إحساس غريب ووداع
جلس على الكرسي، ومسك رأسه بيديه وهمس بنبرة حائرة:
"أأنا مجنون؟ طالبة عندي، يتيمة، ومنهارة... وأنا أفكر فيها كزوجة؟"
لكن الصوت الآخر في داخله ردّ عليه بثبات: "وإذاً؟ متى كان العقل يقيس القلب؟"
لم يكن أبوه مخطئًا في نقطة واحدة؛ فسمر لن تلتفت إليه الآن، فهي في معركة طاحنة مع نفسها، مع فقدها، ومع الشائعات والكلام الذي بدأ ينهال عليها. لو ذهب إليها اليوم وطلب يدها، سي**رها أكثر مما يجبرها.
قام وفتح الدرج، ثم أخرج صورة قديمة لأخيه الصغير، وهمس وهو يتأملها: "أرأيت؟ حتى أنا لم أستطع النسيان بسرعة، فكيف أطلب منها أن تنسى؟"
سكت قليلاً، وبعد دقيقة رفع رأسه وقد اتخذ قراره النهائي؛ لن يضغط، ولن يستعجل. إن كان قد كُتبت له سمر، فستأتيه وهي واقفة على قدميها بثبات، لا وهي تنهار بين يديه. وإن لم تكن من نصيبه... فيكفيه أنه كان سببًا في ألا تسقط.
وقف، وجمع الأوراق بعشوائية ثم وضعها في الدرج، وأمسك بأجندته ليكتب فيها سطرًا واحدًا:
"سنة... سنة كاملة لن أفتح فيها الموضوع، وبعدها... الله يسهل."
في هذه الأثناء، خرج الأب من مكتب ابنه وهو متضايق. قابل زوجته في الصالة، فسألته باهتمام: "ماذا حدث؟"
هز رأسه وقال: "ابنك يعشق، ومشكلته أنه يحب فتاة لا يستطيع الوصول إليها الآن."
تن*دت الأم بقلق: "الله يهديه، الفتاة لن تنتظره والوقت لا يرحم."
لم يرد الأب، لكنه حدث نفسه: إن كان بعد سنة ما زال متمسكًا بها، فهذا يعني أن الأمر جاد، وإن نسيها... فمعناه أنه كان مجرد وهم وانتهى.
وفي الليلة نفسها عند سمر، لم تدرِ لماذا كان نومها أهدى من المعتاد. استيقظت على أثر حلم قديم رأى فيه رشيد يبتسم لها ويقول: " أكملي." فتحت عينيها ولقت نفسها تبتسم بعفوية. أخذت نوتة صغيرة وكتبت فيها:
"اليوم استطعت أن أذاكر ساعة كاملة دون أن أبكي... هذه خطوة."
كان بشير قد حسم أمره بالانسحاب المؤقت ليعطي سمر وقتها الكافي، وكان الأب قد أعطاه مهلة سنة، لكن الجميع كان يعلم أن سنة واحدة كفيلة بأن تغير كل شيء.
من جانبها، بدأت سمر تشعر بأن هناك من يراقبها ويدعمها من بعيد دون أن تدري من هو. صار لها أسبوع كامل وهي تحت هذا الإحساس؛ ليس أمامها، ولا بجانبها، بل من بعيد... نظرة، أو حركة، أو حتى ذلك الهدوء الذي يخيم على القاعة عندما تدخل. كل شيء كان يهمس لها بأن هناك عيونًا تراقبها دون أن ترغب في الكشف عن نفسها.
كانت أول مرة شعرت فيها بهذا الشعور بعد موقفها مع نورة؛ إذ دخلت المحاضرة ووجدت ورقة صغيرة على كرسيها. لم يكن فيها إلا جملة واحدة بخط واضح:
"أكملي... أنتِ أقوى من كلامهم."
لم تعرف من كتبها، وقالت لها زهراء وقتها: "أكيد أنا، لأنني رأيتكِ متضايقة." لكن خط زهراء لم يكن يشبه هذا الخط المنسق الهادئ الذي يفيض بالصبر. طوت سمر الورقة ووضعتها في دفترها دون أن تسأل أحدًا.
وبعدها بيومين، نسيت كتابها في المكتبة، وعندما عادت لتأخذه، وجدته مفتوحًا على الصفحة التي توقفت عندها، وعلى الهامش كُتب بخط رصاص خفيف:
"أكملي، فأنتِ تستحقين الأفضل."
جلست سمر على الكرسي وهي تهمس بحيرة: "من أنت؟"
في المحاضرات، كان بشير يشرح كعادته بصوت ثابت دون أن يرفع عينيه إليها كثيرًا. لكن في كل مرة كانت تتلخبط فيها وتسكت، كان يتوقف لثانيتين ويقول بأريحية: "خذي وقتكِ، فلسنا في عجلة من أمرنا"، ثم يكمل شرحه وكأن شيئًا لم يكن.
كانت سمر تشعر بأن هذا الكلام ليس موجهًا للجميع، بل لها هي وحدها. لم يكن تشجيعًا بصوت عالٍ، بل طمأنينة تتسلل إليها دون أن تجرح كبرياءها. وهنا كانت تداهمها الفكرة التي تخيفها: "ماذا لو كان هو؟"
لكنها سرعان ما تهز رأسها نافيهً: "لا، مستحيل... هو أستاذي وقد وضع حدودًا صارمة." إلا أن قلبها لم يكن يقتنع بسهولة.
وفي الليل، فتحت سمر نوتتها وكتبت:
"أحس أنني لست وحدي، فهناك من يشدني من بعيد كي لا أسقط. لا أعلم من تكون... ولكن شكرًا لك. إن كنت تقرأ هذا، فأنا ما زلت واقفة... وسأكمل."
أغلقت النوتة وهي تشعر براحة غريبة، وكأنها ردت على ذلك الشخص المجهول.
بدأت سمر تصدق أن هناك أملًا، وأصبح إحساس المراقبة يبعث في قلبها الطمأنينة بدلاً من الخوف، لكن السؤال ظل معلقًا: من هذا الذي يقف في الظل ويدفعها نحو النور؟
مرت الأيام وانقضت السنة، وسمر وبشير يعيشان في صراع بين التكذيب والتصديق. هو يحاول الاقتراب منها بحدود ودون أن يثير الانتباه، وقلب سمر يهمس لها: "هو من شدكِ إلى النور بعدما سقطتِ في الظلمة"، بينما يرد عقلها بالرفض: "لا، هو أستاذكِ فحسب، ابتعدي وحافظي على نفسكِ من كلام الناس."
كان بشير يشعر بأن أيام الاختبارات تمر بسرعة خاطفة، ولم يكن يرغب في أن تنتهي السنة. حتى تلك اللحظة لم يخطُ خطوة جادة نحوها، وكان يتساءل بمرارة: "أمعقول أن تأتي السنة القادمة وتكون إلى جانبي فتاة غير سمر؟ كيف وهي الوحيدة التي سرقت قلبي؟"
لم يعد حبه لها مجرد عاطفة عابرة، بل تحول إلى اهتمام بالغ؛ فكل صغيرة وكبيرة تفعلها لا تمر عليه دون أن يلاحظها. أقسم في سرّه ألا يكون لغير سمر، وإن لم تكن له فلن يكون لأحد غيرها، لكنه لم يكن يعلم ما تخبئه له الأيام.
انتهت أيام الاختبارات وبدأت الإجازة. وفي اليوم الأخير من الامتحانات، كانت سمر في غاية القلق؛ لم تكن تريد مغادرة الجامعة ولا السكن الجامعي، فما عاد لها مكان تقصده. الشخص الذي كانت تعود إلى البيت لأجله قد رحل، ولم يتبقَ إلا الجحيم الذي تنتظرها فيه "سهى" لتمارس انتقامها.
كانت سمر مدركة لما سيحدث معها، لكن لم يكن أمامه أي خيار آخر. نظرت حولها وكأنها تبحث عن ملاذ أو شعاع نور، وشبهت قصته بقصة "صاحب الظل الطويل". لم تره، ولم يتبقَ إلا القليل حتى يصل عمها ليأخذها.
شعرَت زهراء بما يدور في خلد سمر، فأرادت أن تساعدها دون أن تجرح مشاعرها، فقد أصبحت صداقتهما أقوى من الأخوة. وقالت زهراء بحماس:
"سمر، تعالي معي لنودع الأساتذة قبل أن نغادر، فالصراحة يجب أن نشكرهم على جهودهم معنا."
وجدت سمر في ذلك فرصة مناسبة، ولم تكن تعلم أن الحركة مقصودة من صديقتها. طرقت زهراء الباب باحترام، وعندما أُذن لهما بالدخول، أخذت سمر نفسًا عميقًا ودخلت. جالت بعينيها في أرجاء المكان بحثًا عنه، لكنها لم تجده؛ فقد كان مقعده خاليًا.
ظنت أنه غادر، فغمرها الحزن وشعرت باحتقار لتفكيرها؛ إذ توهمت أنه يهتم بها من أعماقه، بينما تبين أنه مجرد اهتمام أستاذ بطالبة مجتهدة مرت ب*روف قاسية وكان ينبغي مساعدتها. والآن، انتهى دوره وانتهت السنة.
شكرتا بقية الأساتذة وخرجتا. لاحظت زهراء كآبة وجه سمر لكنها لم تعلّق، وقبل أن تبتعدا، رفعت نظرها فرأت الدكتور بشير في نهاية الممر. فرحت ودفعت سمر بلطف:
"انظري، إنه الدكتور بشير، لم نشكره بعد!"
رفعت سمر رأسها بسرعة، وفاضت الفرحة في قلبها، فتبدلت ملامحها من الكآبة إلى السعادة ومشت نحوه.
في المقابل، شعر الدكتور بشير بسعادة عارمة عندما رآها؛ فقد كان يبحث عنها ليراها ولو لدقائق معدودة، وعندما فقد الأمل عاد من**رًا. ورغم أنها عرفت قبل أيام أنه هو الشخص الذي كان يساندها، إلا أنها مضت دون أن تنبس بكلمة شكر.
وقفت أمامه وتوترها يسبقها، ولم تكن تجرؤ على النظر في عينيه مباشرة. سارعت زهراء لتلطيف الجو وقالت:
"يا دكتور بشير، جئنا لنشكرك على كل ما قدمته لنا، فقد استفدنا منك الكثير... أليس كذلك يا سمر؟"
ردت سمر بتلعثم وتوتر واضح: "نعم... صحيح."
ظلت عينا بشير معلقتين بها، يراقب توترها الخجل، وقال في نفسه: "هذه فرصتي لأصارحها بحدود شعوري."
ثم رفع بصره وقال بجدية: "سمر، أريد التحدث معكِ على انفراد... هل تسمحين يا زهراء؟"
ردت زهراء فورًا: "بالتأكيد، لكن لا تطولا."
في تلك اللحظة، شعرت سمر بأطرافها ترتجف ودقات قلبها تتسارع، بينما كان عقلها يصرخ بسؤال واحد: "ماذا يريد منكِ؟"
........
بشير طلب يكلم سمر على انفراد... تتوقعون بيعترف لها بحبه صراحة؟ ولا بيعطيها تلميح أو وعد ينتظرها؟
ردة فعل سمر: سمر خائفة ومترددة بسبب كلام الناس وذكراياتها... لو اعترف لها بشير، هل بترفضه عشان تحمي نفسها، ولا قلبها بيغلب عقلها؟