكارها الذى يعلم انها لن ترحمها كما معه تماما لا يرغب فى مهاتفتها يكفيه الضعف الذى يجول بداخله آخر همه الآن سماع ذلك الصوت الذى إن استمعه لمرة أخرى لترك كل شىء يحترق خلفه ويزج به فى الجحيم وعاد إليها مهما كلفه الأمر من خسائر لن يستطيع إعاضتها مدى الحياة ، بعث لها برسالة قصيرة تحتوى فقط على "انا غلطان فعلا انى سافرت من غير ما اعرفك وعندك حق انا كان لازم اقولك من وقت ما حجزت الطيارة ، متزعليش حقك عليا"
أكتفى بتلك الكلمات متمنيا أن تريح قلبها قليلا ، أغلق الهاتف ووضعه مكانه فوق الطاولة وعاد مجددا لمواجهة تلك النسمات الباردة التى تحولت لريح شديد يدوى صوته برأسه كما يدوى إعصار أفكاره المميت لكل ذرة بعقله وشعوره المحطِم لروحه لينحنى ذلك الكيان الصلب الذى لم ولن يتوقع أحد أن ما بداخله مهشم هكذا
_________________________
نائمة على جانبها فى فراشها مقربة ركبتيها من ص*رها تنظر أمامها فى نقطة ثابتة دون التقاء جفونها شاردة فى محادثتها معه منذ عدة ساعات مضت لم تمنع عبراتها من الإنسياب كلما تتطرق بذهنها نفوره منها الذى أوصله للفرار بعيدا عنها لوت فمهما ضاحكة بسخرية أإلى هذا الحد لا يريدها ولا يريد فقط رؤيتها !! أإلى هذا الحد لا يطيق قربها !! أغضمت عينيها بوجع بالغ هذا الصوت الصارخ بعقلها بلا انقطاع يخبرها أنها المذنبة فيما آلت إليه حالتها لم يكن ينبغى عليها أن تغدق عليه بمشاعرها بكل تلك السذاجة دون حتى أن تعلم أتَقَبّل وجودها فى حياته وكونها زوجة له أم لا ، هى حتى لم تنتظر أن يبادلها تلك المشاعر وبمنتهى الغباء التام أظهرت مشاعرها له بل وأخبرته أيضا وها هى جالسة الآن تبكى على رفضه لها الذى أظهره أكثر من مرة وهى الحمقاء التى كانت تلتمس له أعذارا واهية دون سبب وجيه فيها او فيما يبدر منه تجاهها
تبكى بحرقة وصاحب بكائها شهقاتها التى بدأت فى العلو تقسم ان الوجع بداخلها الآن لا يضاهى ، ما يحزنها انها لم تنتظر أن يبادلها تلك المشاعر التى لأول وهلة فى حياتها تشعر بها تجاه رجل ، كانت تود قبوله بها فقط ، بعض حنان منه معها ، واحتوائه لها الذى حرمت منه منذ وفاة والدها كانت تنتظر أن يعوضها ذلك الأحساس الذى شعرت به بأحضانه عندما كانت تبكى وظلت داخلهم إلى أن سكنت ، فما هدأها لم يكن سوى ذلك الدفء الذى تتذكره مذ كانت طفلة صغيرة ذات سنة أعوام عندما كانت تتشاحر مع شقيقها إلى أن تبكى ليأخذها والدها الراحل بين أحضانه حتى تهدأ ، أحست لوهلة أنها بأحضان والدها لم تكن تريد منه سوى تلك الأحضان ودفئها وقبوله لمشاعرها فقط لا غير ، لمَ رفضها بتلك الطريقة المشينة لها ألا يرى ذلك العشق الكامن بداخلها له ، ألا يعلم كيف أصبح عالمها بأكمله متمحور حوله هو فقط
رفعت خضراوتيها اللتين أختفتا خلف عبراتها صوب الكومود عندما استمعت لمجئ رسالة لها جففت دموعها المنهمرة فوق وجنتيها بأصابع يدها ثم رفعت جسدها قليلا ومدت ذراعها والتقطت هاتفها ، خفق قلبها بقوة عندما وقع نظرها على حروف اسمه لتجد انه هو من بعث لها بتلك الرسالة ، فتحتها بتلهف لمعرفة ما تحويها ، لتجد تلك الكلمات البسيطة التى يوجد بين طياتها اعتذار منه على فعلته ، اعتدلت بجلستها فوق السرير وظلت تقرأ تلك الرسالة مرة بعد مرة لتلين ملامحها المليئة بالشجن وانشق ثغرها بابتسامة صغيرة تزامنا مع احساسها بهدوء توغل بداخلها طاردا تلك الزوبعة برأسها ، فتلك الرسالة ان كانت تدل على شىء لن يكون سوى اهتمامه البيِّن لأمرها ، واعتراف منه على خطأه فى عدم اخبارها بأمر سفره قبلا وهذا يعنى انه متقبل وجودها بحياته ويراها زوجته وإلا لما بعث لها بتلك الرسالة التى جاءت فى ذلك الوقت لتكون بمثابة طوق نجاة لها ينتلشها من شبح أفكارها الذى كان يتفرس بذهنها إلى أن قارب على الإنفجار
تلك الحروف البسيطة والكلمات -المجردة من أى نوع من المشاعر التى تَنشُد أن تجدها بكلماته معها يوما- أسعدتها للغاية فمجرد كلمة منه أصبحت كفيلة لتبلغ بها عنان السماء إما تخسف بها قاع الأرض ، لم تتوقع نهائيا أن تكون ما أصبحت عليه ، لم تتخيل يوما أن يصل بها عشقها لرجل غفرانها لأى شىء يبدر منه مهما نَتج عنه من جروح غائرة تصيب قلبها دون هوادة أو رحمة بذلك القلب الذى لم يتسنى له بعد الشعور بلذة العشق ليُفرَض عليه شجنه ، ذاك العشق الذى استوطن قلبها وجعل منها فتاة أخرى غير التى تعهدها ، لطالما رأت بذاتها القوة والصلابة التى تجعلها تواجه الشدائد مهما بلغت من ضراوتها ليس ذلك فحسب بل التغلب عليها أيضا ، ليأتى ذلك اليوم منذ ما يقارب الثلاثة أشهر حتى الحين لا تعهد على نفسها سوى الضعف والهوان امام بضعة مشاعر وليدة بداخلها أخذت تتفرس بقلبها إلى أن سيطرت عليه سيطرة كاملة لتجعل منها فتاة تعيسة ذا ملامح شجية مناقضة تماما لملامحها التى تملأها تفاؤل الكون بأجمعه المحافِظة على بسمتها التى تبخرت منذ عشقت ذلك الكيان الجافى لتجد نفسها محاصرة بين كومة من المشاعر المهشمة التى لا تجد من بينها مفرا ولا خلاصا
مازالت جالسة على وضعيتها ممسكة بهاتفها بين يديها عاقدة حاجبيها بحيرة هائلة لا تجد سبب وجيه لجميع افعاله معها ، تارة يحادثها بجفاء وهجوم وتارة أخرى ترى العشق جليا بعينيه مصاحبا بلين كلماته ، واليوم يتشاجران معا والآن يراضيها ، أأبله هو أم ماذا !! أم هى التى فقدت عقلها إثر معايشتها لكل تلك التناقض الذى يتعامل معها به ، زفرت بتخبط لا تدرى لمَ يحدث معها كل ذلك ، ووجهت عينيها صوب هاتفها الذى مازال ينير بتلك الرسالة لتجد إبهامها بعفوية يتنقل على شاشته يكتب كلمات خرجت من بين حنايا قلبها الملتاع والمشتاق له تحوى على "ممكن أبقى أكلمك فى الوقت اللى بتبقى فاضى فيه ؟!" ، أغلقت الهاتف ووضعته مكانه وتوسدت الفراش بظهرها انهالا جفناها لأسفل فى محاولة للنوم تعلم انها ستنتهى بفشل ذريع وستظل مستيقظة طوال الليل بانتظار رده على رسالتها
فتحت عينيها باتساع فى غضون أقل من دقيقة ونهضت بهرجلة ملتقطة الهاتف سريعا عندما وصل لمسامعها رسالة صادرة لها متيقنة انها منه فمن سيحادثها بوقت كهذا غيره ، لتبتسم باتساع وازدادت خضراوتيها لمعة براقة عند قرائتها لرسالته التى جعلت السعادة تتخلل بقلبها بلحظة واحدة حيث انه كتب بها "هكلمك انا عشان ابقى اتطمن عليكى ونامى بقى عشان الوقت اتأخر والساعة بقت أربعة الفجر عندك ، خلى بالك من نفسك لحد ما ارجع" ظلت تبتسم كالبلهاء لقد أراح قلبها كثيرا بما بعثه لها وكل ما جال بفكرها من أفكار سوداء كانت تتآكل برأسها تبخرت فى الهواء ليحل مكانها عزيمة قوية فى أخذ خطواتها نحو تطور علاقتهما ، فهى لن تيأس وستعقد العزم إلى أن يصبح عشقها متملك قلبه وجميع أوصاله عادت بظهرها للخلف مجددا أغمضت عينيها بأريحية بالغة لم تحتس بها لأيام عدة غافلة عن ذلك العشق الذى بالفعل قد تمكن من قلبه وأصبح كالسهم الذى أصابه واستقر به آبيا أن يُنزع منه ، لا تعلم أن سبب ابتعاده لم يكن سوى ذلك العشق الذى تتمنى أن يذرع بداخله ولا تعلم أنه كاره ذاته لذلك الأمر
__________________________
اليوم التالى ..
فى وقت الظهيرة جالسة رفقة والدها بحديقة القصر منذ أتت لما يقارب الثلاث ساعات يتشاركان الأحاديث التى يتخللها من حين لآخر ضحكات "أسيف" الرقيقة التى تصدح لكلمات "هشام" المملوءة بالمرح الذى ابتعد عنه منذ زمن بعيد لتعود هى ومعها بعضا من روحه التى سُلبت منه لمفارقتها ثم رحيل والدتها ، ليشع وجهه بالحياة من جديد ويعزم على العيش ليعوض تلك الغائبة والتى عادت لأحضانه بعدما قد فقد الأمل نهائيا فى استرجاعها وسماع ذلك الصوت الذى افتقده وافتقد أكثر منه صاحبته قارورته الغالية طوال الستة عشر عاما الماضية ، ممسكا بين يديه كوب شاى قربه من فمه وارتشف منه ثم تابع حديثهما بسؤال متطرقا به لحديث آخر
–انتى وعدى عاملين ايه مع بعض
ابتلعت ببعض من المفاجأة لسؤاله تلك لتزوغ بنظرها قليلا وهى تجاوب بإيجاز متمنية ألا يظهر عليها أى تعبير يدل على ذلك التوتر الذى أصبحت عليه علاقتهما مؤخرا
–كويسين
لم يكن من الصعب عليه رؤية ذلك الإرتباك الذى ظهر جليا على ملامحها ويكاد يقفز من عينيها ليُعاد فى ذاكرته لعدة ثوانٍ كلمات "عدى" له عندما سأله عن حالهما سويا كاطمئنان منه عليهما حيث لم يُرِد "عدى" أن يراوغ فى إجابته وقرر وقتها أن يخبره كيف تسير علاقتهما منذ زواجهما حتى الآن
–بصراحة يا عمى أسيف لحد دلوقتى بعيدة عنى كل واحد فينا بينام فى اوضة ، لسه مش متقبلة فكرة اننا اتجوزنا ، حاولت أكتر من مرة معاها بس انا مش هقدر افرض عليها وضع هى مش حباه وخصوصا ان اسيف مش بتتقبل اى تغيير فى حياتها بسهولة
كان ذلك إجابة "عدى" على سؤال "هشام" عندما اتصل به ليطمئن على احوالهما ليتعجب "هشام" مما تشدق به الآخر الذى يتضح عليه الآسى من صوته ليتحدث بتخبط
–انا مش فاهم حاجة يا عدى انتو اصلا ماكنتوش بتحبوا بعض ؟!!
وصل إليه زفرة "عدى" المتمهلة التى لم تكن سوى تأهب لتوضيح الأمور له منذ بدايتها ليقول بهدوء وتريث
–احنا لحد قبل حضرتك ماتظهر فى حياتها كنا بنتعامل مع بعض على اننا اخوات ، جوازى منها كان عشان متبعدش عنى واتفقت معاها انه هيبقى صورى بس انا من وقت ما بقت على اسمى وانا مش قادر اشوفها اختى تانى بقت بالنسبالى أسيف مراتى وحبيبتى ، انا حبيتها بسرعة جدا وبشكل انا نفسى مكونتش عمرى اتخيله ، مش عارف اعمل معاها ايه أكتر من اللى عملته الفترة اللى فاتت ولا عارف اقربها منى ازاى
اطنب الآخر بهمهمة وهو يستجمع كلماته برأسه ونما إلى علمه مخططهما مفكرا فى حل لعلاقتهما فهو لا يريد لتلك الزيجة ان تنتهى حيث انه يرى كم الحب البادى على "عدى" لابنته وبنفس الوقت يشعر ان ابنته تكن له حبا بداخلها فقد رأى ذلك عليها لأكثر من مرة يكفى ذلك الآمان والراحة اللذان تشعر بهما معه ويراهما عليها لذا قال بنبرة مطمئنة ل"عدى" بعد برهة من التفكير
–متشيلش هم الموضوع ده يا عدى انا هكلمها أقولها تيجوا تقعدوا معايا كام يوم وهتكلم معاها فى وقت متبقاش موجود فيه وهحاول على قد ما اقدر اغير نظرتها ليك وافهم برضه هى بتفكر فى ايه جايز فى حاجة جواها هى اللى مخلياها مش عارفة تاخد اى خطوة فى علاقتكم والموضوع مالوش علاقة بإنها شايفاك أخ لسه
ليأتى رد "عدى" عقب انتهاء الآخر من اقتراحه ليغمغم بموافقة ونبرة رخيمة
–تمام يا عمى بس بلاش اجى انا معاها عشان متبقاش متوترة أكتر.. ومتعرفهاش بعد إذنك انى اتكلمت مع حضرتك فى حاجة عشان متحسش بضغط عليها من كزا جهة
تكلم "هشام" بهدوء وهو ينهى معه المكالمة
–خلاص اتفقنا ، هكلمها النهارده واقولها وان شاء الله خير
تفقد ابنته وهو فى حالة تأهب لما سيلقيه عليها لكى يرى تعبيراتها وأثر تلك الكلمات عليه ليحمحم منظفا حلقه ثم هتف بها بكلمات قاصدا كل حرف منها
–عدى شاب محترم جدا وابن ناس ونابغ فى شغله وفيه كل الصفات اللى تخلى اى أب يحب يديله بنته ، بس صدقينى انا حاجة واحدة اللى خلتنى اوافق على جوازكم من بعض ، عارفة ايه هى يا أسيف ؟
صبت جام تركيزها على ما يقوله لتتمتم بهدوء ردا على سؤاله الذى استحث جميع حواسها
–ايه هى ؟!
ابتسم بلطف ونظر لها بخضراوتين مايزالان يلتمعان رغم مرور السنين وترك آثارها على وجهه ليتكلم بلين مترصدا أية إيماءة ستبدر منها إثر ما سيلقيه عليها من كلمات حدثت بالفعل مستغلا إياها لإخبارها بها
–الخوف اللى شوفته عليه لما حس انى ظهورى فى حياتك هياخدك منه وبعد ما وافقت على جوازكم الفرحة اللى شوفتها فى عينه والراحة اللى بانت على وشه كأن روحه اتردتله أكدلتى انى مغلطتش لما وافقت ، حبه ليكى باين عليه مش محتاج انى اتأكد منه لإنى شوفته فى نظراته ليكى وأنا أكتر واحد يفهم فى نظرات الحب دى
جاءهما صوت "رفيف" المتقدمة نحوهما بوجهها البشوش المبتسم كالعادة والتى تكلمت بمزاح لوالدها على كلماته الأخيرة
–يا H يا جامد انت يا بتاع النظرات
قابل تقدمها بابتسامة طيبة سريعا ما اختفت ليحل مكانها نظراته المتفحصة لهيئتها ثم تساءل
–ايه ده انتى خارجة ؟!
أومأت برأسها فى إيجاب وهو واقفة بجانب مقعده لتجيبه هى
–رايحة النادى مع داليا بقالى فترة كبيرة مروحتش الجيم ولا عملت تمارين وانت عارفنى يا بابى بحب أحافظ على جسمى
تفقدها مليا وهو مضيقا ما بين حاجبيه واعتلى ملامحه الاستنكار لما قالته ليتشدق
–يا بت هو انتى فيكى شكل ولا جسم هتحافظى عليه أكتر من كده ايه
صدحت ضحكتها وكادت تجيبه ليأتيها اتصالا من صديقتها انهته بكلمات قليله ثم قالت فى تحفز موزعة حديثها بين والدها وشقيقتها
–طب باى يا بابى دلوقتى عشان داليا خلاص وصلت النادى ومش عايزاها تستنى لواحدها كتير ، باى يا سوفى هحاول متأخرش عشان نقعد مع بعض عايزه نتف*ج على أى movie سوا ونسهر للصبح
ابتسمت "أسيف" برقة لا متناهية وقد أعجبها اقتراحها لتقول بموافقة
–تمام.. هستناكى
ارتدت الأخرى نظارتها الشمسية وأشارت لهما بيدها وهى ذاهبة من امامهما قائلة بحماس لا يغيب عنها
–okay see you later , bye (حسنا أراكما فيما بعد، وداعا )
ابتسم هشام بحب لها وارتكز بنظره عليها إلى أن أختفت من امامها ليقول بعدما حول نظره ل"أسيف"
–دايما كده مليانة نشاط وحيوية
هزت وجهها دلالة على علمها ثم قالت وهى محافظة على ابتسامتها
–أخدت بالى
أكمل مضيفا بنبرة هادئة محافظا على تعابير وجهه الحانية
–رفيف طيبة اوى وكل ماهتتعاملى معاها هتعرفيها أكتر وهتحبيها أكتر
تن*دت مطولا محاولة ترتيب كلماتها لتنظر له بحب ثم قالت
–انا فعلا حبيتها ، وحبيتك كمان اوى ، أول مرة ابقى كده مع حد انا عادة بخاف اتعامل مع اى حد معرفوش ولو اتعاملت بيبقى بحدود اوى ، لكن انا معاكم بتعامل بطبيعتى وحاسة اننا مع بعض بقالنا سنين ، انا معاكم زى مانا مع ماما نادية وعدى وطيف "ابتلعت ثم قالت بصوت مهزوز وهى تعيد خصلاتها المتمردة للخلف بأناملها" يمكن.. يمكن بس مجد اللى مش عارفة اتعامل معاه لسه.. وتقريبا لحد دلوقتى متكلمناش خالص و.. وبخاف منه شوية بس...
قاطع تتابع حديثها بكلمات تحمل الحزن الدفين على ابنه وإلى ما آلت إليه حالته منذ أعوام بعيدة ليصبح على ما هو عليه الآن
–عشان انتى لسه متعرفيش مجد ، مجد يبان حاجة وهو فى الحقيقة حاجة تانية صدقينى يا بنتى مجد طيب اوى وحنين يمكن اكتر كمان من رفيف بس هو من ساعة موت والدتكم وهو كده قافل على نفسه حتى معانا ، كان متعلق بيها اوى وإنهار لما اتوفت ، وعلى فكرة كمان كان بيحبك اوى وانتى كنتى علطول معاه وكنتى بتسيبى اوضتك وبتروحى تنامى جنبه فى اوضته
ابتسم عند تذكره لما كانت تفعله وهى طفلة صغيرة ثم تابع
–كنت انا ومامتك نروح نتطمن عليكى قبل ما ننام نلاقيكى مش فى الاوضة بتاعتك نعرف انك روحتى لمجد نروح نتأكد انك هناك نلاقيكى نايمة فى حضنة "تن*د واطنب بحزن لاح على قسماته" مجد فضل فترة كبيرة مكتئب وقافل على نفسه اوضته لما اتخ*فتى ووصل لدرجة انه رفض الأكل قبل ما نعرف ان حد اتبناكى كان فاكر انك.. "لم يسطتع نطقها ليغمض عينيه لثانية ورطب شفتيها وأكمل استرسال كلماته" وقتها كان عايز يموت وراكى لولا انا قعدت معاه وهديته شوية وبرضه مرجعش لحالته الطبيعى غير لما عرفنا ان فى حد اتبناكى يمكن حزننا من بُعدك عننا كان لسه جوانا بس وقتها قلبنا اتطمن شوية اما عرفنا انك لسه عايشة
أحست بحزنه الذى تطرق على وجهه وملأ صوته ليلين قلبها تجاه شقيقها الذى لم يجمعهما حتى الآن أيه أحاديث لا تدرى ما الذى عليها ان تقوله بعد كل ما قاله ليأتى فى ذاكرتها عدة مواقف عابرة لتنطق بها بعفوية منها دون ترتيب سابق
–لما بابا طارق الله يرحمه اتبنانى كنت وقتها فاكرة اسمى وماما قالتلى انهم سألونى عن اهلى قولتلهم ان عندى نجوى وبابا وواحد صغير كان قصدى بالواحد الصغير ده تقريبا مجد "قالتها وهى تضحك ببعض الحرج ثم تابعت" وماجبتش سيرة رفيف خالص أكيد كنت نسيتها، انا مع الوقت نسيت كل ده ماما اما كبرت هى اللى قالتلى.. كنت دايما بحلم بيكوا وخصوصا ماما هتصدقنى لو قولتلك انها كانت بتجيلى فى الحلم بشكلها اللى فى الصورة
–ربنا يرحمها
أردف بها بخفوت وقد ملأ الشجن ملامحه على ذكر زوجته الراحلة وأكثر من أحب بالوجود وشرد بعدة مواقف حدثت بينهما بالماضى ليبتسم بألم حينما أتى بذهنه تلك الذكرى المحببة لقلبه المليئة بالشغف المتبادل بينهما
–بس يا هشام بقى متهزرش أسيف ممكن تيجى فى اى وقت وتشوفنا
هتفت بها "نجوى" بحنق وهى تتلوى بجسدها بين ذراعى زوجها المحاوطين لخصرها من الخلف ولاصق ظهرها بص*ره بتملك بالغ بينما كانت واقفة هى أمام المرآة تمشط خصلاتها ، تلك الحركات التى تفعلها بجسدها فى محاولة لابتعادها عنه لم تزيده سوى إثارة ورغبة تأججت بداخله بقوة تجاهها ليهمس بلا مبالاة وهو يقترب بوجهه من عنقها ملثما إياه برقة بالغة
–وايه يعنى عيلة صغيرة ومش فاهمة حاجة.. تعالى بقى
غمغم بالأخير وهو يدير جسدها له لتدفعه من ص*ره على الفور قبل ما يزيد مما يفعله وتستسلم لأبحر عشقه بالنهاية وهى تود أن تطمئن على طفلتيها أولا لتقول بحدة
–الصغير بيكبر وبيفهم.. ابعد
لم يخفُ عن ناظريه تدللها عليها لينظر لها بخبث لم تلحظه ثم هدر مدعيا استسلامه
–تمام خلاص بعدت اهو
كادت تغادر ليسبقها ويغلق باب الغرفة وحملها حتى سريرهما ووضعها برفق وسارع بالجثو فوقها لتهتف هى مسرعة
–هشام أسيف لواحدها و..
وضع يده فوق فمها مانعها من الإكمال ونظر بعينيها ببعض الخمول ثم قال بأنفاس متثاقلة وهو يحرك إبهامة محددا شفتيها بحركة مثيرة
–هتقعد مع رفيف ، قولت للنانى تخليها معاها
ابتلعت وعلت أنفاسها لتتمتم بإختلاق أى أمر ليتوقف عما سيفعله
–طب استنى كنت عاي...
انهال على شفتيها مبتلعا باقى حديثها بفمه بقبلة طويلة شغوفة فرقها بعدما أحس أنهما قاربا على الإختناق ليهمس أمام شفتيها وهو يلهث بشدة
–وحشتينى
أحاطت عنقة بابتسامة راغبة به هى الأخرى لتقول من بين انفاسها التى تكافح لالتقاطها
–وانت كمان
فاق من تلك الذكرى على يد ابنته فوق ذراعه المتفقد له حيث انها تناديه منذ فترة ليبتسم لها وهو يوارى ذلك الحزن الذى لم ولن ينتهى حتى يلاقاها بدار الآخرة ، حاول قدر استطاعته ان يتابع معها الحديث متأملا ملامحها التى تذكره بكل إنش بها بحبيبته ووالدتها التى أخذت منها كل شىء من ملامحها تعبيراتها رقتها وحتى صوتها
________________________________
بعد مرور عدة أيام ..
ماتزال "أسيف" ببيت والدها يطمئن عليها "عدى" من حين لآخر بمهاتفة والدها ويطلب منه فى كل مرة أن لا يخبرها بسؤاله عليها لقد اشتاقها للغاية لم يكن يعلم ان عدم رؤيتها لعدة أيام فقط سيؤرقه هكذا ويطرد النوم من عينيه فهو لا ينم سوى ساعات قليلة منذ يوم ذهابها لبيت عائلتها لم تغب عن باله للحظة لا ينفك يتخيلها معه وبين أحضانه كم يرغب برؤية خضراوتيها اللامعتين ذوى النظرة الساحرة الذى أصبح متيم بهما كما صاحبتهما تماما ، لا يدرى أكل ذلك العشق بداخله لها فقط من بضعة أسابيع لهما سويا كزوجين أم من تلك اللحظة التى شعر بها بانجذاب نحوها منذ عدة أعوام مضت
ذلك التعلق بها منذ الصغر الذى نما بداخله بمرور السنين ليتحول لانجذاب بها وهو كالأ**ق كان يقنع نفسه انه انجذاب لجمالها ورقتها ليس إلا وهى ليست سوى أخت بالنسبة له ليأتيه فترة لم يستطع فيها منع نفسه عن التفكير بها بمنظور آخر أخذ عقله برسم سيناريوهات لهما معا بعيدة كل البعد عن كونها شقيقة كان يُهيَأ له انها بين أحضانه يتشاركان معا بعض القبلات التى كلما وقعت عينيه على شفتيها المكتنزة لود أن تصبح حقيقة وليست مجرد تخيلات كان يتخيلها نائمة بجانبه بوجهها الذى يشبه الملائكة وهو بجانبها يرسم هيئتها النائمة بذهنه وصل لمرحلة كان يتخيلها بين أحضانه وملكه هو فقط ويتشاركان معا بعض اللحظات الحميمية ، ليشعر ان عقله قد بالغ للغاية لينفض تلك الأفكار عن رأسه ناهرا نفسه وبشدة على تفكيره بها بتلك الطريقة وهى التى لا تراه سوى أخيها وصديقها الوحيد ولكن تلك الافكار لم ترحمه لتواتيه من جديد كأن عقله على ت**يم منه بتمزيق صورتها كأخت من رأسه وحياته كلها وإبدالها بصورة أخرى لن يقبل بها من حوله حتى هو لا يتخيلها واقعا
ابتسم حين تذكر ذلك اليوم الذى كان يصنفه بالماضى بيوم المصيبة الكبرى كانت حينها "أسيف" ببداية مرحلتها الثانوية بينما هو قد انهى مرحلته الجامعية لتوه ، كانت مصابة بحمى ووالدته كانت ساهرة بجانبها تضع لها كمادات على جبينها لتخفض حرارتها تأخر الوقت والساعة قد تعدت الثالثة صباحا ، كان "عدى" دالفا غرفة "أسيف" للإطمئنان عليها ليرى والدته على تلك الحالة من الإرهاق الذى كان جليا عليها ، إقترح عليها الذهاب لغرفتها لتستريح قليلا وهو سيظل بجانب "أسيف" ريثما تغفو هى قليلا وتريح جسدها ، وبالفعل رحبت بالأمر وتركته معها
–ماما قومى انتى نامى فى اوضتك ارتاحى شوية وانا هفضل جنبها وهتابع حرارتها
أخبرها بصوت خفيض وهو يربت على ذراعها لتنظر له بتعب ثم تكلمت وهى تتنهد
–انا فعلا تعبت اوى معدتش قادرة أقعد أكتر من كده ، هى حرارتها نزلت شوية غيرلها الكمادات واوعى تسيبها يا عدى ولو حرارتها علت تانى او تعبت صحينى
أومأ لها برأسه ليتحدث بحنو بعدما نهضت وجلس مكانها
–خلاص يا ماما متقلقيش روحى نامى انتى بقى
غادرت الغرفة وظل هو يبدل لها الكمادات كلما شعر بانتقال الحرارة من جبينها لها ، تحسس جبينها بعد فترة بيده ليجد الحرارة انخفضت والدواء الذى أخذته ظهر مفعوله ، ليتن*د ببعض الراحة ولكنه لم يستطع إبعاد زيتونتيه عن وجهها الملائكى المتعب للغاية وبتلقائية وجد يده تتحسس وجهها برقة لتقع عينيه حينها على شفتيها ابتلع بتوتر ولكنه لم يشعر بنفسه سوى وهو يقترب منهما ملثما إياهما بتروٍ مهلك وأخذت يده بتحسس ذراعها العارى لارتدائها منامة بدون أكمام انتقلت يده من ذراعها لخصرها ليدخل يده أسفل ظهرها مقربا جسدها منه أكثر وقد تحولت قبلته وقتها للحدة قليلا وظل يعمق بها إلى أن شعر بها تإن بين قبلته
ليبتعد عنها سريعا وقد هربت عروقة من جسده وص*ره يعلو ويهبط بقوة إثر كل تلك الإثارة التى إندلعت بداخله هدأ قليلا عندما وجدها مازالت نائمة أوصد عينيه وأخذ يسب نفسه على ما فعله وإقترابه منها بتلك الطريقة وزم شفتيه بغضب فإذا كانت إستيقظت وهو يفعل معها ذلك فلن يستطيع حينها النظر بعينيها مدى الحياة ، تلك الرغبة التى تحكمت به حتما ستودى به إلى الهلاك ، وقعت عينيه على شفتيها الحمراوتين والمنتفختين قليلا إثر قبلته لتزداد انفاسه من جديد ليعلم ان وجوده معها الآن لن يؤدى سوى لفعل كارثة حتمية ليترك وقتها الغرفة سريعا دالفا غرفته وموصدها عليه مانعا نفسه بكل طاقته ألا يخرج إليها ويهشم تلك الشفاه مجددا بين شفتيه
من بعد ذلك اليوم وهو يحاول السيطرة على أفعاله قدر المستطاع يبتعد عن أى مكان يجمعهما وحدهما أصبح يغض بصره عنها وعن النظر لمفاتنها التى تجذبه على الرغم من أن ما ترديه نفسه الذى ترديه "طيف" ولكنها بالطبع مهما أقنع ذاته أنها مثلها مثل "طيف" لن يقتنع داخله بذلك الأمر مجددا ، بدأ عملا جديدا فى ذلك الوقت ليجعل كامل وقته وتركيزه به وبالطبع مع الوقت تغير تماما ، أصبح يتعامل معها بحدود وبذات الوقت يمرحان سويا ويتحدثان كى لا يرتاب أحدا بأمره ولكنه عاهد نفسه ألا يفعل ذلك مجددا فلن ي**ن تلك الأمانة الذى تركها لهم والده فمن المفترض ان يصبح هو حاميها وليس مستغلها
اتسعت ابتسامته مظهرا اسنانه من تلك الذكرى ، مَن يصدق ان ما كان يخشى حدوثه قد حدث بالفعل وأصبح الجميع مرحبا به عاداها هى ، ليتن*د ببؤس كم يتمنى أن تصبح له كيانا وروحا أيضا يحتاجها كثيرا ويحتاج أن يتمتع بدفء أحضانها ، لم يعد يتحمل ذلك البعد أكثر من ذلك ، إذا لم يحدث بينهما شيئا يكفى أن تبقى معه وأمام مرأى عينيه ، نهض من فوق المقعد متوجها نحو دولابه لتبديل ثيابه سيذهب إليها لن يستطيع المكوث دونها أكثر من ذلك
_____________
يُتبع . . .