الثامن
________
"عبده مالك مضايق ليه بقالك يومين، دي حتي بنتك لاحظت هي وجوزها انك شارد طول الوقت"
اكتبها بعد تنهيدة: جاتني رسالة في البريد من القراء اثرت فيا اوي. ومش عارف أخرج من الحالة بتاعتها.
_ والله توقعت يكون ده السبب. والله ياريت توقف شغل في الباب ده من الجريدة. مادام مش بتقدر تفصل نفسك من مشاكل القراء.
_ بالع**. احساسي إني بشارك حد همومه وبقدمله نصيحة من ناتج خبرتي في الحياة. ده بيهون عليا كتير. أما الآن ثم ري بيهم ده طبيعي.
_ طب ينفع في اقرا الرسالة دى؟
_أكيد.
هتلاقيها علي المكتب بتاعي. روحي شوفيها.
_طيب ممكن اطلب منك طلب صغير ياعبده.
_ طبعا.
وحشتيني القهوة من ايدك
ابتسم بل بود:
بس كده من عيوني.
______________
ارتدت نظارة القراءة. وشرعت بقراءة الرسالة التي استهلت بهذه العباره:
عدت منذ أيام قراءة رسالة قديمة كانت بعنوان( جمال الذكري) فسالت دموعي للمرة الثانية بعد ان بكيت مع هذه الرسالة حين قرأتها لأول مرة, وفيها تتحدث فتاة فقدت اباها عن مشاعرها وحزنها علي ابيها, ورددت انت عليها بأن حب الأب لابنائه هو الحب الأبدي السرمدي الذي لايموت, وقد دفعتني هذه الرسالة مع رسالة أخري نشرتها أخيرا لقاريء يتحدث عن فقده لابيه وتجربته لليتم في خريف العمر, فوجدت نفسي أريد أن أتحدث معك ومع قرائك عنه اي عن أبي.
. فأنا زوجة شابة في السادسة والعشرين من العمر لشاب ممتاز خلقا, ولدي ابنة وانا وزوجي خريجان في احدي الكليات العملية المرموقة ونمتلك مشروعا يتسق مع مهنتنا ونعمل فيه معا.
وقد تفتحت عيناي للحياة لأعرف ان ابي الحبيب مريض بالكبد وكنت اخشي دائما خبر موته برغم انه في طفولتي كان في قمة نشاطه, ولم يكن المرض قد تحكم فيه تماما بعد, وكان رجلا مرموقا في عمله وبلغ أعلي المناصب الادارية, لكنه في المنزل كان صديقا في مثل سني أروي له عن مدرستي وصديقاتي وأحزاني الصغيرة, وكان صديقا لصديقاتي وكن يحببنه واذكر اني كتبت ذات يوم قصة ساذجة وانا في السنة الثالثة الابتدائية فأخذها وطبعها علي الآلة الكاتبة لكي أشعر بأهميتي وناقشني في احداثها الساذجة باهتمام, وكنت أراه في طفولتي بارا بجدي وجدتي لاقصي حد.. وكان وهو في اعلي مناصبه ينحني علي يد أبيه ويقبلها ويستشيره في كل اموره بالرغم من بساطة تعليم جدي, لو قارنته بأبي, وكنت أراه صبورا وحليما مع اخوته الذين لايصبرون أولا يصلون الرحم بنفس القدر, فكنت اسألة في غيظ لماذا لاتتعامل معهم مثلما يعاملونك؟ فكان يرد ان لكل انسان سلوكه وانه لن يستريح الا اذا تصرف هكذا, ولقد كنت متفوقة دراسيا وكان أبي فرحا بي ويستشيرني في كل الأمور ليشعرني بأهميتي برغم انني لم اكن الأبنة الوحيدة له, وانما الثالثة بين أربع بنات كل منهن كان لها لديه ما لي من المحبة والاهتمام, وكنت في طفولتي وصباي أتبادل معه الرسائل ونحن في نفس المنزل, فأكتب له عن مشكلة وأقرأ رده علي في خطاب يسلمه لي أو اكتب له عن حلم رأيته وانتظر تعليقه ولم يكن ينتقص أبدا من شأني أو شأن كتاباتي, وانما شبهني ذات مرة بالفلاح الفصيح الذي كاد الملك ألا يرد علي رسالاته ليستزيد منها!! ثم مضت بي الايام, فكان ابي مظلتي التي احتمي بها من العواصف وشريكي في كل حلم حلمت به, وكل ألم تألمته وعندما اصبحت آنسة كان يلحظ البثرة في وجهي قبل ان ألحظها وينبهني الي علاجها ويحضره لي وكان يقف وهو الرجل المرموق لكي يعد لي, ولاخواتي( الكبدة الاسكندراني) التي نحبها, وكل هذا وهو مريض بدائه المزمن الذي يعاني احيانا مضاعفاته واحيانا أخري يهدأ المرض ويستقر, ونحن معه في كل حال إلي أن وصلت إلي الثانوية العامة واستجبت لرغبته في الالتحاق بكلية معينة مرموقة لم أكن أرغبها لكن كانت تكفي رغبته لكي أحقق له ما أراد.. وكان يضع معي جداول المذاكرة ويهتم بكل شئوني ويعرف كل من أتعامل معهم حتي العامل الذي يحضر لنا الكيماويات في المعمل, ثم اشتد عليه المرض ونزف دما والاطباء حائرون لايعلمون مص*ر النزيف وكنت في السنة الثانية الجامعية, ودخل المستشفي اكثر من مرة الي ان اتضح ان لديه كلية مصابة بالمرض اللعين فهل جزع؟ ابدا والله العظيم برغم ان سوء حالته العامة كان لايشجع الطبيب اصلا علي تخديره وإزالة الكلية لكنه كان لايشكو, وكنت تشعر كأنه مريض بالانفلوانزا والصفائح الدموية تقل بنسبة مخيفة ولايمكن ان تتم العملية دون ارتفاع نسبتها, وجريت أنا وأختي نجمع المتبرعين من طلبة الكلية ووفقنا الله ووقف الي جانبنا الكثيرون, ثم تمت العملية ونجحت برغم ارهاصات الفشل!! وخرج ابي من المستشفي بعد رحلة عصيبة, ومن عجيب أن أبي ـ وكلنا بنات كما أسلفت ـ قد خرج من المستشفي وله ابن ذكر, وهو مهندس شاب رأي أبي جالسا علي مقعده المتحرك وقد تركه العامل المنوط به, فاذا بالمهندس يتقدم اليه ويعرض خدماته ويطلب منه أن يعتبره ابنه الذكر.. ويكون كذلك الي ان يواري ابي الثري وهو معنا؟!
وكان هذا المهندس من مهندسي الصيانة بالمستشفي, لكنه اضحي عزيزا علي قلب ابي, وكذا كان طبيب شاب آخر بالنسبة له, فكان يأخذ رأيه في حياته الشخصية والعملية لرزانة عقل ابي وسعة ص*ره وبمجرد خروج ابي من هذه العملية دخلت انا في ازمة نفسيه حادة وهلاوس أفسرها بالضغط النفسي الشديد الذي تعرضت له خلال مرض ابي, فهل تعرف ماذا فعل؟ لقد سخر نفسه لي.. يطعمني ويصحبني في كل مكان ويسافر بي هنا وهناك ويعرضني علي اطباء النفس وعلي الشيوخ, وهو الرجل الذي لم تلتئم بعد جراحته.. وكنت خائفة بشدة من دخول الامتحان لكن أبي كان يقف امام اللجنة ليطمئنني حتي عرفه الأساتذة ثم أخذ الله بيدي وأخرجني من أزمتي بعد عذاب, وواصلت طريقي في الكلية وازداد أبي الجميل نحولا وهزالا وضعفا بسبب المرض ولطالما تمنيت أن نزرع له قطعة من كبدي لكي يعيش مستريحا, ثم وصل به الحال إلي أن أصبح طعامه شيئا تعافه الانفس بلا ملح ولادسم ولاليمون ولابروتين ومع ذلك كان صابرا علي البلاء وشاكرا فضل الله عليه, وكان وهو في حالته المرضية هذه الخال الذي خطبت إليه بنات أخواته, وكان الجد الذي يلاحظ كل شيء يخص أحفاده ـ وكان الاب الحبيب الي القلب والنفس, ولو تركت قلمي لسرد الكثير عنه.. لكني اصل الي لحظات رحيله بقلب واجف من الذكري فقد هاجمته الغيبوبة, ولم نكن نعرف انه في غيبوبة, لانه كان يمشي ويتحرك ويفكر لكن كان لاينام ورافقناه في رحلته الاخيرة إلي مستشفي عين شمس التخصصي وتناوبنا المبيت معه ـ بالرغم من ارادته, كل واحدة يوم وفي يومي تركت ابنتي وكان عمرها خمسة أشهر ونمت علي البلاط الي جواره بعد أن فرشت ملاية علي الارض.
