الفصل السادس

1719 Words
ألم الفراق (الانهيار) ​في الجامعة جهّزت سمر بعض أغراضها لأنها راجعة إلى البيت استعداداً لملكتها. ​نرجع فلاش باك لأسبوع من اليوم، يوم زارها عمها؛ حيث أخذها إلى مكان بعيد عن الضوضاء وقال: ​"سمر، تعرفين أنكِ مثل بناتي وغلا، ويمكن محبتكِ أكبر بكثير. من يوم ولادتكِ بنيت لكِ زاوية في قلبي ما وصلها أحد من أولادي. صحيح تأذيتِ من زوجتي وبناتي، لكن كنت أرى أن وراء هذه الأذية خيراً لكِ، كي تعرفي يا ابنتي معادن الناس، حتى الأقرب لكِ يمكن أن يكون عدوكِ. ​كنت أريدكِ أن تدافعي عن نفسكِ بنفسكِ، لأني مشغول بعملي وأغيب أياماً وأسابيع وشهوراً. لو كنتُ درعاً لكِ وقت وجودي، لكانوا سحقوكِ في غيابي، لكن سكوتي كان مص*ر قوة لكِ. ومع ذلك انتظرتُ كلمة منكِ تُهيج النار التي بداخلي، لكنكِ كنتِ ساكتة، ولو أشرتِ لي إشارة واحدة، لشرعتُ في سحقهم لأجلكِ من زمان. ​واليوم جئتُ لأخبركِ بخبر، وأريدكِ أن تثقي بي ولن تندمي إن شاء الله. جاءكِ ابن حلال طالب يدكِ، وأقولها لكِ بصدق يا ابنتي: لن تجدي ابن حلال مثله، أعرفهم من زمان، وهم ناس محترمون، ولو كان هناك أفضل منه لما جئتكِ. والله يا ابنتي كان بودي أن أزوجكِ لأحد أولادي، لكنني أعلم أن عمتكِ لن تدعكم تعيشون بسلام. ​ولو أردتِ رأيي وشوري، فقولي: تم يا عمي، وصدقيني لن تندمي." ​ردت سمر بان**ار داخلي: "يا عمي، أنا ما زلت صغيرة على الزواج، وأريد أن أكمل جامعتي." العم: "بالنسبة لجامعتكِ ستكملينها وهو معكِ." سمر: "لكن يا عمي، لا يزال الوقت مبكراً على الزواج." العم: "ستكملين هذه السنة وبعدها يتم الزواج، لا تستعجلي بالرفض يا ابنتي. لن أظل معكِ لآخر العمر، يعلم الله متى كتب الموت. ورشيد سيتزوج ويشوف حياته، وصدقيني يا ابنتي، الشخص عندما يتزوج يبطل أن يهتم بكل من حوله ويفرغ اهتمامه لزوجته، رشيد لو تزوج لن يظل رشيد الذي تعرفينه. فكري بنفسكِ فقط، وانسي كل من حولكِ. جامعتكِ ووظيفتكِ ستمارسينهما ولا تخافي من هذه الناحية، فهم يعملون ولا يحبون الجلوس في البيت، لا هم ولا زوجاتهم. سأترك لكِ فرصة لتاخذي وقتكِ وتفكري مع نفسكِ، ثم ردي لي خبراً." ​قالت سمر بان**ار: "ماشي يا عمي." ​رجعت سمر إلى السكن وهي ترى كيف أن الحياة لا تترك لها حرية الاختيار، فكل شيء يُفرض عليها. لكن كلمات عمها أوحت لها بأنه يخفي شيئاً، وبأنه يريد أن يؤمن مستقبلها. فكّرت مراراً، واستخارت مراراً، وكان كل شيء يدعوها للقبول، فنطقت بالموافقة لعمها، وهكذا تحدد مصيرها. ​انتشر الخبر بين الطالبات والطلاب، ووصل للأستاذ بشير فظن أنه ابن عمها. ​فلاش باك إلى الواقع: ​زهراء: "كم أنتِ غريبة! كيف تجلسين اليوم في الجامعة و*داً ملكتكِ؟ لو كنتُ مكانكِ الآن لجلست أسترخي في الحمام، وأبخر وأضع المسك لجسمي أسبوعاً كاملاً! هذه ملكة، ولازم تكونين بأجلى طلة." سمر: "أكملتِ كلامكِ؟" زهراء: "أكيد." سمر: "شكراً." ​نرجع لرشيد؛ كانت صورة سمر بالفستان الأبيض لا تفارقه، وكلما تخيّل أنها ستكون لغيره جنّ جنونه، وضاغطاً على دواسة البنزين أقوى وأقوى. كان أمامه مطَبّ لم ينتبه له إلا متأخراً، ولم تعد تنفع المحاولة. حاول استخدام الفرامل لكن الوقت قد فات؛ قفزت السيارة فوق المطب، وان**ر المقوّد، وانفجرت العجلات من شدة الاحتكاك، لتنقلب السيارة خمس مرات بقوة وتصبح كالمعجونة، فيما تطاير الدم والزجاج في كل مكان. ​تجمع الناس حول مكان الحادث، وبعد عشر دقائق وصل راشد. من بعيد رأى التجمهر، فشعر بأن قلبه سيخرج من مكانه وصار يدعو: "يا رب ألا يكون هو!" ​لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن؛ أوقف سيارته ونزل، وكان يشعر بثقل شديد في مشيته حتى أصبحت الرؤية واضحة أمامه، فصرخ صرخة خرجت روحه معها. لفّ الجميع حوله يهدئونه، وجثا على ركبتيه يطالع سيارة الإسعاف متمسكاً بحبل أمل بسيط، لكن حين أخرجوا الجسد... لم يعد جسداً؛ فقد انبترت القدمان، وان**ر الحوض والرقبة، وكان الدماغ بالخارج. لم يتحمل المنظر وسقط مغشياً عليه. ​انتشر الخبر كالصاعقة، لكنه لم يصل لسمر بعد؛ كانت تنتظر رشيد كما قال عمها أنه سيأتي ليأخذها، فانتظرت طويلاً. ​مر الأستاذ بشير ورآها واقفة، فقال: "هل تحتاجين إلى مساعدة؟ صار لكِ نصف ساعة واقفة." سمر: "لا شكراً، الآن سأتصل بعمي لأرى لماذا لم يأتِ رشيد حتى الآن." أخرجت الجوال واتصلت، بينما ذهب هو ليركب سيارته وقال في نفسه: "دع رشيد ينفعكِ الآن." ​قاد سيارته مسافة قصيرة وهو يراقبها عبر المرآة، وفجأة رآها تسقط على الأرض! أوقف السيارة ورجع إليها ركضاً، وكان قد تجمع حولها بعض الطلاب والطالبات. ولأنه طبيب، فرّق الجميع ورشّ الماء على وجهها ففاقت، لكنها لم تكن طبيعية؛ أخذت تتشنج وترتجف وكأن روحها تُنتزع. أجرى لها إنعاشاً بيده وطلب من الطلاب الاتصال بالإسعاف بسرعة. ​بالطبع، كل هذا الضجيج وصل إلى عمها الذي لم يدرِ ماذا يفعل: واحد من أولاده في الثلاجة، والثاني لم يفق من الغيبوبة، وبنت أخيه مرمية في الشارع تحتاج إلى إسعاف، وزوجته وبناته وأخته منهارون تماماً. جثا على ركبتيه وصار يصرخ: "يا الله رحمتك بي!" ​-- ​نقلوا سمر إلى المستشفى. وبعد فحوصات طويلة استيقظت أخيراً، لكنها فجأة نزعت كل الأنابيب من يدها وبدأ الدم ينزل، وكانت تتخبط بين أيدي الأطباء وتصرخ: "لا يا رب! أكيد يكذبون عليّ... أليس كذلك؟ يا رب أكون في حلم! يا رب لا تأخذه وتتركني وحيدة... إذا أخذته فخذني معه! كان قادماً ليأخذني، كان سيقول لي مبروك وأخيراً سأراكِ عروساً!" ​حاول الأطباء تهدئتها ولم يستطيعوا، فقرروا إعطاءها مهدئاً. رأت الدكتور بشير أمامها، ولأول مرة تنظر إليه بنظرة استنجاد: "دكتور بشير، اطلب منهم أن يتركوني! سأذهب إليه، هذا أخي يحتاجني... أكيد هو الآن يتجهز ويكشخ عشاني!" ​كانت تتكلم والدموع تغطي وجهها، حتى إن بعض الأطباء بَكوا معها. طلب منهم بشير أن يتركوها بعدما وعدته بأن تهدأ، ووعدها هو الآخر بأنه سياخذها إلى أخيها إذا هدأت لتفهم ماذا حدث له. ​كانت تبكي وتضغط على ص*رها مكان قلبها وكأن قلبها يُنتزع مع كل كلمة: "عمي يقول إن أخي رشيد مات في حادث، وهو في الثلاجة!" بشير: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، توكلي على الله وكلنا ميتون." ​عادت تضغط على قلبها بقوة وتقول: "لا، لم يمت رشيد، لم يمت!" ف*جعت لها النوبة من جديد، وبدأوا يسعفونها من جديد. ​في ذلك اليوم لم يخرج رشيد من الثلاجة. وراشد استيقظ، لكن تلك الصورة لم تفارقه أبداً. أما الأب فجلس في الزاوية صامتاً ينتظر فلذة كبده؛ تلك اليد التي كانت سنداً له، وتلك الروح التي كانت تمتلئ بالخير، أخذها الله ورفعها إليه. ​في بيت أبو بشير، علم الأب بما حدث فذهب إلى المستشفى عند أبو رشيد وصبره بكلمتين ثم غادر. اتصل بـ بشير وطلب منه الذهاب معه لكنه اعتذر بحجة العمل، ولم يخبر أباه بما يحدث مع سمر. ​ظل بشير مع سمر في المستشفى حتى تماسكت قليلاً، وبعدها أوصلها إلى عمها. عندما رأته ارتمت في حضنه وصارت تبكي بقوة وتتوسل إليه أن يقول إن رشيد بخير وسيعود إلى البيت، لكن العم ظل صامتاً، ففهمت أن رشيد رحل ولن يعود. ​طلبت رؤيته، لكن العم أكد لها أنهم لم يسمحوا لأحد برؤيته لأن حالته لا تسمح، فعرفت سمر أن جسد رشيد قد تهشم، فزاد قلبها ألماً ووجعاً. بعد التأكد من الجثة أخرجوها وسلموها لأبيه، وبذلك دُفن رشيد ودُفنت معه قلوب من أحبوه، ومضت أيام العزاء بصمت. ​لم تحدث مشاحنات بين سمر وعمتها وبناتها حتى ذلك اليوم الذي وقفت فيه سهى أمام سمر ومطرتها بكلمات تمزق الروح: "أما كفاكِ أنكِ خربتِ بيت أمي وأبي وحرمتنا من الجامعة؟ والآن قتلتِ أخي الذي كان خادماً لكِ وأنتِ السلطانة! كنتِ تعرفين أنه يحبكِ ويدريد الزواج منكِ، لكنكِ كنتِ تتظاهرين بالغباء، وأول ما جاءكِ رجل نسيتِ معروفه ووافقتِ فوراً لتدمرين أخي كما دمرتنا! أنتِ فتنة قاتلة، ونحس يمشى على الأرض! اخرجي من حياتنا يا شر، فمنذ دخلتِ بيتنا لم نَرَ خيراً أبداً! خذي أغراضكِ وانقلعي... لم يبقَ إلا أخي راشد، فما هي خطتكِ للقضاء عليه؟ يلا يا شيطانة، اذهبي من حياتنا!" ​تجمدت سمر في مكانها، وصارت سهى تدفعها حتى أصلتها إلى الغرفة، وبدأت تنبش أغراضها وترميها على الأرض: "خذي كل ما يخصكِ، لا تتركي شيئاً من نحسكِ في بيتنا يا قذرة! خذي عفنكِ وارحلي!" ​رأت سمر الشر في عيني سهى، وعرفت أن عمتها ونهى ستكونان مثلها، وعمها حزين وم**ور على ابنه راشد المصدوم، فأعلنت انسحابها لأن الشخص الذي كانت تستند عليه قد رحل. ​أخذت أغراضها وذهبت إلى المقبرة تبكي فقده ووجع الخيانة. رفعت يدها تدعو له، ثم أخذت تحاكيه: "رشيد، أصبحت الحياة باردة بدونك، وصرتُ ضائعة أغرق ببطء ولا أحد ينقذني. لفّوا رقبتي بالحبال من جديد، وكل واحد أخذ طرفاً وصار يشد بقوة، لكن هذه المرة مختلفة... فالذي كان يحمل المقّص ليقطع الحبال قد غادر، فلم أعد أختنق بل دخلتُ مرحلة الموت، ولم يعد فيّ إلا جسد بلا روح." ​نزلت دموعها وعرفت أن الوقت قد تأخر ولا بد أن ترجع إلى سكن الجامعة لأنه لم يعد لها مكان غيره. عادت للسكن، وفي الصباح استيقظت وذهبت إلى مكان بعيد بعدما أعدّت لنفسها شوربة خضار. ​استيقظت زهراء ولم تجدها، فقنطت وبحثت عنها في كل مكان. عادت يائسة، فلقيها الأستاذ بشير وسألها: "ألن تحضري اليوم؟" فقالت زهراء (عن سمر): "ستحضر يا دكتور، لكنها جاءت أمس لأنها ضاقت من جو البيت، ولا أعلم أين ذهبت الآن." الدكتور بشير: "ربما عادت إلى البيت." زهراء: "لا أعتقد ذلك." الدكتور بشير: "طيب، اذهبي للتجهز، وأنا سأبحث عنها في الكاميرات." ​وفعلاً تتبعها عبر الكاميرات وذهب إليها. كان سيتكلم لكنه تردد عندما رآها؛ كانت تمسك بالصحن وبداخله الشوربة، وتأكل بالملعقة وهي تبكي وتحدث نفسها: "أنا لن أسمح لهم بأن ي**روني، حتى لو استغلوا موتكَ وطردوني، أنا سآكل... حتى لو كنتُ حزينة وم**ورة وممزقة، سآكل الشوربة التي كنتَ تحبها... ولا، لن أبكي عليكَ!" ​لم تتحمل، فرمت الحافظة بقوة وتناثرت الشوربة في كل مكان، وصارت تبكي بصوت أعلى: "أصبح كل شيء بدون طعم! لماذا ذهبت وتركتني وحيدة؟ لماذا تركتني بين أيديهم ينهشون فيّ؟ لماذا يا رشيد؟ تخيل حتى عمي منذ رحلتَ لم يسأل عني... حتى روح عمي رحلت معك!" ​جمعت رجليها وسندت رأسها على ركبتيها وهي تقول: "أنا صرتُ يتيمة مرة ثانية، رجعتُ طفلة ذات ست سنوات ضائعة... لكن الفرق أن طفلة الست سنوات في المرة الأولى لم تكن تفهم، أما الآن فأنا أفهم كل شيء، وهذا اليتم أصعب بكثير من اليتم الأول! رشيد... ليتك اخبرتني ولم تخبّئ، لربما كنتَ الآن حياً، وما كنتُ أنا خائفة ضائعة ممزقة م**ورة منهارة ومطرودة! أين ذهبت يا رشيد وتركتني؟" ​كان بشير يتمزق مع كل آهة، ويبكي مع كل دمعة تنزل من عينها؛ فقد فهم كل ألمها، وفهم أنها تعاني منذ الطفولة، وأن حجم هذه المعاناة يزداد كبراً كلما كَبِرت هي ____________​ بعد وفاة رشيد وطرْد سمر من البيت، هل تعتقدون أنها ستستمر في إتمام الزواج الذي خطط له عمها، أم ستلغيه وتركز على جامعتها فقط؟ ​سمر قالت: "أنا لن أسمح لهم بأن ي**روني".. هل تتوقعون أن تشهد الفترات القادمة تحولاً في شخصية سمر لتصبح أكثر قوة وقسوة، أم أن ان**ارها سيطول؟ ​كيف ستكون العلاقة بين سمر وعمها بعد أن تعافى من الصدمة؟ هل سيعتذر منها أم سيستمر في صمته؟
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD