الفصل الأول من رواية:صعيدية اقتحمت حياتي
بقلم/رولا هاني
زفر بإمتعاض بعدما طالت فترة إنتظاره لأحدي زبائنه و ظل يدير وجهه يمينًا و يسارًا لعله يراه و لكن باتت محاولاته بلا جدوي فوجه نظره للأمام و هو يتأمل الطريق بملل ، و بعد ما يقارب الخمس دقائق أستمع لصوت فتح الباب الأمامي للسيارة فظن أنه ذلك الرجل و كاد أن يدير محرك السيارة و لكن لفت نظره تلك الفتاة التي بجانبه فتأفف بحنقٍ و هو يقول بصوتٍ أجش:لامؤخذة يا انسة معايا زبون مش هينفع اوصلك في حتة
ظلت تلهث بعنفٍ شديدٍ مثير للريبة و حاولت إبتلاع ريقها بصعوية بالغة بسبب جفاف حلقها ثم و بلهجة صعيدية صاحت بحدة:أطلع يا راچل إنتَ بدل ما نموت احنا التنين دلوجتي
هز رأسه بإستياء فهو دائمًا ما يقابل مثلها من المتعجرفين و المتغطرسين و كاد أن يرد عليها و لكن تعالي صراخها العنيف عندما رأتهم يقتربوا راكضين تجاه سيارة الأجرة:بجولك أطلع دول هيجتلونا
نظر للخلف ببرود لتتحول تعابير وجهه الباردة الي اخري مذعورة عندما وجد هؤلاء الرجال يركضون نحو سيارته و بيدهم تلك الأسلحة النارية التي ما أن رأها حتي أدار محرك السيارة و إنطلق بأقصي سرعة خوفًا من إصابته بمكروه من قبل هؤلاء الرجال!
ظل يحاول الهروب منهم حتي نجح و ظل يسير بالسيارة حتي يبتعد بصورة كبيرة عنهم ليتسائل بعصبية و قد إكفهر وجهه بسبب ضياع تلك الأموال التي كان سيأخذها من ذبونه الثري:انا عايز افهم انا مالي باللي بيجروا وراكي ولا اللي هيقتلوكي حلو كدة يعني لما دخلتيني في مشاكل!
لوت شفتيها للجانبين لتقول بنزقٍ و هي تلوح بيدها بالهواء:چرا اية ياخويا ما تعتبرني خيتك و مرتك اكيد كنت هتساعدهم!
عض علي شفتيه بغضبٍ واضحٍ علي قسمات وجهه الرجولية الهادئة ليهمس بخفوت و هو يهز رأسه بيأس:ما إنتِ لو تعرفي كنت هاخد من الزبون كام كان زمانك سيبتي اهلك مش حد متعرفهوش!
هتفت بتعجبٍ عندما لم تفهم ما قاله:اية بتجول اية!؟
توقف بالسيارة ليفتح لها الباب الأمامي ثم قال بفظاظة:إنتِ عايزة اية دلوقتي مش خلاص هربنا من الناس اللي كنتي بتجري منهم امشي بقي و سيبيني اشوف أكل عيشي
نظرت بتوترٍ للخارج ثم قالت بترقب:يابوي عليك إنتَ حتي مش عايز تجول اوصلك دارك ولا بيتك هو اية فين الرچولة و الشهامة عاد!؟
رمقها بنظرات نارية حارقة و كظم غيظه بصعوبة ليهتف بنبرة شبه هادئة و قد تجهمت ملامح وجهه:انا لو مكنتش راجل كان زماني سايبك للي كانوا هيموتوكي لكن لحد هنا و كفاية اوي اللي حصل انا واحد غلبان و مش هستني اتأذي عشان سعادتك!
رفعت حاجبها بغلٍ ثم قالت بجدية و هي تغلق بابها:طب وديني **** كأني زبونة عندك و هد*ك الفلوس اللي عايزها
أدار محرك السيارة مجددًا و تمتم بكلمات غير مسموعة:يلا اهو نطلع منك بأي مصلحة.
_______________________________________
-زود الورد عشان القمر يالا يا "قوطة"
قالها ذلك الرجل ليزداد إرتباك تلك الفتاة من نظراته الغريبة حول جسدها فألتقطت منه الحقيبة البلاستيكية التي بها وجبة "الكشري" فتعمد هو أن يلمس كفها الصغير فجذبت منه الحقيبة و ركضت للخارج بوجهها الشاحب!
دلفت "سمية" لداخل المحل بعدما لاحظت تعابير وجه تلك المذعورة و قد فهمت سريعًا ما حدث لتقول بتوبيخ و هي تسحب أحدي الكراسي الخشبية لتجلس عليها:جرا اية يا "عبد الرحمن" ما تسيب بنات الناس في حالهم إنتَ كدة بتطفش الزباين ياخويا!
غمز لها "عبد الرحمن" بوقاحة ليقول بعبثٍ:سيبك منها ، قولي إنتَ عامل اية يا جميل؟
زفرت "سمية" بضيقٍ لتقول بتهكمٍ:مافيش فايدة مهما الواحد يتكلم معاك مافيش فايدة ، هاتلي يابني علبة الكشري بتاعة كل يوم خليني امشي!
اخذ يعد لها ما طلبته و لكن تسائل بجدية و هو يلقي عليها نظرة سريعة:ماشي بس الا إنتِ رايحة فين يا "سوسو" علي الصبح كدة ، الكبارية مبيفتحش دلوقت!
لوحت بيدها بالهواء لتبعد ذلك الذباب المزعج عن وجهها ثم لوت شفتيها بسخطٍ عندما تذكرت سبب أستيقاظها مبكرًا للذهاب بحثًا عن سكن أخر بعيد عن تلك المنطقة لتقول بضيقٍ:رايحة اشوفلي شقة بعيد عن هنا ، اصل سمعت كدة كلام إن أهلي في الصعيد عرفوا مكاني و إنتَ عارف دول لو لاقوني هيقتلوني!
هز "عبد الرحمن" رأسه بقنوطٍ ليقول بتهكمٍ و هو يهز كتفيه بسخرية:ما عندهم حق يا "سوسو" يعني لامؤخذة تهربي منهم و فوق دة كله تشتغلي رقاصة عايزاهم يعملولك اية يعني يزغرطولك!؟
رفعت حاجبيها بغضبٍ لتقول بعتابٍ و هي تهم بالنهوض ذاهبة خارج المحل:بقي كدة ، طيب يا "عبد الرحمن" متشكرين ياخويا
اوقفها صياحه عندما قال:خلاص طب تعالي دة انا بهزر!
تراجعت عن ما كانت ستفعله لتجده يقول بجدية و هو يضع بجانبها الحقيبة البلاستيكة التي بها وجبة "الكشري" الخاصة بها:طب إنتِ ناوية تعملي اية!؟
هزت رأسها بقلة حيلة لتجيبه بحنقٍ:مش عارفة ، عمالة ادور علي شقة عدلة اقعد فيها و في نفس الوقت سعرها كويس ، دة انا حتي مش عارفة اقعد فين لو فعلًا عرفوا مكاني
غمز لها بعبث قائلًا بنبرة رجولية عابثة:ما تيجي تقعدي عندي.
صاحت بإستنكار و هي تض*ب يدها بص*رها:نعم!
نفض رأسه سريعًا ليقول بخوفٍ:ا..ا..ا...بقول يعني انا هشوفلك كدة و ممكن اسأل الواد "هادي" ممكن يعرف
اومأت له بخفة ثم قالت بنبرة عادية و هي تلتقط الحقيبة البلاستيكية التي بجانبها لتتجه نحو الخارج:طب يلا ياخويا سلام عشان معطلكش.
________________________________________
ظلت تهز ساقيها بصورة عصبية سريعة بدت فيها كم هي متوترة و كأنه قد إنتباها نوبة قلق لا نهائية عندما إنطلقت صديقتها "صباح" راكضة هاربة خارج المحل ما إن رأت هؤلاء الرجال فدمدمت بخفوتٍ و هي تجذب خصلاتها السوداء للخلف بعنفٍ:أستر يارب أستر.
وبختها زميلتها بالعمل التي كنت ترتب و تضع الملابس بمكانها الصحيح و قد إنزعجب من هيئة "دعاء" العجيبة:يابنتي اهدي بقي و بطلي ، و بعدين صاحب المحل لو شافك بالمنظر دة او حتي لو دخل زبون و شافك كدة و اشتكي مش هيحصل كويس.
ثم أكملت ببرود بعدما أنتهت مما تفعله:قومي شوفي شغلك و هي معاها ربنا!
زفرت "دعاء" بغضبٍ طفولي لتهتف بإنفعالٍ و هي تلوح بيدها بالهواء كدليل علي عدم إهتمامها لما قالته زميلتها:بقولك اية سيبيني في حالي و بعدين مدير اية و صاحب محل اية هو انا هسيب مشكلة صاحبتي عشان اركز في مستر بطيخة دة!
كادت زميلتها أن ترد عليها و لكن أبتلعت ريقها عندما وجدته خلفها أنه هو أبن المدير الذي تصارعت و تشاجرت عليه نصف عاملات المحل و اخذت تتوقع ما الذي سيحدث عندما يسمع ما قيل عن أبيه السمين الذي لا تتواني "دعاء" عن إطلاق ذلك اللقب الغريب عليه "مستر بطيخة"!
عقدت "دعاء" حاجبيها بذهول لتتسائل بتعجبٍ و قد أحتلت تعابير وجهها الدهشة الواضحة:مالك يابنتي سكتي و وشك أصفر كدة لية!؟
-عشان انا وراكي يا هانم!
رمشت "دعاء" عدة مرات و هي تحاول إستيعاب ما حدث و قد علمت هوية من خلفها من نبرة صوته المعروفة فأبتلعت ريقها بحسرة علي عملها الذي ضاع من بين يديها و أستدارت ببطئ ليرتسم علي ثغرها ابتسامة مرتجفة لتقول و هي تمسح بظهر كفها قطرات العرق الباردة المتجمعة علي جبينها:أستاذ "ريان"!
ساد ال**ت المكان و لكن إندلعت النيران بالمكان خاصة عندما تسائلت بغباء و تلك الأبتسامة السخيفة لم تختفي بعد من علي وجهها:هو حضرتك هنا من امتي!
صرخ بوجهها بعصبية شديدة حتي برزت عروقه من عنقه و قد أستشاط غضبًا من كلماتها اللاذعة حول والده:إنتِ ازاي تسمحي لنفسك تقول حاجة زي دي علي والدي إنتِ شكلك أتجننتي دة انا ممكن أدفنك مكانك هنا!
ثم تابع بتحذيرٍ و تهديدٍ واضحين و قد تعمد عدم إعطاء فرصة لها للرد:دة أخر تحذير ليكي بعد كدة مش هيحصل كويس فاهمة؟
اومأت له ب**ت و هي تبتسم بخفة فهتفت بغلٍ ساخرة من طوله الفارع بعدما تأكدت من ذهابه و قد ظهرت علامات التذمر الطفولية علي وجهها:يعني انا اخلص من مستر بطيخة يطلعلي مستر نخلة دة!
هزت زميلتها رأسها بإستياء و هي تهمهم بفتور:مش هتهدي الا لما تتطردي من هنا!
________________________________________
أختلجت خضروتيها بقلقٍ فأخذت نفس عميق و أخرجته علي مهل لتقول بإستفهام:هي لسة مردتش يا "عبير"!
هزت "عبير" رأسها نافية و هي تصطنع الإهتمام بالأتصال بصديقتها "صباح" و لكن في الحقيقة هي تلعب أحدي الأل**ب الشهيرة علي الهاتف المحمول فهتفت بإمتعاض بعدما تركت الهاتف لتلتقط سيجارتها الفخمة لتدخنها:ما تسيبك منها و تعالي أكلم "دعاء" و نخرج و خلاص!
تجهمت تعابير وجهها بصورة ملحوظة لتهتف بصرامة و بنبرة لا تتحمل النقاش:لا متكلميش زفتة دي مش عايزاها تيجي معانا.
هزت "عبير" رأسها بيأس لتومئ لها بخفة و اخذت تنفث دخان سيجارتها و هي تتمتم بسخرية:مش عارفة متكبرة كدة علي اية أم مناخير كبيرة دي!
معنت "غادة" النظر بتعابير وجهها التي تحولت من الحماس الي السخرية اللاذعة الغريبة تلك و لاحظت تحرك شفتيها و كأنها تقول شئ ما فقالت بإستفسار:بتقولي حاجة يا "عبير"!
نظرت لها "عبير" بتوترٍ لتقول برفض و هي تلتقط كوب القهوة الخاص بها لترتشف عدة رشفات منه:هاه..لا يا حبيبتي دة انا بقول بردو بلاش نكلمها و نخرج لوحدنا..انا كدة كدة مش فارقة معايا حتي لو تولعوا كلكوا
صرخت "غادة" بإستهجان بعدما جحظت عينيها:نعم!
ردت "عبير" سريعًا بعدما أدركت ما تفوهت به من حماقة:ا..اقصد يعني..ا..اعملي اللي يريحك هي مش فارقة معايا اساسًا.
اومأت لها "غادة" ثم التقطت هاتفها لتستمر في محاولاتها الفاشلة للوصول ل"صباح"!
______________________________________
وضعت يدها بجيبها لتلتقط منه عدة ورقات مالية و لكن عضت علي شفتيها بحرجٍ واضح لتقول بنبرة خافتة التقطتها اذنيه:دة الفلوس وجعت مني يادي ال**وف!
مسح بيديه علي وجهه بعنفٍ ليسألها ببلاهة و هو يهز رأسها بإستفهام:فلوس اية اللي وقعت حضرتك!
تعلثمت و هي تجيبه بحذرٍ:ال..الف..الفلوس اللي كانت في..چ..چيبي!
رد عليها بتساؤل و قد أرتسم علي وجهها علامات الإستنكار فقد قطع مسافة طويلة للوصول لتلك المنطقة الشعبية و فوق ذلك لن تدفع أية أموال:و كدة المفروض إني اسيبك تنزلي و متدفعيش عشان الفلوس وقعت منك!
ارتسم علي ثغرها ابتسامة واسعة لتقول بغباء و هي تهم بالخروج من السيارة ببلاهة:مليح جوي عاد ، يلا تُشكر يا اخينا
كادت أن تخرج و لكن قبضت يده بغيظٍ علي مع**ها لتلتفت له و يدها تتهاوي علي وجنته كتصرف تلقائي منها..!
_______________________________________
-خلاص يابوي عرفت مكانها و هروحلها النهاردة و هغسل عارنا يابوي
قالها بدون أن يرف له جفن و قد بدت ملامح وجهه قاسية خالية من مشاعر الرحمة فقط ظهر من خلال تعابير وجهه الكراهية و النفور تجاه ابنة عمه "سمية" التي ظل يبحث عنها لمدة خمس سنوات التي سينتقم منها بصورة ب*عة قد خطط لها تلك التي لم ينسي و لو للحظة واحدة إنها رفضته ، رفضت حبه و مشاعره التي تتأجج بداخله بكل برود ، همس بتوعدٍ و عيناه تلتمع بوميضٍ شيطاني لا يبشر بالخير:هوريكي أ**د ايام حياتك يا "سمية".
...........................................................................