لم يكن البحر في تلك الليلة غاضبًا، لكنه لم يكن هادئًا أيضًا.
كان يشبه قلبًا يعرف أن شيئًا ما على وشك أن يحدث، ولا يملك القدرة على منعه.
تحت سطحه، في الأعماق التي لا يصلها الضوء إلا كذكرى، كانت ليمار تسبح ببطء، زعنفتها تتحرّك بانسيابٍ حذر، كأنها تخشى أن تُوقظ البحر من أفكاره.
لم تكن وحدها، فالحوريات لا يسبحن منفردات عادة، لكن شعورها بالوحدة كان أثقل من أي رفقة.
توقّفت قرب صخرةٍ مرجانية كبيرة، وضعت كفّها عليها، وأغمضت عينيها.
كان قلبها يخفق بإيقاعٍ لا يشبه إيقاع الأعماق.
إيقاعٌ أسرع… قلق… غير مطيع.
– «أنتِ شاردة مجددًا.»
جاءها الصوت ناعمًا، لكن يحمل نبرة ملاحظة لا تخطئ.
فتحت ليمار عينيها، فوجدت إحدى الحوريات تقترب، نظرتها فاحصة، وكأنها تحاول أن تقرأ ما خلف ال**ت.
ابتسمت ليمار ابتسامة خفيفة، محاولة إخفاء ارتباكها.
– «كنت أستمع إلى التيارات فقط.»
لم تُجادلها الأخرى، لكنها نظرت إلى الأعلى، إلى حيث يعلو الماء ويخفّ لونه، ثم عادت بنظرها إلى ليمار.
– «التيارات هناك… خطرة.»
هزّت ليمار رأسها ببطء.
تعرف ذلك.
تعرف كل التحذيرات، كل الأساطير، كل النهايات التي لم تكن سعيدة.
ومع ذلك، كان هناك شيءٌ أقوى من المعرفة.
حين ابتعدت الحورية، عادت ليمار ترفع نظرها نحو السطح.
لم تكن ترى اليابسة، لكنها كانت تشعر بها.
كأن بينها وبينها خيطًا خفيًا، مشدودًا على قلبها.
لماذا أشعر وكأنني أنتمي إلى مكانٍ لم أولد فيه؟
سألت نفسها، ولم تجد جوابًا.
في تلك اللحظة، تحرّك البحر.
ليس بموجة، بل بنبضة.
شعرت ليمار بالتيار يشتدّ حولها، كأن الماء يطالبها بالعودة.
استجابت، لكن ببطء، كمن يطيع جسدًا ويعصي قلبًا.
على اليابسة، كان نايل يقف وحيدًا على الشاطئ.
الليل يلفّه ب**ته، والبحر أمامه يمتدّ بلا نهاية، كما لو كان يختبر صبره.
خلع حذاءه، وغرس قدميه في الرمل الرطب.
كان البرد خفيفًا، منعشًا، لكنه لم يكن السبب في القشعريرة التي سرت في جسده.
كان يشعر بأن البحر ينظر إليه.
هزّ رأسه ساخرًا من الفكرة.
تنظر إليك؟
كم يبدو ذلك سخيفًا لو قاله بصوتٍ عالٍ.
ومع ذلك، لم يستطع المغادرة.
كان هناك شيءٌ في ص*ره يجذبه إلى الأمام، إلى حافة الماء، إلى تلك المسافة الخطرة بين الاقتراب والغرق.
جلس، وأسند ذراعيه على ركبتيه، وأطلق زفرة طويلة.
جاء إلى هنا ليهرب، لكنه وجد نفسه محاصرًا بشيءٍ أعمق من مشاكله.
ذكرياته لم تلاحقه هنا،
لكن شعور النقص فعل.
كأنني تركت جزءًا مني في مكانٍ لا أعرفه.
فكّر، وحدّق في الموج.
وفي لحظةٍ قصيرة، خاطفة، شعر بشيءٍ غريب.
كأن الماء تحرّك بإيقاعٍ مختلف.
كأن البحر… تنفّس.
وقف فجأة، قلبه يخفق.
لم يرَ شيئًا، ولم يسمع شيئًا، لكن الإحساس كان واضحًا.
لم يكن وحده.
– «غريب…»
تمتم، ثم ضحك بخفوت، كمن يوبّخ نفسه على خياله.
لكن البحر لم يضحك.
في الأعماق، كانت ليمار تشعر بالاختناق.
ليس من نقص الأ**جين، بل من ثقل الشعور.
كان قلبها ينبض بقوة، وصورة غامضة تلوح في ذهنها.
ظلّ واقف، على حافة عالمها، قريب… بعيد.
وضعت يدها على ص*رها، كأنها تحاول تهدئة نبضها.
– «توقّفي.»
همست لنفسها.
– «هذا خطأ.»
لكن الخطأ، حين يُولد، لا يعود يسأل عن الصواب.
شعرت بنداءٍ غريب، لا يشبه نداء البحر.
نداء لا يأمر… بل يطلب.
رفعت رأسها ببطء، وسبحت صعودًا، خطوة صغيرة، محسوبة.
لم تكن تنوي الوصول إلى السطح، فقط الاقتراب.
فقط أن تشعر.
وفجأة…
رأت الضوء.
لم يكن شمسًا، بل انعكاس القمر على الماء.
لكن قلبها خفق كأنها ترى عالمًا كاملًا لأول مرة.
وفي الأعلى، في اللحظة نفسها، كان نايل يحدّق في البحر حين شعر بشيءٍ يتحرّك تحته.
لم يرَ ملامح، ولا جسدًا، فقط ظلًّا سريعًا…
لكنه كان كافيًا ليحبس أنفاسه.
التقت اللحظتان.
لا عين رأت عينًا،
ولا صوت نطق باسم،
لكن شيئًا ما… عُرف.
ليمار توقّفت.
قلبها يكاد يخرج من ص*رها.
هذا الإحساس… لم يكن حلمًا.
ونايل تراجع خطوة، غير قادر على تفسير ما شعر به.
الخوف امتزج بالدهشة، والدهشة بشيءٍ أقرب إلى الشوق.
البحر، في تلك اللحظة، شدّ التيار بقوة.
كأنه يقول:
ليس بعد.
انسحبت ليمار بسرعة، ص*رها يعلو ويهبط.
أما نايل، فظلّ واقفًا، ينظر إلى الماء طويلاً، وكأنه ينتظر أن يحدث شيء آخر.
لكن البحر **ت.
إلا أن ال**ت هذه المرّة…
لم يكن نهاية.
كان بداية. لم تستطع ليمار العودة إلى عمقها المعتاد.
كلما حاولت، شعرت بأن الماء يضغط على ص*رها أكثر مما يحتمله قلبها.
كانت التيارات تسحبها إلى الأسفل، لكنها كانت تشعر أن شيئًا منها ظلّ معلّقًا هناك… قرب السطح.
توقّفت داخل كهفٍ مرجاني صغير، الضوء فيه خافت، والأصوات مكتومة.
جلست على صخرة ملساء، وأسندت جبهتها إلى كفّيها.
للمرة الأولى منذ وُلدت، لم تفهم البحر.
هل هذا ما حذّرونا منه؟
تساءلت ب**ت.
أم أنني فقط أتخيّل؟
لكن الخيال لا يترك أثرًا كهذا.
لا يغيّر النبض، ولا يربك الروح.
كانت تسمع أصوات الحوريات في البعيد، ضحكات خافتة، أغنيات مألوفة، حياة تمضي كما يجب… إلا داخلها.
داخلها، كان شيءٌ جديد يتشكّل، بلا اسم، بلا ملامح، لكنه حيّ.
رفعت رأسها، وأغمضت عينيها.
فجأة، عاد ذلك الإحساس.
ذلك الحضور الغريب… الدافئ… المختلف.
رأت الظلّ من جديد.
واقفًا عند الحافة، كما لو كان ينتمي إلى الانتظار.
فتحت عينيها بفزع، ووضعت يدها على ص*رها.
– «كفى.»
همست.
– «هذا جنون.»
لكن الجنون، حين يزور القلب، لا يستأذن.
على الشاطئ، كان نايل يسير ذهابًا وإيابًا.
لم يعد قادرًا على الجلوس.
شيءٌ ما استيقظ داخله، قلق لا يعرف له سببًا.
نظر إلى البحر، ثم إلى السماء، ثم عاد بنظره إلى الماء.
كأنّه يحاول أن يجد تفسيرًا في أي مكانٍ آخر.
كان مجرد ظل.
قال لنفسه.
انعكاس ضوء… حركة موج… لا أكثر.
لكن قلبه لم يصدّق.
اقترب من الماء خطوة أخرى، حتى لامست قدماه الموج.
البرودة هذه المرّة كانت أشد، لكنها لم تُبعده.
بل على الع**، جعلته يشعر بيقظةٍ غريبة.
– «هل هناك أحد؟»
سأل بصوتٍ خافت، ساخر من نفسه.
لم يجب أحد.
لكن البحر تحرّك.
لم تكن موجة عادية، بل موجة صغيرة، هادئة، تقدّمت ثم تراجعت، كما لو كانت تتنفّس معه.
ابتلع نايل ريقه، وشعر بقلبه يخفق بقوة.
لم يكن خائفًا.
كان… مأخوذًا.
وفي أعماقه، وللمرة الأولى، خطرت له فكرة لم يجرؤ على إكمالها:
ماذا لو لم يكن البحر فارغًا كما نعتقد؟
في تلك الليلة، لم تنم ليمار.
الحوريات لا تنام كما ينام البشر، لكنهنّ يعرفن السكون.
وهي… لم تعرفه.
كانت تطفو في الماء، جسدها ساكن، وعقلها في اضطراب.
كلما أغمضت عينيها، عاد الإحساس ذاته، كأنه يطالبها بالاعتراف.
لم يكن حبًّا بعد.
لم يكن اسمًا ولا صورة.
كان وعدًا غامضًا، وإحساسًا بأن شيئًا مهمًا ينتظرها خارج حدودها.
شعرت بحركةٍ خلفها.
استدارت بسرعة، فوجدت إحدى الحوريات الأكبر سنًا، نظرتها عميقة، تعرف أكثر مما تقول.
– «السطح… ليس لنا.»
قالت بهدوء.
لم تجب ليمار فورًا.
خفضت نظرها، ثم رفعت رأسها بثبات لم تعرفه في نفسها من قبل.
– «ولماذا أشعر أنني خُلقت وأنا أنقصني شيء؟»
ساد **ت ثقيل.
**ت لا يقطعه إلا صوت الماء.
– «لأن بعض الأسئلة تُخلق معنا.»
أجابت الأخرى أخيرًا.
– «لكن ليست كل الأسئلة يُسمح لنا بالبحث عن إجاباتها.»
انصرفت، وتركت كلماتها معلّقة كتحذير أخير.
أما نايل، فعاد إلى منزله مع الفجر.
جسده متعب، لكن عقله مستيقظ أكثر من أي وقت مضى.
لم يخبر أحدًا أين كان، ولا ماذا شعر.
كيف يشرح إحساسًا لا يملك له لغة؟
حين استلقى على سريره، أغمض عينيه، فظهرت أمامه صورة البحر.
ليس كما يراه الجميع…
بل كما شعر به.
ككائنٍ يراقب.
ينتظر.
ويختبر.
وفي الأعماق، وفي اليابسة، كان قلبان ينبضان بإيقاعٍ جديد.
إيقاع لم يتّفق عليه البحر…
لكنه لم يمنعه بعد.
وهكذا انتهى الفصل الأوّل.
لا بلقاء،
ولا اعتراف،
ولا **رٍ ص**ح.
فقط…
بداية إحساسٍ سيغيّر كل شيء.
مع اقتراب الفجر، تغيّر البحر.
لم يكن التغيّر واضحًا للعين، لكنه كان محسوسًا… كأن الماء صار أكثر ثقلًا، وأكثر وعيًا.
في الأعماق، كانت ليمار تشعر بذلك التبدّل.
لم يكن تيارًا قويًا ولا عاصفة، بل إحساسًا خفيًا بأن البحر لم يعد يراقب ب**ت، بل بدأ يحسب.
كانت تسبح ببطء قرب حدود مملكتها، تحاول أن تبدو طبيعية، أن تعود كما كانت، لكن جسدها يطيعها أقل مما اعتاد.
كلما اقتربت من الأسفل، شعرت بوخزٍ خفيف في قلبها،
وكلما اتجهت إلى الأعلى، شعرت بخوفٍ لا يشبه التحذير… بل يشبه التهديد.
توقّفت فجأة.
وضعت يدها على ص*رها، وأغمضت عينيها.
– «أنا لم أفعل شيئًا.»
همست للماء.
– «لم أخالف… لم أخرج… لم ألتقِ.»
لكن البحر لا يحاكم الأفعال وحدها.
يحاكم النيّات.
شعرت بالاهتزاز يمرّ من تحتها، كنبضةٍ عميقة خرجت من قلب الأعماق.
نبضة واحدة، لكنها كانت كافية لتُربكها.
الأساطير القديمة لم تكن تكذب.
البحر يشعر حين يُهدَّد توازنه،
حتى لو كان التهديد… شعورًا فقط.
على اليابسة، كان نايل يقف أمام نافذته، يراقب الضوء الأول للصباح.
لم ينم، ولم يحاول.
كلما أغمض عينيه، عاد إليه ذلك الإحساس ذاته…
أن شيئًا ما ينتظره عند البحر.
لم يكن يعرف ماذا يريد.
لم يكن يعرف لماذا يشعر بأن العودة إلى الشاطئ ليست خيارًا، بل ضرورة.
ارتدى ملابسه على عجل، وخرج.
الشوارع كانت شبه خالية، والهواء بارد، لكنه لم يشعر بشيء سوى الخفقان في ص*ره.
حين وصل إلى الشاطئ، كان البحر هادئًا على نحوٍ مريب.
لا موج عالٍ، ولا حركة لافتة،
فقط امتدادٌ واسع… يراقبه.
اقترب ببطء، كما لو كان يخشى أن يُفسد لحظةً مقدّسة.
وقف عند الحافة، وعيناه تبحثان دون أن تعرفا عمّا.
– «أنا هنا.»
قالها بهدوء، دون أن يدرك لماذا قالها أصلًا.
لم يجب البحر.
لكنه تحرّك.
لمسة ماءٍ خفيفة وصلت إلى قدميه، ثم تراجعت.
لم تكن موجة عشوائية، بل حركة محسوبة، كأن البحر يختبر ردّة فعله.
لم يتراجع نايل.
بل انحنى قليلًا، ومدّ يده، لامس الماء بأطراف أصابعه.
في تلك اللحظة…
شعر الاثنان.
ليمار، في الأعماق، شهقت فجأة، وكأن أحدًا لمس قلبها مباشرة.
ارتدّت للخلف، عيناها متّسعتان، وأنفاسها مضطربة.
ونايل سحب يده بسرعة، كأن تيارًا كهربائيًا مرّ فيه.
لم يرَ أحدهما الآخر.
لم يسمعا صوتًا.
لكن الاتصال حدث.
كان قصيرًا…
وخطرًا.
البحر اهتزّ بعنفٍ مكتوم.
ليس غضبًا معلنًا، بل تحذيرًا أخيرًا.
في الأعماق، التفّت التيارات حول ليمار، تسحبها إلى الأسفل بقسوة.
قاومت للحظة، ثم استسلمت، وقلبها يخفق بخوفٍ لم تعرفه من قبل.
أما نايل، فتراجع خطوة، ثم أخرى، وهو يحدّق في الماء بذهول.
لم يفهم ما حدث، لكنه كان متأكدًا من شيءٍ واحد:
هذا لم يكن وهمًا.
وحين ابتعد، عاد البحر إلى هدوئه…
هدوء ما قبل القرار.
في تلك اللحظة،
لم يكن الحب قد وُلد بعد،
لكن البحر…
عرف أنه سيولد.
وعرف أيضًا
أنه، حين يحدث ذلك،
لن يرحم أحدًا