خيال من خيال
_لو سمحت هو الكتاب ده بكام
_50 جنيه
_طب وده؟
_ب 70 جنيه
_والكتابين دول؟
_حضرتك عاوزة ايه؟
_مفيش يا عمو بسأل عن سعرهم
_ايوة يعني انتى هتشتريهم في الآخر؟!!
_ايوة أومال بسأل عن تمنهم ليه!
_طيب اما نشوف
_هو حضرتك بتكلمني كدة ليه!! حضرتك بِـتبيع وأنا هشتري فَـطبيعي اسألك عن تمنهم.. مهو اكيد يا عمو مش هشتريهم منغير ما اعرف تمنهم!
_انا شوفت زباين كتير بتيجي تشتري كتب بكميات كبيرة.. بيختاروا الكتب اللي هما عاوزينها ويجوا وانا بحسبلهم الحسبة ويمشوا.. انما اول مرة اشوف كدة بصراحة.. احنا مش في سوق خضار
_حضرتك قد ابويا وانا هحترمك ومش هرد.. عن اذنك
مشيت والدم بيغلي في عروقي، حسيت بِـبكاء مكتوم بداخل قلبي وقاومت الدمعة اللي عاوزة تنزل من عيوني،ليه الإنسان يكون في حاله وفجاة يلاقي العنجهية دي والمعاملة الوحشة من الناس بالرغم من أنه إنسان مُسالم مع الجميع ولا يقدر أن يؤذي أحد!
ولوهلة وأنا بفكر وقلبي وعقلي غير مستوعبين الموقف اللي حصل من ثواني سمعت صوت حد ورايا بينادي
_يا آنسه... يا آنسه لو سمحتي أستني
بصيت ورايا فوجدته شاب جاي ناحيتي وكان خارج من المكتبة، اقترب وعلى وجه لمحت إبتسامة مرتابة وممزوجة بِـخجل
_انا آسف نيابةً عن والدي، بجد آسف وأتمنى تقبلي إعتذاري
كان طويل القامة، عريض المنكبين، يحمل وجه بشوش وبريء وكذلك طفولي بعض الشيء، بشرته مائلة للسمرة، بدت لي علامات الطيبة على وجهه لدرجة إني حسيت بإختلاف كبير بينه وبين الراجل اللي كان بيعاملني بكل جفاء وغِلظة، أبتسمت رغم حزني و أردفت:
_حصل خير
_انا بجد آسف، أنا كنت جوه في المخزن وسمعت كلامكم هو بابا عصبي شوية الفترة دي.. ف اتمنى تسامحيه
_حصل خير.. بس انا كنت بسأل عن تمن الكتب كل واحد لوحده عشان الكتب مش بتاعتي كلها، انا هشتري ليا ولصحابي ف عاوزة اعرف تمن كل واحد فيهم عشان احاسبهم
_حضرتك مش غلطانه في حاجة وبراحتك تسألي عن اللي انتِ عاوزاه
_شكراً لذوق حضرتك، عن اذنك
_لأ ثواني.. انا مش هسيبك غير لما تاخدي الكتب، انا كدة هتأكد إنك قبلتي إعتذاري
_انا قبلت إعتذارك بس آسفه مش هينفع أشتريهم
_علفكرة مش هتلاقيهم في اي مكتبه تانيه،لأن المكتبة دي هي المكتبة الرئيسية وبنوزع لكل المكتبات منها ف مش هتلاقيهم غير هنا
كان معاه حق لأن الكتب اللي انا عاوزاها كلها جديدة ويدوب نزلت في المكتبات،ده غير انهم بيبيعوا بسعر الجملة ولكن كرامتي كانت وجعاني فَـرديت بعدم موافقتي وقبل ما يرد عليا أذن العشاء
_اهو العشاء أذن وبابا هيروح يصلي..ومش هيكون موجود في المكتبة...تعالي هبيعهوملك بسرعة وألحق الصلاة
ومشي قدامي ولم يترك لي فرصة للرفض وقبل ان اوصل للمكتبة لمحت أبوه خرج من المكتبة وتوجه إلى المسجد اللي كنت شايفه اطلاله من بعيد
دخل المكتبة ودخلت وراه ولكني انتبهت ان مفيش حد في المكتبة غيره فَـتراجعت للوراء وأنتظرته عند الباب، نظر لي وبدت على وجهه إبتسامة صغيرة وبعدها سألني
_فين الكتب اللي حضرتك عاوزاهم
