البارت الأول
ينزلُ الدرجَ مسرعاً، خطواته المتلاحقة تطرق الخشب كدقات ساعة موقوتة.
الوقت عنده ليس مالاً يُهدر... بل حياةٌ يُحاسب عليها. منذ أن فتح عينيه على هذه الدنيا وهو يمشي بخطى لا تعرف التباطؤ، ولا تقبل العبث.
كان بشير يفيض بهيبة طاغية؛ قامة طويلة ومفرودة بثقة، وجسد رياضي ممشوق يظهر جلياً تحت قميصه الأبيض الكلاسيكي الكاسر لبياضه الناصع بكويته المثالية، ومطعم ببنطال رسمي كحلي يبرز تناسق جسده. ملامحه حادة كالموس؛ فك بارز ومحدد، وعينان حادتان بلون البنّ المحمص تحيطان بهما هالة من الجدية الصارمة، وشعر أ**د كثيف مرطب ومصفف على الجانب بعناية فائقة. كل ثنية في هندامه تحكي قصة رجل لا يقبل بـ 99% بل يريد الـ 100% دائماً.
لقمته في يده، وعيناه معلقتان بساعته الفضية ذات السير الجلدي الفاخر. لا يجلس، لا يتلكأ، ولا يسمح لنفسه بتلك الدقائق المعدودة التي تسرق من هيبة الرجل جديته.
"أدخل قبلهم"، يقولها في سرّه وكأنها قسم، "ليعلموا من أول يوم أنني لا أتهاون، ولا أقبل بمن يتلاعب".
الالتزام في عروقه حادّ لا يبرد، والمواعيد عنده عهدٌ مقدّس لا يُنقض. فمن تجرأ على التأخير... تجرأ على **ر قانونه، ومن **ر قانونه، فلا مكان له في عالمه.
يأخذ قطعة توست، يمسح عليها الجبن على عجل، ويرش فوقها القليل من الزعتر وزيت الزيتون بحركات سريعة ومتقنة كأنه في سباق مع الزمن. أمه تطالعه بذهول وصدمة من خلف نظارتها، بينما والده يراقبه ببروده المعتاد.
الأم (بقلق): "يا ولدي اجلس وكُل لك لقمتين عدل، مو كذا كأنك تلاحق طير!"
بشير (دون أن يلتفت): "يمه الغالية، تكفين ساعديني وسوي لي وحدة ثانية، هذه ما تكفيني. والله ودي أجلس وآكل لو في وقت، بس لو جلست الحين بتأخر."
الأب (رافعاً حاجبيه ببرود): "وانت وش عليك؟ وش بيموت لو تأخرت عشر دقايق لين يتجمعون الطلاب؟"
بشير (بحزم وهو يعدل سترة بدلته الكحلية الناعمة): "لا يبه، انت أدرى فيني، أحب أمشي على مواعيدي بالثانية. لازم أدخل القاعة قبل الطلاب، عشان يرسخ في بالهم من أول يوم إني ملتزم وما أحب اللف والدوران."
الأم (تستغل الفرصة وتلتفت إليه بجدية): "أقول يا ولدي.. دامك رافض تتزوج من بنات عمامك وخوالك، وش رايك تدور لك وحدة من الجامعة؟ يمكن تلقى هناك اللي تناسب فكرك."
بشير (يبتسم بسخرية مبطنة بالجد): "لا يمه، تبيني آخذ من بنات الطب؟ ما عليهن كلام ونعم فيهم، بس هذ*لا نساء بقلوب رجال من كثر الكرف والمسؤولية، وأنا أبي قلب حرمة، ما أبي قلب رجال ثانٍ بالبيت!"
الأم (بتعجب): "طيب وبنات خوالك ولا عمامك؟ زين ورزانة وما أحلاهن!"
بشير (يتن*د وهو يضبط ساعة يده بدقة): "لا يمه.. ثقيلات دم بزيادة، أو فيهم سماجة.. وأنا لا أطيق الثقل المتصنع ولا السخافة. أنا أبي حرمة وسط، لا قاسية وجافة، ولا ثقيلة دم، ولا سامجة.. بالعربي يمه، أبي إنسانة طبيعية، تفهمني وأفهمها."
الأم والأب (في صوت واحد بضحكة دافئة): "الله يرزقك اللي ببالك.. قبل ما تدق باب الشيخوخة!"
يعمّ البيت صوت ضحكاتهم، ليرد بشير وهو يبتسم كبرياءً: "ما عليه، راضي بالشيخوخة ولا أتنازل."
فجأة، تقع عيناه على عقارب الساعة.. لقد مضت خمس دقائق كاملة، ولا يزال أمامه طريق مدته عشر دقائق! ينقبض وجهه وتتبدل ملامحه.
بشير (بانفعال وهو يسحب مفاتيح سيارته): "أف! أخرتوني وسولفتوني.. أنا شكلي ما بتزوج إذا بتظلون كذا تؤخروني عن شغلي! يالله، مع السلامة!"
الأب والأم (يضحكان): "الله معك، انتبه لنفسك وسق شوي شوي!"
يتحرك بشير كالسهم نحو الباب، يبلع آخر لقمة بسرعة، ويلوح لهما بيده إشارة "أوكي" دون أن يلتفت وراءه، تاركاً خلفه غبار سرعته.
تعيش عائلة بشير في منزل دافئ يجمع بين الأصالة والبساطة؛ عائلة متوسطة الحال لكنها غنية بالقيم. والده أبو بشير رجل في أواخر الخمسينات، بثوبه الأبيض التقليدي ونظارته على طرف أنفه، ملامحه هادئة تع** حكمة البرود والرزانة الممزوجة بالسخرية اللطيفة ع** توتر ابنه دائم العجلة. أما والده، فتسانده أم بشير، المرأة الحنونة ذات الخمسين عاماً، قلب البيت النابض التي تنزلق نظارتها وهي تتابع شؤون بيتها، متمنية رؤية ابنها عريساً بإلحاحها الطريف وحنانها الحازم.
في الطرف الثاني من المدينة، وفي منزل عمّها أبو رشيد—الرجل الشهِم الوحيد الذي يعاملها كابنته الأولى ويغمرها بحنانه الأبوي ليرمم حزنها القديم—كانت بطلتنا "سمر" تجهز نفسها للجامعة وهي كلها نشاط وحيوية وفرحة تملأ قلبها.
سمر طفولةٌ انتُزع منها أمان الوالدين مبكراً لتجد نفسها في بيتٍ تعامل فيه كخادمة تُلقى على عاتقها المهام الشاقة دون كلمة شكر، بفضل قسوة أم رشيد التي تضمر لها البغض والكره. ورغم الحزن الساكن في عينيها، تحافظ سمر على كبريائها وصمتها.
كانت سمر كتلة من الأنوثة والرقة؛ بشرة بيضاء صافية ينع** عليها ضوء الصباح كأنها لؤلؤة، وعينان واسعتان عسليتان تبرقان بالحماس، تظللهما رموش كثيفة وطويلة كأنها كحل طبيعي. أنفها عربي حاد كـ "سلة السيف"، وشعرها الكيرلي الغجري الثائر ينساب كأمواج الليل حتى انحدار خصرها، يرقص مع كل حركة من حركاتها الشغوفة.
كانت ترتدي فستاناً ربيعياً بسيطاً باللون الوردي الهادئ يُبرز رقتها وصغر سنها، يعلوه جاكيت جينز خفيف يمنحها مظهر الجامعية العصرية المفعمة بالحيوية.
كانت تتكلم بسرعة وتتحرك أمام المرآة لتعديل خصلات شعرها:
"بنات، وين السي في مالي والصور؟ اليوم لازم أثبت تسجيلي بالجامعة!"
في هذه اللحظة، نظرت سهى لأختها نهى بخبث؛ فكلتاهما ابنتان لـ أم رشيد، انساقتا خلف كره أمهما لسمر، وتريان فيها مجرد خادمة ومص*ر للغيرة بسبب جمالها ورقتها وكبريائها العالي.
قالت سهى بصوت يقطر بروداً وسمّاً ناعماً:
"للحين هم في استوديو التصوير.. تبينهم؟ روحي جيبيهم بنفسك."
سمر على نياتها تحسب أن بنت عمها تمزح معها، فابتسمت وبانت غمازتها الخفيفة وقالت:
"عطيني إياهم الحين فديتك، بنتأخر! مو وقت مزح!"
ردت سهى بملامح جافة وقاسية خلت من أي ود:
"أكلمك جد، ما أمزح معك."
فتحت سمر عينين عسليتين على وسعهما بصدمة وذهول طفولي:
"شلون ما جبتوهم معكم؟ انتوا وعدتوني تجيبونهم!"
قالت نهى وهي تفرك أظافرها بسخرية ونذالة:
"ماله داعي نجيب أغراض أحد ونركض وراها."
نزلت سمر الدرج بسرعة وهي حاسة بقهر يقطع قلبها، ودموع الصدمة تتجمع في عينيها اللتين فقدتا بريقهما المعتاد، وهمست بحرقة وهي تبلع غصتها:
"حسبي الله ونعم الوكيل فيكم!"
كان المشهد يجري بعيداً عن أعين رشيد (الابن الأكبر)، الوحيد الذي ينبض قلبه بالرحمة والحب السري لسمر، ويخوض صراعاً دائمًا ليحميها خفية ويحقق أمانيها بعيداً عن قسوة أمه وأختيه. وبجانبه أخوه راشد (الابن الأصغر)، الشاب المسالم بسلبية، الذي يفضل العيش في عالمه الخاص ودون أن يحرك ساكناً تجاه ظلم سمر.