تقلب صلاح في فراشه، تسلل ضوء غياب الشمس معلنة بدء انتهاء نوبتها اليومية من شباك صغير فوق الكنبة التي ينام عليها، أتاه صوت من بعيد كأنه من أعماق بحر:
صلاح أنت يا واد يا صلاح أنت يا أبنى.
نادت عليه والدتة صباح من غرفتها الصغيرة المطلة على الشارع الرئيسي في أحد المناطق الشعبية التي تطلق عليها الحكومة عشوائيات، بشر لم يجدوا ما يسكنوه فلجأوا إلى أطراف القاهرة يبنون بيوت من طين أو صفيح، أقل ما يقال عنهم أنهم تحت خط الفقر، امتزج صوت والدته مع اصوات الباعة الجائلين ومشاجرات رواد المقهى المقابل لبيتهم في الشارع الضيق وخبطات قطع الدومينو على مناضدها المتآكلة المتشققة، لا مانع من بعض السباب المتبادل بينهم أو تحرشات لفظية بغريب قاده حظه العثر بالخطأ ليمر من بينهم، السباب أسلوب حياة وهو أقل ما يتم التعبير به عن المرفوض، كلمات لا يمكنك فهمها لكن ذات معنى ومغزى عميق وكبير عندهم، ماذا ستفهم عندما تسمع بعض الشباب يصيحون مكررين كلمة أبيض عند مرور سناء جارة صلاح أو كلمة محظوظ عند مرور رزق والده، لكن مع تجميع قطع الأحجية ستفهم أن الكلمة الأولى المقصود بها جسم سناء والمحظوظ هو رزق الذي داهمتة صباح زوجته مع جارتها عاريان وقامت بجمع جميع سكان الحارة لرؤيتهم متلبسان
كل شيء هنا خارج عن الطبيعي أو المتعارف عليه، بداية من القمامة الممزوجة بمياه الصرف الصحى والتى يتعاملون مع وجودها بكل اريحية وكأنها جزء من تكوين المكان حولهم.
سيمر الامر طبيعيًا عندما ترى أحدهم يمارس هوايته الأثيرة فى البصاق رداً على آخر بصق على وجهه ، ستجزم عندئذ أنهم فى منافسة دولية للبصاق، ستمر بهؤلاء النسوة المتشحات بمزيج عجيب من الألوان وربطات الشعر المتنوعة الأشكال المتباينة الأحجام وكأن الألوان لم تخلق يومًا إلا للتنافر بينها، وبالطبع هذه القاعدة تنطبق على ألوان الشعر، والتي كلما ازدادت غرابتها صارت أكثر جاذبية من وجهة نظرهم، هل ترى هذه السيدة السمينة وهي تعقص شعرها الذهبى المنحس وكأنها وضعت عليه ق**ب كامل من الحديد الصدئ؟ تجلس فى زهو ونظراتها الواثقة من نفسها وكأنها حصلت على لقب ملكة جمال الكون للتو، ماذا عن تلك الفتاة شديدة السمار الواقفة أمام باب بيتها؟ نعم شعرها أصفر فاتح لا يتناسب مع لون بشرتها، تعتقد نفسها احدى نجمات السينما العالمية، واضح هذا من نظراتها المتعالية على الفتيات والشابات المارات أمامها.
تتخلل دوماً أحاديثهم نظرات الكيد والتفاخر وهنا لا تعلم حقاً إن كانت ما تنطقه السنتهن حقيقي وأنها حبيبة ام غريمة كما تنطق العيون، لا بأس ابدا من بعض الحكايا الجنسية المتبادلة عن الازواج على الملأ بلا خجل و كأن ما يتحدثون عنه أحد أنواع الأدب القصصي ولهذا ليس هناك ما يستدعى انخفاض الصوت أو التورية في الكلمات.
لا يقطع هذا الجو الحميم إلا صوت مشاجرات اطفال ستحكم عليهم بنفسك عندما تراهم أنه لا ينطبق من وصف الكلمة عليهم إلا دلالتها على فترة عمرية لا أكثر، هل لاحظت هذا الطفل الذي لم يتعد عامه الثاني بلا اي ملابس تستر نصفه السفلى؟ يمشى مترنحًا في الطرقات ممسكًا فى يده قطعة حلوى او خبز يتشاركها فى لا مبالاة مع قطيع من الذباب حتى انك تكاد ان لا ترى وجهه، أو هذه الطفلة في عمر الخامسة ترتدى فستان حال لونه واختفى تحت بقع الأوساخ حافية القدمين تتجه إلى حانوت من الحوانيت المنتشرة فى ذلك المكان والتى لا تدرى ان كانت هي أجزاء من البيوت أم انبثقت من الأرض الطينية ويظهر من حوائطها بقايا اللون الأزرق الفاتح المميز لتلك المناطق، حتى انك تشعر وكأن اللون ارتبط ارتباط وثيق بميلاد العشوائيات فى كل أرض المحروسة.
تردد الصوت من جديد تململ صلاح في رقدته محاولا فتح عيناه والتأكد من أنه لا يحلم وأن هناك من ينادى لتعاود صباح النداء بصوت أعلى بنفاذ صبر:
يا ابنى قوم بقا هيعد*ك معاد الشغل، الساعة دلوقتي خمسة، قوم لاالدكتور يقولك متلزمنيش.
رد صلاح فى **ل:
قايم يا امه اهو.
اعتدل فى بطء محاولًا النهوض، وقف متناولًا المنشفة المتسخة من خلف باب الغرفة، توجه لحمام صغير لا يحتوى سوى حوض وجه وحمام بلدي ملتصق بالأرض تتوسطه فجوة سودا هى ما يعتمد عليها في تصريف الفضلات، بعض البلاطات الملتصقة بحوائطه المتآكلة بفعل الرطوبة والإهمال، فتح صنبور المياه الصدأ وألقى برأسه تحتها في محاولة يائسة منه أن يستعيد كامل وعيه، عاد إلى غرفته وارتدى ملابس الخروج، تناول قميصه الأزرق والذي حال لون ياقته من الاستخدام والبنطلون الجينز الذى كان فى يوم ما من بضع سنين زاهي اللون اما الان فلا لون مميز له تحديدًا، سأل والدته عن فردتين جورب وهو يلح عليها فى طلب أن لا يكون بهما قطوعات، ردت صباح فى فتور:
يا ابنى هو يعنى ذنبي إن الشربات كلها مقطعة؟! أعمل ايه بس ما انت شايف اهو اللى جاى على قد الرايح؟ وأبوك لا هو هنا ولا معانا غير بجسمه بس، معلش يا صلاح يا ابنى انا عارفة إن الحمل تقيل عليك لكن هنعمل إيه أدى الله وأدى حكمته.
رد وهو ينتعل فردة حذاءه البالي:
ونعم بالله.
تحرك هابط الدرج الشبه المتهدم حائل اللون فى طريقه إلى تلك الصيدلية التي يعمل بها فترة ما بعد الظهر أو للدقة من الخامسة مساء الى الثانية عشر ليلًا لتحسين الدخل وهروبًا من تلك البيئة المنفرة لروحه المسجونة داخل جدران هذا المنزل الزرقاء المملوء بالإكراه والإجبار والكبت لجميع رغباته في الحياة وطموحاته للمستقبل.
حدث نفسه وهو يتخطى برك الماء الأسنة في طريقه الى موقف الحافلات العامة:
يعني هفضل في الزفت ده على طول ،ياسلام لو يجيني خبر إن ليا عم عايش في البرازيل ومات وساب لنا كل ثروته واننا الورثة الوحيدين زى الافلام العربي وهوبا بقى بقينا اغنيا كل ده بقى ماضي والله الواحد يعمل عمايل..
كاد أن يسقط في بركة ماء آسنة وهو يجري ليلحق بالحافلة التي تحركت في غفلة منه وهو سابح فى أحلامه الوردية، لحق بها قافزا من بابها الخلفي لم يستقر في مكان وسط زحمة الوجوه والأجساد المكتظة بها، بحث في خبث عن أفضل الاماكن المخفيه عن العيون ليمارس عادته في الوقوف خلف أي سيدة أو شابة والاحتكاك بها، لا يهمه جمالها أو عمرها ما يهمه هو أن يلتحق بها تاء التأنيث، اندس خلف سيدة متشحة بالسواد وجهها مملوء بالأسى وخطوط الشقاء رغم أنه يحمل مسحة من جمال بائد، بيضاء اللون وهو ما ظهر من فتحة صغيرة نتيجة انزلاق غطاء رأسها مع اهتزاز الحافلة فكشف عن جيدها، تفوح منها رائحة البؤس، تحمل طفلة صغيرة تضج ملامحها بالبراءة والفقر على كتفها الأيسر وكيس بلاستيكي فى يدها اليمنى، حاولت بكل جهدها التوازن مع تمايل الحافلة المفاجئ تفاديًا لحفرة كبيرة في وسط الطريق، أخذ موقعة خلفها وبدأ فى ممارسة طقوسه متلفتًا بعينيه يأمن إلا أحد يراه، تملمت السيدة من حركاته الغريبة خلفها ومحاولاته الحثيثة لملامسة جسدها، اعتادت على تلك المواقف بحكم اضطرارها اليومي لركوب كافة أنواع المواصلات فى سعيها الدائم لتوفير لقمة العيش الحلال، ينوء كتفها بحمل الصغيرة النائمة وينوء قلبها بحمله من الأسى والحزن ويئن جسدها من تضاد المشاعر بين الاشمئزاز من الفعل وبين الحرمان المسجون من العادات والتقاليد والتي لا تقوى شوكتها ولا تفرض سلطتها إلا فى العلن، يمزقها الشعور بالصراع بين الانتهاك والرغبة، تحركت في محاولة منها للبعد على قدر المستطاع ،بلا أراده منها تتابع بحواسها حركاته البطيئه المستترة، اقترب منها فى أطمئنان بعد أن أوحت له بالرضا ضمنيًا بصمتها، ساعده اهتزار الحافلة وتمايلها فى اقترابهما حد الألتصاق، ارتعش في
***ة و انكمشت هى فى أذلال.
قفز صلاح فى احتراف من الحافلة وتابع سيره في بطء بلا تردد نحو الصيدلية التي يعمل بها، وقف ليعدل من هندامه ويتأكد بعين خبير أن لا أثر لفعلته على بنطاله الجينز، عندما تأكد أن لا شيء ظاهر انطلق عابرًا الطريق ليصل الى وجهته في الجهة المقابلة.
دلف من الباب الزجاجي وهو يرسم على وجهه ابتسامة صفراء قائلًا:
مساء الخير يا دكتور معلش على العشر دقايق دول انت عارف الاتوبيسات و الزحمة.
أجاب الصيدلي في فتور من أعتاد على التبريرات دون أن يلتفت إليه:
بسيطه يا صلاح يعنى ولا هى أول مرة ولا هتكون اخر مرة يا سيدي، المهم تستلم مني علشان أنا هنا من صبحية ربنا وعندي مشاوير مهمة متأجلة.
رد صلاح فى تهكم تعمد أن يخفيه:
حاضر يا دكتور سلمني الخزنة ومفتاح الجدول واتكل انت على الله، وأنا زى كل يوم الساعة اتنين هقفل بعد ما أسيب لحضرتك على المكتب الوارد والصادر و النواقص والمطلوب، وكله هتلاقيه مظبوط بالمليم باذن الله.
رد الصيدلي في عدم ثقة:
كله على الله يا صلاح.
التفت وهو يحمل دفاتر الحسابات ليسلمها إليه، شرح له فى سرعة اخر ما استجد فيها، تناولها صلاح وانطلق هو خارجًا من الباب، استقل سيارته وتبادل معه نظرات توديع من سيحظى بحريته بعد قليل، وضع الدفاتر جانبًا وتمتم بهمهمة منخفضة قائلًا:
اللى اداك يدينا يا دكتور صحيح.. حظوظ.
مارس مهام عمله اليومية من ترتيب واستعداد لاستقبال الزبائن من المرضى تارة ومن النساء المستهلكات لمستحضرات التجميل المختلفه تارة أخرى وحتى من الأطفال المبعوثين من قبل الأهالي لجلب كيس أو أثنان من مستحضرات غسل الشعر (الشامبو).
دخل أحد الأشخاص من كبار السن يرتدى قميص يحمل نقوش السبعينات وبنطال واسع استند بثقل شقة الأيسر على عصاة خشبية معقوفة اليد وبيده الاخرى وصفة الطبية وبمشقة في الحديث أقترب من صلاح وسأله فى خفوت:
شوف كده يا ابنى الدواء ده عامل كام؟
حاضر ثواني يا حاج اتفضل استريح على ما اشوف موجود واللا لا وأقولك الحساب من عيونى حاضر.
تفقد الرفوف فى همة، حسب الأسعار وعند عودته وجد شاب ممن لا يوحي مظهره العام بأى نوع من أنواع الطمأنينة، خاصة مع هذا الشق العرضي الذى يقسم وجهه من جهة الوجنة ويمتد فى تعرج إلى الأذن اليمنى، وهيئته التي تشي بمجرم عتيد الإجرام، وملابسه التي تزينها رسومات كلها توحي بالموت، جمجمة وعظمتين متقاطعتين على ص*ر قميصه وكلمات إنجليزية مرصعة بفصوص من الزجاج العا** للضوء، انتعل فى قدميه شبشب لا يكاد يتضح له وصف محدد إلا أنه كتلة تشترك مع قدماه في تراكم الأوساخ، اسرع صلاح واقفًا بجانب درج النقود وتبادل نظرات القلق مع الكهل، ازدرد ل**به قبل أن يعرض خدماته عليه:
اؤمر يا ابو الشباب.
رد عليه الشاب فى تلعثم و تهته غير مفهومة فهم منها أنه لا يعي جيدا وأنه م**ر بالكامل حتى أن لسانه لا يطاوعه فى نطق نصف حروف الكلام، أعاد عليه السؤال فى تحفز، رد الشاب مشيرًا للمسن:
بعد الحاج يا أبو صلاح أصل أنا طلبي هيطول.
رد صلاح فى فهم مشوب ببعض الارتياح:
حاضر حالا وأكون معاك.
حضير طلب المسن وأخذ حساب الأدوية، التفت نحو الشاب الذى ما ان اختلى به حتى غمز له قائلا:
حبتين من اللي في الصندوق لحبيبك، انا جايلك من طرف سلامة الحرامى بإمارة الشريط اللى اخده منك أول أمبارح يا زعيم.
ظهر الارتياح على وجه صلاح، رد مبتسمًا:
عينى يا أخويا، حبيب وجاي من طرف حبيب، بس بعد كده ابقى تعالى فايق مش عايزين العيون تتفتح علينا، وانت عارف لو الدكتور خد خبر هروح فى داهية.
رد الشاب عليه بعيون زجاجية لا تفقه كلمة مما ينطق بها لسانه:
حاضر خد بس الفلوس وادينى المطلوب.
أعطاه صلاح فى الخفاء ما طلب، استدار خارجًا من الباب الزجاجي، رن جرس الهاتف الأرضي على غفلة، اهتز محوقلًا، رفع السماعة متحدثًا:
الو.. مساء النور.. مين؟ أهلًا يا فاطمة.
تغيرت نغمة صوته متظاهرًا بالرقة والاهتمام:
طيب اهدي بس ومتقلقيش.
طلبت زميلته في العمل الحكومي دواء سرطان لأمها، رد بثقة:
لا هو مش موجود دلوقتي بس هجبهولك ولو تحت الأرض لو حتى هبعت اجيبه لك مخصوص من بره مصر.
أردف في حنان مصطنع:
يا فاطمة انا عمرى ما هسيبك ولا هسيب الحاجة كده.. وبعدين انتِ عارفة غلاوتك عندى وغلاوة الحاجة دى هى البركة اللى عايشين بدعاها.
مرت فترة صمت قصيرة قطعتها كلمات صلاح المعسولة قالها بصوت خفيض ناعم:
أنا معاكي.. متقلقيش من حاجه.. مش هسيبك انتِ غالية عليا قوى يا بطة.
أنهى المكالمة على وعد بإحضار الدواء المطلوب وتسليمه لها غدا في العمل صباحًا، شرد فى كلمات فاطمة وصوتها، تذكر صوت خطوات كعب حذائها العالي وهي تقطع الممر فى ثقه وتؤدة ورائحة عطرها الثمين وعبقها الفواح، ملابسها التى تشى بحياة مترفة نسبيًا عن حياته المدقعة، تتردد داخله صدى كلماتها عن زوجها المغترب ووالدتها المريضة ووحدتها وسهدها طوال الليل، تفتق ذهنه عن فكرة أتت له على شكل ومضات سريعة عززها داخله بعض المشاهد الجنسية تجمعهما، يقضي فيها على وحدتها وعلى كبته الجنسي، عاد لعقله يفكر وصوت داخله يحثه على اقتحام التجربة، ولم لا وهي مازالت ترفل فى عقدها الثالث من العمر، ولا تكبره سوى بأعوام قليلة لا تتعدى الاربع اعوام، لكنها تفوقه في كل شيء، أم لثلاث أطفال يدرسون بالمدارس الخاصة، ينفق عليهم أب مغترب مما يعنى انها صفقة رابحة على جميع الأصعدة، فهو وإن كان أصغر منها إلا أن مستقبله لا يبدو له أي ملامح تذكر، يعمل بوظيفتين، الحكومية التي تؤمن له الاستقرار والهيئة الاجتماعية والمعاش عند الكبر، لكن لا عائد لها يذكر ولولا عمله الإضافي في الصيدلية ما تمكن من تجهيز أخواته البنات ولا من الإنفاق على المنزل وعلى احتياجات والدته، منحه القدر أب لا ينفق في البيت مليم أحمر، وكل دخله موجه لنزواته الخاصة وعلاقاته المشبوهه ومزاجه من كافة أنواع الم**رات بلا تمييز، لم تسلم امرأة في المنطقة من نظراته ولا من محاولاته الحثيثة لاقامه علاقة معها، استجابت بعضهن، ومن رفضت لم تسلم من اطلاق الاشاعات عليها، واخيرًا تمكنت صباح من فضحه على الملأ، ممسكة برقبة رزق واحدى الجارات عرايا كما ولدتهما امهاتهما امام جميع من بالحارة المجاورة، لم يستطيع احد افلات رزق من بين يديها إلا بعد معاناة، ولحسن حظه أن تلك الجارة مطلقة من زمن ولا أهل لها وإلا لكان قتيل الآن.
خفت أرجل الزبائن بعد منتصف الليل، اعد كوب شاي واشعل السيجارة الأخيرة المتبقية من خمس سجائر فرط اشتراهم من كشك عم عباس على ناصية الحارة في الصباح قبل توجهه لعمله، جلس على المكتب يفكر في مدخل لفاطمة ذات القوام الفتاك وهي الزوجة المخلصة والابنة الحنون والأم الرؤوم، لم يتوقف عن التفكير حتى هو يلبي طلبات بعض الزبائن النادرين في هذا الوقت المتأخر، جهز الدواء المطلوب لأمها وأخذه معه بعد انقضاء ساعات العمل المسائي، أخذ طريق الرجوع للمنزل وهو يمنى نفسه بحياة مختلفة قريبًا جدا.
* * *
رن جرس المنبه معلنًا الساعة الخامسة صباحًا، أغلقته فاطمة قبل أن يزعج والدتها التي لم تنم إلا قبل الفجر بقليل من الألم، أيقظت ريما أصغر أطفالها التى اعتادت النوم بجانبها منذ سفر والدها، تململت الصغيرة معترضة، قبلتها امها على وجنتها، قالت لها بصوت خفيض محفزة أن تستفيق حتى لاتتأخر على المدرسة:
قومى يا قلب ماما علشان النهاردة حصص الرسم وانا جبت لك الالوان اللى طلبتها الميس منك.. يلا بلاش دلع علشان منتاخرش.. انا هروح اصحى اخواتك واحضر السندوتشات على ما تقومى تغسلى وشك و تلبسي هدومك و لو احتجتى حاجه سهام هتساعدك.
ردت ريما فى **ل:
حاضر يا ماما هقوم.
تحركت في خفة مغادرة سريرها نحو غرفة الأطفال، أعادت الكرة مع ريهان وسامر وتوجهت للمطبخ بعد تأكدها من استيقاظهما، اعدت السندوتشات وأكواب الشاي بالحليب عادة صباحية كما هو حال معظم البيوت المصرية فى هذا التوقيت من العام، وضعت في حقائبهم المدرسية ما اعدت، اطمأنت على توجه الطفلين إلى مدرستهم، ارتدت ملابسها ووضعت زينتها الخفيفة الصباحية، رشت زخات عطرها، اصطحبت ريهان متجهين إلى محطة المترو في رحلتهم اليومية.
وصلت فاطمة إلى مقر عملها هرولت مسرعة فى الممر المؤدي لغرفة مكتبها داعية الله أن يكون صلاح استطاع توفير الدواء لوالدتها، التقت عيناها به، رسم على وجهه ابتسامة هادئة، قالت في لهفة قبل أن تلقي عليه تحية الصباح:
طمني يا صلاح، لقيت الدواء؟
رد عليها وعلى شفتيه ابتسامة حانية:
طب قولى صباح الخير الأول يا فاطمة.
تلعثمت محرجة:
معلش انا اسفه والله معاك حق اصل ماما تعبانه وانت عارف مرضها ده مؤلم قد ايه وانا خايفه عليها قوي.
اقترب منها محاولًا شم عبير عطرها الذي يثيره وبحركة مسرحية قال لها وهو يقترب أكثر:
لقيته، وجبت علبتين زيادة كمان احتياطي.
ردت في لهفة:
طب همَ فين؟
هيوصلوا الصيدلية بعد العصر وهجيبه لحد البيت عندكم واهو بالمره اشوف الحاجة وتدعى لي دعوتين حلوين وجها لوجه، واللا انتِ عندك مانع؟
تلعثمت في الرد، لا يدخل رجل غريب البيت فى عدم وجود رب الأسرة، هذا ما اعتادت عليه منذ نعومة أظافرها وما وجدت عليه والدتها إلا للضرورة القصوى، لملمت شتات نفسها وقالت:
لا إزاى؟! اهلا وسهلا بيك طبعًا، بس اصل انت عارف وضعى وإن البيت مفيهوش غيرى وغير امى والاولاد وانا مش متعودة يدخل البيت راجل غريب علشان كلام الناس...
قاطعها فى نبرة لوم مصطنع:
انا مش غريب يا فاطمة والحاجه والدتى زى ما هى والدتك بالظبط وانا كنت هاجى علشان اجيب الدوا واطمن عليها واشوف لو فى حاجه تانيه محتاجه لها، عموما ولا يهمك خلاص قابلينى بليل عند الصيدليه علشان تاخدى الدوا انا مش عايز اسبب ليكى اى احراج.
وجدت نفسها فى موقف لا تحسد عليه، رددت بينها وبين نفسها: "يعنى الراجل عذب نفسه ودور على الدوا وجابه وانا بقوله انت مش مرحب بيك.. هو يعنى الناس دول اللى انا خايفه منهم هينفعونى لو أمى جرالها حاجه؟! وبعدين هما فين الناس دول لما احتجت حد يقف جنبى اصلا ملقتش حد وكنت واقفة بطولي.."
أخرجها من شرودها صوته مؤكدًا عليها الميعاد، تألقت ابتسامة عذبة على وجهها، ردت عليه بسرعة:
لا يا صلاح انت تنورنا فى البيت انا مقصدش حاجه معلش سامحني، بس قولى هتيجى على الساعه كام كده علشان نستناك؟
انع**ت ابتسامتها في لمعة خاطفة في عينيه، شعر أن يخطو أول خطواته على طريقة المنشود:
الساعه سته المغرب كده كويس ولا ايه؟ انا بس بحاول يكون بدرى علشان مسببش ليكى مشكلة أو احراج، انتِ غاليه قوى عليا يا فاطمة وليكي معزة خاصة في قلبي.
تابع كلامه بنظره أودعها كل ما استطاع من حنو واهتمام، لاحظت نظرته التي اشعرتها بالفرح لاهتمام رجل بها وهى التى قضت سنوات من حياتها فى حرمان حتى من كلمات المجاملة، قالت وفي صوتها بعض من الدلال:
حلو جدا طبعا خلاص هنستناك.
رد والسعادة تغمره:
وانا مقدرش اتاخر عليكم ابدا.
ازدحمت غرفة المكتب بباقي الزملاء، علا الضجيج لكنهما لم يتوقفا عن تبادل الابتسامات ونظرات كانت في مجملها غامض، لكنها أضافت سحر خاص لهذا اليوم.
* * *
دخلت جيهان تتمايل في دلال مكتب فؤاد في المستشفى التي يعمل بها المطلة على الخليج العربي مباشرة، ممرضة حسناء طويلة إلى حد ما مكتنزة الص*ر والارداف، تخطت الحاجز الخشبي فيما بينهما فى دلع، مالت عليه في محاولة إظهار الجزء العلوي من ن*ديها النافرين أمام عينيه مباشرة، حدثته في رقة مصطنعة.
تحب اعملك اكل ايه بقا النهاردة؟ النهاردة الخميس و هنتجمع كلنا بعد الشغل عشان ناكل اكل بيتى.
أردفت بعد ضحكة قصيرة مائعة:
ولو انك بتاكل بيتي من ايدي كل يوم.
قطع حديثهما دخول سالم، أحد زملاء العمل، نظر لها يتأمل مؤخرتها ثم لفؤاد نظرة ذات مغزى وابتسم ابتسامة صفراء، اعتدلت في وقفتها وقالت وهي تنظر في عيني فؤاد مباشرة:
هنستناك.
استدارت خارجة تابعها سالم متفحصًا تفاصيل جسدها المكتنز باستدارة معتدلة، أغلق الباب خلفها ووجه كلماته لفؤاد:
إيه يا فؤش.. اللي يشوفك دلوقتى ما يشوفكش وانت لسه جاي، كنت عامل زي القطة المغمضة، لا قطة أيه.. ده انت كنت زى العيال الصغيرة متعرفش حاجه فى الدنيا غير الشغل والسكن ومكالمات المدام والعيال، سبحانه مغير الأحوال.
شرد فؤاد متذكرًا آخر مكالمة بينه وبين زوجته، أقسم لها أغلظ الأيمان أن كل ما تتهمه به هو فرض افتراء وكذب وأنه لا يريد أن يدخل معها فى هذا الطريق من المهاترات التى بلا طائل ويكفيه ما يعاني من مرار الغربة والوحدة، ولم يعد يحتمل ما تزيده عليه من معارك وهمية لا أساس لها من الصحة، وفي نبرة استعطاف طلب منها أن تعمل عقلها فيما تقول قبل أن تنطق به وأن ما يتحمله هنا كافى، يومها لم تنصت لتوسلاته وأغلقت في وجهه كل طرق التفاهم، لا يستطيع إنكار حبه لزوجته وأطفاله وهم ما جعلوه يحتمل كل هذه أوجاع ليأمن لهم لهم مستقبل أفضل وحياة مستقرة ووضع اجتماعي أعلى، لكن شكوك فاطمة نغصت عليه كل حياته بشكها وغيرتها الغير مبررة، وها هو الآن ينفذ كل ما اتهمته به بلا دليل إدانة واحد و بكل أريحية، أليست هي من أجبرته على ذلك؟!
"أيوه هي." رد محدثًا نفسه، خرجت الكلمات بصوت عالي مسموع لسالم الجالس أمامه فى صمت، أخرجه صوت صديقه من شروده وهو يقول:
- هي مين يا فؤاد؟ انت خلاص بقا كل تفكيرك في الحريم،هى وهن.
عقب كلامه بضحكة خبيثة فهم معناها فؤاد دون عناء، رد مبتسامًا إبتسامة صفراء:
البركه فيك وفي مراتك يا سي سالم، انت هنا راكب دماغى وهي هناك على ودان فاطمة، مانت أكيد بتحكي لها كل حاجه، لما نشوف هترسي على فين يا خويا..
تقصد ايه بكلامك يا عم فؤش؟!
يا عم مقصدش حاجه متركزش ويلا قوم على مكتبك وسيبني اكمل شغلي علشان بليل ورايا حفلة، واضح كده إن فيها سهرة للصبح.
ايوه يا عم ماهى ماشية معاك حلاوة.
رد بابتسامة تحمل من المرار الكثير ولكن لم يرى منها زميل الغربة إلا ما أراد رؤيته ونهض متوجها إلى مكتبه ليتركه يلتهي فى عمله ساقطًا بين الأرقام و الحسابات والملفات نافضا عن مخيلته كل ما من شأنه أن يفقده التركيز.
* * *
نادت الجدة بصوت مبحوح من أثر السعال الذي يلازمها ليل نهار على فاطمة:
يا بنتي ردي عليا انا مش قادرة انادي.
ردت عليها وهي قادمة من غرفة النوم:
ايوه يا ماما معلش مسمعتش والله، قوليلي محتاجة حاجة؟
محتاجة أسألك هو زميلك اللي جايب الدواء وجاي ده؛ مكنش ينفع يديهولك فى الشغل يعنى ولا هو لازم يجى البيت؟ يا بنتى احنا حريم لوحدنا والناس مبتسبش حد فى حاله.
ياماما ما انا قولت لك اللى حصل وبعدين الراجل كتر خيره عايز يطمن عليكى ويشوف صحتك عاملة ايه وانا ات**فت بصراحة اقوله متجيش، وبعدين يعنى هى الناس سابت كل حاجة ومركزة معانا احنا؟! ما انت شايفة أهو احنا باب بيتنا مبيخبطش عليه الا بتوع الكهرباء والماية وانا وانتِ لا قريب ولا اخ، وأهو لو حد سال هبقا اقول الدكتور اللي بتتابعى معاه، وكده او كده محدش ليه عندنا حاجه ولا له علينا جميلة.
ردت عزيزة فى غضب مكبوت وبنبرة عاجزة:
لا طول ما احنا عايشين وسط الناس لهم عندنا يا فاطمة وليهم علينا، وانا مش عايزة حد يجيب سيرتك بالوحش، والناس كلامها كتير وبالزور أكتر من الحق وياما خرب بيوت وشرد عيال.
ردت فاطمة متبرمة:
يا ماما انا مبعملش حاجة غلط وانتِ عارفة ده كويس، وعمومًا هو مش وقت الكلام ده دلوقتي واعتبريها زيارة وعدت علشان صلاح خلاص على وصول حسب الميعاد، ولما يمشى نبقى نكمل كلامنا.
أنهت جملتها بحدة مكتومة وغادرت للمطبخ تحضر بعض الكيك والشاي للضيف القادم، شيعتها أمها بنظرة خائفة، التقت عيناها بعيني ريهان الواقفة تتابع الحديث من على باب غرفتها فى صمت، نادت عليها الجدة، اقتربت منها حدثها بصوت خفيض حتى لا تسمعها ابنته:
ريهان اسمعيني كويس؛انتِ مبقتيش صغيرة وخلاص داخلة الاعدادية وبقيتي عروسة وانا مش هعيش لكم كتير وامك محتاجة وجودك جنبها لحد ما أبوكي يرجع بالسلامة من غربته.
قاطعتها لريهان وعيناها مليئة بالخوف والقلق:
لا يا تيته متقوليش كده علشان خاطري، انتِ هتفضلي عايشة وهتشوفى ولادنا وتفرحي بيهم.
أردفت الجدة فى حنو وهي تربت على يد حفيدتها:
الموت مش شر يا حبيبتي، كلنا هنموت احنا بس بنسلم لبعض وسبحان الحي الباقي، هو فى حاجة على الارض مش بتموت يا حبيبتي؟
ردت في وجوم:
لا يا تيتا.
يبقا خلاص متخافيش من الموت متفكريش إن ده شر وخليني أكمل كلامي قبل امك ما تخرج من المطبخ واللا الضيف ده يجي.
هزت الحفيدة رأسها مستجيبة لكلمات الجدة التي قالت بعد سعال طويل:
امك ملهاش حد فى الدنيا بعد ربنا وانا خايفه اموت وابوكى لسه مجاش علشان كده عايزاكي لو جرالي حاجه تقفي في ضهر أمك وجنبها واوعي تخلي حد مين ما كان يهد البيت ده ولا يضحك عليكم بالطيب وهو جواه شر، عايزاكي راجل وقد المسؤليه لحد ما ابوكي يرجع بالسلامة اوعي تضعفي ولا تنخي، فاهمة يا ريهان؟
هزت رأسها مؤكدة فهمها وهي لا تستطيع إيقاف العبرات التي غطت وجنتيها، غمضت عيونها وحضنت جدتها فى حنان وقالت:
قومي اغسلي وشك، مش عايزين حد يعرف حاجه من كلامنا يا قلب ستك، واخواتك وامك امانه فى رقبتك يا بنتي انا عارفه انك قويه وطلعالي وتقدرى على اى حاجه،يلا قومي.
ابتسمت ريهان من بين دموعها واتجهت للحمام وهي تسمع جدتها تحدث نفسها فى صوت خفيض و لكنه يصلها واضحًا:
أنا عارفة إني هموت والبيت ده هيتخرب من بعدي، ربنا يسوقك يا فؤاد ويكفينا شر المستخبي.
* * * * *