وأعيش معه لحظات الحقنة الشرجية لاخراج السموم عساه يفيق, واعيش معه آلامه التي فاقت الاحتمال وإحساسه اليقيني بالنهاية ونظرات الاطباء لاتحمل إلا اليأس حتي لتطلب إحدي الطبيبات اخراجه ليموت في بيته فيرفض طبيبه المعالج وي**م علي بقائه لتقديم الرعاية له, ثم يأتي يوم النهاية في حياته الجميلة وأكون الي جواره أنا وأختي وهذا المهندس الذي اشرت اليه وتتدهور الحالة للغاية وأصلي الضحي وأدعو ويتقيأ ابي دما ثم ينقل الي الرعاية المركزة وأقف انا واخواتي كالاصنام علي الباب وفي ذهني كلمة لا افهمها غمغم بها ابي قبل دخوله الرعاية اذ قال لي: لاتصدقي حين يقال لك انها مسألة ايام, وقمت الي الطبيب أسأله عما يتوقعه لأبي فقال لي: انه سيموت خلال ايام, لكن أجمل مافي الحياة انه رحل بعد ساعات كما اراد ان يقول لي, ودخلت عليه كالمذهولة ورأيته في موته جميلا رقيقا رغم انابيب التنفس الخارجة من فمه فأقبله واقول: إلي الجنة ونعيمها ياأبي, ثم أقبل بطنه المنتفخ وقدمه الحبيبة ويكون هذا أخر عهدي به وتظلم الحياة في وجهي وتساورني الوساوس والشكوك, والآن فإني اطلب منك ان تقول لكل ابنة وابن حافظوا علي الاب والام فلحظة الوداع مخيفة.. مخيفة وحين يرحل الأب ترحل معه اشياء كثيرة.. مكانتك عند الناس, والمظلة التي تحميك, الامطار, والرداء الذي يحميك من الصقيع, والابتسامة التي تبدد حزنك, فقد انطفأ قلبي منذ رحل ابي ولم اعد ابتهج لشيء كما كنت ولم اعد احزن ايضا لشيء بشدة, أزور قبره ادعو له في كل سجدة وأصلي صلاة قضاء الحاجة يوميا, فأدعو الله ـ وهذه حاجتي ـ ان يغفر له وأخرج له الصدقة لعل الله يتقبل مني وامضي في الحياة ولم يعد فيها من يهمه أمري الا بقدر ما أقدم له من عطاء بع** ابي وأملأ المنزل بصوره وأذكره كل يوم وأبتهل الي الله ان ألقاه في جنته, فأرجو ان تدعو لابي بالرحمة انت وقراؤك وان تكتب لكل ابن ان يحافظ علي مظلته قبل ان ترحل عنه.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
_________________
تجفف دموعها الغزيرة. يأتي صوته من خلفها:
كنت عارف اني هلاقيكي بتبكي. عشان تعذرني.
قالت بحزن: الله يرحمه. شكله كان أب مثالي. ليها حق بنته تحزن عليه الحزن ده كله.
_ فعلا. الله يرحمه.
_ رديت عليها؟
_ لسه. هشرب معاكي القهوة وارد. عشان تلحق تطبع في عدد الصحيفة الاسبوع.
_ ربنا يلهمك الرد اللي يهون عليها .
واستطردت بفخر:
كان عندك حق تتمسك بشغلك في الباب ده من الجريدة. انك تكون سبب في تخفيف الألم والحزن عن ن مخلوق. ده دور عظيم يا عبده
ربت على ظهرها وقال: تسلمي ياحبيبة العمر. يلا تعالي من نشرب القهوة. عشان أعرف اكتب رد مناسب. وربنا يقدرني.
____________________
معظم الآباء الذين يخلفون وراءهم أعظم الأثر في وجدان ابنائهم, ويحفظ لهم الابناء دائما أجمل الذكري, يمكن ان ينطبق عليهم قول القطب الصوفي ابي الحسن ا***ذلي نحن كالنعام التي تربي ابناءها بالنظر, إذ يقال ان النعامه لاترقد علي بيضها, وانما تحتضنه بالنظر اليه باستقامة وثبات ف*نبعث من عينيها حرارة تسهم في إنضاج البيض, فاذا تعبت جاء ذكر النعام ووقف مكانها بنفس الطريقة لايلتفت يمنة ولايسرة فاذا فعل خفت الحرارة وبرد البيض, وعن ذلك فعلت بعض الكنائس عادة وضع بيضه النعامة في المحراب لتوحي للمصلين ان الصلاة لاتقبل اذا اعتري المصلي اي التفات او انحراف..
ولو راجعنا مسيرة معظم الآباء الطيبين الذين ملأوا حياة ابنائهم بالحب والدفء والعطاء.. لكدنا نقول إنهم قد ربوا هم ايضا أبناءهم بالنظر اي بالحب والصداقة والفهم والاقتراب منهم ومراعاة مشاعرهم وتقديرهم وبلا ادني عنف أو قهر أو ايذاء جسدي او نفسي أو فرض للارادة فيما يحق للابناء ان يكون لهم رأي مستقل فيه, وأيضا بلا من عليهم ولا اذي وبغير إشعارهم بانهم عبء ثقيل عليهم يترقبون بنفاد الصبر يوم التحرر منه ببلوغ الأبناء سن العمل وال**ب.
ففي النظر أي في التواصل الوجداني بين الآباء الطيبين والابناء الصالحين مايغني عن كل ذلك.
ولهذا يفتقد الابناء امثال هؤلاء الآباء حين يرحلون عن الحياة بشدة, ويشعرون بالفعل كما اشرت في رسالتك بأن المظلة التي كانت تحميهم من لهيب الشمس وصواعق السماء قد رفعت عنهم..
ومايقال عن الأب الصالح يقال ايضا عن الأمهات الطيبات اللاتي يتواصل عطاؤهن لابنائهن من قبل مجيئهم للحياة والي اللحظة الأخيرة من حياتهن, فعسي ان يدرك بعض الابناء الشاردين اي خير عميم يرفلون فيه وهم في ظل آبائهم وامهاتهم, وعسي ان يحرصوا علي إرضائهم وإسعادهم ورد الجميل اليهم قبل ان تغيب شموسهم وأقمارهم ذات يوم وراء السحاب.