أنا ما تعودت أتدخل في حياة الطالبات. شغلي شرح، تصحيح، ودرجات، والباقي؟ كل واحد يشيل هم نفسه. بس سمر كانت حالة مختلفة؛ من أول يوم دخلت قاعتي وهي تجلس في الصف الأول، عيونها ما تفارق السبورة، وأسئلتها دايمًا في الصميم. أذكر مرة قالت لي: "دكتور، إذا العلم ما يخلينا بشر أحسن، وش فايدته؟" ضحكت يومها، بس كلامها علق في راسي.
لما مات رشيد، حسّيت إن جزءًا من سمر مات معه. كنت أشوفها في المحاضرة جالسة بس حضورها مو معانا، عيونها فارغة، ويدها اللي كانت تكتب بسرعة صارت ثقيلة على القلم. حاولت أتجاهل، وقلت لنفسي: "بشير، أنت دكتور مو أخصائي نفسي، لا تتعدى حدودك." لكن ما قدرت. يوم شفتها بتطلع من المحاضرة ووجهها شاحب، حسيت لو ما وقفتها الحين بتروح وما ترجع. كلمتها بلطف، قلت لها إنها قوية، وإن رشيد ما يرضى يشوفها كذا، وإن الدعاء والصدقة أنفع من الحزن. وفي كل مرة كنت أجد فيها فرصة أقف أمامها وأكلمها، لكن في إحدى المرات لم أستطع وقسوت عليها بالكلام. كانت تتخبى وراء البرود، وأوجعتني؛ لأن هذا البرود درع لبسته عشان ما أحد يوصل لها. رجعت مكتبي وكتبت في الأجندة: سمر - لازم تتحرك قبل ما تطيح.
بعد أيام الغياب، رجعت. دخلت القاعة قبل الوقت وجلست في آخر صف رافعة رأسها ولو بسيط. سألتها سؤالًا صعبًا، فردت: "ما أدري الإجابة، بس ما أبغى أوقف هنا." في اللحظة هذي تنفّست؛ كلمة واحدة كانت كفاية عشان أعرف إنها ما استسلمت.
أنا عارف إني أتجاوز حدودي، وزملائي يقولون لي: "بشير، لا تخلي الطلبة يقربون منك بتتعب"، بس وش أسوي إذا شفت وحدة كانت شعلة وطفت قدامي؟ المشكلة إني صرت أنتظر أشوفها تدخل القاعة، ألاحظ إذا فتحت المصحف الصغير، إذا أكلت، أو إذا نامت. أمس لقيت نفسي أسأل موظفة التسجيل عن غيابها قبل حتى ما أحس. وأنا؟ عمري 34 سنة، دكتور جامعي عندي سمعتي وخط أحمر ما تعديته مع أي طالبة. بس مع سمر… الخط صار يهتز، مو لأنها جميلة أو ضعيفة، بل لأنها تذكرني بنفسي قبل 10 سنين يوم فقدت أخوي الصغير في حادث. أنا وقفت وكملت بس كان فيه أحد يمسكني لو طحت، وهي ما عندها إلا نفسها وذكرى أخوها. خايف عليها، وخايف من نفسي أكثر.
مرّ أسبوع على رجوعها؛ صارت تجي كل يوم، تكتب، وتسمع. يوم الثلاثاء بعد المحاضرة الأخيرة، ناديتها: "سمر، ممكن تمرّين على مكتبي بعد ربع ساعة؟" ترددت ثانيتين وقالت: "ضروري يا دكتور؟" قلت: "ضروري."
في المكتب، كان الجو هادئًا بين الكتب المرصوصة وصورة الكعبة المعلقة. دخلت ووقفت عند الباب: "تفضلت؟" قلت: "اجلسي." جلست على طرف الكرسي وظهرها مشدود. سكتُّ ثواني أرتب كلامي: "كيفك مع المحاضرات هالأسبوع؟" ردت بصوت مختصر: "أمشي حالي." قلت: "أشوفك تفتحين المصحف بين المحاضرات، زهراء قالت لي إنك رجعتي للقراءة.. زين."
لم ترد ومسكت طرف كمها، فتن*دت وقلت: "أنا ما ناديتك عشان أحاسبك على درجاتك، درجاتك تتعوض. ناديتك عشان أقولك… أنا أشوفك. أشوفك تحاولين وتتعبين عشان ما تطيحين، وهذا يكفي عندي. لو احتجتي أحد تتكلمين معه، بابي مفتوح، مو كدكتور.. كإنسان مرّ بنفس اللي مريتي فيه."
رفعت رأسها فجأة: "مرّيت بفقد أخ؟" هززت رأسي: "أخوي الصغير، حادث سيارة، كان عمره 17 وأنا في سنة رابعة جامعة. جلست شهرين ما أطلع من غرفتي، واللي طلعني أبوي لما قال لي: تبكي عليه؟ ابكِ، بس لا تموتين معه."
بلعت ريقها وقالت بصوت واطئ: "بس أنا خايفة.. خايفة إذا ارتحت أنساه، خايفة إذا ضحكت يصير موته ما كان شيء." قلت بدموع مكتومة: "النسيان مو إنك تضحكين، النسيان إنك توقفين حياتك عشانه. رشيد لو كان هنا بيبغى يشوفك واقفة."
تجمعت الدموع في عيونها وقامت فجأة: "شكرًا يا دكتور، أستأذن." وقبل أن تخرج قلت: "سمر… كملي. عشانه، وعشانك."
طلبت الخروج وقلبها يدق بقوة؛ لأول مرة تحس إن فيه أحد شايفها صح. أما أنا، فقفلّت باب المكتب، جلست على كرسي، ومسحت وجهي بيدي وأنا أهمس: "يا رب لا أكون تعديت الحد.. ويا رب تكون كلماتي نفعوها."
مرّت باقي أيام الأسبوع ثقيلة ومتحفظة. لم تتغير مجريات القاعة كليًا، لكن شيئًا خفيًا زحزح ثقل الهواء بيننا.
أصبحت سمر تجلس في الصف الثاني—ليست في المقدمة كما كانت قديماً، ولا في المخبأ الأخير حيث تسكن الظلال. كانت تشارك بحذر، تدون ملاحظاتها، وحين تتلاقى أعيننا أثناء الشرح، لم أعد أرى ذلك الفراغ الموحش؛ كان هناك ألمٌ نعم، لكنه ألم حي، جرحٌ بدأ يتنفس بدلًا من أن يتخثر.
في يوم الخميس، وبعد انتهاء آخر محاضرة قبل العطلة الأسبوعية، توقف الجميع لجمع أغراضهم. كانت القاعة تضج بأصوات المقاعد وحوارات الطلاب ال**برة. مرّت سمر بجانب طاولتي وهي تحمل حقيبتها، تباطأت خطواتها لثانية واحدة فقط.
دون أن ترفع عينها كليًا، وضعت ورقة صغيرة مطوية بحجم الإبهام على طرف الطاولة، وقالت بصوت خافت لم يسمعه غيري: "دعوت له ولأخيك اليوم."
ثم مضت مسرعة مع السيل الخارج من الباب.
أخذت الورقة، فتحتها بتمهل. لم تكن مكتوبة بكلمات بلاغية، بل كانت مجرد مسألة رياضية معقدة من المسائل التي عجزت عن حلها في أول الأسبوع، وتحتها بخطها الناعم الدقيق:
تم الحل. شكراً لأنك لم تسمح لي بالسقوط.
جلست على مقعدي في القاعة الخالية، أعدت طي الورقة ووضعتها داخل أجندتي الخاصة، تحديدًا بجانب السطر الذي كتبته قبل أيام: (سمر - لازم تتحرك قبل ما تطيح).
أملت رأسي إلى الخلف، وأغمضت عينيّ وأنا أشعر بوهج خفيف من الارتياح يستقر في ص*ري. لم أتعدَّ الخط الأحمر، ولم أستسلم للتردد؛ أحيانًا تكون الأبوة أو الأخوة الإنسانية هي كل ما يحتاجه المرء ليعود إلى الحياة.
طوال الشهر الماضي، كان العالم بالنسبة لي عبارة عن شاشة رمادية باهطة، وصوت مرتفع داخل رأسي يكرر كلمة واحدة: رشيد راح.
كنت أستثقل كل شيء، حتى القلم في يدي كان يبدو كقطعة حديد زنك. اختبأت وراء درع البرود لأنني كنت أخشى أن يمسّ أحدٌ جرحي فينفجر. كنت أرى الدكتور بشير وهو يحاول الحديث معي، وسماعه يطلب مني القوة كان يثير غضبي أحياناً؛ كيف يفهم رجل يجلس خلف مكتبه الأنيق وراء نظاراته الطبية حجم ابتلاع الموت لأخيك؟
لكن نبرته القاسية في المرة الأخيرة أحدثت في داخلي شرخاً، ثم جاءت مواجهته لي في المكتب لتهدم ذلك الدرع تماماً.
حين قال لي بجمود محبب: "أنا أشوفك"، شعرت بشيء يرتجف في أضلعي. لم يطلب مني أن أتظاهر بالتعافي، ولم يبعني كلاماً منمقاً عن الصبر. وعندما اعترف بفقد أخيه الصغير، رأيت في عينيه عين شخص زار القاع الذي أقف فيه الآن وعاد منه بحذائه المليء بالطين.
حينها فقط، لم أعد أراه مجرد أستاذ يحاضرنا عن المعادلات؛ رأيته إنقاذًا سخرته السماء لي في اللحظة الأخيرة.
خرجت من مكتبه وقلبي يدق بضراوة. خفت أن أضحك فأنساك يا رشيد، لكن كلامه جعلني أفهم أن موتك لا يعني أن أموت معك.
في الأيام التالية، لم أستطع العودة كما كنت فوراً، لكنني استجمعت قوّتي وجلست في الصف الثاني. حللت المسألة المستعصية التي طرحها في المحاضرة، لا لأثبت له ذكائي، بل لأخبره بأسلوبه الذي يفهمه أنني سمعت الرسالة.
حين ألقيت الورقة على طاولته وقلت: "دعوت له ولأخيك اليوم"، كنت أعني كل حرف. خرجت مسرعة والدموع تكاد تسبقني، لكنها هذه المرة لم تكن دموع قهر.. كانت أول دموع مواساة تسقط على قلبي منذ رحيلك يا رشيد.