الفصل السابع

1452 Words
شتات وحطام ​مرّت 10 أيام وسمر لم تحضر أي محاضرة. رسائل زميلاتها "أين أنتِ؟" صارت بلا رد. جوالها مغلق، وباب غرفتها في السكن لا يُفتح إلا للأكل الذي تضعه زهراء أمام الباب وتمشي، وتعود لتأخذه كما وضعته. ​الدكتور بشير سأل عنها في مكتب التسجيل، وعلم أنها لم تغب رسميًا، لكن حضورها صفر. سكت، وكتب ملاحظة صغيرة في أجندته: سمر - لا بد أن تتحركِ قبل أن تسقطي. ​ليل الخميس، الساعة 2 بعد منتصف الليل ​استيقظت سمر على كابوس؛ نفس الحلم الذي يتكرر منذ شهر: رشيد يمد يده لها وهي لا تستطيع إمساكها، الأرض تبتلعها، وصوته الأخير يتردد: "أكملي يا سمر". ​جلست في فراشها وهي تتصبب عرقًا، وقلبها يخفق بشدة وكأنه سيخرج من ص*رها. التفتت إلى الطاولة المجاورة... فوجدت ورقة ومصحفًا صغيرًا. ​الورقة بخط زهراء: "لو قرأتِ هذا، فهذا يعني أنكِ استيقظتِ. رشيد أكيد ربّاكِ لتكوني قوية وتواجهي أصعب الظروف حتى لو كان فقد شخص غالي. لا نريد أن نخسركِ أنتِ أيضًا. لد*كِ المصحف، خذيه واقرئي وردًا، وصدقيني سترتاحين." ​أمسكت سمر المصحف بيد ترجف، وفتحته على آية حفظها رشيد لها منذ صغرها: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾. ​ضحكت ضحكة م**ورة: "رَوح الله؟ أين هي يا رشيد؟" ​سقطت دموعها بعد أيام من الجفاف، لم تكن دمعة ضعف... بل كانت أول شق في الجدار الذي بنته حول قلبها. ​اليوم الثاني، 8 صباحًا ​دخلت سمر القاعة قبل المحاضرة بـ 10 دقائق؛ لأول مرة منذ شهر. بدأ الهمس: "هل رأيتموها؟ شكلها تغير"، "وجهها شاحب وعيونها ذابلة". ​دخل بشير، ولمحتها عيناه فورًا. لم يبتسم، لكن ارتياحًا بسيطًا مرّ على وجهه وغاب. بدأ المحاضرة كالعادة وكأنه لم يرَ شيئًا. ​في منتصف المحاضرة، طرح سؤالاً صعبًا، فسكت الجميع. نظر بشير إلى سمر: "سمر، ما رأيكِ؟" ​التفت الجميع إليها، فرفعت رأسها ببطء، وكان صوتها متعبًا لكنه واضح: "أنا لا أعرف الإجابة يا دكتور، لكنني أعلم أنني لا أريد التوقف هنا." ​ساد الصمت في القاعة. هزّ بشير رأسه بهدوء: "هذا كافٍ اليوم." ​بعد المحاضرة لم ينادِها وترَكها تذهب؛ فهو يعلم أن الخطوة الأولى قد حُسمت، وأن الضغط قد ي**رها إن شدّ عليها. ​مرّ شهر على وفاة رشيد. كانت سمر تدفع نفسها المن**رة لتحضر المحاضرات، لكن ظلمة شديدة كانت تغطي قلبها؛ فلم يعد عقلها يساعدها على الاستيعاب، وروحها لم تعد صابرة، وأذنها لا تسمع. كانت كثيرة الشرود، وتراجع مستواها لأنها لم تعد تهتم للمذاكرة. البعض كان يحزن لأجلها والبعض يلومها، وهي لم تعد تهتم لأحد؛ فالذي كان يضيء طريقها رحل للأبد وأخذ معه كل النور الذي استمدته منه. فلماذا يلومونها؟ ألا يفهمون ما يعتصر بداخلها من ألم؟ ​دخل الدكتور بشير، وأول ما وقعت عيناه على سمر لم يرَ سوى شمعة انصهرت؛ فقد أضحت تميل للغموض. ردّ السلام وبدأ المحاضرة، وكانت عيناه لا تفوتان فرصة لسرقة النظر إليها. ​قامت سمر من مكانها وذهبت بخطوات ثقيلة، وجه شاحب، وعينان مرهقتان، وصوت مليء بالتعب: "دكتور لو سمحت، لم يعد متبقيًا الكثير... أريد الخروج، أشعر أنني تعبانة." ​نظر إليها بشير لبرهة، وداخله يصرخ: يكفي! ستذبلين إن بقيتِ على هذا الحال! وقف وطلب منها أن تتبعه، فمشت خلفه دون كلام. وقف أمام باب القاعة بعد أن أغلقه، وتحدث معها بنبرة حنونة ومحتضنة: "سمر، صحيح أنكِ فقدتِ أخاكِ ومن حقكِ أن تحزني ولن ألومكِ، لكن حزنكِ سيقتلكِ دون أن تشعري. أنتِ فتاة قوية وأنا أعرفكِ، فلا تدعي قضاء الله وقدره يوقفكِ. أكملي طريقكِ، لأنني أعلم أن أخاكِ لو رأى حالتكِ هذه لَحَزِنَ كثيرًا. ارجعي سمر السابقة، ولا تنسيه من الدعاء والصدقة؛ فهو بأمسّ الحاجة لهما أكثر من حزنكِ عليه." ​نظرت إليه سمر ببرود تام: "هل انتهيت يا دكتور؟ هل تسمح لي بالذهاب الآن؟" أدرك الدكتور بشير أن كلامه لم يؤثر فيها: "نعم، يمكنكِ الذهاب." ​مرت من أمامه وظل يراقبها حتى اختفت. ​عادت سمر إلى السكن وألقت بنفسها على السرير بإهمال، وكأنها فقدت الإحساس بالوجود. ساد الصمت حولها، لكن داخل رأسها كانت الضوضاء تكاد تفجر جمجمتها... هنا وهناك، لا ترى إلا طبولًا تُقرع. نظرت حولها وفي المرآة المجاورة، فرأت نفسها شاحبة اللون، هزيلة الجسد. تشعر أنها لا تستطيع التقدم خطوة، ولا تملك التراجع خطوة؛ فقد حُوصِرت بالفعل، ولا نجاة! أصبحت بين مخالب القهر، تنهشها أنياب الألم، وتلفظ أنفاس الأمل... لتكون ضحية الوهم، ومُكَفَّنَةً بمرارة الواقع. ​أغمضت عينيها من شدة الإرهاق، لكنها استيقظت مجددًا على الكابوس ذاته: رشيد يمد يده لها وهي لا تستطيع إمساكها، الأرض تبتلعها، وصوته الأخير: "أكملي يا سمر". ​جلست في فراشها تتعرق وقلبها يخفق بشدة، فبدأت تتعوذ من الشيطان وتستجمع أنفاسها. سمر لم تتعافَ بعد، لكنها وقفت على أول الدرج... والظلمة التي تسكنها بدأت تتحرك في اليوم الثاني ​كانت شمس الظهيرة حارقة، لكن الغرفة كانت باردة كالمقبرة. سمر جالسـة على الأرض، ظَهرُها للمستند، وعيناها مثبتتان على نقطة فراغ في السقف. لم تعد تبكي، لكن هذا الصمت كان أشد إيلامًا من البكاء. ​سُحب الكرسي في الجهة المقابلة. دخلت زهراء تحمل كوبًا من الشاي الساخن، وضِعته بحِدة على الطاولة، وصوت قعر الكوب يضرب الخشب أحدث دويًا في السكون. ​وقفَت زهراء أمامها، وقاطعت الصمت بصوتٍ مخنوق بالغضب والشفقة: "إلى متى يا سمر؟ إلى متى ستظلين هنا تدفنين نفسكِ حيّة؟!" ​لم تتحرك سمر، حتى رمشة عينها كانت بطيئة. قالت بصوت خفيض وخالٍ من أي نبرة: "أغلقي الباب وأنتِ خارجة يا زهراء." ​"لن أغلقه!" صرخت زهراء وهي تتقدم نحوها، ممسكة بكتفيها لتهزها: "استيقظي! رشيد رحل، فهمتِ؟ رحل ولن يعود! أنتِ تقتلين نفسكِ وتقتليننا معكِ! لا تأكلين، لا تتحدثين، تركتِ دراستكِ وكل ما حلمتِ به.. أهذا ما كان يريده رشيد؟ أن تصبحي شبحًا؟" ​نفضت سمر يدي زهراء عنها بقوة لم تعهدها زهراء من قبل. وقفت فجأة، وعيناها المظلمتان تتوهجان بشرار قسوة غير متوقعة: "لا تنطقي باسمه!" اقتربت من زهراء خطوة، وجسدها هزيل لكن نبرتها كانت كالسيف: "لا تتظاهري بأنكِ تفهمين! لا أنتِ ولا الدكتور بشير ولا أي أحد في هذا العالم يفهم! أنتم ترون جثة رشيد تحت التراب وتظنون أن الأمور انتهت.. أنا التي اقتُلع قلبي معه! لا تملي عليّ كيف أحزن، ولا متى أشفى! خذي شفقتكِ وارحلي عني!" ​راجعت زهراء خطوة إلى الخلف، مذهولة من هذا البركان الذي تفجر في وجهها. قبل أن تنبس بكلمة، رُنّ جرس الباب. فتحته زهراء لتجد الدكتور بشير واقفًا في الممر. كان يحمل في يده ملخصات المحاضرات واختبار المنتصف الذي تخلفت عنه سمر. ​نظر بشير إلى وجه زهراء المنفعل، ثم تجاوزها بعينيه ليرى سمر واقفة في منتصف الغرفة، ص*رها يعلو ويهبط من حدة الغضب، ووجهها الشاحب يزداد صفرة. ​دخل بشير بخطوات ثقيلة ورزينة. أغلق الباب خلفه، ونظر إلى سمر مباشرة دون مقدمات: "أستطيع أن أتقبل غيابكِ، وأستطيع أن أراعي ظروفكِ.. لكنني لن أسمح لكِ بتدمير مستقبلكِ يا سمر." ​ضحكت سمر ضحكة جافة، ممتلئة بالسخرية والوجع: "مستقبلي؟ أي مستقبل يا دكتور؟ أنتم تتعاملون معي وكأنني آلة أُعيد تشغيلها بكلمات مواساة فارغة! تأتون وتحدثونني عن المستقبل والدراسة، وأنا كل صباح أستيقظ على كابوس ينهش ص*ري!" ​خطا بشير خطوة نحوها، ونبرته الحنونة السابقة تحولت إلى حزم أستاذٍ يرى طالبتهم تتدحرج نحو الهاوية: "الحزن ليس حجابًا تحتجبين به عن الحياة! أنتِ تظنين أنكِ تُكرمين ذكرى رشيد بحزنكِ هذا، لكنكِ في الحقيقة تخذلينه. رشيد لم يبنِ قواكِ لتستسلمي لأول عاصفة. حزنكِ هذا ألقى بكِ في قاع مظلم، وأنتِ تستمتعين بالبقاء فيه لأن العودة إلى الحياة تصدمكِ بالحقيقة." ​ضربت سمر بيدها على الطاولة بغضب عارم، والدموع المكتومة بدأت تترقرق في عينيها رغمًا عنها: "يكفي! كفّ عن تحليل مشاعري وكأنني مسألة في محاضرتك! أنت لا تعرف شيئًا عن ألمي! لا تتدخل في حياتي، اتركني وسأتحمل نتائج فشلي وحدي!" ​رد عليها بشير بهدوء قاتل، عينًا لعين: "لن أترككِ. حتى لو كرهتِني، وحتى لو ظننتِ أنني قاسي القلب. الوراق التي في يدي هي مهلة أخيرة من إدارة الكلية.. تدرسينها وتأتين للاختبار بعد ثلاثة أيام، أو يُلغى قيدكِ نهائيًا." ​وضع الأوراق على الطاولة بثبات، وتطلع إلى زهراء قائلاً: "تأكدي أن تراجع هذه الأوراق." ​ثم التفت إلى سمر، وقبل أن يخرج قال بصوت خفيض وصل إلى عمق روحها: "الظلمة التي تحيط بكِ لن تنجلي لمجرد أنكِ صرختِ في وجوهنا.. ستبقين تحت رحمة هذه الطبول التي تقرع في رأسكِ حتى تقرري بنفسكِ أن تمسكي زمام أمركِ." ​خرج بشير، وتبعتها زهراء بعد أن نظرت إلى سمر بنظرة خيبة وألم. ​أُغلق الباب. ساد الصمت مجددًا. سقطت سمر على ركبتيها بجانب الطاولة، ومسكت الأوراق بيدين ترجفان. عيناها المجهدتان تائهتان بين الكلمات، بينما صوت بشير وصرخات زهراء يترددان في أذنيها، يمتزجان مع صوت رشيد الأخير: "أكملي يا سمر". ​كانت المحاصرة تشتد حولها، والحزن لم يقلّ خطوة.. بل أصبح مخالب تحصرها من كل جانب. _____________ ​هل تعتقدون أن سمر ستستسلم وتترك الورق وترفض دخول الاختبار، أم أن كلام بشير القاسي سيستفز كبرياءها وتدرس؟ ​هل مواجهة سمر مع زهراء وبشير كانت مجرد تفريغ غضب، أم أنها بداية خروجها من حالة الصمت والانهيار؟ ​ما رأيكم في تصرف الدكتور بشير؟ هل ترون حزمه وقسوته "طوق نجاة" لسمر أم أنه يضغط عليها في وقت غير مناسب؟ ​هل تظنون أن اهتمام الدكتور بشير بـ "سمر" مجرد واجب أستاذ تجاه طالبة متميزة، أم أن هناك مشاعر أخرى بدأت تتشكل 🕯️ "بين قسوة الواقع ومرارة الفقد، هل ترفع سمر راية الاستسلام أم تجد نورًا في وسط الحطام؟ كل هذا وأكثر سنعرفه في الفصل القادم..."
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD