الفصل الثاني

4597 Words
قالوا إن في كل قلب مقبرة ولكن في هذا الزمان حتى المقابر أصبحت تُنهش وتُفتح مرة تلو الأخرى، لم تعد المقابر بكافية لنردم بداخلها الماضي وننهيه، لم نعد نأمن ألا ينهشنا الزمان بض*باته فيتفجر ما في القبور معيدا لقلوبنا الحسرة والقهر لذلك يحب أن يكون بكل قلب محرقة تنهي وتبيد الماضي بآلامه وخذلانه و**ره فلا تُبقي منه شيئا ….. حتى الرماد تأكله بأكمله فلا تترك أثرا، فمن خذلونا كانوا يعلمون أننا سنعاني ولكنهم تمادوا وتخلوا واليوم علينا أن نشعل محارقنا حتى تصبح نارها جحيما مستعرا فنلقي بها كل من رحل وكل من تخلى وكل من خذل، علينا أن نجعلها نيران تفتك بكل ما مضى…... تقف في فناء المدرسة تستشعر برودة الجو فالرياح تشتد والسماء غائمة وكأنما فصل الشتاء يعلن عن حضوره بطريقة قوية، لفت ذراعيها حول جسدها تلتمس الدفء ولكن الهواء البارد الذي لفح وجهها سحبها لفجوة ذكريات غريبة، تشعر كأن هناك ومضات بعقلها تحارب للظهور ولكنها لا تستطيع، أغمضت عينيها واستشعرت السكون حولها كأنها تهدي كل طاقة بداخلها لهذه الومضات لعلها تساعدها لكي تطفو إلى السطح، كانت تشعر أن عقلها ينتقل لمكان آخر لكن لا تتذكر أين، تشم عطرا عالقا بذاكرتها، عطرا مألوفا لها كأنها اعتادت عليه لسنوات، ض*ب جسدها تيار هواء أعتى فشرت بقشعريرة تسري بطول ظهرها ولثاني مرة تسمع ذلك الصوت الذي تألفه روحها لكنها لا تتذكر صاحبه (لقد تركت ورائي حياة بأكملها واخترتك أنت، هل تتخيلين أن يأتي يوم بدون وجود رائف؟)هزت رأسها بعنف كأنها تستفيق من غيبوبة كادت أن تبتلعها وهي تهمس "رائف" ….. تساءلت هل من الممكن أن تكون هناك أشياء لا تذكرها؟ …..كيف وهي تذكر كل شيء؟ ... تذكر ألمها الذي مازال يحيا بين ضلوعها حتى الآن، رائف ….اسم غريب لكنها ليست أول مرة تسمع هذا الصوت فذلك اليوم على البحر ض*بها صوته بأعماقها لا تعلم من أين أتى لكنه كان صوتا دافئا ويبعث بداخلها سكينة غريبة وشعورا بالأمان، هل من الممكن أن يكون عقلها اختلق صديقا وهميا يوما ما؟ أم أن هذه مجرد تخيلات نابعة من عقلها لإحساسها بالاحتياج لشخص ما؟ تن*دت بحزن ثم رفعت رأسها تنظر للسماء الذي صدح بها صوت الرعد يدوي وأنارها البرق في منظر له رهبة بداخلها فهمست بحزن شديد "ستمطر" وبمجرد أن أنهت همسها كانت قطرات المطر تتساقط على وجهها المرتفع للسماء بحزن، أغمضت عينيها وأخذت نفسا قويا لتملأ ص*رها برائحة المطر كأنها والسماء في مواجهة معزولة عن العالم فشعرت أن السماء تبكي لأجلها، قطع هذا الوصال كنزي التي وضعت معطفا على أكتافها وهي تقول بتوبيخ "كنت أبحث عنك، لماذا تقفين تحت المطر؟ هل أنت مجنونة؟ تحركي بسرعة" ضمت تولين طرفي المعطف وأسرعت بجوار كنزي ب**ت، فالتفتت لها كنزي وقالت "بدأ الشتاء وعواصفه سنرى أياما رائعة فقدومه هذه السنة قوي" ردت تولين بهدوء "نعم، أتى الشتاء وتوالت الفصول ومرت الأيام فلا شيء يقف" سألتها كنزي باهتمام " لماذا أنت حزينة هكذا؟ ماذا فعلت باختبارك؟ إذا كنت تشعرين أنك لم تقومي به على أكمل وجه مؤكد ستصححين مسار الأمور في اختبارات آخر العام" ابتسمت لها تولين فهي تحتاج إلى أن تشعر بالاهتمام حقا وقالت "لا تقلقي عليّ فقد مررت باختبارات أصعب بمراحل وها أنا أمامك ما زلت أتنفس" ضحكت كنزي وردت عليها "إنه اختبار نصف العام وأشعر أن البؤس ملأ وجوهكن، انظري لهاتين البائستين، ملاك كانت تبكي" وصلهما صوت سارة الحانق "أسرعا فالمطر يشتد وقد ابتلت ملابسكما بالكامل" فتحت تولين باب السيارة ودخلت بسرعة تتبعها كنزي يصلهما صوت كرم الهادئ يوبخ سارة على ارتفاع صوتها، التفتت تولين لملاك التي كانت تبكي ب**ت وبيدها علبة ضخمة من المناديل الورقية لا تعلم من أين أتت بها وقالت بتأثر "لا تحزني، هل كان الاختبار سيئا لهذه الدرجة؟" ردت عليها ملاك بخفوت "لا، لكن فترة الاختبارات تؤثر على حالتي النفسية بشدة" نظرت لها كنزي بغضب وجذبت علبة المناديل وهي تقول "أيتها الحمقاء توقفي عن البكاء لقد ظننت أن هناك كعكة ستزين ورقة إجابتك" ابتسمت تولين وهي تسحب بعض المناديل وتجفف وجهها ويديها ثم سحبت هاتفها ببطء وفتحت أحد برامج المراسلة حيث كانت صورتها وعادل يبتسمان بانطلاق على البحر ذلك اليوم تجاور اسمه فابتسمت بدون سبب وأرسلت له "أين أنت أيها الوسيم؟" جاءها الرد بسرعة فائقة كأنه كان ينتظر رسالتها "أشاهد المطر من وراء زجاج الشرفة وأرتشف كوب قهوتي وأخذت دوائي لا تقلقي" كتبت له بأصابع ترتجف "لقد حل الشتاء" أجابها "نعم …..حل الشتاء" أرسلت له "اهتمّ بنفسك حتى نلتقي ولا تهمل دواءك" وصلها الرد بعد لحظات "كيف كان اختبارك؟" أجابته "كالعادة ذكية ومتفوقة" رد عليها "ليتك كنت هنا لقد أصبحت أهاب تغير الفصول، إنه يشعرني بعدم الراحة وكأنه أكبر دليل أن لا شيء يدوم" ضغط عادل على الجرح بكل ما أوتي من قوة فاختنقت ووضعت يدها على فمها تكتم شهقة بكاء وأرسلت له "سنلتقي يوم الجمعة، كن بخير وسأكون على تواصل دائم معك" لم ترَ ما يدل على أنه يجيب رسالتها فظلت تنظر للهاتف لدقائق بتعجب وقبل أن تقرر أن تهاتفه لترى لماذا توقف عن الرد عليها فجأة أتاها الرد "وأنت أيضا كوني بخير دوما" نظرت لهذه الجملة بتقدير تشعر أن الشتاء عزز بداخلها مشاعر الشجن وبدون تفكير رفعت رأسها فجأة وقالت بصوت مرتفع وسط سكون السيارة "أنا جائعة للغاية" التفت الجميع لها بتعجب وعلى وجوههم ضحكة خبيثة فقالت سارة بحماس "أمازال لد*كن طاقة لبعض العمل؟ لقد تبلت بعض اللحوم بالأمس ووضعتهم بالمبرد هكذا لا ينقصنا سوى آلة الشواء وبعض السلطات والمقبلات" قالت ملاك بتردد "لا أعلم فأنا لم أخبر أمي أنني سأتأخر" تدخل كرم قائلا بصوته المتزن "سأمر بخالتي وأخبرها" **تت ملاك بإحراج فنظرت سارة لتولين وكنزي وقالت "وأنتما؟" ردت عليها كنزي "هل حقيبة ملابسي مازالت عندك أم أرسلتها للمنزل مع عمر؟" ض*بت سارة على ص*رها بحركة واثقة وقالت "في الحفظ والصون يا كبيرة لقد احتفظت بها لأي طارئ قد يطرأ" رفعت كنزي يديها باستسلام وقالت "حسنا أنا معك" قالت سارة لتولين "وأنت يا ست حور؟" أجابتها تولين بتفكير "سأهاتف سما والعم صلاح لأخبرهما" صفقت سارة بيدها بفرحة وقالت "أريد أن أرى وجه سلطان عندما يعلم أننا أكلنا طعامه، لا تتخيلن فرحتي، لعله يخلصني منه ويتزوج هو أيضا" عبس كرم وهو يقف أمام باب المنزل يفكر أن هذه الحمقاء تبحث عن المشاكل باجتهاد فسلطان إذا جاع لديه استعداد أن يأكلها، نزلت الفتيات وهمت سارة بالنزول ولكنها التفتت له وقالت بصوت غريب على أذنه كأنه يحتوي على بعض الخجل "كرم" توسعت أعين كرم والتفت إليها يقول بحنق "نعم" استغربت من حنقه وقالت بهدوء "من فضلك، هل يمكنك أن ترسل أي أحد من الورشة لإحضار خبز ساخن من الفرن وبعض الحلويات وزجاجتين من المياه الغازية" ابتلع ريقه جراء صوتها الهادئ وقال لها بعبوس "حسنا " مدت يدها بحقيبتها تخرج مبلغا من المال وقالت "هذا كل ما معي وإن كان الحساب أكبر خذ الباقي من سلطان عند عودته" نظر لها بعدم فهم ثم نزلت عيناه لما بيدها فصرخ بغضب شديد "ما هذا؟" توسعت عيناها من صوته الذي ** أذنيها وقالت بقوة "مال، ماذا ترى؟" ض*ب بيده على عجلة القيادة وقد ذهب هدوءه أدراج الرياح وحضرت شياطينه وهي تعلم جيدا ماذا يستطيع أن يفعل كرم عند غضبه ففتحت الباب بسرعة وهي تسمع صراخه "اذهبي من أمامي" أطلقت قدميها للريح تلحق بالفتيات، أما هو فكانت عيناه في أثرها ولم يرحل حتى سمع صوت إغلاق الباب المفزع كعادتها وهو يهمس "الغ*ية" بعد ساعة ونصف كانت الفتيات يجلسن على سرير سارة وجميعهن يشعرن بالتخمة وتتوسطهن عدة أكياس ممتلئة بأنواع كثيرة من الحلوى ورغم تخمتهن إلا أنهن لم يقاومن فبدأن بالقضاء عليها، وضعت ملاك أحد الأكياس فوق أرجلها كأنها تعلن ملكيته وقالت "لقد كان الطعام لذيذا، ذكرني بحفلات شواء خالتي نوارة رحمها الله" ردت عليها سارة بفخر "لقد تعلمت فنون الطبخ منذ صغري على يديها، رحمها الله لم أرَ من هي أحن منها…. منذ وفاة والدتي لم تكن تفرق يوما بيننا وبين أبنائها" تمتمت كنزي بتأثر "رحمها الله كانت إنسانة رائعة" نظرت تولين لوجوههن المتأثرة وقالت "رحمها الله، يبدو أنه لا يرحل سوى من يملك قلبا من ذهب" **تت للحظة بخضوع تام وذكرى قمر وأحمد تهاجمها بضراوة، فاختنقت وهي تقول "شكرا يا سارة على هذه الوليمة، سأذهب لأرتاح قليلا قبل أن أبدأ بالمذاكرة" ردت عليها ملاك "خذيني معك سأرحل أنا أيضا يا سوسو، وسفرة دائمة يا قلبي" وقفت سارة متخصرة وقالت "لم هذا الاستعجال؟ لم نأكل الحلوى بعد ...انظرن لقد أحضر كرم محل الحلوى بأكمله إنه معتوه، دعونا نقضي عليها ونرتاح قليلا ثم نبدأ بالمذاكرة، ابقين معي" قالتها برجاء فردت كنزي بهدوء وقالت "هل نسيتِ أن مساء اليوم موعد الحفل الذي أخبرتك عنه؟ لن أستطيع البقاء أكثر فعلي الاستعداد رغم ثقل هذه المظاهر الخادعة على قلبي" سألت تولين بعدم فهم "أي حفل؟" نظرت لها كنزي قليلا بتمعن وقالت بحماس "لماذا لا تأتي معي يا حور؟" توسعت عينا تولين وقالت "إلى أين؟ ….كنزي توقفي عن جنونك فلقد سمعت ما قاله العم صلاح من مواعظ عندما أخبرته أنني قادمة لتناول الطعام معكن، وسمعت صوت سما الحزين التي أصبحت لا تراني كثيرا فأنا لا أجد لها وقتا ما بين المدرسة والعمل وعادل وأنتن والمذاكرة ليلا … دعيني وشأني فليس لدي وقت لهذه المهاترات" عبست كنزي ببؤس ظلل ملامحها فقالت لها تولين بتوتر "كنزي، لا تحزني مني لكن حقا لا أستطيع فكما ترين لدي مذاكرة واختبارات" حاولت كنزي أن ترسم ابتسامة لطيفة لكنها فشلت فشلا ذريعا فقالت بشجن "أعلم يا حبيبتي، لا تبرري لي شيئا فأنا أثق أنك إذا كنت تستطيعين القدوم ما كنت لتتركيني بمفردي، على أي حال هذا الحفل سيمر مثل سابقه" قالت سارة بغل "وهل سابقه مر يا كنزي؟ أنصحك بعدم الذهاب فليس لأحد عليك سلطة ومؤيد لن يدع أحدا يقترب منك" قالت كنزي بتأثر "إنها المرة الوحيدة من كل عام التي أرى بها جدتي، لا يمكنني أن أتنازل عنها بسهولة لمجرد أنني أتعرض لبعض المضايقات" توسعت عينا تولين وسألت "هل يمكنني أن أفهم أي حفل هذا الذي ستذهبين له بمفردك وتتعرضين به لمضايقات تجعلك مبتئسة هكذا؟ وأين إخوتك من كل هذا؟" قالت كنزي بسخرية "حفل عيد ميلاد جدي صفوان باشا الشافعي" قالت تولين بتساؤل "مادام حفل مولد جدك لماذا ستذهبين بمفردك؟ ولماذا أنت متوترة هكذا؟" قالت كنزي بتأثر "حور أنا ومؤيد وعمر إخوة من أب واحد لكن الأم مختلفة فأنا أختهما من أم ثانية" توترت تولين وقالت "أين المشكلة؟ أهم شيء أنكم إخوة، الأخ كنز لا يعوض وأنا أرى بعيني كيف يخشى عليك مؤيد من الهواء" قالت سارة بحنق "الموضوع أكبر من هذا يا حور فعائلة الجوهري وعائلة الشافعي بينهما خلافات كبيرة، وكان زواج أم كنزي من والدها مجرد قرار ص*ر لرأب الصدع لأن العائلتين بينهما أعمال مشتركة ولكن تفاقمت المشاكل حتى وصل الأمر لنزاع ليس له نهاية ومن وقتها وهي ممزقة بين العائلتين، فعائلة والدتها تعاملها كأنها خائنة لأنها اختارت أن تعيش مع إخوتها فلا يسمحون لها برؤية جدتها إلا مرة واحدة كل عام وم***ع دخول أي رجل من آل الجوهري لمكان يخص الشافعية" قالت تولين بعدم تصديق "ألهذا ستذهبين بمفردك؟" التقطت كنزي أنفاسها وقالت بصوت أرادت أن يخرج ثابتا "عليّ الرحيل الآن أراكن غدا" خرجت أمامهن فأسرعت ملاك الصامتة من البداية تقول بصوت متأثر "حور لا تدعيها تذهب بمفردها، العام الماضي ظلت لشهر كامل مريضة وحبست نفسها تأثرا من نظراتهم وكلامهم اللاذع، عمي صلاح رجل طيب ومتفهم ومؤكد لن يمانع فحاولي معه فكنزي لا تترك واحدة منا تحت أي ظرف" أسرعت تولين لتلحق بكنزي فسمعت كنزي صوت أقدامها تنهب سلالم المنزل، كانت عيناها تحبسان دموعها بقوة فتشوشت رؤيتها فخطت نحو الباب لتشعر فجأة بدفء غريب يحمل رائحة المسك فاندفعت الدموع المحبوسة تسيل على وجنتيها، رفعت رأسها لتجد رضا يبتعد بإحراج وهو يسأل باهتمام "هل أنت بخير؟" لسنوات طويلة كان ال**ت لغتها الأم …..لسنوات تركت عينيها تحكيان الكثير والكثير فلم ترد ولم تتحرك مبتعدة عن هالة الدفء والسلام التي تجدها فيه، ف*نحنح غاضا لبصره فلم تشعر سوى بحور تجذبها للخلف لتفسح طريقا ليرحل سلامها وهي تقول "أنا قادمة معك ولن أتخلى عنك يوما لكن عديني ألا تتخلي عني يوما بالمقابل" التفتت لها كنزي وأمسكت يدها وبعيونها رجاء أن تبعدها عن محيطه فهي لا تستطيع الابتعاد، وفعلا جذبتها تولين للخارج متجاهلة لوجود رضا الذي أغمض عينيه للحظات ثم تن*د بقوة وأكمل صعوده. البدايات الحزينة ليست دليلا قاطعا أن النهايات ستكون كذلك وهي لم تكن لتصدق أن هذا اليوم الطويل المليء بمشاعر غريبة محزنة ومخيفة سينتهي بها في أفضل مراكز التجميل حيث الجميع يهتم بها وبكنزي بشكل خاص وينتظرها ثوب رائع لترتديه وتكون أميرة لليلة واحدة، لن تنكر أنها اشتاقت لهذه الأجواء، اشتاقت للدلال ببذخ، اشتاقت أن ترتاح فهي لا تحصل على الراحة أبدا ما بين الدراسة والعمل، تكاد تشعر أن بداخلها شيئا من الإرهاق يتفاقم وأن أمامه شيئا آخر لا تعرف كنهه يتلاشى، نظرت بطرف عينها لكنزي الساهمة وقالت بمرح تحاول سحبها من هوة حزنها "لو كنت أعلم أن يومي سينتهي هنا ما كنت رفضت طلبك من البداية" نظرت لها كنزي باهتمام وقالت "أريدك فقط أن تطمئني فمؤيد شرح للعم صلاح الوضع وأخبره أنه سيعيدك بنفسه" ابتسمت تولين وقالت "أعلم لقد هاتفني وأخبرني أن أحاول ألا أتأخر وأعطاني بضعة نصائح حول الذكور في العالم المنفتح، لكن على أي حال اشكري مؤيد نيابة عني فهو رجل المهام الصعبة" قاطع حديثهما صوت إحدى العاملات تقول "آنساتي، لقد وصلت الأثواب" دخلت وراءها عاملتان إحداهما تحمل ثوبا طويلا بلون نبيذي رائع أكمامه تصل إلى قبل الرسغ بقليل وقماشه العلوي من الدانتيل الشفاف المشغول بخبرة تجعله في قمة الرقي والأخرى تحمل ثوبا ذهبيا بحمالة واحدة مائلة من جنب إلى الجنب الآخر، قصير يكاد لا يصل للركبة ومشغول بقماش في قمة الفخامة، توجهت كلٌّ منهما إلى فستانها كالمسحورة فمؤيد أرسل هذين الثوبين بناء على طلب كنزي التي فاجأته بحضور حور معها إلى الحفل …... بعد ساعتين كانت الفتاتان تركبان السيارة التي يقودها مؤيد بقلبه الذي يقرع كطبول الحرب خوفا على أخته، يجاوره عمر الذي كان صامتا بشكل كئيب وهي في الخلف تشعر أن قلبها سينقسم لنصفين على إخوتها، كل عام في هذا اليوم يكون هذا شعورهما منذ رحيلها حتى تعود كأن بداخلهما صراعا لا نهاية له إلا بعودتها، تكلم مؤيد "كنزي كالعادة سأصل بك إلى أقرب نقطة للحفل وهناك تنتظرك سيارة أخرى سيكمل سائقها معكم المسير وأنا سأنتظرك هنا حتى تعودي، لا أريد تهورا وسنبقى على اتصال دائم" تكلمت كنزي بارتجاف "مؤيد لا داعي لكل هذا... لن تقف على الطريق تنتظرني لساعات، عد إلى المنزل والسائق سيعيدني عند انتهائي" قال لها برفض "كنزي، لن أتحرك بدونك وإن تأخرت عليّ سأقتحم وكر الشافعية وآخذك أمام الجميع، لا أعرف ما سبب إصرارك على حضور هذا الحفل اللعين، هل ينقصنا تدمير أعصاب؟" تفهمت غضب أخيها وقالت بهدوء "لن يحدث شيء ولن أتأخر ثم حور معي ولن أكون بمفردي" تحولت أعين مؤيد المراقب لأخته في مرآة السيارة إلى تولين الصامتة التي تشاهد ما يحدث وشعور بالرعب بدأ يملؤها …...حفل …..اقتحام …..لا تريد أن تعيش فيلم رعب مجددا، قال مؤيد "شكرا يا حور على وجودك مع كنزي اليوم فهذا يعني لنا الكثير، فأنا واثق أن وجودك سيدعمها" هزت تولين رأسها بحيرة وهي تشعر بالسيارة تقف ومؤيد يترجل منها وعمر ليركب رجل في مقعد السائق وينطلق بهما إلى قصر الشافعية........ محظوظون هم من يجدون في دروبهم فرص ثانية، محظوظون لأبعد حد حتى أنني لمت الحياة كثيرا حين أخبرتني أنا قصتي رحلة واحدة لا إعادة لها........... يقف مأمون بتوتر ينتظر عروسه ورغما عنه عقله يعيد عليه الماضي بكل ما فيه ويذكره بما حدث، منذ لمحها بنت السفير أودت بعقله إلى غياهب عشق سرمدي، صار أسيرها منذ أول لحظة ...وقرر أن تكون له بلحظة ….ودخل الشيطان إلى عقله بلحظة ...وفقدها بلحظة أخرى، يقف ويشعر أن كل السنين التي مضت لحظات تجرع بها كل الحب وكل الوجع، وفي النهاية يخشى أن يكون أدمن الوجع وسيظل يجرح من حوله، يخاف الضياع مجددا ويخشى ألا يكون لها كل ما تحتاجه …..قاطع أفكاره وصول الشباب ف*نفس بعمق يحاول مداراة توتره، اقترب منذر تتأبط أسمهان يده بنعومة وخلفه صفي الذي كان يحيط بلقيس بذراعيه كأنها على وشك الهروب، وعزيزة وسمراء تتأبطان ذراعي عاصي ووراءهم نزار والبقية، نظر لهم بسعادة فسجى لا تملك أسرة ولا أصدقاء ويعلم أن الفتيات بذكائهن سيحتوينها في يوم كهذا فقد أقامت هذا الحفل الهادئ من أجل نفسها ...تشتاق للسعادة وهو يتفهمها لأبعد حد، لم تدعُ أحدا أما هو فدعا المقربين فقط، أسرتي سالم ومحسن وبشر وجاسم، أما أخوه وفتون فتعذر عليهما الحضور، كم هو شيء عجيب أن تستطيع أن تعد كل ما تمتلكه على أصابعك، بدأ السلام الصاخب بين الشباب وكأن قدومهم أعطى للحفل رونقا آخر قال مأمون باستفسار "أين بشر وأسد؟" تحدث عاصي بتعب "لا تصلنا أخبارهما منذ فترة، ولا أحد يعلم عنهما شيئا" سأل مأمون بحيرة " كيف هذا؟ لقد كنت رغم انشغالي على تواصل دائم مع أسد وبشر خاصة عند توقيع ال*قد الجديد، ولم أشعر بشيء غريب فبشر كما هو منذ ما حدث حزين وصامت، وأسد لم أستشف شيئا منه إطلاقا كما هو مرح ولا يحب العمل" قال نزار وهو ينظر نحو والده الذي يقترب وعمه خلفه "أظن أن علينا تغيير الموضوع فعمي محسن صحته متدهورة منذ فترة واسم أسد يثير جنونه" **ت الجميع فوصل سالم ومحسن لتهنئة العريس ثم قال سالم "أتمّ الله لك بخير يا بني، أين والدك؟" رد عليه مأمون "إنه في الداخل يحضر سجى" قال محسن "مبارك يا بني، جمع الله بينكما على خير، سننتظر والدك بعيدا عن صخبكم" ابتسم الجميع بهدوء فقال نزار لعزيزة "أين تولين؟" أجابته عزيزة "مع أمي وخالتي ولا أعلم أين هما" مط نزار شفتيه وقال "سأذهب لأرى أين هما وأحضر صغيرتنا الجميلة ... احذر يا مأمون فهناك فاتنة قادمة سيقع ابنك في سحر عينيها من النظرة الأولى" ضحك الجميع وهم يشاهدون انصراف نزار فقال صفي لبلقيس "الوقوف كثيرا ليس جيدا لك لتستريحي بجانب أبي وعمي سيكون هذا أفضل" نظرت له برجاء وقالت "صفي أرجوك أريد أن أبقى مع الفتيات، لن أرهق نفسي" دفعها لتسير جانبه بخفة وقال "بلقيس من فضلك لا تدعيني أندم أنني وافقت على خروجنا، لذلك أريحيني واجلسي بهدوء حتى ينتهي الحفل" نظرت نحو منذر وأسمهان وبدأ شعور بالغيرة والحزن يتفاقم بداخلها ...عقلها فرض المقارنة فأسمهان ترتدي ثوبا مثل الفتيات وتزين شعرها الطويل بورود ذهبية جميلة، تضحك بانطلاق ومنذر يحيطها بحب، أما هي فلم تستطع ارتداء شيء لائق لأن جسدها تغير بالكامل وأصبح عبارة عن شيء مطموس الملامح والحزن لا يفارقها وزوجها يخنقها ولا تعلم السبب، تفاقم داخلها شعور بالبشاعة من نفسها وتفكيرها ومظهرها فأغمضت عينيها بشدة ليصلها صوته الملهوف يسأل "حبيبتي، هل أنت بخير؟ هل تشعرين بدوار أو شيء من هذا القبيل؟" صرخت به فجأة " لا أشعر بشيء، أنا بخير" بهت من صراخها المفاجئ وقال بلطف "بلقيس، اهدئي فالعصبية خطأ عليك وعلى الجنين" كانت تشعر بالقهر فالتفتت له قائلة بغضب "الجنين أم الأجنة، ارحمني يا صفي، إلى متى كنت تظن أنني لن أعلم أن ما بداخلي اثنين والسبب أنت والحبوب المنشطة التي أجبرتني على تناولها لتعجيل الحمل" أنهت كلامها وانفجرت بالبكاء، فاختنق الهواء بص*ره ونظر حوله ثم سحبها من يدها يبحث عن الحمام حتى وجده فدخل حمام السيدات وأغلق الباب يقربها من حوض الماء ويسحب بعض المناديل يكفكف بها دموعها وهو يقول وبص*ره وجع العالم "لا داعي لكل هذه العصبية، اهدئي، الأطفال رزق وأنا سعيد بحياتي معك وسعيد بقدومهما لا تقلقي أبدا وأنا بجانبك" قالت بشهقة قوية "أنت سعيد…... وأنت من تريد …….. إذا أين أنا؟ لقد اختنقت حقا ... أتحمل منك الكثير على أمل أن تعود كما كنت يوما لكنني لا أجد منك إلا ضلال، انظر لي لم أكمل عامي الأول من الزواج وأصبح هذا مظهري... لست سعيدة وسأصبح أما لطفلين، .لماذا تفعل بي هذا؟ في الماضي ظننت أن إعاقتك أثرت على حالتك النفسية قليلا فعذرتك وتقبلت منك كل تقلباتك بمنتهى الحب، لكن ما عذرك الآن؟ لقد كنت تواظب على جلسات العلاج الطبيعي ولم تخبرني، لم تعد بحاجة للعكاز وتحسنت قدمك كثيرا ولكنك كنت تدعي أنها تؤلمك من وقت لآخر أمامي، أكد لك الطبيب أن قدمك عادت مثل السابق وأصبحت طبيعية وأبيت أن تشاركني سعادتك بالخبر، لماذا أنت أناني لهذه الدرجة؟" نظر لها صفي والدموع تملأ عينيه وقال " ليست أنانية، لكني خشيت ألا تظلي تهتمين بي إذا علمت أنني أصبحت بخير، كنت أدعي الألم لأرى نظرة الحنان تملأ عينيك نحوي فأنا أحتاج هذه النظرة وبشدة، إنها شغفي بأكمله حين تنظرين لي وكأن كلك معي فأشعر أنني ملكت العالم، بلقيس أنت بعيني أروع النساء وأعيش بوجودك معي أمانا ليس له نهاية فعندما تعرضت لذلك الحادث منذ سنوات كنت في حضرة الموت وعقلي أخذني لأماكن مظلمة جدا، فكرت للحظة لو أنني مت ماذا سيكون مصيرك، كانت السيارة تدور وعقلي يدور حولك ولم يتوقف من يومها، ألا تشعرين بحبي؟ هل هناك من يعشق امرأة مثلما أعشقك؟ فقط اهدئي ولا تدعي أي أفكار تسمم عقلك تجاهي، لا أرى اهتمامي بك خطيئة" قالت بصوت مختنق ودموعها تجري "لماذا أخفيت عني أنهما طفلان؟" قال بسرعة "كنت متوترا بشأن الحمل وتقلباته، أغضب بشدة عندما أشعر أن بداخلك إحساس رفض أو نفور تجاهي، خفت أن تفزعي من الخبر، كنت سأخبرك ولكن في الوقت المناسب، ثم لا تفكري بهذا الأمر لن تشعري بهما أبدا فسأكون معك دوما" نظرت له باستغراب وسألته "صفي، ماذا تريد مني؟ لماذا تفعل كل هذا؟" ابتلع صفي غصة شديدة الحرقة واقترب منها يضمها بشدة وعيناه شاخصتان في ذكريات مرت وقال "أرجوك لا تسألي، أنت هنا وأنا أيضا وهذا بالنسبة لي قمة أحلامي، ما يحدث بيننا مجرد خلافات تحدث بين أي زوجين في بداية حياتهما، مع التعود سنتأقلم سويا على طباع بعضنا" وضعت رأسها على ص*ره وقالت بخفوت "لقد تعبت" رغم أنه فهم الكلمة جيدا إلا أنه تجاهلها وقال "إذاً لنغسل وجهك ونعد للخارج، ولن تتحركي من مكانك حتى عودتنا، أريحيني واسمعي حديثي" تحرك يغسل وجهها ويعدل وشاحها وملابسها وهي كالعروس المعلقة بخيوط جميعها بيده تنظر لنفسها بالمرآة وتتساءل متى سيحين دوره ليريحها …... بدأت الموسيقي الكلاسيكية تنتشر بالأرجاء وصوت سيلين ديون ينثر سحره بالمكان فأمالت أسمهان رأسها على ذراع منذر الذي كان يتحدث عبر الهاتف فنظر لها بابتسامة مفتونة وأكمل كلامه قائلا "حسنا باتريشيا، ألا يوجد لد*ك حل آخر؟ فأنا بحفل عائلي الآن" **ت قليلا يستمع لمحدثته على الطرف الآخر ثم قال "حسنا أحضريه لي فورا، سأرسل لك موقعي" نظرت له أسمهان باستفهام وسألت "ماذا هناك؟" أمال رأسه نحوها يتأمل هيئتها الملائكية وقال "جهاز الحاسوب خاصتي لا يعمل وعليه بنود عقد الصفقة الجديدة فطلبت من باتريشيا إحضاره لأرى ما علته" رفعت أسمهان حاجبيها وقالت بهدوء "منذر، لا أشعر بأي راحة تجاه هذه الفتاة، يمكننا أن نجد من هي أفضل منها، إنها …..." هزت رأسها ب**ت عاجزة لا تجد وصفا مناسبا فقال منذر بوله "مثيرة" توسعت عينا أسمهان وقالت بصوت غاضب "من؟" غمز لها بشقاوة وهو يعيد نظارته فوق أنفه للخلف ويقول "أنت بالتأكيد، هل تسمحين لي بهذه الرقصة؟" رفعت أسمهان رأسها بسعادة ومدت له يدها بحركة أرستقراطية فانحنى يقبل كفها ثم سحبها بعيدا عن الواقفين حتى أصبحت في منتصف المكان وبدأ يتمايل معها بانسجام، تأملته بابتسامة جميلة فسألها باستغراب "بدأت بحفظ جميع ابتساماتك ولكن هذه الابتسامة غريبة جدا، ما سببها يا ترى؟" همست له بصوت هادئ "إنها ابتسامة امتلاك، حين أنظر إليك أشعر بالسعادة لأنك رجلي...تخصني ولن أنكر زادتك النظارة اليوم وسامة، أنت لم ترتدها منذ زمن، افتقدت أن أراك بها حقا" تنحنح بهدوء وقال "هل تعنين أنها جعلتني أوسم؟" غمزت له أسمهان وقالت "أنت وسيم دوما لكنها تزيدك وسامة" أدارها منذر بهدوء وقال "لا أظن أن هناك أحدا جميلا غيرك اليوم، بهية الحسن شديدة الإثارة" قال آخر كلماته بخفوت جعلها تغمض عينيها بخجل ليس من طبعها أبدا …… قال عاصي بحنق وهو يراقب أسمهان ومنذر "ألا مراعاة لشعور الآخرين أبدا؟ انظروا، كأن الحفل لهما فيفتتحان ساحة الرقص بعرضهما الرومانسي" تن*دت عزيزة بحسرة وملامح البؤس سكنت تقاطيعها تراقب مع عاصي عصافير الحب، فانطلقت ضحكة مأمون المتوتر وقال "سيد عاصي، أجواء الرقص والرومانسية هذه لا تلائمك، أنت رجل عاصف وغرامك كله كوارث فلا تنظر لهؤلاء العصافير، فأنت بالنسبة لهم وحش" رفع عاصي يده يدلك موضع الرصاصة وقال بعقل مغيب "صحيح.. منذ متى والوحوش تجيد الرقص؟ نحن إن رقصنا نرقص من شدة الوجع أو الحزن، ثم كيف سيرقص الوحش والجميلة ليست بين يديه؟" كلمات بسيطة انطلقت من بين شفتيه لكنها قطعت أنفاس الواقفين حوله فالجميع معلق من عنقه في ساحة الفراق لا الحكم بالإعدام قد ص*ر ولا العفو دخل حيز التنفيذ، رفعت سمراء وجهها للأعلى كأنها تريد أن تعيد الدموع التي ملأت حدقتيها فليس من اللائق أن تبكي بزفاف أحدهم وقدمها تتحسس الأرض بحركة رتيبة كأنها ما عادت تؤمن أن الأرض ستمدها بالقوة بعد، احمر وجه عزيزة الأبيض بشدة دليل على رغبتها بالبكاء أما مأمون فربت على كتف صديقه بمؤازرة وقال "عاصي، إن كانت من نصيبك لن يحظى بها غيرك فاطمئن …..ها أنت ترى رغم كل سنين الفراق التي عانيتها بدون سجى اليوم تعود لي أمام الجميع وبعد فضيحة مدوية، الصحفيون في الخارج يحاربون للدخول والتقاط بعض الصور لنا ليكملوا ضجيجهم عن قصة الحب التي شهدها المطار بأكمله بينما أنا أقف بقربك متوترا ومرتبكا لا أصدق أن ما يحدث حقيقة، كأنني أتزوج لأول مرة" هز عاصي رأسه بتفهم وخيالها الساكن عينيه يشاغله ويعبث به فيزيد جنونه وناره ويتركه يناجيها دوما ... قال بهمس وحرقة "يا رب" تفهم مأمون **ته وقال لسمراء برجاء "سمراء، لقد تأخر والدي وسجى، من فضلك هلّا رأيت ما سبب التأخير؟" ردت عليه سمراء "لا بأس سأذهب لهما" سحبت سمراء عزيزة وهمت بالتحرك فقاطعها مأمون يقول برجاء "سمراء من فضلك، سجى لا تملك أحدا ليكون معها بيوم كهذا، إذا كانت تحتاج إلى أي دعم لا تتركيها فأنت وعزيزة بمقام أختيها" حالة تأرجح المشاعر التي يعيشها الجميع جعلت أقل كلمة تص*ر من أي شخص تدفع أطنان من الأحاسيس إلى الصدور، لم تجد سمراء كلاما لتقوله فهزت رأسها بموافقة وجذبت عزيزة خلفها وبداخل كل واحدة منهما ضغط من أحاسيس لا نهاية لها، نظر عاصي إلى ساعته وأخذ يحسب فرق التوقيت بين مصر وأمريكا فإذا كانت الساعة الثالثة والنصف عصرا مؤكد ستكون بمصر التاسعة والنصف ليلا، ست ساعات فرق التوقيت ما بين ليله وليلها، فحين يطل على سمائه القمر يكون قادما من النصف الآخر من الكوكب مودعا ست الحسن والجمال ….جميلة الوحش التي تغزلت به ...يا الله، ذكراها تدفع الدماء إلى رأسه بصورة مخيفة، كل شيء به أثير عينيها اللتين أبصرتا وجاءتا لترياه طوعا، تحرك في وقفته بجانب نزار بملل ومد يده ليسحب هاتفه ويستعرض مئات الصور التي تضيء بحسنها البهي ويحدثها بلوعة صامتة تترجمها عيناه لنظرات ذابت تصبو للوصال العاجل، تصبو للقرب وقد فقدتا كل الحيل فمن يتمنى بنت السلطان مصيره الفقد وهو بدونها مفقود ……. كالعادة لم تنبهر تولين بالأجواء وهذا شيء يزيد فضول كنزي نحوها، تتعامل مع كل شيء برقي فطري كأنها ربيبة قصور، منذ وصولهما وهما محط أنظار الجميع أولا لجمالها الذي فرض سيادته على أعين الحضور وثانيا لأنهما العنصر الغريب الموجود هنا فحفلات الشافعية ليست حفلات بالمعنى الحرفي بل إنها مناسبة يستغلها الجميع لتوسيع دائرة نشاطه، عبارة عن اجتماع رجال أعمال ولكن بطريقة راقية وأهم قاعدة بتلك الحفلات منع وجود الصحافة فجدها يخشى على ما يدور بين هذه الجدران أكثر مما يخشى عليها، قالت تولين بملل "إنها حفلة خانقة، الجميع متأنق بشكل مبالغ فيه، وجوههم مزيفة لا أحد هنا على حقيقته ولك الحق أن تكرهي المكان بمن فيه، أين هي جدتك لنراها ونرحل؟" ردت عليها كنزي وعيناها تبحثان عن شيء ما "لن أستطيع رؤيتها إلا عند حضور جدي ليأذن لي" مطت تولين شفتيها وقالت "لا أشعر بالراحة في هذا المكان، لنبتعد عن مجال الأنظار أفضل فأنا أشعر أن الجميع ينظر لنا بطريقة غريبة" هزت كنزي رأسها وقالت "الجميع ينظر لنا لأننا العنصر الغريب داخل هذه الصومعة ولا أحد غريب يدخل هنا، وصدقيني الوقوف هنا أفضل من الاقتراب من الجانب الآخر ألف مرة" قاطعهما صوت أنثوي متعجرف يقول "جاءت الدخيلة بنت الجوهري، يا مرحبا منذ أن شممت رائحة خيانة تملأ المكان عرفت بأن من تحمل دم الخونة قد وصلت" التفت تولين فوجدت أربع فتيات في منتصف العشرينيات تترأسهن خامسة تنظر لكنزي بكره ورغم جمالها إلا أن ملامحها الحقودة طمست أي جمال بروحها، قالت كنزي بقوة "زيزت، دعي هذه الليلة تمر على خير لقد جئت لرؤية جدتي ولا أريد مشاكل وصدقيني لو كنا في مكان آخر ووقت آخر لسحبت ل**نك هذا من فيكِ وقطعته لقطع صغيرة ثم ألقيته لقطط الحارة لتكمل تمزيقه" اشمأزت ملامح زيزت وقالت "ابنة حارة حقا، لا أعرف لماذا يسمح جدي لأمثالك بالتواجد بيننا، من هي مثلك لا تليق بها سوى حارة المعاتيه التي نشأت بداخلها" ثم التفتت تقول للفتيات اللواتي يقفن وراءها بلغة غريبة لم تفهمها كنزي "انظرن كيف تتحدث، إنها عار على عائلتنا تربية الحارة تلك" همت كنزي بجذب شعرها فقد شعرت أن هذا الحديث إهانة لها فتحدثت تولين بقوة وبنفس اللغة قائلة "لا أرى هنا عارا سواك أيتها المتعجرفة ...الزمي حدودك وإلا سأريك ماذا يمكن أن تفعل بنت الحارة مع أمثالك، أقسم أن أجعلك عبرة لمن يعتبر وأجعل ما سيحدث لك ذكرى لا تنسى لمئة عام قادمة أيتها الشمطاء" شهقت زيزت والفتيات توسعت أعينهن بهلع فنفخت كنزي ص*رها بقوة وهي لا تفقه شيئا مما يدور ولكن أحيانا يكفي أن نشعر أن هناك من يدافع عنا، اقترب المشاهد لما يحدث من البداية وقال بصوت قاطع "زيزت لقد وصل جدك، لا داعي للمشاكل، ابتعدي عنها" انصرفت زيزت ومن معها و نظرت كنزي لغياث بشرٍّ فقال بدماثة لم تستسغها تولين "مرحبا يا آنسة حور أنار الحفل بوجودك، ما هذا الجمال؟ خ*فتِ أنظار الحاضرين جميعا لكن لا أحد يجرؤ على الاقتراب" كان يمد يده للسلام فتمسكت تولين بيد كنزي دليل على رفضها لهذا السلام ف*نحنح بإحراج وهو يسحب يده ليعم ال**ت فجأة لدخول صفوان الشافعي ….
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD