البارت الرابع

1209 Words
​البارت الرابع: لقاء بدون موعد ​في اليوم الثاني خطت سمر خطوتها الأولى نحو الاستقلال. ​صحيح إن القرار ما كان قرارها، بل قرار عمّها، لكنها كانت خطوة علّمتها كيف تستمد قوتها بنفسها، وكيف تعتمد على نفسها في اتخاذ قراراتها. لم يعد حولها أحد يفرض عليها شيئاً. ​حجز لها عمّها مكاناً في سكن الجامعة وسجّلها. كانت مبسوطة بكل جوارحها. أخيراً لا سهى ولا نهى ولا العمة جميلة، ستخدم نفسها بنفسها فقط. ​كانت تمشي في ممر الجامعة سارحةً في خيالها وكتبها في يدها، وفجأةً: طراخ! اصطدمت بشيء صلب وتناثرت أغراضها على الأرض. ​سمر لم تلتفت حتى للشخص الذي اصطدمت به. رفعت أغراضها بعجلة وقالت بسرعة: "آسفة، ما انتبهت لك." ​الشخص لم يرَ وجهها أصلاً، لكنه ظل واقفاً حتى انتهت من جمع أغراضها. كان ينتظر اعتذاراً، لكنه لم يتوقع أن يكون بهذا الشكل السريع. ظل مصدوماً من اعتذارها الذي لم يحسبه اعتذاراً أصلاً. ​همّ بالمشي، لكنه لمح شيئاً على الأرض. نزل وأخذه، وظل يتأمله لبرهة ثم مشى إلى القاعة وألقى السلام، فردّ الجميع عليه. ​كانت سمر في نفس القاعة، تجلس بجانب زميلتها في السكن زهراء. ​زهراء: سمر، هذا الدكتور عازب. سمر باستغراب: طيب، وش نسوي له عازب أو متزوج؟ ما علينا من حياته. هو دكتور ونحن طالبات، ما يخصنا. زهراء: لأنك هبلة! بنات الجامعة يطيحون عليه طيح. سمر: أستغفر الله العظيم. زهراء: وش فيكِ؟ كنت أمزح معكِ. أنتِ الظاهر ما ينمزح معكِ. سمر: إي، ما ينمزح معي وما أحب المزاح. أنا من النوع اللي يحب الجدية وبس. ​كانت سمر تتكلم والدكتور لمحها. بصوت جهوري مرتفع أرعب الجميع قال: "أنتِ اللي قاعدة تتكلمين ولا كأني موجود؟" ​فزّت سمر من مكانها والتفتت، فإذا هي المقصودة. كان الدكتور ينتظر أي فرصة ليُرهب بها الطلاب. بغضب قال: "تعالي بسرعة قدامي." ​ابتلعت سمر ريقها وكتمت نفسها حتى لا تبكي أمام الجميع. خرجت وهي منزّلة رأسها، تدعو على زهراء في سرّها لأنها السبب. ​الدكتور بجدية وحزم: سؤال واحد بجاوبكِ عليه. شفتيني لما دخلت؟ سمر هزّت رأسها بـ"نعم". خبط بيده على الطاولة بقوة حتى فزّ الجميع: "أنا لما أسأل ما أبغى هزّ رأس. أبغى إجابة، فاهمة؟ وهذا الكلام مو لكِ بس، هذا للجميع. فاهمين؟" الكل: إيوه. ​سمر ظلت ساكتة وبلعت ريقها، تحاول ألا يظهر صوت البكاء في صوتها: "إي، شفتك يا دكتور." الدكتور: إذن ما لكِ عذر. يلا اطلعي من القاعة. ​الكل انصدم لأنه اليوم أول يوم يشرح فيه، فأمس كان تعارفاً فقط. أما سمر فظلت مسمّرة مكانها، تحاول بقوة ألا تبكي، وتكلمت ببحة: "أنا آسفة والله ما أعيدها. اعفُ عني هذه المرة يا دكتور." الدكتور: أنا تكلمت أمس وقلت إن من طبعي إذا عاقبت ما أتراجع عن العقاب. سمر: أنا ما حضرت أمس يا دكتور. ​الدكتور أحسّ أن كفاية كذا، لأن لون البنت صار أصفر. استغرب من شكلها وردّة فعلها، لأن البنات صاروا طوال ألسنة يردّون، لكن هذه كأنها من عصر قديم: "طيب دامكِ ما حضرتِ، بقول للجميع: أنا لما أدخل ما أبغى أسمع صوت ولو همس. وكل طالب يبلّغ زميله اللي ما حضر بقوانين الأستاذ بشير. ومن بكرة ما أبغى أي عذر. والحين ارجعي مكانك." ​البارت الخامس: لم أرد هذه البداية ​رجعت سمر مكانها لكن ظلت م**ورة طوال اليوم. بعد ما انتهى الدوام خرج الكل، لكنها ظلت مكانها حتى فضت القاعة وانفجرت بالبكاء، وصوتها ملأ المكان. ​في مكتب الدكاترة دخل الأستاذ خالد وهو مرهق: "والله شكلي بستقيل. صرت كبير في العمر وصار النسيان عندي كثير." بشير: ما عليه، أنت انسَ وأنا أرجّعها لك. روح يا بشير، نسيت. الدكتور خالد: ودامك عارف، ليش لسه واقف؟ هذه المرة نسيت اللابتوب، روح للقاعة رقم 7. بشير: ما عليه، خايف مرة تنسى نفسك! ​راح بشير للقاعة وسمع صوت بكاء، ففتح الباب بقوة. سمر فزّت من مكانها ووجهها أحمر. الدكتور بشير بخوف: وش صار؟ في أحد مضايقكِ؟ سمر خافت أكثر لما شافته وصارت تمسح دموعها: "لا لا يا دكتور." الدكتور بشير بإصرار: أكيد في شي وراء بكائكِ، لازم تتكلمين. سمر عرفت إنه بيمسكها فتكلمت: "ما في شي، بس اليوم في شخص ظلمني، وهذا كل شي." وراحت. ​بشير تسمّر مكانه وعرف إنه هو المقصود، وصار يسأل نفسه: هل يعقل إنها لسه زعلانة؟ كيف لسه تبكي؟ معقول اللي صار جرح كرامتها ولسه يخليها تبكي؟ ​ظل يسأل نفسه أسئلة كثيرة. رجع البيت ونام، وتذكّر البنت اللي اصطدم بها. طلع صورتها وظل يتأملها. فجأة فتح عيونه على وسعها: "والله إنها نفسها! بنت اليوم. غريب، كل هذه المواقف صارت وراء بعض وفي نفس اليوم. والله لو عرفت إنها نفسها ما عاقبتها. باين على ملامحها البراءة، وطلعت فعلاً بريئة وحسّاسة كمان. غريبة، هذه السنة الثالثة لي في الجامعة وكم بنت عاقبتها، وما شفت بنت بكت. يلا، أخيراً لقينا أنثى تدرس طب. معقول ظلمتها؟" ​رجعت سمر للسكن وباين من وجهها إنها بكت. زهراء همّت تتكلم: سمر: ولا كلمة، مزاجي ماهو رايق لكِ. زهراء بعناد: أنا آسفة، لو كنت عارفة إنه بيصير كذا ما تكلمت. سمر بجدية: والحين لا تزيدين الطين بلة واسكتي. زهراء: بس ما أكلتِ شي. سمر: ما عليكِ، هذا الشيء أكلت أو ما أكلت يخصني أنا، مو أنتِ. ​زهراء عرفت إن سمر زعلانة بقوة فسكتت. غيّرت سمر ملابسها وتوضأت وصلّت. أخذت جوالها وحطت السماعات وصارت تعيد كل المحاضرات اللي صورتها بدون ما أحد يحس. ​مر شهر في الجامعة، وحبت سمر الجامعة وتخصصها أكثر، وتعرفت على أشياء كثيرة في عالم الطب. ​في محاضرة الدكتور بشير قال: "اليوم بيكون تطبيق للكل. كل طالب بيضرب إبرة لزميله، والبنات كمان، وأنا بامر على الجميع." ​حست سمر بخوف وما قدرت تضرب لزهراء الإبرة. الدكتور مر على الجميع، وأي طالب ما قدر يضرب لزميله يخليه يطبّق عليه عشان ي**ر حاجز الخوف. وصل لسمر: "خير يا سمر؟ على كذا بيرجع مستواكِ للخلف، وأهم شي هو التطبيق." سمر: يا دكتور، خايفة أؤذيها. الدكتور بشير: حتى وإن صار، ما بيصير شي. بس أنتِ ركّزي وين الوريد. سمر: أوردتها مو باينة، أحسها نحيلة مرة. الدكتور بشير: طيب جرّبي عليّ، لأن أوردتي بارزة. سمر بخوف: لا يا دكتور، بحاول على زهراء. زهراء: إي، بتجربين؟ عندكِ محاولة واحدة بس، وإلا بتطيح عليكِ الدرجات. جرّبي على الدكتور أحسن لكِ تاخذين درجاتكِ. ​سمر لسه بترد، لكن الدكتور مدّ يده لها. ظلت تطالع يده شوي، وفي الأخير عزمت ومدّت يدها المرتجفة الباردة من التوتر ومسكت بطرف أصابعه. ​بشير حسّ بتلك اليدين المرتجفتين الباردتين لامست شيئاً في قلبه. كأن وميض نور تسلّل لقلبه، وكأن برودة يديها ورجفتها جمّدت جزءاً منه وقال: هذا مكاني. ​نجحت بضربها. لم يعلق الدكتور بشير بغير: "أحسنتِ." ورجع مكانه وهو في عالم ثاني؛ تلك اليدان ما تركتاه. جاءه الطلاب وردّ برؤوس أقلام فقط. انتهى وقته ولم يعد قادراً على إكمال يومه. أخذ إذن من الإدارة ورجع البيت. ​الأم باستغراب: بشير، وش صار؟ ليش رجعت بدري؟ بشير: مدري يا أمي، أحس بشوية إرهاق. بطلع أنام. الأم: طيب روح المستشفى. بشير مبتسماً: يمه ما يحتاج مستشفى، شوي وبتحسن إن شاء الله. ​طلع لغرفته، استلقى على السرير وصار يمسك قلبه: "وش صار لك يا بشير؟ معقول انجذبت لها؟ معقول لمستها أثرت فيك؟ كم بنت ناعمة مسكتني، بس ما حسيت بشي. يمكن تعاطفت معها بسبب رجفة يدها. البنات يمسكون يدي بدون ما يرتجفون، أكيد ماهو شي من اللي أفكر فيه. يلا نام يا بشير ولا تظل تفكر." ​غمّض عيونه شوي، وصار يتقلب يمين وشمال ولم يستطع أن ينام؛ كانت تمر في مخيلته ولم تترك له مجالاً للنوم. فجأة تذكّر شيئاً خلاه يفزّ من مكانه... ​أتعتمدون ما هو الشيء المهم الذي جعل بشير يفزّ من مكانه؟ لقد تذكّر تلك الصورة! قام يبحث عن الصورة، فقد أحس برغبة شديدة أن يراها. أخرج صورتها وظل يتأملها كثيراً لين نام وهي بيده. ​
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD