لا أريد شيء، أريد النوم فقط!
أغلقي الضوء، ولا تدع أحدا يزعجني
قلتها لمرام زوجتي بحدة لم أقصدها، أنا مرهق جدا، لم أنم منذ أيام، أتمنى لو أنام قليلا وأستيقظ أجد رأسي في حجر أمي ويدها تداعب شعري كما اعتادت أن تفعل، أمي ماتت منذ أسبوع لم يخلو من الزحام والضيوف!.
لم أستطع الحزن عليها كما يجب، لا أشعر بالألم
بل لا أشعر بشيء، برود أصابني أم خلل بعقلي لا أعلم، لكني أشعر بها، إنها في كل مكان حولي! أينما ألتف أجدها أمامي، أنا طفلها الوحيد وهي كل شيء بالنسبة لي، لذا لم أصدق أنها ماتت وقد كانت بصحة جيدة!
كيف تموت هكذا دون توديعي؟!
أسمع زوجتي خلف الباب تسألني بصوت يملؤه الخوف والتوتر: أنت بخير؟
نعم، أنا بخير..
صدقا أشعر أني بخير، هم لا يصدقون أن والدتي هنا، وأني أراها، لكن ربما أنت تصدق!
أني أبصرها رغم الظلام تقف في اخر الغرفة، تحدق بي، لم تتغير كثيرا، إلا من سواد حالك أصاب وجهها، تبدو هشة وضعيفة تنظر لي دامعة العينين، تمد يدها نحوي، أناديها لا تجيب، أمد يدي لأمسك يديها فتختفي، أغمضتُ عيني أحاول النوم، لكن أشعر بتنفسها قربي، أفتح عيني لأبصرها بنفس الزاوية بالغرفة تمد يدها المرتجفة كأنها تطلب مني شيئا، لا أفهمها!
وكم يؤلمني ذلك: صرخت قائلا: أمي وأنا أض*ب كفي بالسرير بحدة حين لاحظتُ اختفائها، دلفت زوجتي وهي ترتجف، احتضتني قائلة: هون على نفسك حبيبي.. بالتأكيد هي في مكان أحسن.
إنها هنا همست بها ونظري معلق بزواية الغرفة.
اتسعت عيني زوجتي وقد اشتدت يديها حول عنقي تحتضني.
تن*دتُ قائلا: أنت لا تصدقيني، لكنها هنا أقسم لك.
انظري جيدا سترينها لا يمكن أن أكون فقط من يراها!.
حبيبي أظن أن عليك رؤية طبيب، أرى أن صدمة موتها أثرت فيك جدا قالتها مرام ببكاء أزعجني، نزعت نفسي منها وأنا أضرخ بها أن تكف عن البكاء وأني لست مجنون!.
لم يصدقني أحد، فتوقفت عن إخبارهم بأمرها، حتى بعد مرور شهر على موتها مازالت تزورني في أحلامي، تبكي وهي تمد يدها نحوي، أشعر بها تحتاجني لكن لا أعلم ماذا أفعل لها؟!
أراها حولي بكل مكان.
كدت أصدق أني مجنون بالفعل، وأخذت قراري بذهابي للطبيب، حين أخبرت مرام بقراري، أمسكت كفي بين يدها وتن*دت وهي تبكي قائلة: كنتُ أظن أنك تجاوزت الأمر، لم تعد تتحدث عنه، لذا لم أخبرك بما حدث.
أنا أسفة لأني لم أصدقك.
لم أفهم عن ماذا تتحدث؟ تشوش عقلي.
لكني أنصت لها .
قالت باضطراب وبصوت خافت كأنها تخشى أن يسمعها أحد!.
رغم أننا وحدنا: منذ أيام وأحمد يخبرني أنه يرى جدته دائما!
تبكي كثيرا، كل ليلة يستيقظ وهو يصرخ، يبكي مشيرا لجانب خزانته قائلا أن جدته هناك وأنها تبكي وتتوسل إليه أن يساعدها!.
لم أعرف بما أجبيها، لم أفهم شيء كنتُ قد أقنعت نفسي أن كل شيء وهم وهذيان لاشتياقي لها، لكن الآن اختلف كل شيء.
لم نجد حلا، تصدّقنا، ذهبنا للأطباء لكنها لا تختفي!.
لم أكن أعلم أن وجه أمي سيسبب لي ولأسرتي هذا القلق!
انتقلنا من شقتنا لمنزل آخر لكنها ما زالت تلاحقنا، بل وتأتي لمرام بأحلامها.
ذهبنا للشيوخ والدجالين ولم ينفع شيء! الأمر يزداد سوءا.
كدت أجن، أوصاني شيخ بأداء الصلوات بالمسجد في أوقاتها، ففعلت وارتاح قلبي، سجدت وأن أرجو الله أن يدلني على حل أنقذ به نفسي وأسرتي من هذا الظل الكئيب الذي يغطي حياتنا.
مررتُ ببيتي القديم حيث كانت تسكن أمي معي، رأيت صديقة أمي وجارتنا جالسة على السلم تبكي وهي تضع يدها أسفل خدها، سلمت عليها فنظرت لي بحزن ولم ترد سلامي.
جلستُ قربها أرى همها، إكراما لأمي، عل روحها تهدأ وتغادرنا.
إن أخبرتك لن تصدقني.
لا ..سأصدقك ما بك يا أمي؟
عندما ناديتها بأمي انفجرت بالبكاء وقالت: يشهد الله أن أمك كانت صديقتي وحبيبتي، لولا الموقف الذي وُضعت فيه ما أخبرتك عن هذا الأمر أبدا.
أمك مدينة لي بخمسة عشر ألفا، استلفتهم مني عند زواجك، لم تستطع سدادها قبل موتها، الآن ابني يحتاجهم وإلا سيطرودنا من بيتنا.
انتظرت كثيرا لأحل المشكلة وأنسى ذلك الدين، لكني عاجزة، لم أستطع، إن لم أسد ديني اليوم سأكون بالشارع أنا وولدي وهو سيتزوج قريبا.
لو أخبرتيني سابقا يا خالة ما كنت لأكذبك! دين أمي دين في رقبتي! لم فعلت ذلك؟ قالتها بصراخ فبكت قائلة: خشيت ألا تصدقني وليس معي إثبات بحقي، واستحييتُ منكم.
أعطيتها حقها، ظننت أن روحي أمي ستغادرنا الآن وترتاح، لكني ما زلت أراها بأحلامي تحتضن رأسي وتربت على شعري وتبتسم.