اقتربت قليلاً وأشرت له بالكتب اللي عاوزاها، مسك الكتب واحد تلو الآخر وهو يقول تمن كل واحد فيهم وبعدين قالي الحساب كله على بعضه، اعطيته الفلوس وهو اخد الكتب و دخل بهم من باب صغير في آخر المكتبة، في اللحظة دي سرحت في المكتبة الواسعة وشكل الكتب الموضوعة بنظام واللي أسرت قلبي، تمنيت ان ربي يمد في عمري عشان اقرأ كل الكتب دي، لطالما قلبي خفق للكتب وفرحت بها لأنها عالمي اللي بسمح لعقلي يغوص به وهو مطمئن لقلم الكاتب وواثق انه لن يضع شيء في كتبه ممكن يغيرني للأسوء ولذلك كنت بختار الكاتب اللي هقرأله بعنايه
بعد دقائق خرج من الباب اللي دخل منه ومعاه الكتب متغلفة بطريقة جميلة، اخذت الكتب وشكرته و مشيت وقلبي كله فرح وسعادة وبتمني اوصل البيت بسرعة واقعد في اوضتي على نور الأبجورة وأسرح في عالم الخيال
كنت املك كتابين ورفيقاتي كل واحدة فيهم لها كتاب، كنا بنتبادل الكتب وبعد شهرين، قرأنا الكتب السته واتفقنا نشتري كتب تاني، اخدت صاحبتي نورهان و روحنا المكتبة بعد ما اتفقت معاها ان هي تدخل تشتري الكتب وانا هستناها بره
_يا اروي مش عاوزة ادخل لوحدي
_وانا قولتلك يا نورهان انا مش هدخل اشتري من الراجل ده تاني
_يا اروى يعني هوا فاكرك؟ تلاقيه نسيكي!
_انا لسه فاكراه وفاكرة طريقته وبعدين انا متفقة معاكي من الاول، هوصلك عشان تعرفي المكان وانتِ تشتري.. لكن انا مش هشتري منه
_ما انتِ هتقرأي الكتب اهو!
_انتِ عاوزة نتخانق ف الشارع! هتدخلي تشتريهم ولا نمشي
_خلاص خلاص داخله اهو
ولوهلة بصينا احنا الاتنين فَـ لقينا شاب واقف عند باب المكتبة وباصص علينا ومقدرتش افسر تعبيرات وشه، كان هو إبن صاحب المكتبة، حسيت بالخجل لأننا كنا واقفين قدام باب المكتبة فَ أكيد سمع كلامنا ولكن في لحظة تلاشي كل خوفي لما نطق حروفه بكل عفوية وتسامح
_اهو اتخانقتوا على الفاضي، لأنه الراجل ده مش موجود
قال الكلمتين ودخل المكتبة، حسيت بإحراج شديد تَملكني، نظرت لي نورهان
_مين ده يا أروى؟
_ده.. ده إبن الراجل صاحب المكتبة، سمع كلامنا كله.. يادي ال**وف
_يا بنتي خلاص فكك.. تعالي يلا نشتري الكتب ونمشي، الجو حر هنا اوي
دخلنا المكتبة وسألت نورهان عن الكتب اللي اتفقنا نشتريها وخدنا الكتب ومشينا
وكل شهر أو شهرين كنا انا ونورهان نشتري كتب من المكتبة في الصبح لأن صاحب المكتبة بيكون غير موجود في الوقت ده و نورهان كانت دائماً تردد على مَسمعي عبارات الشكر لأبن صحاب المكتبة وده بسبب اخلاقه وأنه بيغض بصره عننا
مَر عام كامل ولازلت على نفس العادة وفي يوم بعد ما أعطيته الفلوس وخدت الكتب وأنا خارجة سمعت صوته وهو بيكلمني بهدوء
_لو سمحتِ ممكن دقيقة من وقتك بس
شعرت بدقات قلبي تَثب وثباً بداخل ص*ري ولوهلة التوتر ظهر على ملامحي، رديت بإقتضاب
_فيه حاجة؟
_آه فيه
_خير؟
_ممكن رقم والدك
_رقم والدي!؟.. ليه؟
أبتسم ونظر حوله بسخرية و رد وهو بيحاول يخفي الإبتسامة عن وشه
_عاوزه
_معلش، مهو انا مش هدي رقم بابا لأي حد يطلبه مني
_تمام، براحتك.. طب ممكن اسم والدك او حضرتك ساكنه فين طيب؟!
بصلي في حيرة وللحظة ارتبكت وقررت أنهي الحوار في اسرع وقت، قولتله اسم بابا وساكنين فين ثم رد عليا وكأنه بيحاول يفتكر شيء
_حضرتك بتقولي والدك اسمه عبدالعظيم محمد ابو الدهب... طب هو فيه عائلة تانيه بنفس الإسم ده في منطقتك؟
_لأ مفيش.. ليه فيه حاجة
_اصل انا كنت اعرف واحد اسمه أمجد ابوالدهب، كنا بنشتغل مع بعض من فترة كبيرة
_أمجد سليمان أبو الدهب.. ده أسمه؟
_ايوة هو!
_ده إبن عمي
ابتسم ول**نه بيردد "سبحان الله..صحيح الصدفة خير من الف ميعاد"
مشيت وانا حاسة بالتوتر والخوف وبدون ما اعرف السبب وطول الطريق بكلم نفسي وانا حاسة بحيرة
"هو بيسأل عن باباكي يا اروي اكيد ناوي يتقدملك، انتِ متوترة ليه كدة؟ مش اول واحد يتقدملك يعني، اجمدي يا بنت مش كدة، هيتقدملك وترفضيه سهلة اهي! "
أمضيت باقي يومي متوترة وبالليل ماما دخلت اوضتي والإبتسامه على وشها و قالتلي عنه وأنه أتصل بأمجد أبن عمي وقاله انه عاوز يتقدم وأمجد فرحان وبيقول أنه إنسان محترم وعلى قدر من الدين والخُلق.. ولأول مرة أحس بإرتياح نحو شخص يتقدملي وللتأكيد صليت استخارة و دعوت ربي بدعاء الإستخارة المحبب إلى قلبي فَـحسيت بإنشراح ص*ر وإرتياح عجيب!
_السلام عليكم
على استحياء ألقيت التحية عليه وجلست وأنا حاسه بجسمي متخدر من التوتر والفرحة، مزيج غريب من المشاعر أحتل قلبي ولكن كان لازم أظهر بمظهر أقوى
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. بس هو أنتِ بخيلة على نفسك!؟
_ليه حضرتك بتقول كدة!
_لأنك قولتي السلام عليكم بس وخدتي 20حسنة في حين أن لو ألقيتِ التحية كاملة هتاخدي ال40 حسنة
أبتسمت لقوله و رددت
_السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
رد والإبتسامه تعلو ثغره
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
_هو حضرتك اسمك ايه؟
_معقولة مش عارفة اسمي
_الحقيقة مسألتش ومعرفش
_بسيطة، إسمي عمرو أحمد عبدالمجيد خريج لغات وبشتغل في أكتر من مكان بتخصصي واوقات بساعد والدي وبقف معاه في المكتبة زي ما انتِ شوفتيني
مرت دقائق بعد أن خيم علينا **ت ثقيل ولكنه تدارك ال**ت بأسأله كتير عني وعن حياتي وانا كمان سألته وهكذا انقضت الرؤية الشرعية وانا حاسه بسرور بالغ، ده الشخص اللي انتظرته كتير واللي حَفظت قلبي وجوارحي لأجله
كنت مقتنعة تماماً ان على قدر ما انا هحافظ على نفسي وقلبي ربي هيبعتلي اللي محافظ على نفسه ومتمسك بدينه واختار العفاف رغم الحرام اللي اصبح متاح حاليا اكتر من الحلال وبرغم الشباب اللي بشوفهم غير ملتزمين بدينهم فَـكنت بحس بالشفقة عليهم وعلى شبابهم اللي بيضيعوه في ما لا ينفع وكذلك بحس بخوف وبسأل نفسي، وفين هلاقي المتدين اللي محافظ على نفسه؟ الأمر أشبه بالعثور على إبرة وسط كومة قش ولكني كنت ببتسم وابعد الأفكار دي عني ول**ني بيردد.. "أكيد الصالحين مُختبئين في المساجد عشان كدة مش بشوفهم في الشارع كتير"
صليت إستخارة مرة تانيه ونفس إحساس الإرتياح شعرت به و تم الأمر بسرعة واتخطبنا وبعدها بشهرين كتبنا الكتاب بناءً على رغبته ورغبتي عشان منقعش في مخالفات الخِطبه
بعد. كتب كتابنا بدأت علاقتنا تتطور وكل يوم كنت بفرح اكتر من اليوم اللي قبله لوجود إنسان مثله في حياتي
كان إحساسي معه يتلخص في كلمة واحدة "الأمان" معه كنت مطمئنه على نفسي وقلبي إنه مهما حصل هو لن يخذلني ولن يؤذي قلبي
اكتر شيء كان محسسني بالحيرة نحوه
هو علاقته بوالده، أبوه شخص عصبي، اغلب الوقت بيعامله وحش ومع ذلك كان هو بيبتسم ويتعامل بأريحية و خفض جناحه لوالده ويمكن ده كان شيء مخوفني شوية، لأن بعد زواجنا تقريباً هنعيش مع والده في نفس الشقة، طبعاً احنا لنا شقتنا وبيتنا الخاص لكن والده هيعيش في الشقة اللي قدامنا وأكيد معظم الوقت هيحصل إختلاط ولا مفر من الإختلاط ده لأن عمرو هو اصغر إخواته وامه متوفيه وأخواته كل واحده متجوزة في بيتها وكذلك اخواته الولاد، فَـهو اللي بياخد باله من أبوه
دائماً كنت ادعي ربي يكتبلي يوم أسعد به من اوله لآخره وسبحان ربي.. اليوم تحقق مطلبي وأسعد يوم في حياتي كان هو يوم زواجي، امضيت أيام عديدة سعيدة ولكن بعد فترة بدأت المشاكل تغزو علاقتنا وكانت مشاكلنا كما توقعت بسبب والده
في يوم بعد ما عمرو فطر و نزل شغله
روحت أنا احضر الفطار لوالده وخلصته وحملته اخده له في شقته، خبطت الباب وفتحلي في ضعف، كان ضعيف جداً وصحته كل يوم في النازل ومكنتش أعرف لِـده سبب
دخلت ووضعت الفطار على السفرة ونظرت له في ود
_عاوز حاجة اعملهالك يا عمي؟
ران **ت طويل علينا ولم يرد، انصرفت على استحياء، بالرغم من ان لي فترة كبيرة عندهم والمفروض اكون اتعودت على معاملته الجافة لي لكن في كل مرة بيعاملني فيها بِـبرود كنت بأحس بألم، ومن منا بيعتاد ان احد يقلل من شأنه دائماً؟
_أروى... أروى!!
سمعت صوته بينادي عليا ف وهن، بسرعة روحتله الشقة وكان قاعد بيفطر
نظر لي في غيظ
_انا قولتلك قبل كدة متحطيش زيت في الأكل ومتعمليش بيض مقلي على الفطار.. ايه الق*ف ده اللي عاملاهولي!!
_يا عمي مفيش حاجة مستاهلة كل الزعيق ده! الفطار اعملك غيره، بس متعصبش نفسك وحضرتك تعبان
_متعمليش حاجة، هو انتِ فالحه ف حاجة! والله منا عارف جابك من انهي داهيه ولا عاجباه على أيه!
لوهلة مكنتش مصدقة اللي بسمعه،ومقدرتش اتمالك نفسي
_انا مش عارفة بتكرهني كدة ليه! أنا معملتش حاجة وحشة ولا قولتلك اي حاجة تضايقك بس انا مش هسمحلك تاني تعاملني كدة،لو كنت سكت ف الأول فَـده عشان خاطر عمرو،لأنه إنسان كويس ويستحق أصبر واتحمل معاملتك الوحشة دي عشانه، وحتي هو بتعامله وحش وهو ميستحقش منك ده،أنت متستاهلش تكون أب ليه!
سبته ومشيت واتصلت بـعمرو وقولتله يجي بسرعة وبعد نص ساعة كان موجود
_اهدي بس يا اروى وقوليلي حصل أيه بالظبط
_أنا مش هقدر اتحمل معاملة ابوك ليا! انا صبرت كتير أوي
_حقك عليا انا والله،بس ده ابويا وله فضل عليا ومقدرش اعمل حاجة
_وانا مقولتش حاجة، انت ابنه وهو له رصيد في قلبك وقادر تتحمل اسلوبه معاك،لأنك ابنه! طبيعي هتعمل كدة..لكن انا مش مجبرة اتحمل كل ده،ليه اتهان بسبب وبدون سبب...انا كنت صابرة بس عشانك يا عمرو لكن صدقني أنا مش هقدر تاني...انا مش رخيصة ولا جايبني من الشارع،انا ليا اهل لو عرفوا اللي بيحصل والله مش هيخلوني اقعد ف البيت ده دقيقة
_طب انا معرفش حصل ايه، متقولي طيب قالك ايه!!
بض*بات قلب متسارعة وبصوت واهن يُغالب البُكاء حكيت له كل اللي حصل، سمعني للآخر وبعدين فضل ساكت، وفي لحظة مسك ايدي وخدني لأوضة النوم وقعدني وفتح الدولاب وخرج صندوق من وسط. هدومه وجابه وحطه على السرير وقالي افتحيه
فتحت الصندوق وكان فيه صور كتير، صورة أمه وابوه وأخواته والغريب في الصور انها كلها كانت صور في مصيف او في ملاهي الأطفال وعمرو واخواته كانوا كلهم بيضحكوا وماسكين بلالين وابوهم ماسك اديهم وفيه صورة لعمرو شدتني، كان قاعد على المرجيحه وابوه بيزقها به، كمية سعادة ولطافة في الصورة أسرت قلبي
مد عمرو ايده وطلع سي دي وجاب اللاب وحط السي دي جواه وللحظة شوفت صور معمولة على شكل فيديو كلها كانت على البحر، وبعدين اشتغل فيديو كان ابوه لِـعمرو بيضحك وبيكلم عمرو بِـحنان وحُب، ملامحه كلها طيبة وفي آخر الفيديو عمرو وقع على الأرض وشوفت ابوه بيجري ناحيته وشاله من على الأرض ونضفله هدومه من الرمله
وحضنه وعمرو كان بيعيط وهو بكل حنيه بيقوله معلش يا بابا
مقدرتش امسك دموعي وقلبي كان بداخله مشاعر مختلطة، خلص الفيديو وأنا مش عارفة اقول أيه ولا عارفة احدد مشاعري واللي حاسة بيه بس كنت ممتنة لكل الآباء والأمهات، ممتنة للرحمة اللي ربنا وضعها في قلوبهم لدرجة انهم بيضحوا بأشياء كتير لأجلنا فقط،تلاشى غضبي وحزني في دقيقة
وقبل ما أتكلم، نظر لي عمرو في حزن
_هو أطيب أب في الدنيا صدقيني، هو عيشني أجمل سنين في حياتي، هو صحبي وحبيبي واخويا وكل حاجة في دُنيتي، هو قدوتي... ضحى عشاني وعشان اخواتي كتير واستحملني كتير صدقيني... جي الوقت اللي اردله كل ده وانا عارف ان مستحيل هردله حاجة!
بابا عيان يا أروى، عيان
_عيان؟ تقصد ايه بـعيان؟ هو عنده الضغط والسكر تقصد كدة ولا فيه حاجة تانيه؟
_للأسف بابا عنده كانسر!
_كانسر! كانسر يا عمرو! ليه مقولتليش.. ليه كدة!!
_هو مش عاوز حد يعرف، أنا وحسام اخويا بس اللي نعرف، هو مكنش عاوز يقول لحد فينا عشان منتخضش ولا نزعل، بس انا وحسام لاحظنا تعبه المستمر ولما سالناه اكتر من مرة استسلم لينا وقالنا الحقيقة وبالنسبة لعصبيته فَـ دي خارجة عن إرادته، ده بسبب الكيماوي يا أروي، لأنه بياخده بكميات كبيرة ف الفترة الأخيرة فَـ ده أثر على نفسيته وحتى اول مرة شوفتيه فيها وزعقلك لما كنتوا في المكتبة كان ده بسبب انه عيان وخلقه ضيق
انتِ يا أروى بتشوفيه وهو بيزعقلي وبيعاملني وحش لكن مبتشوفهوش وهو بالليل بيقولي اسامحه وانه بيحبني وغصب عنه بيتنرفز على أتفه سبب
أنا استحمله عمري كله وعلى قلبي زي العسل والله بس هو يكون بخير وميسبنيش، انا خايف يسبني
وإنهار عمرو في العياط وللأسف معرفتش اخفف عنه لأن دموعي سبقته وقلبي تمزق وضعت أيدي على كتفه وانا بطبطب عليه وأنا بعيط، حسيت بإني صغيرة اوي واني متضايقه من راجل عيان وتصرفاته مش بإيده
_أنا آسفه، آسفه من قلبي يا عمرو
_متعتذريش انتِ مكنتيش تعرفي
_حتى لو مكنتش اعرف، انا مش عارفه ازاي نسيت حق الوالد على ولده وان ربنا سبحانه وتعالى ذكر الوالدين بعد الإيمان به و ده لما قال في الآيه الكريمة "وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيراً* رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُوراً"
ده غير الآيات الكتير اللي بتتكلم عن فضل بر وطاعة الوالدين وكتير من قصص الصحابة والتابعين
_كلنا بنغلط يا أروى وأنا ألتمست لكِ العذر وصدقيني مش زعلان او مضايق منك
_طب انا عاوزة اروح اعتذرله
_مش مضطرة تعملي ده وكمان انا مش شايف ان حصل حاجة تعتذري عشانها
_بس انا عاوزة كدة
نظر لي مطولاً ثم ابتسم، روحت واعتذرت من والده واللي كانت الدهشة تملكته ولأول مرة ابتسم و فمه تحرك ونطق بكلمات لم تغادر روحي
_ربنا يباركلك يا بنتي، إنتِ طيبة وربنا هيرزقك
انف*جت اساريري مبتسمة، سلمت عليه و روحت شقتي، كان في بالي قصة لتابعي بار بأمه لكن مكنتش متذكرة اسمه، عملت سيرش على فحو القصة وظهرلي الإسم واللي من اول ما لمحته تذكرته علطول
الصحابي أسمه أويس القرني وهو من أهل اليمن ،كان أويس شديد البر بأمه وهي ليس لها سوى اويس إبنها يرعاها وتستأنس به،أراد أويس أن يهاجر لرؤية رسول الله وليبايعه ولكنه لم يستطع ترك امه وحيدة وهو يعلم أنه إن تركها فلن يرعاها أحد لذا آثر ان يبقى بجوارها يرعها وقد قال النبي الكريم لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يا عمر إذا لقيت أويس القرني فأطلب منه أن يدعو لك،
وفي وصفه قال -صلى الله عليه وسلم- أنه كان لأويس بياض في جسمه شفاه الله منه إلا موضع درهم في بطنه، ولم يتمكن أويس القرني من القدوم إلى المدينة لرؤية الرسول الكريم، وقدم إليها بعد وفاة والدته في زمن خلافة عمر بن الخطاب.
فَـبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كان عمر يبحث في موسم الحج بين الحُجاج عن أويس فيخبرونه الحُجاج انهم يعرفونه وقد تركوه في دياره يرعى الأغنام حتى أتى اويس ذات مرة إلى الحج فسال عنه سيدنا عمر فوجده واخبره عن الوصف الذي قاله له النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بوجود البقعة البيضة بقدر الدرهم في بطنه فاجاب بالإيجاب وقد سأله سيدنا عمر ان يدعو ويستغفر له فدعى اويس لِـعمر
وكذلك قصة سيدنا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه مع أمه..كان أبا هريرة إذا دخل البيت قال لأمه: "رحمك الله كما ربيتني صغيرا"، فتقول أمه له: "وأنت رحمك الله كما بررتني كبيرًا"، وكان يحمل أمه إلى بيت الخلاء وينزلها عنه، وكانت مكفوفة.
ووجدت قصص كثيرة في طاعة وبر الوالدين وكلما قرأت زاد في قلبي حبي لاهلي ولديني
مرت الأيام و حالة ابوه لعمرو بتزداد سوء ولكن اللي هون علينا كلنا مرارة هذه الأيام هو حملي وإنتظار الجميع للطفل ده، تمنيت من قلبي أن الأيام تعدي بسرعة وأولد وابوه لعمرو يفرح معانا ولما دخلت في الشهر التاسع كنت طايرة من الفرح لأنه حسيت ان امنيتي هتتحقق وهو هيشوف حفيده، بالرغم من أن حالته كانت ازدادت سوء ونقلناه للمستشفى وقعد فيها شهور و ده لأنه وضعه كان غير مستقر ومينفعش يقعد في البيت لأنه محتاج جهاز تنفس ومتابعة يوميه للمؤشرات الحيوية لجسده، اقترب أجله ولكنه كان بيعافر عشان يشوف حفيده وفضل متمسك بالحياة لغاية اليوم اللي خرج فيه كل شيء عن السيطرة وتوفى
عمرو في اليوم ده إنهار وساب كل الناس اللي حواليه وقعد على الأرض في ركن بعيد في المستشفى وفضل يعيط زي طفل صغير فقد عالمه، قعدت جنبه وحاولت أواسيه ولكن الكلمات لم تُسعفني
_أنت عارف أيه اكتر حاجة بتخوف أي حد فينا؟ مش الموت لأ! اللي بيخوفنا أكتر هو اننا منفضلش عايشين في قلوب اللي حوالينا، ان ببساطة كل الناس تنسانا وكأننا مكوناش عايشين معاهم ولا موجودين! كلنا بنحاول نترك اثر في قلوب اللي بنحبهم، عشان لما نموت رصيدنا في قلبهم يخليهم يدعولنا كل يوم ودرجاتنا في الجنه تزيد بسببهم، الوقت اللي احنا بنعيط فيه هما بيبقوا منتظرين ندعيلهم فيه، العياط مش هيفيدهم.. الدعاء هيفيدهم أكتر وهيطمنهم في قبورهم.. ان حتى لو اعمالهم انقطعت من الدنيا فَـ لسه فيه امل أن ولد صالح يدعو لهم او علم تركوه انتفع به غيرهم او صدقة جارية عملها لهم حد بيحبهم اوي، دعواتك هتطمن ابوك يا عمرو.. عيط بس خليك قوي عشانه وافتكر دائماً ان هو مماتش، هو عايش هنا.. جوه قلبك
بعيون كلها دموع كان بيسمعني وابتسم. ابتسامة قهر واشار لقلبه وهو يردد.. "هو عايش هنا، هنا" وعيط تاني، حاولت اهدئ من روعه ولكن لوهلة حسيت بألم مُفاجئ في ضهري واسفل بطني و بدون إدراك بدأت أصرخ
_فيه ايه.. مالك، مالك
_شكلي هولد..
وانفجرت اصرخ وبسرعة جات ممرضات وساعدوني ودخلت غرفة العمليات وبعد معاناة شديدة سمعت صوت يضج بالحياة، صوت يخفف الألم عن قلب أي ام، صوت بتسمعه الأم لأول مرة وتتعلق به طيلة حياتها
اول مرة أشوفه، أشيله، ألمس ايديه واطبع قبلة على جبينه الصغير الأملس
تضاربت مشاعري بين شعور الخوف والإحساس بالمسئوليه وحب وإمتنان ومشاعر اول مرة تطرق باب قلبي
دخل عمرو وعلى وجه السرور والفرحه وشال ابننا بين اديه وبصلي وهو بيسأل
_هنسميه ايه؟
_أحمد
فضل باصصلى وهو ساكت والدموع بتنزل من عنيه
_على اسم بابا!
_كان حنين عليك لدرجة أن سبحان الله اليوم اللي مات فيه اتولد امل جديد عشان يخرجك من حزنك، عارف.. يمكن دي أول مرة اقولهالك بس انا دايما كنت بقول لعمي اتمني ابني يكون زي عمرو، اعمل ايه عشان يبقى بار بيا زي ما عمرو بار بك، بصلي وقتها وقالي "ادعي ربنا يتولاه ويهديه ويجعله عبد صالح وبكدة هتلاقيه كل ما بيكبر تزداد ملائكيتهُ"
الإنسان لما بيزرع تفاح مثلاً هيحصد. تفاح.. مستحيل يجي يلاقي التفاحة بقت ثوم او بصل او اعشاب سامة!
كذلك الأباء لما بيزعوا جوانا الحلو بيحصدوه حلو، ولكن لو زرعوا جوانا غير كدة ف ده مش معناه اننا نعاملهم وحش
الأب أو الأم زي المُزارع بينضف الارض ويحرثها ويجيب مبيدات تقتل الحشرات او اي آفه فيها وبعدين يزرع الحبوب، فلو زرع حبوب غلط ده بيكون مجرد خطأ منه ولم يتعمد قلبه، ولذلك ربنا وصانا بالوالدين.. مهما اخطئ الوالد في حق ولده فَـده بدون قصد منه والواجب ان يرعى الأبن ابويه في الكبر ويعاملهم بالمعروف لو فعل ذلك لا شك أن اجره سوف يكون عظيم
مر الوقت وعمرو ألمه بيقل وفرحته بإبننا بدأت تداوي جرحه، في اليوم اللي والده مات فيه إبنه اتولد فيه
جالي خاطر وقتها أن الإنسان يعتقد أن اسباب الفرحة انقطعت لمجرد حدوث بلاء ينتزعه من راحته ولكن الحقيقة تكمن ان في لحظة وقوع البلاء ربنا يهيء في السماء جبر يليق بقلوبنا وكذلك مع الجبر تأتي رفعة في الدرجات ولكن ده هيحصل لو الإنسان صبر وظن بربه الظن الجميل الحسن، أنه معه حيثما كان و حيثما حل و أرتحل♡
أول ما تشوف نفسك مش عارف
تزعل من حد مُعين و مهما
يجي عليك و يزعلك بتسامحهُ بلامُبالاه أهرب ، أهرب بعييد..??