الفصل الخامس

1421 Words
في اليوم الثاني بعد انتهاء الدوام بساعة تقريباً، كان بشير خارجاً من البوابة وشاف سمر واقفة مع شخص وتتكلم بسعادة. حسّ بفضول وقرّب شوي منهم، وطالع للرجل اللي معها. شاف لمعة قوية في عيونه، لمعة حب وشوق، وسمع بعض حوارهم. ​رشيد: وش رأيك نروح للمطعم بدل أكل السكن؟ سمر تبتسم: لا مرة ثانية. اليوم عندي مذاكرة وايد، وأكل الجامعة أنا اللي أسويه من تحت يدي. رشيد: والله! يعني أنتِ اللي تطبخين؟ سمر شافت اللمعة في عيونه لما ذكرت طبخها: "إيه، اعترف إن طبخي وحشك." رشيد: إي والله وكثير. سمر بفرحة: طيب شوي أطلع أجيب لك، لأني طابخة وهو الحين على النار. رشيد: طيب، بانتظرك الدهر كامل مو بس دقايق. ​هنا حسّ بشير بموجة غيرة. حسّ إن كلماته معها يقصد بها شي ثاني، نعم يقصد سمر نفسها مو الأكل. طلعت سمر جابت لرشيد من أكلها ورجعت للسكن، وبشير رجع للبيت وقلبه على نار. يبي يعرف من كان معها، أخوها أو حبيبها؟ حبيب استبعدها شوي، لأن مستحيل يجي لباب الجامعة وهم في مجتمع محافظ. طيب خطيب؟ صارت الأفكار تتضارب في مخيلته وما تركته يرتاح. "إذا كنت صادق، يالله ارمها أو قطّعها وحاول تتناساها وتتجاهلها." ​في اليوم الثاني في الصباح، الساعة التاسعة، كان لابس وكاشخ وعطره فايح لين امتلأ الصالون كله. الأم: عطرك طالع بقوة، ريحة المكان كلها عطر! اللي يشم ريحتك ويشوف كشختك يقول طالع مع خطيبتك. بشير: أنا طالع مشوار مع زملائي، وضروري أكون كاشخ. الأب: بس ما هي من عوايدك تطلع مشوار وتتكشخ بهذا الشكل. بشير: الحين ملابسي هذي ليش اشتريتها؟ أخزنها في الدولاب؟ وعطري هذا آخذه أزين به التسريحة؟ وش صار لكم؟ أنا بس أكشخ، وأنتم اللي ما تلاحظون شي. على العموم ما أبغى أتأخر، خاطركم. ​وراح، بس ما كان رايح مع زملائه، كان رايح للجامعة لأن قلبه صار يحرق يبي يعرف من اللي كان مع سمر. استعان بصديقة اسمها زهراء تخرّج له سمر. ما قال لها إنه منجذب لسمر، قال عنده موضوع ضروري بعيد عن عيون الطلاب عشان ما يفهمون غلط، وزهراء صدّقته. ​زهراء: انتظري عندك، بروح أجيب غرض من السكن وأرجع لكِ. سمر: أنتِ مجنونة! تبعديني عن السكن كل هذي المسافة وتروحين؟ زهراء: أنتِ وش فيكِ؟ الدنيا مليانة كاميرات، وأنتِ في الجامعة ما بيصير لكِ شي. سمر حسّت بشي من الاطمئنان: "طيب بسرعة لا تتأخرين." ​راحت زهراء، وجاء الدكتور بشير وسوّى نفسه شافها صدفة: بشير: سمر، ليش جالسة لحالك؟ سمر: أنا مو لحالي، أنا وزهراء. بشير مسوي نفسه غ*ي: بس ما أشوف غيرك هنا. سمر مبتسمة: أكيد، لأنها راحت تجيب غرض من السكن وراجعة. بشير: آهاه، حلو. ما عرف كيف يفتح الموضوع معها: "أنتِ ما عندك أحد هنا تروحين له أيام الإجازة؟" سمر: إلا، في بيت عمي. وقف قلب بشير وحس إن ذاك الرجل مو أخوها: "طيب ليش ما تروحين تغيرين جو بدل الجامعة؟ لأني أمس شفتك مع واحد عند باب الجامعة، واليوم شفتك هنا. ظنيته أخوكِ جاء ياخذك." سمر بابتسامة: إي، كان يبي يأخذني بس أنا رفضت عشان عندي مذاكرة. الدكتور بشير: طيب ما نفسك تشوفين أمك وأبوكِ؟ سمر: إلا، نفسي وكثير، بس رب العالمين خذهم وأنا طفلة صغيرة. الدكتور بشير حزن لأجلها: "يعني أنتِ وأخوكِ عايشين في بيت عمكِ؟" سمر: لا، أنا ما عندي إخوان. أنا عايشة ببيت عمي، واللي شفته هو ابن عمي، بس أنا أشوفه مثل أخي وأكثر. ولو كان عندي أخ ما أحبني مثله ولا عمل لي مثل ما يعمل معي هو. ​حسّ وكأن كلمتها تنزل مثل الخناجر على قلبه. ابتسم بسمة باهتة: "ربي يحفظه." سمر: آمين. بشير: طيب تحتاجين شي؟ سمر: لا، شكراً. ​راح بشير وفي داخله شي ان**ر. شي انطفى بعد ما كان حس بنور تسلّل لقلبه، رجعت العتمة أكبر من قبل. رجع البيت وشاف أبوه وأمه قاعدين يسولفون ويضحكون. دخل عليهم، واستغربوا ليش رجع وباين على ملامحه ان**ار غريب. الأب: خير يا ولدي، صار لك شي؟ بشير: لا يبه، بس تعبت في الطريق وكنسلت الخرجة. تبون مني شي؟ بطلع أرتاح. الأم: أقول روح للدكتور، صار لك فترة تعبان وفي كل مرة أشوف حالتك أسوأ من اللي قبلها! بشير: يمه ما عليه، بنام وأرتاح أكيد. ​طلع للغرفة، طلع صورتها وصار يكلمها: "ما قدرت أشق صورتك أو أرميها، وأنتِ وش سويتي؟ شقيتي ومزقتي قلبي ورميتيه بدون رحمة. تقولين لدكتورك وتعترفين بكل جرأة إنّه يحبكِ، ولو عندك أخ ما أحبكِ كثر ما يحبك هو! لا، هذا ما يُسمّى إلا قتل بدون رحمة." ​نرجع لأبوه وأمه: الأم: تعرف والله إن أمر ابنك هذي الأيام غريب. في شي يصير معه، ضروري نشوف له حل ونزوّجه. على الأقل يدخل شي جديد حياته. الأب: بشوف واحد من أصدقائي يشوف لي عائلة محترمة، ونحطه في الأمر الواقع. ​نرجع لسمر بعد ما رجعت لها زهراء: زهراء: سمر، شفت الدكتور بشير وباين على ملامحه الضيق. قلتي له شي؟ سمر بتعجب: أنتِ وش عرّفك إني تكلمت معه؟ زهراء بارتباك: لا، ومن قال إني قلت إنك تكلمتي معه؟ أنا كان قصدي هل صادفتيه وسألتيه ليش متضايق؟ سمر بجدية وحزم: أنتِ ما راح تبطلين سوالفك؟ أنا وش خصني من أموره الشخصية؟ وبصفتي من عشان أسأله وش اللي مضايقك؟ أنتِ أكيد ضارب مخك شي. زهراء فرحت إنها خرّجت نفسها وما انكشفت: "أف منكِ، خلاص ما راح أمزح معكِ." ​بعد شهر من الجهد والتعب من سمر، والبرود الملحوظ من الدكتور بشير تجاهها، تغيّر أسلوبه معها. والكل لاحظ هذا إلا سمر، لأنها ما كانت تدقق معه وتشوفه دكتور عادي مثل باقي الدكاترة. ​في بيت بشير، في غرفة أبو بشير: الأب: لا يا أخي، صغيرة. شف لنا واحدة مكملة الجامعة تكون بعمره. هذي صغيرة. أكيد بتلقى بنت ناس وعائلة محترمة. الطرف الثاني: يا أبو بشير، صدقني ما راح تندم. هذي بنت صديق قديم لك، هذي بنت فلان. أبو بشير: بالله عليك، إذا توكلنا على الله. الطرف الثاني: بس عندهم شرط، تكمل دراستها وبعدين يصير الزواج. أبو بشير: يا أبو الخير، صلّ على رسول الله. ما راح تكمل إلا وقد ابني في طابور المعنّسين. بتكمل وهي متزوجة. أنت كلّمهم وبنتفق. أبو الخير: يالله، في وداع الله. ​أم بشير: هاه، بشّر! أبو بشير: الحمدلله لقينا، وبنت ناس وصديق قديم لي، والحمدلله متربية أفضل تربية. بس خلينا نتفق مع أبوها وبعدين نحط ولدك في الأمر الواقع. ​مر أسبوع بعد آخر خبر مع روايتنا. من تعتقدون بتكون البنت اللي بيخطبها بشير؟ وهل بيوافق بشير أو لا؟ وهل بينسى سمر أو لا؟ كل هذا وأكثر بتعرفونه في البارت الجاي... ​اجتمع الكل على السفرة يأكلون بهدوء وسكينة. **ر حاجز الصمت الأب: "اسمع يا ولدي يا بشير. حنا انتظرناك أنا وأمك من لما بلغت سن الزواج. قلت لنا أبغى أتزوج، وصار لنا منتظرين لك عشر سنين. متى بيجي اليوم اللي بنفرح فيه؟ صار الحين عمرك خمسة وثلاثين سنة، باقي خمس سنوات وتبدأ سن الرشد، بعدها عشر سنين ويدخل سن الكبر. ويعلم الله من يموت قبل الثاني. وعشان كذا أنا وأمك شفنا لك بنت ناس، وكلمنا أهلها ووافقوا. ما عاد معنا إلا نجهز أشياء الخطبة ونتقدم رسمي." ​بشير طالع لهم بصمت حق دقيقة وبعدين تكلم: "اللي تشوفونه." ​الأم والأب انصدموا. كانوا متوقعين ردة فعل صادمة، بس هذا البرود العجيب زادهم حيرة! الأم: يعني موافق نبدأ نجهز أشياء الخطوبة؟ بشير ببرود: إيوه. المهم بنت ناس محترمة. تعرفون أنا ما أبغى دلع زايد. الأب: أما هذا تطمن. بشير: إذن توكلنا على الله. متى ما كل شي جاهز كلّموني. ​في بيت عم سمر رن جوال أم رشيد، وشافت المتصل أبو رشيد. فزّت من مكانها فرحانة: "أبوكم يتصل! شكله سامحني... الو، هلا بأبو عيالي وتاج راسي!" ​أبو رشيد تكلم بس صوته ما انسمع زين، ما انسمع غير صوت الأم وهي تقول: "حاضر، ولا يهمك. كل شي بيطيب بخاطرك. يالله مع السلامة." ​سهى ونهى بفرحة: هاه يمه بشّري، سامحك؟ الأم بفرحة: شي أكبر من المسامحة وأفضل! الكل: وشو؟ الأم طالعت لرشيد وكأنها تتعمد تقول الكلام: "أبوكم قال ننظف البيت ونجهزه، عشان بكرة بيصير معنا ملكة وخطبة بنفس اليوم!" ​البنات ظنوا إنهن هنّ: "طيب من بيخطبنا؟ ومن بتنخطب؟ ومن بتملك؟" الأم: مو أنتن يا هبلان! هذي ملكة سمر، وأخيراً بنخلص منها. ​رشيد فز من مكانه بقوة: "وش تقولين أنتِ؟" الأم: إي، ملكة سمر. والحمدلله بنخلص منها، وأنت بشوف لك سيدة سيدها. ​رشيد صار يصرخ مثل الثور الهايج: "والله ما تروح لغيري! والله إنها لي، وعلى جثتي لو تبون تعطونها لغيري، ادفنوني أول!" الأم: أقول ارجع، وش تبغى من بنت فرّقت بين أبوك وأمك؟ ​راشد ركض خلفه: "أنت هذا همك؟ رشيد ارجع يا أخوي، وين رايح وأنت كذا؟" رشيد: رايح أكلم أبوي. راشد: طيب هدّ، لا تروح وأنت غاضب لا يصير لك شي. رشيد: خليه يصير لي. ولو صار لي، سمر أمانة الله عندك. انتبه لها من أمي وخواتي، واطلب المسامحة من الجميع. ​طلع السيارة وساق بسرعة جنونية. اتصل له راشد: "يا خوي ارجع، أبوس يدك، أنت غاضب وما تشوف أمامك." رشيد: "ما راح يصير لي شي. وإذا ربي كتب لي أموت، سمر وصيتك. أسألك بالله لا تترك أحد يأذيها، مهما كان. واطلب المسامحة من الجميع." ​وسكّر السماعة، وراشد لحقه بسيارته لأن قلبه كان منقبض.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD