الفصل الثاني

1439 Words
​بينما كانت سمر تنزل من الدرج شافها أولاد عمها راشد ورشيد. قال راشد مستغرباً: "شفيها هذي؟ كل مرة وراها سالفة؟"، فرد عليه رشيد بكلام يملؤه الأسى: "أكيد خواتك وأمك ورا كل مصيبة تصير لها المسكينة." قال راشد: "والله يغارون منها، لأنها أذكى وأطول وأحلى منهم. والله لو ما كانت أكبر مني كان أخذتها لي، ما ألقى مثلها!" رد عليه رشيد وهو يتن*د: "صدقت والله. وأنا لولا أبوي غارس فينا الأخوة لين النخاع وخلاها تشوفني أخوها الكبير، كان من زمان ارتاحت، لكن ويش نسوي ببوي الغالي!" سأله راشد متعجب: "لا تقول للحين تحبها؟"، رشيد: "شسوي؟ قلبي مو بيدي، وقلبها ما يبي يفهمني." فقال راشد: "شلون تبيه يفهمك وانت عمرك ما بينت لها إنك تحبها حب رجال، مو حب أخ؟"، رشيد بضيق: "والله حاولت، بس هي كل مرة تحسب إن الله أخذ أمها وأبوها وما عندها إخوان، فعوضها الله بي أنا وأبوي. وكل هذا بسبب أبوي، الله يسامحه!" رد راشد بجدية: "ليش تكذب على عمرك وتحط عذرك على أبوي؟ أو إنك نسيت إن أمي تكرها من رجليها لين شعر راسها وتنتظر اللحظة اللي تقدر تتخلص منها؟ لو درت إنك تحبها ما بيصير للبنت خير أبد." فختم رشيد كلامه وهو ينظر للأرض: "هذي المشكلة. كان لها حل لو هي تحبني، كانت تترك العالم عشانها هي بس، تعطيني قلبها والباقين تتركهم عليّ." ​ونرجع لبطلتنا ونخليهم يتكلمون مع بعض؛ حيث تذكرت سمر أمس، لما راحوا يتصورون هي وبنات عمها عشان التسجيل بالجامعة. وقتها وقفت لها العمة جميلة وقالت بصارم عباراتها: "سمر، روحي تصوري ورجعي، أبيكِ تساعديني ننظف البيت قبل ما تداومين لأنك تعرفين الجامعة ودواماتها يالله تلاقين وقت تذاكرين." ردت سمر باستغراب: "للحين منظفته كله! ما خليت جدار ولا زاوية إلا نظفتها، ما صار لنا أسبوع حتى!" فقاطعتها العمة جميلة بسرعة: "أنا أتكلم وما أبي أعيد كلامي." فقالت سمر برجاء: "بس يمه، أبي آخذ أغراضي للجامعة، ضروري." لكن العمة جميلة صرخت بصوت عالي وعصبية: "عطي البنات، هم بيأخذون لج. وانتي تصوري وارجعي، فاهمة؟" بهت لون سمر ومن خوفها من عمتها لأنها تعرف إنها تكرهها وما راح تسمح لها تخرج تتصور إذا عاندت، قالت بخضوع: "حاضر، بروح أتصور وراجعة أنظف." ​طلعوا البنات وسمر نازلة دموعها غصب عنها من القهر لأن كل شي بخاطرها تاخذه على ذوقها ما سمحت لها عمتها به. لحقهم رشيد بعد ما سمع كل شي، وصاح بصوت عالي: "سمر، شوي أبيكِ." وبعد عن البنات عشان ما يسمعون ثم قال لها حانياً: "أنا باخذ لك كل شي، لا تزعلين. يلا امسحي دموعج، وعرفي اللي يرضيكِ!" مسحت سمر دموعها لأنها تثق برشيد وايد وقالت: "مشكور رشيد، الله لا يحرمني منك ومن عمي. شلون بسوي بدونكم؟" في تلك الأثناء كانت سهى ونهى مقهورين وايد، وقالت نهى بسخرية: "إي، المنقذ جا." فردت سهى بغل: "بتشوفين، بياخذ لها كل شي، بس أنا بأوريك يا سمر، ما بخلي فرحتك تكمل، وبتشوفين منو سهى." ​رجعت سمر لهم والبسمة على وجهها لأنها تثق جداً في رشيد، وكانت عارفة إن البنات ما بيسألونها شي، لأنهم عارفين لو سألوها ما بتقول لهم شي. راحت تصورت ورجعت تنظف البيت؛ طبعاً مو مع عمتها، لأن العمة تبغاها تتعب وتموت وهي عارفة إن باجر أول يوم لها بالجامعة. نظفت البيت كله، مسحت الزوايا، وغسلت مواعين المطبخ، ما خلت شي، حتى البلكونة غسلتها ومسحت جدرانها. ​بعد ما خلصت بنص ساعة وصل رشيد بعد ما خلص دوامه، راح السوق وجاب لها الأغراض. كانت سمر بتروح تنام بس الباب دق، وقامت من مكانها بفرح وفتحت الباب والبسمة من خدها لخدها الثاني وقالت: "رشيد، انت وصلت؟" ابتسم رشيد وقال: "بسم الله عليك! شصاير لك؟ اللي يشوفك يقول كأنك ما نظفتي بيت دورين." فردت سمر بسعادة: "لا تلومني يا أخوي، متحمسة أشوف شنو جبت لي." طلع رشيد الأغراض، وكانت كل قطعة ماركة أصلية، حتى إنه شرى لها ثلاث بدلات للجامعة مع الحجاب، والبوت، والشنط، والساعات نفس اللون، حتى الشرابات نفس اللون! انبسطت سمر وايد وضحكتها مالية المكان، وصارت تدور وهي ماسكة البدلة من كثر فرحتها، ورشيد يضحك على ضحكتها ويكلم نفسه: "حتى لو ما صرتي لي، بسوي المستحيل عشان سعادتك!" وقالت سمر وهي تدعو له: "الله يسعدك يا أخوي، ويزوجك البنت اللي تبيها ويتمناها قلبك وأنا عايشة، أحضر عرسك وزغرد لك لين ينشف ريجي." فرد رشيد من كل قلبه: "آمين!" فتكمل سمر دعاءها: "الله لا يحرمك من اللي تبيه، ولا يجيك الحزن، جعل أيامك كلها سعادة!" فسألها رشيد باستمتاع: "عجبوج وايد شكلهم؟" قاطعت كلامه بامتنان: "مو بس وايد، أنا متأكدة لو أنا اللي رحت ما كنت بآخذ جذي! والله أهني اللي بتاخذك، ما تحتاج تروح السوق!" تن*د رشيد وقال بان**ار: "ما أظن بآخذ وحدة، لأن اللي أبيها ما تبيّني." سكتت سمر شوي وتطالع بعيون رشيد اللي فيها ألم كبير، وعشان تهون عليه قالت: "شوف يا أخوي، لا تزعل نفسك. والله أنا الخسرانة مو انت، انت ألف وحدة تتمناك. بس أشر بصباعك وقل (قالت أختي سمر)، إذا ما جت لك ألف وحدة تعال وقول لي (صدقتي يا أختي سمر)." فرد رشيد بحزن يحاول إخفاءه: "يلا نامي، شكلك تعبانة." وقالت سمر: "والله تعبانة، بس لازم أنطر البنات ييبون صوري والسي في (السيرة الذاتية)." ​فقال رشيد يحثها على الراحة: "نامي، وباجر قومي بدري وجهزي كل شي." اقتنعت سمر وقالت: "والله كلامك صح، بنام لأني تعبانة وايد، لازم أرتاح عشان أقوم نشيطة." طلع رشيد، وسمر نامت في هدوء ما قبل العاصفة؛ أما البنات فتأخروا عمداً عشان ييجون وهي نايمة حتى ما تسألهم: "وين صوري؟ السي في وين؟ جهزتوا كل شي لي؟" لأنهم عارفين لو درت بتقول للفارس، والفارس بينقذها مثل كل مرة. ​وفي الواقع، راحت سمر للجامعة في اليوم التالي ولقيت المكان مسكر، اتصلت بالرقم اللي على اللوحة وقال لها إن كل شي عند البنات وسلّمهم الأوراق كاملة، وقتها عرفت شكثر يكرهونها بنات عمها. ركبت تا**ي لأول مرة تركب لحالها عشان ترجع البيت بسرعة، وما إن وصلت وشافت عمها قدامها حتى ارتمت بحضنه وصارت تبكي وايد والكل انصدم لأنها أول مرة تبكي جذي. قال عمها بفزع: "شصاير لج يا بنتي؟ أحد مزعلج؟ والله ورب السما والأرض، اللي مزعلج باخذ حقه، حتى لو كانت عمتج جميلة!" وحكت سمر لعمها كل شي من بين شهقاتها، بس ما جابت طاري العمة لأنها ما تبي تسوي مشاكل بينه وبين مرته. ​اتصل العم بالبنات اللي كانوا مبسوطين باللي سووه وجالسين يقلدون شكل سمر يوم الجامعة وهي ما راحت، ورن جوال نهى واستغربت: "غريبة، أبوي يتصل!" وأول ما ردت سمعت صوت أبوها الغاضب لأول مرة في حياتها وهو يصرخ: "الحين لفي السيارة وارجعي. عندكم عشر دقايق، لو ما تكونين بالصالون أجيكم أنا." انصدمت البنات وقالت سهى بتوجس: "لا يكون سمر اشتكت علينا؟" فردت نهى: "مستحيل تسويها!" فقالت سهى: "أجل شصار؟ شنو سوينا غير إننا لعبنا على سمر؟ أكيد اشتكت." فقاطعتها نهى: "مدري، اسكتي لا تزيدين توتري، يكفيني اللي فيني." ​ولما وصلوا البيت في الصولون، حاولت الأم جميلة أن تهدئ الوضع وقالت: "يا أبو رشيد..." لكن الأب صرخ بصوت عالي لين حس إن صوته بينقطع، وسحب السفرة وطيح كل شي عليها وقال: "انتي اسكتي! تحسبين إني ما أدري شنو تسوين انتي وبناتك بهالبنت المسكينة؟ حتى الأكل كل يوم ينطبخ من تحت يدها. وأقسم بالله إني شايف صبرها من عمرها ست سنين لين الحين، ومنتظرها تشتكي، وبقدر صبرها باخذ حقها منك ومن بناتك." انصدم الكل حتى سمر، بس ارتاحت إن عمها كان يدري بكل شي ومنتظرها هي تتكلم. راح راشد يدف رشيد وقال: "قول كلمتين خفف على أبوك، والله بيذبحهم بهالحالة، شوف وجهه شلون أحمر وعروقه طالعة!" فرد رشيد بقسوة مستحقة: "خليهم يستاهلون، هالمسكينة تحملت وايد، الحين وأخيراً تكلمت وكان نفسي من زمان هشي يصير، لازم يحط لهم حد." ​أول ما دخلت البنات قام الأب عليهم وما عطاهم فرصة يتكلمون، كف ورا كف لين طاحوا بالأرض، وفك الحزام وجلدهم، وحاول راشد ورشيد والأم وحتى سمر يبعدونه بس ما قدر أحد، وحلف الغاضب: "اللي يقرب مني بيصير له مثلهم!" وبعد ما تعب وقف وبنفس متقطع قال: "اسمعي أنتي وياها، أكيد مستغربات ليش سويت فيكم كذا، علشان سمر اللي ظلمتوها طول هالسنين، اللي بتخدمكم كل هالسنين، واللي مقهورة طول هالسنين. لا تحاولي انتي وياها تبررون لأني أدري بكل شي. وانتي يا سهى انتي ونهى محرومات من الجامعة هالسنة، وبتخدمون سمر لين غرفتها، هي خدمتكم كثير الحين دوركم تخدمونها لين يجيها نصيبها. وانتي يا جميلة، خذي أغراضك وروحي بيت أهلك." شهقت جميلة شهقة هزت المكان وتقدمت تبوس يدّه: "علشان خاطري سامحني يا أبو رشيد سامحني!" فرد علي بصرامة: "قلت روحي بيت أهلك." فقامت سمر تبوس يد عمها وتقول: "عمي لا، أبوس يدك، ما يصير بعد هالعمر تروح عمتي بيت أهلها، سامحها علشاني لأني أنا سامحتها!" تنفس العم علي بأسى وقال: "علشانك بس، بس أنا والله ما أدخل هالبيت سنة كاملة عقاباً لها، وانتي بحجز لك مكان بسكن الجامعة." ​وهني اختلطت الصدمة مع البكي والهدوء والكل عرف إن القرار نهائي، ورشيد ما عرف يفرح إن سمر بتختفي من هالعذاب لأنه يدري بيروح لها للجامعة، ولا يزعل لأنه تعود يشوفها كل يوم. ثم وجه العم علي كلامه لسمر وقال: "الحين اطلعي أجمع لك شوية أغراض يا سمر، ما راح نبقى في هالبيت ولا ثانية." طلعت سمر لغرفتها، جهزت أغراضها، وراحت مع عمها، ولأول مرة من ماتوا أهلها تحس بالراحة والهدوء.. وأخيراً، خذت حقها من اللي ظلموها.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD