الفصل السادس
بقلمي/سارة رجب حلمي
كادت هاجر أن ترد عليها، ولكن فتحت ندى الباب:
يلا يا إيمان، حسام وصل.
شعرت إيمان بقبضة إعتصرت قلبها بقوة: جه بدرى كده ليه؟!
ندى: مش عارفة.
سمعوا صوت والدهم ينادى على ندى.
ندى: نعم يا بابا.
ماهر: حسام جاله مكالمة ونزل تانى، قوليلها متطلعش.
سمعت إيمان كلمات والدها وإبتسمت بسعادة.
هاجر بشك: إنتى فرحانة كده ليه؟، المكالمة اللي جاتله إنتى اللي مدبراها ولا إيه!
إيمان: إنتي لو مالقتيش حد تشكى فيه هتشكى فى نفسك، ربنا يهد*كى.
هاجر: أمال إتبسطى كده ليه؟
إيمان: أهو أى حاجه تعطله، عندى أمل يرجع فى كلامه ومايجيش.
هاجر بإنفعال: يانهارك إسود!!، يابنتى مش فارق معاكى فضيحتكم لو عمل كده؟!
إيمان: أنا مش عارفة أخاف من إيه ولا إيه، أنا هموت مالرعب، أنا مش مصدقة أصلآ إنى هخرج من بيتى وأسيب أوضتى اللى عيشت وكبرت فيها، اللي بتتجوز بتكون إتخطبت فترة قبلها، وإستعدت إنها هتتجوز وهتسيب بيت أهلها، بس أنا ماستعدتش، وجوازتى مش زى أى جوازة، أنا قلبى حساه هيجيله وقت ويوقف، ماما وحشتنى أوى، أنا محتاجاها النهاردة، وحشتنى طنط زينب أم حسام ، وحشنى إرتياحى فالكلام معاها والضحك، وطبطبتها عليا بحنية الدنيا، أنا رايحة النهاردة أسكن معاها فى نفس البيت، هقرب فى المكان عن الأول، بس هبعد فى القلب أوى، حتى لو مصدقانى، أكيد مش هتحبنى تانى بعد كل اللي حصل.
هاجر: أكيد فى يوم هتفهم موقفك.
إيمان بسخرية: تفهم موقفى إيه بس، ده انا نفسي مش فهماه عشان هى تفهمه.
ربتت هاجر على ظهر إيمان برفق: خلاص كفاية كده، متفضليش تفكرى فى كل تفصيلة صغيرة وكبيرة، إرحمى نفسك من العذاب ده.
*****************
فى بيت حسام.
دلف حسام لغرفة والدته مسرعآ.
حسام: خير يا أمى.
زينب بنظرات غاضبة: إنت إتجننت يا حسام!!، رايح تعمل فرح وتعلن جوازك وناوى تجيبها كمان وكل ده من غير ماعرف!!!
حسام: ماحبتش أضايقك يا ماما.
زينب: تضايقنى إييييه؟!!، يعنى مش هعرف إن ده حصل أبدآ!، طب أدينى عرفت من برا، من الجيران، اللى بيباركوا لأمك اللى نايمة على ودانها.
حسام: ماما ده مش وقت عتاب، أنا كنت لسه داخل بيتهم ومكالمتك خلتنى نزلت وجتلك جرى، منظرى بقى وحش قدام الناس كلها.
زينب: يعنى منظرك حلو وإنت داخل لوحدك من غير أمك اللي ليك فى الدنيا؟
حسام: ده لما تبقى جوازة بجد وفرحانين بيها، إنما إنتى أكيد عارفة إحساسي وتفكيرى فالموضوع ده.
زينب: و لو، برضو كان لازم تبلغنى.
حسام: أنا آسف يا ماما، إنتى عندك حق، إلبسي وأنا مستنيكى.
زينب: مش معنى إنى بعتب عليك إنك خلتنى أخر من يعلم يبقى عايزة آجى مثلآ، روح إنت كده كده دخلت من غيرى، إرجع تانى من غيرى.
حسام: طب ليه بس خلتينى آجى من الأول ماكنتى تستنى لما أخلص وآجى.
زينب: كنت بتأكد.
حسام: مش زعلانة منى؟
إبتسمت له زينب بطيبة قلب: لا مش زعلانة منك، إنت إبنى وحبيبى، واللي بتعمله أكيد درسته كويس أوى، روح ياحبيبي، قلبي راضي عنك.
إنحنى حسام يقبل رأسها بحب، ثم ودعها وعاد أدراجه إلى منزل إيمان.
********************
رحب به جميع الحضور بسعادة، بالطبع بإستثناء من يعرفون حقيقة هذه الزيجة.
دلفت ندى مرة أخرى إلى غرفة إيمان.
ندى: العريس جه.
نظرت هاجر لإيمان: سبحان الله، ده مهربش، ده مستقتل بقى وبايع روحه.
ندى: بذمتك ده وقت هزار، ده انا مش طيقاه ولا طايقة نفسي وعايزة أطلع أقتله، يعنى بعد اللي عمله هنكافئه بيها، أستغفر الله العظيم، قومى يا إيمان قومى يلا، خلينا نخلص.
نظرت لها إيمان بضيق: طب إتأكدى إنه لسه برا ومنزلش تاني.
ندى: أكيد منزلش، هى مش حكاية ينزل كل شوية، قومى بقى خلينا نعدى اليوم ده.
هاجر: إهدى شوية يا ندى، ده بدل ماتهديها وتهونى عليها؟!
لمعت دمعة فى عين ندى، حاربت لإخفائها، حتى لا تزيد من صعوبة الوضع على أختها إيمان، وفى النهاية خرجت من أمامهم، حتى لا تنهار بفعل ماتشعر به من عذاب على حال أختها التى تعتبرها دومآ إبنتها، ومنذ توفت والدتهما وإعتبرت ندى نفسها والدة إيمان، فلا تراها سوى إبنتها برغم أن الفارق العمرى ماهو إلا سبعة سنوات فقط، ولذلك كانت إيمان دائمآ تدارى عنها ماتقوم به من أخطاء، وكأنها والدتها التى تخشى عقابها، وليست كأختها.
****************
خرجت إيمان من غرفتها مطأطأة الرأس ولكنها كانت تعلم أن حسام يقف فى إنتظارها، فوقفت أمامه مخفضة البصر، وفسر الحضور ذلك بأنها خجلة كغيرها من الفتيات فى يوم زفافهن، لا يعلمون حقيقة مشاعرها فى هذه اللحظات الصعبة.
مد حسام يده نحو يدها، فنظرت لعينيه بتردد، لا تعلم ماهو المفروض فعله، لاتدرى إذا وضعت يدها فى يده، ماذا سيكون رد فعله، لا تصدق أنه بالفعل يمد يده لها، حتى وإن كان مضطرآ!
ولكن فى نهاية الحيرة رفعت يدها ببطئ، حتى وصلت لملمس أطراف أصابعه، فسرت قشعريرة خفيفة على جسدها المنهك، فأمسك بيدها، ووضعها فى مكانها الصحيح نحو منتصف ذراعه، ثم لف جسده وهى معه وتحرك بها نحو المقاعد المخصصة لهما، كانت إيمان تشعر بأن الأرض تهتز من تحت أرجلها، لا تصدق أن هذا مايحدث فعلآ.
وعندما جلسوا سويآ، لمحت عيناه سريعآ، فرأت فيهما نظرة لم تستطع تفسيرها، توحى بأن المجهول بين يديه أشد غموض مما تعتقد هى.
*******************
إنتهى حفل الزفاف سريعآ، وهذا لا يعنى أن من جمال لحظاته شعروا وكأنه إنتهى!!، لإنه فى حقيقة الأمر لم يستغرق هذا الحفل سوى بضع دقائق، حتى نهض حسام من على مقعده، ثم أشار لوالدها ماهر، وطلب منه إنهاء الحفل.
ليبدأ رحلة مليئة بالألغاز مع إيمان فى منزلها الجديد...
*******************
وصلت إيمان برفقة حسام إلى منزل الزوجية، فوقفت بجانبه أمام الباب، حتى يخرج المفتاح من جيب بنطاله، وبالفعل وجده وفتح، لترى إيمان الواقفة بجواره الجحيم ممثلة فى صورة منزل.
دلفت إيمان إلى الشقة، ونظرت حولها بدهشة: إيه ده!!!، مفيش أى حاجة خالص!
حسام: ليه؟، مش شايفة دى!!
ثم أشار بيده نحو أسفنج مغطى بالقماش، موضوعآ على الأرض.
إيمان: مرتبه!!، الشقة كلها مفيهاش غير المرتبة دى!، وشكلها قديمة كمان.
حسام: أيوا، أصل الجديدة حطتها على سريرى فى شقة ماما تحت، وجبت القديمة.
إيمان بتعجب: وليه كده يعنى!!، هنعيش إزاى كده؟، شقة فاضية ومرتبة واحده قديمة!!
إبتسم حسام إبتسامه خفيفه: لا إنتى فاهمة غلط، إحنا مش هنعيش مع بعض ولا حاجة، دى الشقة اللي هتعيشي فيها إنتى، أنا زى مانا مع ماما تحت، إنتى كنتى متخيلة إنى هعيش معاكى ولا إيه؟!
نظرت له إيمان بضيق: أمال جبتنى من بيت أهلى ليه؟
إبتسم حسام ببرود: تصبحى على خير.
ثم تركها تستشيط غضبآ من خلفه، تشعر بخوف مميت، ولكنها لم تشغل له بالآ أبدآ، فقد كان هادئ الأعصاب، مطمئن النفس بشكل لا يوصف.
دلف إلى منزل والدته، فوجدها فى إنتظاره، وبمجرد أن رأته وقفت، متسألة: أمال فين إيمان؟
حسام بلامبالاة: فوق..
ض*بت زينب على ص*رها بدهشة: فوق فين ياحسام!، وطلعتها فوق ليه؟، إنت مش جايب مرتبة جديدة ودخلتها هنا فى أوضتك؟، طلعتها فوق ليه فالشقة اللي عالبلاط دى؟!
إنحنى لها حسام يقبل رأسها، ثم أردف: متشغليش بالك بحاجة يا أمى، إيمان خلاص بقت مراتي، وأنا قادر كويس أدبر أمورها.
زينب: لأ بقى، إنت كده مابقيتش حسام اللي أنا أعرفه، إنت لازم تفهمنى إنت ناوى على إيه بالظبط، والبنت اللي فوق دى تنزل هنا ودلوقتى.
حسام بعصبية: ماااما، لو سمحتى متدخليش.
شعرت زينب بصدمة من ردة فعله: كده يابنى؟!، بتقولى أنا كده؟
شعر حسام بتسرعه: أنا آسف يا ماما، سامحينى ياحبيبتى، بس أنا عارف أنا بعمل إيه كويس، وانا مش بأذيها، الشقة فاضية صحيح، بس أنا طلعت المرتبة، وحاطت تلاجه فيها أكلات خفيفة لو جاعت فى أى وقت تكون قاعدة فيه فوق، لإن وانا رايح الشغل كل يوم هطلع أصحيها تنزلك تقعد معاكى وتشوف طلباتك، يعنى فوق للبيات بس.
زينب: وتبات فوق ليه؟
حسام: لإنى مش عايز أكيد إنها تبات معايا فى أوضة واحدة.
زينب بإستعطاف: بلاش تيجى على بنات الناس يابنى، أرجوك بلاش.
حسام بسخرية: ماتخافيش يا ماما، إحنا مابنجيش على بنات الناس، بنات الناس هما اللى جم علينا.
زينب برجاء: سامحها يابنى، إحنا منعرفش الحقيقة فين، ومهما كان إنت راجل، واللى قالته مايعيبكش ولا يوقف حالك، هى اللى مضرورة أكتر منك بكتير.
نظر حسام فى عينين والدته: لو اللي بتقوليه ده إنتى مصدقاه فعلآ، يبقى هصدقه أنا كمان.
نظرت زينب للأسفل، وشعور بالضيق يكاد يخنقها، هى لا تشعر أنها تستطيع أن تغفر لها خطيئتها فى حق إبنها، ولكن تحاول أن تتبع الأصول، وألا تغضب أهل إيمان، فهى تضع نفسها محلهم.
وكأن حسام قد قرأ أفكارها: ماما، لو سمحتى، مش عايزك تحطى نفسك مكان حد، حطى نفسك مكاننا إحنا وبس، ومتقلقيش من حاجة، إبنك راجل، وقد أى مسئولية يتحط فيها، وبطلب منك طلب لو ليا غلاوة عندك تنفذيه.
زينب: خير يابنى قول.
حسام: ماتفتحيش معايا كلام فى الموضوع ده مهما عملت ومهما حصل وشوفتى، ماتتعبنيش يا أمى أرجوكى.
زينب بقلة حيلة: حاضر يابنى اللى يريحك..
حسام: تصبحى على خير ياحبيبتى.
زينب: وانت من أهل الخير يابنى.
*****************
ظلت إيمان تتحرك داخل المنزل بضيق، لم تجد أى شئ سوى الأسفنج، الذى عليها أن تجعله فراشها الجديد، ومبرد أطعمة.
إيمان: أنا إزاى هعيش كده، أنا بالشكل ده هموت، بجد هموت، أنا حتى معنديش لبس أغير بيه الفستان ده.
فلمحت بطرف عينها، كيس موجود بجانب الأسفنج.
فذهبت نحوه وبدأت بفتحه، فوجدت بداخله ملابس.
إيمان: كمااان جايب هدوم وحاطتها فى كيس!!، أنا كنت حاسة إنه ناويلى على نية مهببة، بس ماكنتش أعرف إنه للدرجة دى أبدآ، لو كنت أعرف كنت موت نفسي قبل ماخرج من بيتى معاه، هعمل إيه دلوقتى بس، أنا خايفة، هروح فين ولا أعمل إيه.
ثم أرخت جسدها على فراشها الذى يقبع على الأرض، وسحبت الغطاء على جسدها، تشعر بإهانة بالغة، لا تستطيع تحملها، بداخلها غل، يكفى العالم بأكمله.
ودون أن تشعر غلبها النعاس، ليريحها من عذاب التفكير، ووحشة الوحدة فى هذا المنزل الخالي.
*******************
فى الصباح دق المنبه مشيرآ إلى الساعة السادسة والنصف صباحآ
فتح حسام عينيه وكإنه لم ينم قط، تململ قليلآ فى فراشه ثم نهض ليغسل وجهه.
وبعد خروجه من الحمام صعد لمنزله الذي تبيت إيمان بداخله...
فتح الباب بمفتاحه الخاص، ودلف ليجد إيمان نائمة أمامه، كما تركها فى المساء.
حسام بصوت عالى ليجعلها تفيق دون أن ينطق بإسمها: إنتى لسه نايمة؟
أفاقت إيمان بذعر، ونظرت له بعيون زائغة يغلبها النعاس.
إستطرد حسام: حد ينام كده!، مشوفتيش الهدوم، مع إن الكيس مفتوح أهو.
إيمان: أنا عايزة هدومى اللي فى بيتي.
حسام بسخرية: ماهو ده بيتك.
إيمان بتعجب: هو فين البيت ده اللي بتتكلم عنه!، أنا قاعدة فى صحرا.
حسام: إتعودى على الصحرا دى، على مهلى خالص تتفرش، وإحتماااااال.
إيمان: إحتمال إيه؟
حسام: إحتمال تفضل كده وتفضلى عايشة فيها وهى كده.
إيمان: ليه بتعمل فيا كده؟
إبتسم حسام ساخرآ من سؤالها الساذج كأفعالها.
نهض واقفآ ثم أولاها ظهره، ولكنه تذكر بأنه لم يخبرها بما جاء لأجله، فعاد ينظر لها مرة أخرى.
حسام: صحيح، إنزلى لماما، أنا رايح شغلى، وده ميعاد صحيانها، أنا بعرفك إيه أصلآ!!، مانتى عارفة نظام حياتها كويس.
**ت قليلآ ليرى تأثير كلماته على وجهها، ثم إستطرد قائلآ: إعملى حسابك لينا قعدة مع بعض لما أرجع من شغلى، سلام يا عروسة، أو يا مدام، أيهما أسبق؟؟
ثم ضحك ضحكة مدوية أتى صداها فى أرجاء المكان الفارغ من الأثاث.
وتركها كالمرة السابقة تمامآ، وهى تقف من خلفه تشتعل بنيران القهر والغضب..
*****************
خرج حسام قاصدآ عمله، وعندما تأكدت إيمان من خروجه، أبدلت ملابسها سريعآ، وتوجهت لمنزل والدته زينب، وهى تقدم قدمآ وتؤخر الأخرى، خائفة وبشدة من مواجهتها، التى لا تقدر عليها أبدآ، وخصوصآ لمعزة هذه السيدة لديها.
فتحت لها زينب باب المنزل، ورمقتها بنظرات حزينة.
زينب: إتفضلى.
إيمان بخجل: عاملة إيه؟
زينب: الحمدلله يابنتي.
إيمان بفرحة: بنتك؟!، لسه بتعتبرينى بنتك بجد؟
نظرت لها زينب بعتاب: ماقدرش أكدب وأقولك إنى مسمحاكى، وطبعآ أكيد إنتى عارفة إنى مش مصدقة أى حاجة من اللي قولتيها، مش عشان هو إبنى، لأ، عشان إنتى كان باين عليكى كدبك، وباباكى وإخواتك صدقوكى عشان عايزين يتعلقوا بأى قشاية ويرتاحوا من الكابوس اللي لقوا نفسهم فيه فجأة.
إيمان: انا مش هقدر أتكلم فى الموضوع ده خالص، أرجوكى متضغطيش عليا.
وقفت زينب وتوجهت إلى المطبخ وهى تقول: لا هضغط عليكى ولا غيره، حسام لو فارش الشقة فوق ماكنتش خليتك تنزلى هنا تانى.
صدمت إيمان من تلك الكلمات التى زلزلتها وبشدة، ودلفت إلى المطبخ ورائها وهى ترد:........
بقلمى/سارة رجب حلمي