نهوض بعد حطام
مرت الأيام وبدأ التحسن يظهر على سمر. كان الدكتور بشير يحاول تجنبها بعدما لاحظ تجنبها له، فبادلها المعاملة، لكنه كان يشعر أن هناك شيئًا م**ورًا بداخلها؛ لم يعلم ما هو، لكنه كان واضحًا.
وفي ذلك اليوم في القاعة…
بدأ الكلام من "نورة"؛ وهي طالبة من نفس الدفعة، سليطة اللسان ولا تفوت فرصة للحديث عن الآخرين.
بعد توزيع أوراق الاختبار، وقفت نورة مع رفقتها أمام القاعة وقالت بصوت عالٍ نسبيًا:
"شفتوا كيف الدكتور بشير يعامل سمر؟ أعطاها 7 من 10 وهي ما حلت شيء! لو أنا اللي سويت كذا كان أعطاني صفر."
ضحكت إحدى البنات: "يمكن لأنها قريبة منه؟"
أكملت نورة: "قريبة؟ أنا أشوفها كل يوم تطلع من مكتبه. الله أعلم وش صاير!"
وصل الكلام إلى سمر قبل الظهر.
جاءتها زهراء متضايقة: "سمعتِ وش يقولون؟"
هزت سمر رأسها بهدوء: "سمعت."
لم تبكِ، ولم تفجر، لكن وجهها عاد شاحبًا، وبرزت عروق يدها من شدة ضغطها على الدفتر.
قبل المحاضرة القادمة
انتظرت سمر نورة عند باب القاعة، ووقف الطالبات يتف*جن.
استغربت نورة وقالت: "تبين شيء؟"
تقدمت سمر خطوة، وكان صوتها هادئًا لكنه يحمل حِدّة:
"تبين تتكلمين عني، تكلمي. بس لا تجيبين سيرة الدكتور بشير. هو ما له ذنب إنك ما ذاكرتِ."
رفعت نورة حاجبها: "خايفة على سمعته؟ ولا على سمعتك؟"
ابتسمت سمر ابتسامة باردة: "أنا سمعتي أعرفها، وأنتِ لو تشتغلين على نفسك كان ما احتجتِ تطلعين نقصك على غيرك."
سكتت القاعة تمامًا.
لم تجد نورة ردًا، فالتفتت ومشت وهي تتمتم.
لفت سمر ودخلت القاعة؛ كانت يدها ترجف، لكن رأسها ظل مرفوعًا.
داخل المحاضرة
دخل بشير كعادته. لاحظ الجو المشحون، ولاحظ سمر جالسة في مكانها، شاحبة ولكنها ثابتة.
لم يسأل ولم يعلق، وبدأ الشرح مباشرة.
لكن في منتصف المحاضرة توقف وقال:
"أبغى أقول شيء واحد: التقييم عندي على الورقة مو على الشخص، واللي عنده اعتراض مكتبِي مفتوح."
لم يذكر أسماءً ولم يحتج لذلك، لكن سمر فهمت المقصد، وهو فهم أنها سمعت ما قيل.
بعد المحاضرة
احتضنت زهراء سمر فور خروجها: "سويتِ التصرف الصح، وقفتِ لها."
قالت سمر بصوت خافت: "ما أبغى أحد يظلمه بسببي، هو الوحيد اللي مد لي يده."
هزت زهراء رأسها: "عشان كذا خلي حدودك واضحة، ولا تعطين أحد فرصة يحكي."
في مكتب بشير - الليل
كتب في أجندته سطرين:
نورة - كلام فارغ.
سمر - وقفت. قوية. ما خذلتني.
أغلق الدفتر وهو يهمس:
"يا رب احفظها من الكلام… ومني."
رجعت سمر إلى السكن وصارت تسترجع ماضيها مع رشيد (فلاش باك):
ليلة قبل اختبار القدرات
كانت سمر جالسة على الأرض، كتبها مفتوحة، وعيونها محمرة من السهر.
دخل عليها رشيد يحمل فنجان قهوة:
"بكيتِ ولا تذاكرين؟"
مسحت سمر عينها بسرعة: "صعب يا رشيد، أحس إني ما راح أجيب درجة زينة."
جلس بجانبها، وأخذ الورقة من يدها ومزقها من النصف.
فزت سمر: "وش تسوي!"
"اسمعيني،" قالها بهدوء.
"الدرجة ما تحددك، أنتِ تحددين نفسك. أنا أبغاك تدخلين الجامعة مو عشان الشهادة، عشان تثبتين لنفسك إنك تقدرين. وإذا طحتِ؟ أقومك، بس لا توقفين."
طالعته سمر: "ولو أنت ما كنت هنا؟"
ضحك ضحكة خفيفة: "أنا هنا. حتى لو رحت، كلامي بيبقى. كملي يا سمر… عشاني، وعشانك."
يوم النتيجة
حصلت على 92%.
ركضت إلى البيت وهي تصرخ: "رشيد! شوف!"
احتضنها وقال: "قلت لك، أنتِ قدها."
ومن ذلك اليوم وهي تتذكر كلمته كلما ضاقت عليها الدنيا.
العودة للحاضر
استيقظت سمر من الـ(فلاش باك) على صوت الأذان، والمصحف في أحضانها والدمعة على خدها.
همست: "كملي يا سمر.. أنا أسمعك يا رشيد."
لأول مرة منذ شهر، لم تشعر أنها بمفردها؛ عادت كلماته إليها وكأنها صوت حي وليست مجرد ذكرى.
همست بصوت خافت م**ور يملؤه الشوق: "تخيل معي إن عمي للحين ما زارني! أنت زرتني وأنت ميت، وعمي الله يسامحه حي وحتى ما سأل عني سؤال واحد..."
عند بشير
كان يراجع محاضرة الغد، لكن باله ظل مشغولًا بسمر.
تذكر كلامها في المكتب: "خايفة إذا ارتحت أنساه."
همس لنفسه:
"ما راح تنسينه، بس بتتعلّمين تعيشين مع الذكرى، مو تموتين فيها."
نهاية البارت
سمر وقفت لأول مرة بوجه الكلام، وبشير وضح موقفه بدون أن يجرح أحدًا، لكن الخطر لم ينتهِ… فالكلام لا يموت بسرعة.
بينما كان بشير غارقًا في أفكاره، دخل عليه والده وقطع عليه شروده.
شاهد الأب الفوضى التي تعم المكتب من كتب وأوراق ودفاتر فقال:
"آسف إني قاطعتك، بس الموضوع ما يحتمل التأجيل."
ترك بشير كل شيء، ومسح على وجهه وأخذ نفسًا لأنه عرف ما سيقال:
"تفضل يا أبتي، قول اللي عندك."
الأب بدون مقدمات:
"تعرف يا ولدي البنت اللي كنا بنخطبها لك؟ صار لهم ظروف قاهرة وما عاد فتحنا الموضوع، وأنت من ناحيتك تهربت، حتى عزاء ما رحت تعزيهم. وأنا أشوفك داخل في حالة اكتئاب، ما فيه مجال نفتح معك الموضوع. وأنا ما أبغى عمرك يضيع وأنت منتظرهم، فقررت أنا وأمك نشوف لك بنت غيرها."
هنا وقف بشير بغضب:
"يبه، هذا زواج مو لعبة! هذي مناسبة وهذي مو مناسبة، هذي صار لها ظروف وهذي رفضت؟ لا يا أبي، أنا اللي بتزوج مو أنتم."
استغرب الأب من ردة فعله لكنه ظل هادئًا وأكمل:
"لو كنت تبي تختار أنت كان اخترت من زمان. المفروض الحين عندك على الأقل طفلين، لكن أنت منتظر وحدة ما بتحصلها."
أخذ بشير نفسًا عميقًا وقال:
"ومن قال ما لقيتها؟ أنا لقيت البنت اللي تناسبني، بس لسه أحتاج وقت عشان أخطو الخطوة."
حست فرحة تسللت إلى قلب الأب:
"طيب دام لقيتها، قل لي مين هي وحنا نروح نتقدم لهم رسمي، وخلك من الخطوات على جنب."
بشير:
"لا يا أبي، ما نقدر نتقدم… ماهي بهذي السهولة."
الأب:
"وليش ما نقدر؟ حنا طالبينها على سنة الله ورسوله، وأنت ولد صالح وألف بنت تتمناك."
جلس بشير ونظر إلى أبيه:
"يبه، عندهم ظروف قوية. والبنت منهارة تمامًا ولسه سنة أولى جامعة، صعب نأخذ هذي الخطوة الحين."
سأل الأب:
"وش ظروفهم اللي تمنعنا نتقدم؟"
بشير:
"لسه ولد عمها مات، ما صار له شهرين."
الأب بجدية:
"ولد عمها مو أخوها ولا أبوها، وكمان صار له شهرين، يعني ما يمنع نروح لهم."
لم يكن بشير يرغب في الدخول في نقاش أطول مع أبيه، لكنه اضطر للقول:
"اسمع يا أبي، هذا ابن عمها أيوه، بس كان له مكان في قلبها غير. كان مثل أخوها، هو اللي ربّاها لأنها كانت يتيمة، ومستحيل ترضى بزواج الحين، تحتاج وقت."
انصدم الأب لأن ابنه يعرف كل هذه التفاصيل وما زال يريدها:
"يعني كانت تحب ولد عمها ومات، وأنت منتظر بنت كانت تحب شخص ومات؟ لا يا ولدي، هذي تحتاج وقت كثير… انساها."
برر بشير:
"يبه، هذا حب أخوة مو شي ثاني."
الأب:
"بلا حب أخوة بلا بطيخ… ودامك بتنتظر وحدة ما راح تلتفت لك، اسمعني: أنا بترك لك فرصة لين تكمل السنة، ولو ما تغيّر الوضع، رحنا لصديقي اللي لسه ولده مات، أكيد بتكون نفسيتهم تحسنت."
بشير مصدوم من كلام أبوه:
"بس يا أبي…"
الأب بحزم وجدية:
"بلا بس بلا بطيخ، هذا آخر كلام عندي."
أنغلق الباب خلف أبيه بقوة خفيفة.
ضل بشير واقفًا في مكانه كأن قدميه قد شُلَتا.
الكتب التي على الطاولة، الأوراق المبعثرة، حتى صوت المكيف… كل شيء أصبح ثقيلًا.
كلمة "بطيخ" التي قالها أبوه دارت في رأسه كالصفعة.
"حب أخوة مو شي ثاني."
قالها وهو يدافع عن سمر، لكنه شعر أنه حتى هو لم يصدق نفسه بنسبة 100%.